إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ علي بن عمر بادحدح
  3. إلى أهل القرآن طلاباً وحفاظاً ومدرسين

إلى أهل القرآن طلاباً وحفاظاً ومدرسينللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا شك أن أهل القرآن المشتغلين به تلاوة وتدبراً، وحفظاً وتعلّماً، وتعليماً وتفسيراً، لهم منزلة رفيعة، ومكانة سامية، فهم خير الناس لاتصالهم بأعظم كتاب وأفضل كلام، ولهذا ينبغي للمسلم أن يعرف فضل تلاوة القرآن، ومنزلة أهله، وما أعده الله لهم من الحياة الطيبة والرفعة في الدنيا، والمكانة العالية والفضل العظيم في الآخرة، حتى يدفعه ذلك إلى اللحاق بأهل القرآن ليحصل له ما حصل لهم من الخير.

    1.   

    المنزلة العظيمة التي جعلها الله لأهل القرآن وثمرات تعلمه وتعليمه في الدنيا والآخرة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الدائمان التامان الأكملان على النبي الكريم سيدنا ونبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، عنوان محاضرتنا هذه الليلة: (إلى أهل القرآن طلاباً وحفاظاً ومدرسين) والله أسأل أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته، ودار كرامته، وأن يجعلنا من أهل القرآن العاملين به، والتالين له، والمتدبرين له، والناشرين لعلومه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    نبدأ هذا الموضوع بالحديث عن أهل القرآن ليعرفوا أنفسهم وليعرفهم الناس.

    لا شك أن هناك فضلاً عظيماً ومنزلة سامية جعلها الله عز وجل لأهل القرآن الذين يشتغلون به تلاوة وتدبراً، وحفظاً واستذكاراً، وتعلماً وتعليماً، وعملاً ودعوة وتطبيقاً.

    ولا شك أن هذا القدر وهذه المنزلة من أسمى وأرقى وأعلى ما يمكن أن يحوزه مسلم بعمل من الأعمال التي يرجو بها القرب من الله عز وجل.

    خيرية أمة الإسلام مخصوصة بأهل القرآن

    ثمرات تعلم القرآن وتعليمه في الدنيا والآخرة كثيرة ومنها:

    أولاً: الخيرية الفائقة.

    لقد أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي لا أظن أن أحداً لا يحفظه، ولكنه يحتاج إلى مزيد التأمل والتدبر والتفكر في مضمونه وفي دلالته، حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم خيرية الصالحين والعابدين من أمته مخصوصة بأهل القرآن، كما في الصحيح من حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وفي لفظ آخر عند البخاري : (إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه).

    واعلم أن المرتبط بالقرآن تعليماً وتعلماً هو في الرتبة العليا، والمنزلة الرفيعة في هذه الأمة التي شرفها الله عز وجل.

    ضمان أهل القرآن لشفاعته لهم

    ثانياً: الشفاعة النافعة بإذن الله عز وجل.

    نحن نعلم أن كل أحد في هذه الحياة الدنيا يلتمس أسباب النجاة، ويحرص على الفكاك من النار، والعتق من سخط الله سبحانه وتعالى، وإذا بالقرآن الذي يحرص عليه صاحبه، ويرتبط به، ويسعى دائماً إلى أن يكون عظيم الصلة به هو الذي يشفع لصاحبه، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    من ذلك ما ورد في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، قال معاوية أحد الرواة: بلغني أن البطلة هم السحرة، فهذا وعد منه عليه الصلاة والسلام أن القرآن يشفع لصاحبه.

    وفي الأَثر أن المرء إذا انشق عنه قبره يلقاه القرآن في صورة إنسان، ويكون المرء قد شحب لونه من هول ذلك اليوم، فيطمئنه القرآن ويقول له: ألا تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا الذي أظمأتك في الهواجر، أنا الذي أسهرتك في الليالي، ثم يشفع فيه فيشفع بإذن الله عز وجل.

    وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما).

    وقد ذكر ذلك علماء الإسلام مذكرين بعظيم المنزلة والشرف الذي يحوزه حافظ القرآن والعامل به، قال ابن الجزري رحمة الله عليه عن القرآن:

    وهو في الأخرى شافع مشفعُ فيه وقوله عليه يسمع

    يعطى به الملك مع الخلد إذا توّجه تاج الكرامة كذا

    يقرا ويرقى درج الجنانِ وأبواه منه يكسيان

    وقد ورد في ذلك أحاديث وآثار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته.

    صاحب القرآن يحمل أعظم معجزة عرفتها البشرية

    ثالثاً: المعجزة العظيمة.

    اعلم يا صاحب القرآن أن لديك أعظم معجزة في هذا الوجود، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن معجزته الكبرى الخالدة ما دامت السماوات والأرض هي هذا القرآن المعجز الذي يحيي القلوب، ويوقظ العقول، وينشط الضعيف الكسول، ويجمع الخير كله من أطرافه، فأنت عندما ترتبط به فإنك ترتبط بأعظم معجزة لله عز وجل في هذا الوجود، وكما ورد في مصنف ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن رافع عن رجل عن عبد الله بن عمرو أنه قال: من قرأ القرآن فكأنما أُدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه.

    وفي صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر -أي: أعطي معجزة تكون سبباً كافياً لإيمان البشر وإظهار صدق نبوة هذا النبي- وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، فأنت -إذاً- متصل بالوحي، وبالرسالة، وبالمعجزة الخالدة.

    حامل القرآن ينافس في أعظم الأمور وأشرفها

    رابعاً: المنافسة الكبيرة.

    فإذا تشاغل الناس بالصفق في الأسواق، وتنافسوا على ملذات الدنيا وشهواتها، وتسابقوا إلى الرفعة والجاه فيها، وتزاحموا على أبواب السلاطين؛ فأنت تنافس في أعظم الأمور وأشرفها، حتى إن أهل الفقه والإيمان ليرون أنك قد سبقتهم سبقاً عظيماً، وفقتهم فوقاً كبيراً، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع صاحب القرآن مع صاحب المال المنفق في سبيل الله، وجعل عملهما من أعظم الأعمال التي يحرص كل أحد على المنافسة فيها، والمسابقة إليها، والمواظبة عليها قدر استطاعته.

    ففي البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل والنهار، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل والنهار).

    فإذا تنافس المتنافسون في الدنيا، فأنت في أعظم منافسة، وإذا تسابق المتسابقون لها فأنت في أعظم ميدان، فاعرف لحامل القرآن قدره ومنزلته.

    حامل القرآن متبع لأفضل الخلق من الملائكة والبشر

    خامساً: المتابعة الشريفة.

    عندما تتمسك بكتاب الله عز وجل فإن أسوتك جبريل عليه السلام، وأسوتك محمد صلى الله عليه وسلم، وسلفك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ، والكوكبة العظيمة الشريفة من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون سلسلتك متصلة بالأئمة الأعلام والعباد والزهاد والأتقياء والصلحاء، فإنك في الحقيقة تسلك طريقاً قد سبقك إليه الأشراف والأطهار، بل سبق إليه الرسل والأنبياء والملائكة المقربون!

    فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم كان يتدارس القرآن مع جبريل عليه السلام، فإذا تدارست القرآن فتذكر تلك المدارسة التي ليس في الدنيا أشرف منها؛ فهي مدارسة بين أمين الوحي جبريل وبين خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فما أعظم هذه المتابعة، وما أشرف هذه السلسلة.

    وانظر إلى آثار كثيرة، وأحاديث عديدة تبين لك أن الاشتغال بالقرآن هو اشتغال بما اشتغل به الذين قد بلغوا الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة والقرب من الله عز وجل.

    عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه سمع رجلاً يقرأ القرآن في المسجد، فقال: يرحمه الله! لقد أذكرني كذا وكذا من سورة كذا)، ولم يكن القارئ يقصد المراجعة ولا المدارسة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن يقصد ذلك ترداداً وتذكيراً وحفظاً ومراجعة ومدارسة؟!

    فهذا رجل دعا له النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أحيا وقته، وأحيا بيت الله عز وجل بتلاوة القرآن قال: (يرحمه الله! لقد أذكرني كذا وكذا من سورة كذا)، والحديث في صحيح البخاري في باب: (نسيان القرآن، وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا)؟

    واعلم أنك عندما تثني ركبتيك في حلق القرآن، وعندما تتأدب بين يدي حافظ القرآن الذي يعلمك ترتقي بهذا إلى شرف عظيم، وتصعد إلى رتبة عليا، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: لقد أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة، والله! لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم.

    ويقول شقيق صاحب ابن مسعود رضي الله عنه: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون -أي: عن ابن مسعود - فكان القول ما قال أي: في عظيم منزلته وعلمه بكتاب الله عز وجل.

    وعن سليمان بن يسار -كما في مصنف ابن أبي شيبة -: أن عمر رضي الله عنه انتهى إلى قوم جلوساً يقرئ بعضهم بعضاً، فلما رأوا عمر سكتوا، فقال: ما كنتم تراجعون؟ قالوا: كنا يُقرئ بعضنا بعضاً، قال: اقرءوا ولا تلحنوا.

    فلقد كانت سُنّة ماضية ونحن على إثرها سائرون، حلق ومدارسة، وحفظ ومذاكرة، فما أجلّها من متابعة، وما أعظمها من موافقة.

    وفي حديث مسروق عن عائشة رضي الله عنها عن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم قالت: (أسر إليَّ النبي عليه الصلاة والسلام: أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا قد حضر أجلي).

    ونعلم أيضاً قصة ابن مسعود رضي الله عنه لما طلب النبي عليه الصلاة والسلام منه أن يقرأ عليه القرآن، فقال ابن مسعود متعجباًً: (أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: نعم، فإني أحب أن أسمعه من غيري)، فلا تستكثرن ذلك ولا تأنفن منه، ولا يكونن أحد ممتنعاً أن يسمع القرآن ممن هو أدنى منه، فلقد طلب النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ذلك من ابن مسعود رضي الله عنه (فقرأ عليه من أول النساء حتى بلغ قوله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41] قال: حسبك! حسبك! قال ابن مسعود : فالتفتُّ إليه فإذا عيناه -صلى الله عليه وسلم- تذرفان بالدموع).

    وفي حديث أنس المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بن كعب : (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن)، فانظر -رعاك الله- هذه المتابعة الشريفة، والقدر العظيم، فإن الوحي ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ على أبي رضي الله عنه القرآن، قال أبي : (آلله سماني لك؟! قال: نعم، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟! قال: نعم، فذرفت عيناه) وحُقّ له أن يبكي رضي الله عنه وأرضاه.

    فاعلم يا حامل القرآن! ويا متعلم القرآن! ويا مدرس القرآن! أنك في هذه المتابعة تنال أعلى أوسمة الشرف، فإذا سار الناس شرقاً وغرباً فأنت تسير في إثر محمد صلى الله عليه وسلم، وتعمل عمل أصحابه، وتجلس مجالس الصالحين والعابدين والمتقين لله رب العالمين.

    حامل القرآن مقدم على غيره في ميادين الشرف والرفعة

    سادساً: الشرف والرفعة.

    حامل القرآن مقدم في أعظم الأمور وأشرفها، حسبك بعد التوحيد الركن الثاني من أركان الإسلام: الصلاة التي يجتمع لها المسلمون في كل يوم خمس مرات، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عز وجل)، فهذه الصلاة التي هي أعظم العبادات وأعظم الأركان -بعد الشهادتين-، وأكثرها تكرراً، وقد جاء عن الصحابة والسلف أنهم لم يكونوا يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، فهذه الصلاة التي تعلم منزلتها وعظمتها أنت المقدم فيها، والمنتدب للإمامة فيها.

    ومن ذلك: أن شهداء أحد لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدفن منهم الاثنين والثلاثة في القبر الواحد كان يسأل إذا أراد أن يجمع بينهم عن أكثرهم حفظاً للقرآن فيقدمه في الدفن، فحتى بعد موتك أنت مقدم يا حامل القرآن.

    وفي صحيح مسلم أن عمر رضي الله عنه سأل عامله على أهل مكة، فقال: من خلفت على أهل مكة؟ قال: ابن أبزى ، قال: ومن ابن أبزى ؟ قال: رجل من الموالي، فقال عمر -كالمتعجب أو المستنكر-: استخلفت عليهم مولى؟! فقال: إنه قارئ لكتاب الله، فقال عمر رضي الله عنه: أما إن نبيكم قال: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين)، وهذا لا شك أنه من الأمور العظيمة، حتى كان الصحابة يقول أحدهم: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في أعيننا.

    ولقد كان المستشارون في مجلس الخليفة الأعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عِلْية القوم وجِلّة الصحابة من قدماء المهاجرين والأنصار، وكان يحضر في هذا المجلس حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه وهو غلام صغير السن، ما أُدخِل في مثل هذا المجلس إلا أنه كان عالماً بكتاب الله عز وجل، ونعلم قصة عمر رضي الله عنه لما سأل في مجلسه عن قول الله عز وجل: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] ما تعلمون منها؟ قالوا: بشارة ساقها الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي القوم ابن عباس ، فسأل عمر هذا وهذا، ثم التفت إلى ابن عباس وقال: ما عندك فيها يا ترجمان القرآن؟ فيقول: أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نُعي إليه، فيقول عمر : والله ما أعلم منها إلا ما ذكرت يا ابن عباس ، وكان بعض الأنصار يقولون لـعمر : ما لك تدخل بيننا هذا الغلام وفي أبنائنا من هو أسنّ منه؟ فسأله عمر بينهم عن كتاب الله عز وجل ليظهر علمه، ويجلو علو كعبه في مقاله وعلمه بكتاب الله، فيرى حينئذ أين وكيف يكون التقدم والشرف وعلو المنزلة.

    حامل القرآن طيب المظهر والجوهر

    سابعاً: الطيب ظاهراً وباطناً.

    حامل القرآن طيب يشع منه القول الطيب، والسلوك الطيب، والسمت الطيب، بل والرائحة الطيبة، ففي سنن الترمذي بسند حسّنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (تعلموا القرآن فاقرءوه، فإن مثل القرآن لمن تعلم فقرأ وأقام به كمثل جراب محشو مسكاً تفوح رائحته على كل مكان، ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكئ على مسك).

    فأنت في يقظتك وفي منامك يفوح منك الطيب ظاهراًُ وباطناً، قد طيبت باطنك وطهرت قلبك ونقيت نفسك بهذا الكلام الطاهر الشريف كلام رب العالمين.

    وفي صحيح البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو)، فعلى كل حال ما دام القرآن بين جنبيك فأنت طيب ظاهراً وباطناً.

    حامل القرآن قائم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم

    ثامناً: وصية مهمة.

    أنت قائم بالوصية العظمى التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ما خلف درهماً ولا ديناراً، ولا أوصى بأرض ولا ضياعٍ، وإنما كما ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قيل له: هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، فقيل: كيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ فقال ابن أبي أوفى : أوصى بكتاب الله عز وجل. فهذه وصية النبي لأمته، فأنت آخذ بهذه الوصية، قائم ببعض الواجب فيها، فاعلم أنك في هذا الميدان على قدر ومنزلة شريفة.

    حامل القرآن متصل بأسباب السماء

    تاسعاً: الصلة السماوية.

    عندما تقرأ القرآن وترتبط به فإنك تربط أسباب الأرض بالسماء، فإن هذا القرآن قد أنزل من فوق سبع سماوات، وأنزل لتحيا به القلوب، وأنزل لينير ظلمات هذه الأرض، ويشع فيها النور بهدي الله عز وجل، فإذا قرأت القرآن فإنك تستنزل الأسباب، وتكون ذا صلة بالسماوات، وهي صلة حسية لا معنوية، فقد ورد في حديث أسيد بن حضير أنه كان يقرأ سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس -أي: تحركت واضطربت- فسكت فسكنت، فقرأ مرة أخرى فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها -أي: نائماً- فأشفق أن تصيبه الفرس، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها -أي: ما يرى هذه الظلة التي رآها في أول أمره- فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له: (اقرأ يا ابن حضير .. اقرأ يا ابن حضير ، -يعني: حبذا لو واصلت القراءة- قال: يا رسول! أشفقت أن تطأ يحيى وكان منها قريباً فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم).

    وفي حديث مشهور عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، ولا شك أن هذه صلة عظمى، ومنزلة عالية.

    حامل القرآن حاصل على الأنوار الربانية التي تضيء قلبه وطريقه

    عاشراً: النورانية الربانية.

    فإن هذه منزلة عظيمة ينبغي أن تحرص عليها، وأن تذكرها، وأن تعرف قدرها، فإن هذا النور الرباني يضيء قلبك ويضيء طريقك، والله عز وجل قد قال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52] فهذا النور بين جنبيك يضيء طريقك، فاعلم أنك في هذه المنزلة على رفعة وقدر سامٍ شريف، فهو أمر عظيم، وقد قال ابن سابق -كما روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب فضائل القرآن-: إن البيوت التي يقرأ فيها القرآن لتضيء لأهل السماء كما تضيء السماء لأهل الأرض، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ليضيق على أهله، وتحضره الشياطين، وتنفر منه الملائكة، وإن أصفر البيوت -أي: أشدها إفلاساً- لبيتٌ صِفْر من كتاب الله عز وجل.

    فلا شك أن هذه أيضاً منزلة عظيمة ينبغي أن تحرص عليها.

    حامل القرآن حائز على الحصانة الإلهية

    الحادي عشر: الحصانة الإلهية.

    أنت محفوظ بهذا القرآن بحفظ الله عز وجل، حسبنا أن نعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفر له).

    وفي الحفظ أيضاً حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أيضاًً في الآيات الأخيرة من سورة البقرة، وفي ذكر العصمة من الدجال في قراءة عشر آيات من الكهف، وأحاديث كثيرة يأتي ذكر بعضها لاحقاً.

    انتساب حامل القرآن إلى الله عز وجل

    الثاني عشر: الانتساب العظيم.

    عندما تكون في صلة مع كتاب الله عز وجل فإنما أنت في هذا الميدان العظيم منتسب إلى الله، ورد في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته)،فأنت منتسب إلى الله عز وجل، وأعظِمْ بها من نسبة وشرف.

    يقول الناظم:

    وبعد فالإنسان ليس يشرفُ إلا بما يحفظه ويعرفُ

    لذاك كان حاملو القرآنِ أشراف الأمة أولي الإحسان

    وإنهم في الناس أهل اللهِ وإن ربنا بهم يباهي

    وقال في القرآن عنهم وكفى بأنه أورثهمُ ما اصطفى

    فما أعظم هذه المنزلة العالية الرفيعة. قال ابن الجزري في النشر: (ولما تكفل الله بحفظه -أي: القرآن- خص به من شاء من بريته، وأورثه من اصطفاه من خليقته، كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن لله أهلين من الناس، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن أهل الله وخاصته.

    1.   

    الأجر والثواب الذي يحصله حامل القرآن

    إن كان هناك قدر ومنزلة لحامل القرآن في الدنيا والآخرة، فاعلم أن وراء ذلك أجراً عظيماً كما في الحديث الذي في سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للقارئ بكل حرف يقرؤه من القرآن حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).

    وعن عائشة في الصحيح مرفوعاً: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) أي: أجر القراءة وأجر المشقة.

    وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو حديث عظيم جدير بالتأمل- أنه قال لأصحابه: (أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان -وهو وادٍ بظاهر المدينة- فيأتي منه بناقتين كوماوين -أي: سمينتين عظيمتين- في غير إثم ولا قطيعة رحم؟) أي: يذهب فيجدها، وكانت الإبل أعظم أموالهم وأغلاها وأنفسها، وكانت تقوم ثرواتهم بها، فكيف بك كلما أردت من هذه الإبل تذهب إلى هذا المكان فتأخذ ما شئت؟! (قالو: يا رسول! كلنا يحب ذلك، فقال: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل).

    ولكي نقترب من المعنى أكثر نقول: لو قيل لأحدنا: لو ذهبت إلى مكان ما فإنك ستجد سيارتين أو ثلاث من أفخر أنواع السيارات فتأخذها، فماذا يصنع الناس؟ سيتسابقون تسابقاً شديداً.

    والله عز وجل قد ذكر عظيم الأجر والمثوبة بقوله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:30] وهذا أمر واضح، ومن أوضحه ومن أعظمه أجراً أنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارقَ، أي: ارتفع، حتى تكون منزلته عند آخر آية يقرؤها من كتاب الله عز وجل.

    1.   

    المنافع الجليلة التي يستفيدها حامل القرآن

    مع كل هذا القدر العظيم والمنزلة الرفيعة، ومع الأجر الكثير والمثوبة العظيمة، فإن هناك نفعاً غزيراً وفائدة عميمة -إضافة إلى كل ما سبق- تجنيها عندما ترتبط بكتاب الله عز وجل، وحسبك من هذه الفوائد أن نذكر بعضاً منها:

    أولاًً: المتمسك بالقرآن حفظاً وتلاوةً وتعلماً يحوز أموراً كثيرة، منها:

    أولاً: الاستشهاد، وقوة الحجة.

    فأنت إذا حفظت القرآن كانت الحجة جارية على لسانك، ليناً بها لسانك، فلا تحتاج إلى أن تحصر، وإلى أن تتتعتع، فإذا ذكر أمر فإنك تجيب بكتاب الله عز وجل، فقد ذكر عن السلف مواقف كثيرة، كان القرآن فيها يجري على ألسنتهم إجابة على كل سؤال، وفتيا لكل مستفتٍ، ودمغاً لكل باطل، وهكذا من كان قريب الصلة بالقرآن فإن القرآن يجري على لسانه، فيكون قوي الحجة، سريع الاستشهاد، كثير الاستدلال، لا يلقي القول على عواهنه، فما من كلمة أو كلمتين أو جملة أو جملتين إلا بيّنها بآية من كتاب الله عز وجل تثبت قوله وتؤكده وتقويه.

    ثانياًً: علم العلوم كلها في كتاب الله عز وجل.

    فأنت عندما تتعلم القرآن فإنك تتعلم -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- النحو والصرف والبلاغة والفصاحة، وأشياء من التاريخ، وأحوال الأمم السالفة، وتعرف ضروباً من علوم النبات والزراعة والمياه والبحار، وأشياء أخرى كثيرة، فإن القرآن كتاب جمع علوماً عديدة، حتى إن المرء قد يسأل السؤال في غير ما يجيده ويحسنه، فإذا كان حافظاً للقرآن استذكر من القرآن ما يجيب به في أمر لا يعهد أنه يعرف مثله، فإن سئل في تاريخ ربما أجاب وليس من أهل التاريخ، وإن سئل في لغة وفي إعراب ربما استشهد بالآية وإن لم يكن قد قرأ النحو أو عرفه، فإذا صرت مع القرآن فاعلم أنك تجمع أطرافاً من العلوم وأسساً تقودك إلى أن تجيد وأن تتقن وأن تنتفع وأن تستفيد.

    ثالثاً: حياة القلوب.

    فهذا القرآن هو الحياة الحقة للقلوب، فأنت إذا كنت دائم الصلة بالقرآن، كل يوم عندك حلقة تتلقى فيها، وليل تقومه بهذا القرآن، ووقت تمضيه في المراجعة والمدارسة، فإن هذا القرآن هو حياة القلب، وهو غياث النفوس، وهو الذي يذكّر ويعظ، فأنت إذاً حي القلب بإذن الله؛ لأنك دائم الصلة بكتاب الله.

    فما ظنك بأناس لا يقرءون القرآن إلا لماماً؟! ولا يفتحون المصحف إلا نادراً؟! ولا يسمعون الآيات إلا من العام إلى العام أو في رمضان؟! ما ظنك بقلوبهم؟ ألا ترى أنها تصبح أقسى من الصخور والجلاميد؟ ألا ترى أنها قد يغلق عليها أو يختم عليها عياذاً بالله؟ فاحمد الله؛ لأنك باشتغالك بالقرآن تحفظ الحياة على قلبك، وتحفظ الانشراح والسعة لصدرك، فما أعظمه من نفع وفائدة تدرك أثرها عندما ترى المحرومين من هذه النعمة الكبرى.

    رابعاً: الجدية والإنتاج.

    أنت عندما تحفظ القرآن وتسعى في تعلمه تتعود على أن تكون رجل جد ومواظبة واستمرار، ولست ممن يبدأ العمل فيقطعه، ولست ممن يسرع إليه السأم فينقطع عما بدأه، ولست ممن يستهول الأمر ويستعظمه فيعجز ويضعف، عندما تجعل حفظ القرآن نصب عينيك، ثم تثني له ركبتيك، ثم تسعى إليه في المسجد، ثم تقعد بين يدي المدرس، ثم تفعل هذا وهذا، فإنك إذا نجحت في هذا السبيل فأنت في سواه بإذن الله عز وجل أنجح، ولا شك أنك تتعود بذلك على طلب العلم، وعلى ارتياد المساجد، وعلى كثير من هذه الأمور التي تجعلك مُجدّاً منتجاً ومنتفعاً، غير ما يكون عليه كثير من الشباب العابث اللاهي الذي لا يحسن شيئاً، كما قال القائل في وصف بعض ميوعتهم وتهتّكهم:

    أغار عليك من إدراك طرفي وأشفق أن يذيبك لمس كفي

    فأمتنع اللقاء حذار هذا وأعتمد التلاقي حين أغفي

    خامساً: الصحبة الصالحة.

    الإنسان كأصحابه، والصاحب ساحب -كما يقولون-، فأهل الرياضة ينادمون أهل الرياضة، وأهل الفن يصاحبون أهل الفن، وأهل الأموال والأرقام الفلكية والحسابات المتعددة والطرح والقسمة والضرب مع أصحابهم، وهكذا كلٌ مع أضرابه، والطيور على أشكالها تقع.

    فإن سرت في ركب القرآن تطلبه أو تقرؤه أو حتى تسمعه أو حتى تحضر مجالسه فأنت تنتفع بصحبتهم كما في الحديث: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، وهذا أمر لا شك أنه عظيم، انظر إلى كثير من الشباب أين ضاعوا، وفي أي الأودية تاهوا، ومع من ساروا، وأي صحبة اختاروا! فإنك تجد أنك قد استفدت فائدة جليلة، وكسبت مكسباً عظيماً جداً.

    سادساً: الاستثمار الأفضل للوقت والجهد.

    فإنك في فترة الصبا يمكن أن تكون مع الصبيان العابثين اللاعبين الذين يلعبون في الشوارع والطرقات، والذين ليس لهم همّ إلا الجري هنا وهناك، وإن صغار الصحابة وصغار السلف قد ضربوا لنا أمثلة رائعة لا بأس أن نُعرّج تعريجاً يسيراً على بعض منها حتى تدرك أنك إن دخلت هذا الميدان من صغر سنك فأنت تستثمر الوقت وتصوغ الشخصية بشكل مغاير ومختلف.

    فقد جاء في ترجمة سفيان بن عيينة رحمة الله عليه أشياء عجيبة في صغر سنه، من ذلك أنه قد بدأ طلب الحديث بعد العاشرة، وجلس إلى عمرو بن دينار وهو في الثانية عشرة من عمره، وكان يقول عن نفسه: كنت أجيء إلى حلقة عمرو بن دينار وأنا كالمسمار، طولي بضعة أشبار، وذيلي بمقدار، فإذا جئت قال الكبار: افسحوا للمحدث الصغير!

    ويذكر أيضاً في ترجمته أنه لقي عمرو بن دينار قبل أن يعرفه، فقال -وقد رآه في الشارع-: يا غلام! امسك حماري حتى أغدوا إلى المسجد فأصلي ركعتين، قال: لا أفعل حتى تحدثني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما عسى أن ينفعك الحديث؟ قال: إذاً لا أفعل، وأبى أن يمسك حماره حتى يحدثه، قال: فحدثني ببضعة أحاديث، ثم دخل وصلى وخرج، قال: ما انتفعت بما حدثتك؟ قال: فأعدت عليه الأحاديث، قال: فعجب مني! قال: فلما مضى سألت عنه، قيل: هذا عمرو بن دينار فلزمت مجلسه.

    فالصغير عندما يذهب إلى حلق القرآن لا يعود عابثاً من العابثين، ولا صغيراً من الصغار، فكيف بالشاب، أو من بدى في مقتبل العمر وفي ريعان الشباب إذا دخل في هذا الميدان، فلا شك أنه يستطيع -بإذن الله عز وجل- أن تكون حجته بين يدي الله عز وجل قوية، عندما يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، فلئن أفنى بعض الشباب أوقاتهم في السيارات!! وفي الملاعب!! وفي السفر!! فأنت تستثمر هذا الوقت استثماراً عظيماًً في هذا الجانب.

    سابعاً: الحصانة والتحصن.

    وهذا ما أشرت إليه إلماحاً، فإنك عندما تدخل في هذا الميدان تحصن نفسك كما ورد في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا تتخذوا بيوتكم مقابر، صلوا فيها، فإن الشيطان ليفرُّ من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه)، فأنت تحصن بيتك وتحصن نفسك وتحصن ولدك وتحصن أهلك، عندما تقرأ أو تراجع، فإذا بك تمر بآية الكرسي وتمر بخواتيم البقرة، وتقرأ آيات سورة الكهف، وتمر بالآيات التي فيها استعاذة من الشياطين، فكلما قرأت كلما حصنت نفسك، وانظر اليوم إلى حال الناس وإلى الظاهرة التي تفشت وانتشرت، كم نرى من الناس قد مسّتهم الشياطين، وقد ابتلوا بالسحر، وقد تلبست بهم العفاريت من الجن، والسبب أنه لا حظّ لكثير منهم في القرآن والذكر، وتحصين البيوت بتلاوة كتاب الله، فأنت بطبيعة اشتغالك بالقرآن تديم هذه التلاوة، وتحصل هذه الفائدة النافعة، وهكذا تجد هذه الأمور كلها ميسرة.

    ثامناً: السلامة من الملل والسآمة لمن صدق الله وأخلص النية.

    لو كنت تريد حفظ القصائد والأشعار ونحوها، أو كنت تريد حفظ العلوم والمتون وتردادها، فإنه -لا شك- يسري إلى نفسك الملل، وبذلك -إن لم ترغم النفس وتخالفها- قد تنقطع، أمّا عند تردادك للقرآن واشتغالك به فلا خوف من الملل مطلقاً، فإنه لا يمل على كثرة ترداده.

    وقد عد الماوردي ذلك من إعجاز القرآن، فقال: ومن إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره، أحدهما: هشاشة مخرجه، والثاني: بهجة رونقه، والثالث: سلاسة نظمه، والرابع: حسن قبوله، والخامس: أن قارئه لا يكلّ، وسامعه لا يملّ، وهذا في غيره من الكلام معدوم.

    فليس هناك تعب ولا ملل من تلاوة القرآن وتكراره، فأنت تجني هذه الفوائد دون أن يتسرب إلى نفسك ملل ولا تعب.

    والنويري أيضاً عدّ ذلك من إعجاز القرآن، فقال: إن قارئه لا يمل قراءته، وسامعه لا تمجه مسامعه، بل الإكباب على تلاوته وترديده يزيده حلاوة ومحبة، ولا يزال غضاً طرياً، وغيره من الكلام ولو بلغ ما عساه يبلغ من البلاغة والفصاحة يمل من الترديد، ويُسأم إذا أعيد، وكذلك غيره من الكتب لا يوجد فيها ما فيه من ذلك:

    تزداد منه على ترداده ثقةً وكل قول على الترداد مملول

    وكما قال الشاطبي أيضاً:

    وإن كتاب الله أوثق شافعٍ وأغنى غَنَاءً واهباً متفضلاً

    وخير جليس لا يمل جليسه وترداده يزداد فيه تجمُّلاً

    1.   

    وصايا وتوجيهات لأهل القرآن

    وصايا عامة لأهل القرآن

    ثم ننتقل أيها الإخوة الأحبة بعد أن ذكرنا أنفسنا بمنزلة أهل القرآن والتعريف بهم، إلى الشق الثاني المهم، وهو: التوجيه بالوصايا لأهل القرآن، وأولها الوصايا العامة:

    أولاً: الإخلاص.

    وأهميته لا تخفى؛ فهو أول الأمر وآخره، وأوسطه وجوهره, ولا شك أن الأمر بدءاً بدونه لا قيمة له، ومن لطيف ما ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في كتاب الفوائد أنه قال: العمل بغير إخلاص كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يثقله ولا ينفعه، يتعب بدون نفع ولا فائدة.

    ثانياً: ألا يحرموا أنفسهم علوم القرآن، فلئن حفظت فجود، ولئن جودت ففسر، ولئن فسّرت فتعلم البلاغة، ولئن تعلمت البلاغة فعليك بأسباب النزول، وخذ حظك، فإنه لا يشبع منه أحد، ولا يمكن أن يصدر عن منهله أحد مطلقاً، وحسبك في ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيح: والله الذي لا إله غيره! ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه.

    ثالثاً: العمل بالعلم، فإن هذا القرآن حجة لك أو حجة عليك، فكل مرتبط بالقرآن لابد أن يستشعر هذه المسئولية، أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخراً، وكائن لكم أجراً، وكائن عليكم وزراً -يعني: بحسب ما تعملون به أو تتخلفون عنه- فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط به في رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم.

    وهذا لا شك أنه من الأمور المهمة التي نحتاجها، وقد كان هذا دأب الصحابة، قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان الذين يقرئوننا القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نعرف ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل معاً.

    ولئن كان هذا الأمر غير متيسر ولا مأخوذ به فلا ضير أن تقرأ وأن تحفظ وأن تراجع، لكن لا تحرم نفسك من أن تستزيد وأن تتعلم، وأنت ملزم أن تعمل بما علمت.

    رابعاً: أن تطلب بصلتك بالقرآن الآخرة لا الدنيا، فإن أردت أن تحفظ فاجعل حفظك لله، وإن علّمت فاجعل تعليمك لله، فإن أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة: قارئ للقرآن، يأتي به الله عز وجل فيسأله: (فيم قرأت القرآن؟ فيقول: فيك -يا رب- قرأتُ القرآن وعلمتُه، فيقال: كلا! بل فعلت ذلك ليقال: قارئ، وقد قيل، فيؤمر به فيلقى في جهنم) فاطلب وجه الله عز وجل بقراءتك وتلاوتك وحفظك وتدريسك.

    وهذا أبو إياس معاوية بن قرة كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه يقول: كنت نازلاً على عمرو بن النعمان بن مقرن ، فلما حضر رمضان جاءه رجل بألفي درهم من قِبَل مصعب بن الزبير ، فقال: إن الأمير يقرئك السلام ويقول: إنا لا ندع قارئاً شريفاً إلا وقد وصل إليه منا معروفاً، فاستعن بهذه على نفقة شهرك هذا، فقال عمرو : اقرأ على الأمير السلام وقل له: والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا. وردّ عليه ما آتاه!! فهكذا كان أهل القرآن.

    وفي حديث عمران بن الحصين أنه مرّ على قاص يقرأ القرآن، ثم سأل -أي: طلب من الناس مالاً كما يصنع بعض الناس اليوم عندما يقرءون قراءات التطريب والتنغيم، ثم يبسطون أرديتهم ليضع الناس فيها أموالاً، فهؤلاء القراء يتكسبون بتلاوة القرآن!!- فلما رأى عمران بن الحصين ذلك استرجع -أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون- ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس) والحديث في مسند الإمام أحمد ، فلا تكن هذا الذي ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر بأنه كائن في أمته في آخر هذا الزمن.

    خامساً: تحسين الصوت وحسن التلاوة.

    اجتهد في ذلك ما استطعت فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) ونعلم أن النبي قال لـأبي موسى الأشعري : (إنك أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) فاجعل من أهدافك أن تحسن بالقرآن صوتك، وأن تزين صوتك بالقرآن، فإن ذلك مما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك أحاديث كثيرة، منها حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (زينوا القرآن بأصواتكم) أخرجه ابن حبان في صحيحه.

    وجاء في صحيح ابن حبان من حديث أبي قتادة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بـأبي بكر رضي الله عنه وهو يصلي خافضاً صوته -أي: بالقراءة- ومر بـعمر يصلي رافعاً صوته رضي الله عنه، قال: فلما اجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بكر : يا أبا بكر ! مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك، قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ، قال: ومررت بك يا عمر وأنت ترفع صوتك، فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان وأحتسب به، فقال النبي لـأبي بكر : ارفع من صوتك شيئاً، وقال لـعمر : اخفض من صوتك شيئاً) فكن بين بين، وحسّن بهذا القرآن صوتك، وأسمعه الناس كما كان ابن مسعود يغشى به مجالس كفار مكة حتى يسمعهم كلام الله عز وجل.

    سادساً: المنافحة والدفاع عن القرآن.

    إذا كنت من أهل القرآن فلا بد أن تكون من الدعاة إلى القرآن، ومن المدافعين عن القرآن والمنافحين عنه، ولا ينبغي لك أن تسكت عمن يتهجم على القرآن، أو يستهزئ به، فإن سكتّ على هؤلاء فلست في الحقيقة من أهل القرآن؛ لأن من قدّر القرآن وجمعه في صدره وحفظه في قلبه فإنه يعز عليه أن يهجره الناس، فضلاً عن أن يتهجموا أو يعتدوا على القرآن، وحسبك في ذلك مواقف الصحب الكرام رضوان الله عليهم، ومن ألطف وأبهر المواقف ما كان من عمر رضي الله عنه كما في صحيح مسلم : (أن عمر كان في المسجد، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: يقرؤها قراءة لا يعرفها عمر - فكدت أساوره في الصلاة -أي: كدت أقطع عليه الصلاة-، فلما قضى صلاته لببّته بردائه وقلت: من أقرأك هذه السورة؟! قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: كذبت -أي: أخطأت- فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها على غير ما سمعتك تقرأ، قال: فانطلقت به أقوده إلى رسول الله، فلما جاء إلى مجلس النبي عليه الصلاة والسلام وأبلغه الخبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرسله يا عمر ، اقرأ يا هشام ، فلما قرأ هشام قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)، وبين له أن هذا وهذا كله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    سابعاً: التميز في الشخصية، فأنت تحمل بين جنبيك كلام الله عز وجل، وقد أخذت المعجزة العظيمة، وقد سبق بيان ما لصاحب القرآن من القدر والمنزلة، فما ينبغي لك أن تكون مثل غيرك، وحسبنا في ذلك قول ابن مسعود: (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون).

    وقال النووي عن حامل القرآن: ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال، وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالاً للقرآن، وأن يكون مصوناً عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعاً على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، ومتواضعاً للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعاً ذا سكينة ووقار.

    يقول الفضيل بن عياض: ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم.

    وعنه أنه قال: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيماً لحق القرآن.

    وقال الحسن: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار.

    وصايا خاصة لمتعلمي القرآن الكريم

    أولاً: المواظبة والاستمرار: كثيراً ما ينقطع هذا الخير ويتوقف رصيد الحفظ، بل تُنسى الآيات والسور المحفوظة شيئاً فشيئاً بسبب الانقطاع، وخير الأعمال أدومها وإن قل، وكان من دأب النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما بدأ بطاعة ثم تركها، وفي ترجمة الإمام أحمد عن إبراهيم الحربي أنه قال: صحبت ابن حنبل أربعين سنة فما رأيته في يوم إلا وهو أزيد من الذي قبله. فكيف تتكامل وتنقطع؟ واعلم أن الاستمرار هو الذي يؤتي الثمار، وأما الانقطاع فهو مظنة الضياع، وهذه حكمة احفظها والتزمها لعلها أن تنفعك إن شاء الله تعالى.

    ثانياً: الوقت المناسب: فلا تضحك على نفسك! بأن تخصص خمساً من الدقائق أو عشراً، أو تخصص ساعة نصفها يذهب في لغو ولعب وانصراف ذهن، فإنك حينئذ لم تأت بالأمر على تمامه، وهذا يقع من طلبة التحفيظ، فيأتي أحدهم بعد صلاة المغرب متأخراً، ثم يصلي السنة مطولاً، ثم يلتفت متحدثاً، ثم يجلس متلفتاً، ثم يردد مع المؤذن في أذان العشاء، ويقول: قد قضيت الوقت وداومت وواظبت، فما صنع هذا شيئاً ينفعه وإنما ضحك على نفسه، وأغرى به شيطانه، فينبغي له أن يفطن إلى ذلك، وينبغي له كذلك أن يختار الأوقات المناسبة، فلا يجعل حفظه ومراجعته في أردأ الأوقات، بعد أن ينهي كل الأعمال، والمذاكرات، وبعد أن يقضي كل المصالح، وبعد أن ينهي كل المشاوير والأعمال، فيأتي وقد كَلّ ذهنه، وتعب جسمه، فمهما أعطى من وقت فإنه لا ينتفع به، وقد قال الخطيب البغدادي : أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود أماكن الحفظ كل موضع بعيد عن الملهيات، وليس الحفظ بمحمود بحضرة النبات والخضرة وقوارع الطرق؛ لأنها تمنع خلو القلب، وينبغي أن يصبر على ذلك... إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.

    ثالثاً: الإصغاء والتلقي: بعضهم يسرع ويتحمس ويسابق قبل أن يتقن ويسمع ويتلقى، وهذا قد جاء في القرآن الكريم لما كان النبي عليه الصلاة والسلام من شدة حرصه يسابق جبريل خوفاً أن يتفلت منه القرآن، فنزل قول الحق سبحانه وتعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، وبعض الطلبة يريد إذا جاء المدرس يلقنه أو يقرأ عليه الدرس الجديد يظن أنه قد بلغ المنزلة والوضع الذي لا يحتاج معه إلى هذا التلقي، فلا يصغي له بأذنه، ولا يلقي له سمعه، ولا يحضر معه قلبه، ويتبرم بذلك ويريد الانصراف، ثم إذا به يخطئ فيما كان ينبغي أن يتلقاه وأن يتعلمه، وهذا كثيراً ما يقع فيه الطلاب فيخطئون في الحفظ، ويكون حفظهم الأول حفظاً خاطئاً، ويستمر معهم هذا الحفظ الخاطئ.

    رابعاً: الجد والاجتهاد: فإن أمر الحفظ والمراجعة وعلوم القرآن ليس أمراً ينال بالتمني ولا بالأحلام والأوهام، ولا بكثرة الطعام، ولا مع كثرة الراحة والمنام، هو أمر قد شمر له المشمرون، وتسابق إليه المتسابقون، وتنافس فيه المتنافسون، ووصل فيه السابقون ليلهم بنهارهم، وكانوا يقرءونه في حِلّهم وترحالهم، بل كانوا يرددونه وهم على صهوات الخيول وقت المعارك والجهاد والسيوف تسمع قعقعتها، والغبار يملأ الأجواء، والميدان تعلو فيه رائحة الدماء، قد كانوا يبذلون فيه جهداً عظيماً، ولذلك ينبغي أن تدرك هذا الأمر، ومع هذا فلا يهولنك الحفظ كما يقع لبعض الطلاب: فيرى بعد أن يبدأ في جزء أو جزءين أن العقبة كئود، وأن المهمة في غاية المشقة، وأنه لا يمكن أن يبلغ النهاية، إذا ظن ذلك فقد حطم نفسه، وهدم ركن عزيمته، وانقطع به سبيله في غالب الأحوال.

    أخي الطالب! اعلم أن الله قد قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، فليس الأمر صعباً، بل هذا من إعجاز القرآن كما ذكر ذلك الماوردي فقال: من إعجاز القرآن تيسيره على جميع الألسنة، حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ودار به لسان القبطي الألكن، ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه، ولا تجري به ألسنة البكم كجريها فيه، وما ذلك إلا بخصائص إلهية فضله بها على سائر كتبه.

    كيف تقول: إنك لا تستطيع أن تحفظ أو ترى ذلك صعباً، وأنت ترى من لا يحسن العربية، ولا يجيدها ولا يتقنها، يحفظ ويرتّل ويجوّد، فإذا نطق بكلام آخر غير القرآن لم يستطع أن يقيمه، ولم تفهم منه كلمة، كما هو معروف في الأعاجم الذين يقرءون القرآن يحبرونه تحبيراً، فإذا تكلموا العربية كسَروها تكسيراً! وهذا من الإعجاز ومن التيسير للقرآن، فهو ميسر مذلل، لكنه يحتاج إلى جد واجتهاد، واعلم أنك في هذا مأجور بإذن الله عز وجل.

    خامساً: اغتنام الفرص: كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام حين أوصى بقوله: (اغتنم خمساً قبل خمس) فاحرص على الحفظ والتلقي في صغر السن، واحرص على ذلك في سن الطلب أي: في أوقات الدراسة قبل أن تتخرج وتصبح موظفاً، وتصبح رباً لأسرة، فإذا عجزت في الأولى فأنت في الثانية أعجز، فلذلك ينبغي أن تغتنم الفرص قدر استطاعتك.

    سادساً: الاستفادة من الزملاء في المدارسة والمذاكرة والتشجيع والمنافسة: بعض الطلاب ليس له مع إخوانه وزملائه صلة إلا صلة الود والمحبة، والأنس والمصاحبة، والأحاديث والمفاكهة، والنزهات والرحلات، لكن قل ما تجدهم يجتمعون لمراجعة ومدارسة وتسميع القرآن.

    سابعاً: توقير القرآن ومعلم القرآن: فإن بعض الطلبة لا يلتزمون هذا الأدب المهم وقد ذكر أبو شامة في أول شرحه على الشاطبية بعض هذه الآداب التي ينبغي أن يلتزمها الطالب، ومنها: أن يلزم مع شيخه الوقار والتأدب والتعظيم، وقد قيل: بقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع الطالب بما يستفيد من علمه، وينبغي أن يعتقد أهلية ورجحان معلمه، وذلك أقرب إلى أن ينتفع به، وأن يكون مجلاً له وحافظاً لهيبته، ومن آدابه: أن يتحرى رضا معلمه وإن خالف ذلك هوى نفسه، ومن ذلك أيضاً: أن يدخل إلى حلقة القرآن بكامل الهيئة، فارغ القلب من الشواغل متنظفاً بسواك، وقد قص شاربه وظفره وأزال أي رائحة كريهة، منها أيضاً: ألا يترك طالب القرآن حلقته ولزومه معلمه لأي عارض بسيط من العوارض، أو لأي عذر يسير مما قد يمكن احتماله.

    وصايا خاصة لحفاظ القرآن الكريم

    هذه جملة يسيرة من وصايا الحفاظ، ولا شك أنهم يحتاجون إلى مزيد من التوجيهات والتنبيهات، والوصايا العامة التي ذكرتها آنفاً تعنيهم كما تعني الطلاب، ثم يزاد عليها الوصايا التالية:

    أولاً: إحكام التمكين: فلا يدفعك الفرح بختمك أو بحفظك عن أن تتمكن وتراجع وتديم هذه المراجعة في أول الأمر خاصة؛ لأن القرآن سريع التفلّت، ففي البداية وعند أول الختم راجع ما استطعت أن تراجع، ولو أن تختم في ثلاث، وهذا هو الحد الأقصى لختم المصحف، ولا يفقه من قرأ في أقل من ثلاث، ولو استطعت أن تختم في كل ثلاث فإن ذلك مطلوب منك.

    ثانياً: دوام التلاوة: كما في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو موسى : (تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده! لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).

    وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما مثل صاحب القرآن كصاحب الإبل المعقلة -أي: المربوطة- إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت).

    ولذلك لابد من المداومة على التلاوة بالليل والنهار، والحل والترحال، في الصلاة وفي خارج الصلاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم -كما في مسلم وفي مسند الإمام أحمد - يذكر الله في كل أحيانه.

    وفي حديث علي : (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء ما خلا الجنابة)، وفي حديث عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع رأسه في حجر إحدانا -أي: من أزواجه- فيتلو القرآن وهي حائض) أي: يقرؤه ويديم التلاوة قائماً وقاعداً ومستلقياً، وإن كان متطهراً -أي: متوضئاً- أو غير متوضئ لا يمنعه من تلاوة القرآن إلا الجنابة.

    قال ابن الجزري :

    فليحرص السعيد في تحصيله ولا يمل قط من ترتيله

    وليجتهد فيه وفي تصحيحه على الذي نقل من صحيحه

    وهذا لا شك أنه من الأمور المهمة، قال النووي في (التبيان): ينبغي لحافظ القرآن أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها، وكان السلف لهم في ذلك عادات مختلفة في قدر ما يختمون، فروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعضهم في كل ثمان، وعن الأكثرين في كل سبع ليال، وهذا بعد التمكن من إتقان الحفظ، فإنه ينبغي أن تديم التلاوة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

    ثالثاً: اتقان التجويد:

    فلئن طُلب ذلك من الطالب فإنه من الحافظ آكد وألزم، فإن الحافظ يُعدّ في رتبة من يكون مدرساً ومحفظاً، فلابد أن يعنى بالتجويد، وبعض الناس يظن أن التجويد لا أهمية له!! وهو -كما نعلم- فرض كفاية، لكن كل أحد في اختصاصه مطلوب منه دواعي ومؤهلات ذلك الاختصاص، فالحافظ لاشك أنه يلزمه تعلم التجويد وإتقانه بصورة أكبر من غيره، ولذلك ينبغي له أن يتقن التجويد إتقاناً جيداً، وأن يحفظ في ذلك متناً كالجزرية أو غيرها، وأن يقرأ ويضبط شرح هذا المتن لكي يلمّ بالتجويد، وأن يختم ختمة كاملة على شيخ متقن مُجاز حتى يجاز ويمكنه أن يجيز غيره في هذه الرواية، فالقرآن إنما هو بالتلقي، والقراءة التي يقرأ بها بعضنا جيدة، لكن الحافظ ينبغي له أن يقرأ على الشيخ حتى يتصل سنده، ويكمل -بإذن الله عز وجل- المطلوب منه في هذا الشأن.

    رابعاً: تعليم القرآن بعد تعلمه وإتقانه: فإن هذا من أعظم أسباب العون على دوام التلاوة والتمكن من إتقان القرآن وتجويده.

    خامساً: الاستزادة من القرآن: فإذا حفظ ينبغي له أن يجوّد، وإذا جوّد طلب الإجازة في روايته، فإذا وجد في نفسه مكنة انتقل ليجمع القراءات السبع أو العشر، أو يجمعها من طرقها المتعددة إذا استطاع؛ لأن هذا -كما قلت- يرتبط بالقرآن وما مضى من القدر والمنزلة والشرف، إضافة إلى القيام بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون سبباً من أسباب حفظ القرآن بكل قراءاته وحروفه التي نزل بها، والتي بلغها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    سادساً: أن يفرح بنعمة الله عز وجل فرحاً مشروعاً، فلئن فرح الناس إذا تخرجوا من الجامعات أو إذا أخذوا الدكتوراه فإن التخرج من حفظ القرآن أعظم وأشرف: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، جاء في بعض التفاسير أن ذلك الفرح إنما هو الفرح بكتاب الله عز وجل، وقد ذكر الآجري في كتابه: (أخلاق حملة القرآن) ما ينبغي للحافظ من بعض الآداب التي ننصح بالرجوع إليها.

    وصايا خاصة لمعلمي القرآن الكريم

    أولاً: الحرص على تلقين الطلاب: فينبغي للمدرس ألا يجعل الطالب يحفظ إلا بعد أن يتلقى منه ويسمع جزءه منه، وذلك على سبيل الدوام بقدر الاستطاعة، ولا يكون المدرس متهاوناً في ذلك فيسري هذا التهاون إلى الطالب، فيظن نفسه أنه قد أجاد وأفاد، فينطلق ليحفظ حفظاً خاطئاً.

    ثانياً: حسن التوزيع والترتيب في الوقت: فبعض المدرسين ينشغل بالطالب الأول حتى يمضي نصف الوقت، ثم يمضي النصف الثاني من الوقت مع العشرين الباقين!! وهذا أمر فيه تخليط، إذ ينبغي له أن يحسن التوزيع بين التسميع وبين التلقين وبين توزيع الحلقة في المراجعة؛ حتى يستطيع أن يفيد الطلاب، وأن يحقق الغاية التي ترجى إن شاء الله تعالى.

    ثالثاً: التدقيق في الحفظ والمراجعة: فلا ترخّص ولا تتساهل، سيما في الحفظ الجديد كما ذكرنا، إذ لابد أن تحرص على إتقان الطالب وتمكنه من حفظه بأكمل وأتم صورة يستطيعها؛ حتى يضمن له أساساً صحيحاً يمكن البناء عليه، وكذلك المراجعة لا تدعه يفرط ويكسل في هذا الجانب.

    رابعاً: البذل للمقبلين: فإن بعض الطلبة أصحاب همم عالية، وأصحاب إمكانات حباهم الله عز وجل إياها، فلا تقتصر -أخي المدرس- على الوقت المقرر، فإذا جاء هذا وقد حفظ نصف جزء أو خمس صفحات أو غير ذلك قلت له: إلى يوم غد إن شاء الله، ويأتي الغد فيضيق الوقت فإلى بعد غد، فكلما تحمّس الطالب ثبّطته، وكلما انطلق أعقته، وكلما زاد نقصته، فكنت سبباً في عدم اندفاعه.

    فينبغي إذا كان صاحب همة إن أراد بالليل فبالليل، وإن أراد بالنهار فبالنهار، وإن أراد بعد الفجر فلا بأس، وإن أراد قبله فلا شيء في ذلك.

    وخشية الإطالة فإني قد أعرضت عن ذكر بعض ما ورد من التراجم، ومن ذلك: أن أحدهم قد مضى إلى قارئ دمشق يقرأ القرآن عليه، قال: فخرجت مع الأذان الأول -أي: قبل الفجر- حتى أسبق إلى الحلقة، فجئت فإذا قبلي ثلاثون! فمتى جاء هؤلاء الثلاثون؟! فتأمل وتدبر.

    خامساً: حسن المعاملة للطلبة وترغيبهم: فلا تكن منفّراً، ولا تكن أيضاً مرخصاً، فالأمر الوسط هو الأمر الحسن.

    سادساً: أن تكون ذا فطنة تستطيع أن تحوز في الوقت القليل وبالجهد القليل أكبر قدر من الفائدة:

    على سبيل المثال في أمر المراجعة: لك أن تقسم الطلبة إلى اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، وتجعل ذلك التقسيم غير ثابت، بل ينبغي أن يتغير بين يوم وآخر، أو بين بضعة أيام وأخرى، حتى لا يكون هذان الطالبان يلازم أحدهما الآخر للمراجعة، والمدرس بعد تسميع كل طالب يرجع إلى صاحبه فيبدآن في حصة المراجعة، والمدرس يمر في أقل من خمس دقائق على الجميع فيرى ويسمع ويعرف إن كان الأمر يسير سيراً حسناً أم لا، ثم يغير الطلبة حتى لا يرخص أحدهم لزميله، أو يتجاوز الأول للثاني، فكل مرة يغير هذا مع هذا وذاك مع هذا؛ حتى يستطيع -إن شاء الله- أن يضبط الطلاب جميعاً.

    ولا شك أن هناك أموراً ووصايا كثيرة مذكورة في مواضعها، من التزام الآداب، وإخلاص النية، والحذر من كراهة قراءة أصحابه على غيره، كما يقول النووي رحمة الله عليه: كما يقع من بعض المعلمين الجاهلين، أن يحب أن طلابه لا ينتفعون إلا به، فإذا كان عند غيره في القرآن انتفاع أو مزيد علم أو إحكام وتجويد فأخذ بعض طلابه من هذا الشيخ أو من هذا المدرس فائدة غضب لذلك واستشاط، وزجر ووعد وتهدد، فهذا لا شك أنه غير لائق به.

    وصايا وتوجيهات متعلقة بحلقات تحفيظ القرآن الكريم

    هذه بعض الملامح المهمة التي نرى أنها تجعل الحلقة تقترب نحو المثالية:

    أولاً: ينبغي أن يكون العدد ما بين خمسة عشر طالباً إلى عشرين لا يزيد حتى يؤتي العمل ثمرته.

    ثانياً: وقت الحلقة في كل يوم ما بين ساعة ونصف إلى ثلاث ساعات، فلا يقل عن ساعة ونصف عملية -وليست نظرية- لأن النظرية معناها أن تمضي ساعة ونصفاً منذ بدء الحلقة، لكنها يتخللها أمور لا تجعل الوقت الفعلي أحياناً سوى أقل من ساعة أو نحوها، أما الوقت الفعلي فيكون بعد حذف الأوقات الضائعة وعدم حسابها على الحلقة.

    ثالثاً: التعاون والتواصل مع الآباء وأولياء الأمور: فإن هذا يسهل كثيراً من العوائق، ويساعد في الوصول إلى الثمرة إن شاء الله.

    رابعاًًً: دعم المجتمع ومعرفته بهذه الفضائل والثمار: حتى يتوافر الدعم العام الذي يشجع المدرس والطالب ويعينهما على الاستمرار والمواصلة.

    خامساً: إكرام المدرس وتشجيع الطالب: إكرام المدرس فلا ينبغي أن يُنظر إلى حافظ القرآن ومدرسه ومعلمه نظرة فيها شيء من الازدراء أو الاحتقار، أو أنه أدنى منزلة، أو أقل مالاً، أو نحو ذلك؛ فإن هذا مما يعيق، وكذلك تشجيع الطلاب، فلا ينظر إلى من اشتغل بالقرآن أنه أدنى ممن اشتغل بالدرجات وتحصيل الامتياز في المدرسة، أو غير ذلك.

    هذه بعض الملامح العامة التي أسأل الله عز وجل أن يكون فيها النفع والفائدة، وأسأله جل وعلا أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.

    1.   

    الأسئلة

    اقتران الدروس بالرقائق

    السؤال: هناك دروس علمية مليئة بالفوائد، ولكن هلا طبعت بالطابع الإيماني، وهلا خلط بعضها بشيء من الرقائق؟

    الجواب: أرجو أن يكون الأمر كذلك، وإن كان لهذه الأمور أهلها المجيدون فيها، والقادرون عليها.

    إمامة الصغير للناس

    السؤال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فكيف يكون الحال عندما يكون أقرؤهم صغيراً؟

    الجواب: إذا كان صغيراً مميزاً فهو الذي يؤم القوم إن كان أقرؤهم، وقد ثبت ذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حياة السلف، وقد ذكر الذهبي في تراجم بعض القراء بأنه جمع القراءات وهو بعد العاشرة بقليل.

    لبس الزي الشرعي المخصص لطالب التحفيظ

    السؤال: هل من نصيحة لبعض الطلاب الذين يحضرون التحفيظ بغير الزي المخصص؟

    الجواب: قد ذكرنا في آداب الطلاب أنه ينبغي لهم أن يتهيئوا ويتطهروا، ويتنظفوا بالسواك، ويقصوا أظفارهم، وأن يمتنعوا من الروائح الكريهة، وغير ذلك، فهذا من أدب القرآن قبل أن يكون من نظام التحفيظ.

    صحة ما جاء في الاستعانة على قيام الليل بقراءة آيات معينة قبل النوم

    السؤال: ما صحة قول: من قرأ العشر الآيات الأولى والأخيرة من سورة الكهف بنية الاستيقاظ من آخر الليل أيقظه الله؟

    الجواب: لا أذكر أن له أصلاً، والله أعلم.

    رفع الصوت في صلاة النافلة

    السؤال: هل يجوز أن أتلو بصوت مسموع -قليلاً- في صلاة النافلة؟

    الجواب: في النافلة أو في غير النافلة الأصل في صلاة المنفرد أن يُسمع نفسه، ولابد أن ننبه إلى بطلان الصلاة التي يصليها بعض الناس ويقول: إنه يقرأ في سره ولا يحرك لسانه ولا شفتيه، فهذا لا تقبل قراءته بقلبه دون تحريك لسانه، وهذه من المسائل المهمة، ففي صلاة السر لابد أن يحرك لسانه وشفتيه، وألا يقرأ قراءة قلبية بل لفظية ليسمع نفسه، وبعض الناس يسمع نفسه ويسمع سبعين عن يمينه وسبعين عن يساره -أي: يرفع صوته فوق الحاجة- وهذا لا ينبغي، فإذا كنت تصلي صلاة نافلة فلا بأس أن ترفع صوتك، ولو جهر المصلي بصوته في صلاة السر فلا شيء في ذلك، وإن كان الجهر في غالبه مأثور في صلاة النافلة في الليل، والسر مأثور في صلاة النافلة في النهار.

    حكم عدم التدبر أثناء الحفظ والمراجعة

    السؤال: عندما يراجع الطالب لا يتدبر ولا يتأمل، بل يجمع ذهنه في الحفظ والترتيل ومخارج الحروف؟

    الجواب: لا بأس، افعل ذلك أولاً، وسيأتي التدبر ثانياً، إن كنت باقياً على صلتك بالقرآن فاعلم أنك سوف تتمكن وتجوّد، ويصبح التجويد ملكة لك لا تحتاج أن تفكر في غنة ولا في سبب مد، فستكون القراءة بعد ذلك سليقة لك، فتتفرغ بعد ذلك للتدبر والتأمل والتفسير.

    أهمية أخذ القرآن عن المتقنين له

    السؤال: لي أخ يأبى أن يسمع من قارئ متقن، ويقول: إن هذا ليس ضرورياً، والتجويد ليس مهماً، وهو معي في جدال مستمر؟!

    الجواب: كل شيء له باب وله مفتاح، وله أصول وآداب، وله سنن، بل له واجبات، فلابد من أخذ الأمور كما ينبغي أن تؤخذ.

    حكم نسيان المحفوظ من القرآن

    السؤال: ما حكم من حفظ ثم نسي؟

    الجواب: قد ورد في ذلك الوعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك من أعظم الذنوب التي عرضت عليه من ذنوب أمته.

    الامتناع عن قراءة القرآن بداعي الخجل

    السؤال: بعض الناس إذا قيل له: اقرأ آيتين من القرآن خجل؟

    الجواب: هذا أمر شخصي لا أظن فيه بأساً، إذا كان لا يتقدم أمام الناس خجلاً فينبغي أن يتعود شيئاً فشيئاً، وأن يترك الحياء في مثل هذه الأمور، فإنها من الأمور التي قد جعلت لها أسس وسنن مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ضرورة الاستمرار في مراجعة القرآن وعدم الانقطاع

    السؤال: حفظت القرآن بدون مراجعة بعد تلك المرة، وكلما بدأت المراجعة تقدمت قليلاً ثم توقفت لأني لا أدرس في حلقة، ولا أستطيع ذلك، وأنا حفظت بطريقة جيدة ولله الحمد، فماذا علي أن أفعل؟

    الجواب: الحل أن تراجع، وألا تتوقف عن المراجعة، والمقطع الذي لا تضبطه حفظاً اقرأه ولو نظراً، وكرر قراءته نظراً فإن ذلك ينفع، المهم ألا تقطع ولا تنقطع.

    التحذير من جلساء السوء

    السؤال: بعض طلبة التحفيظ يخالطون بعض الشباب غير الملتزمين الذين قد يصرفونهم عن التحفيظ فما توجيهكم لهم؟

    الجواب: أقول: إن يكن فيهم خير يأت بهم الله، فأديموا نصحهم، ولا يكن ذلك سبب في أن يحرموا من حلقة القرآن، فسيظل القرآن بهم حتى يمنعهم بإذن الله مما لا يليق بهم، ويمنعهم مما يضيع أوقاتهم أو يقترفون فيه الإثم والذنب، ويرجعون به إن شاء الله، مع نصح مدرسهم، ووعظ إخوانهم، وحسن سياستهم لهم.

    تفريغ القلب لتدبر القرآن

    السؤال: أحاول أن أتدبر القرآن، ولكن تأتيني أفكار وتشويشات؟

    الجواب: وكلنا ذلك الرجل إلا من رحم الله!! فاستعن بالله وبالدعاء وبجمع القلب وإحضار العقل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

    أخذ الأجرة على تعليم القرآن

    السؤال: ما حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟

    الجواب: فيه خلاف بين أهل العلم، والأشهر أنه مكروه، وهو محرم عندما يكون على سبيل الاشتراط والإلزام، مثل: أنه لا يُعلّم إلا أن يُعطى أجراً قدره كذا وكذا، ورخص فيه بعض السلف، فلا بأس أن يأخذ إذا لم يشترط، وإذا لم يقدر، وهذا لا شك أن فيه فسحة ورخصة، ليكون هناك من يتفرغ للقرآن وتدريسه، ولا حرج في ذلك إن شاء الله ما دام المرء مبتغياً بذلك وجه الله عز وجل.

    دعوة للآباء لتسجيل أبنائهم في حلقات التحفيظ

    السؤال: نشكو غياب الوعي لدى الآباء، فلا يسجلون أبناءهم في التحفيظ، ولا يهتمون بمثل هذه الأمور؟

    الجواب: قد ذكرنا القدر والمنزلة والنفع والفائدة والأجر والمثوبة لحملة القرآن، وأظن الآباء لو تأملوه لحضروا بأنفسهم لحلقات التحفيظ، فضلاًً عن أن يُحضروا أبناءهم.

    التوسط في اللهو المباح

    السؤال: كيف نوفق بين قول من قال: حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، وقول ابن مسعود رضي الله عنه فيما ينبغي أن يكون عليه حال حامل القرآن، مع ما عليه أغلب شباب التحفيظ وبعض الحفاظ من اللعب بالكرة وغيرها من الألعاب؟

    الجواب: ينبغي لك أن تكون متزناً في حكمك، ومعتدلاً في رأيك، فليس اللهو محرماً بالكلية، وإن بعض اللهو يستجم به، كما جاء عن أبي الدرداء في الساعات الأربع، قال: ومنها ساعة أستجم فيها لنفسي فهي عون لي على الساعات الثلاث، والأمر المباح الذي ينشط ويرفه الناس لا حرج فيه، وصاحب الرسالة ليس بالضرورة أن تراه دائماً حزيناً باكياً، فربما تبسم وقلبه ينطوي على هموم الأمة، وملء نفسه همة تطمح إلى ذرى القمم وأعالي الجبال، ثم أخي لا تعمم وتقول: الأغلب أو الأكثر، ولا تكن متشائماً في نظرتك، فإن هذا مما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : (من قال: هلك الناس فهو أهلَكُهم)، وفي ضبط آخر للرواية (فهو أهلَكَهم) أي: هو الذي أراد إهلاكهم أو فهو أهلَكُهم، أي: أشد هلاكاً منهم.

    قراءة القرآن بحضرة الأغاني

    السؤال: هل يجوز قراءة القرآن وهو يسمع الغناء، ولكن لا يستطيع أن يغير مكانه؟

    الجواب: إذا كان هناك غناء واستطاع أن يغير مكانه فهذا الأولى، وهو الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يردف ابن عباس وراءه، فسمع مزماراً فتنحى عن الطريق، وجعل إصبعه في أذنه وكان يقول له: (هل تسمع؟ هل تسمع؟) حتى لا يسمع اللهو والباطل، وإن كان في مكان لا يستطيع التحول عنه إلى غيره، فهذا مغالبة للباطل إن شاء الله تعالى، فهو يغالب بالحق الباطل، ويصر على أن يرفع صوت القرآن على صوت الغناء.

    إتيان المعاصي والذنوب ليس سبباً للتخلي عن حفظ كتاب الله

    السؤال: قد يخالف المسلم ما يحفظ ويرتكب ذنوباً، ولكن مع ذلك يقول: لن أتوقف عن الحفظ والمراجعة، ولست مصراً على المعاصي وأتوب وأستغفر، فما الحكم في مثل هذه الحالة؟

    الجواب: كلنا ذاك الرجل، وخير الخطائين التوابون، واحرص وكن مع القرآن، فسيكون ذلك إن شاء الله أبعد لك عن هذه الآثام والذنوب إن شاء الله تعالى.

    أسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق والفائدة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.