إسلام ويب

السيرة العمرية [3]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اشتهر عمر رضي الله عنه بالعدل؛ فقد كان عادلاً حتى على نفسه وأقرب المقربين إليه وأحب الناس إليه، وكان حريصاً في هذا الباب على متابعة ومراقبة ومحاسبة عماله، حتى لا يحصل منهم حيف أو ظلم على الرعية، وبهذا انتشر العدل في زمنه، وزادت الفتوحات، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، فرضي الله تعالى عن عمر وأرضاه.

    1.   

    تولية أبي بكر رضي الله عنه عمر من بعده

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! المسئولية العمرية معلم بارز من معالم السيرة العمرية النورانية، وقد وقفنا من قبل مع قوة عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، فلننظر إليه اليوم وهو يتحمل أمانة الله عز وجل، وهو يتكلف مسئولية الأمة كلها، فكيف تأهل عمر لهذا المنصب الرفيع، إنه لم يتقدم إليه بنفع من قرابة، ولا بدفع من وساطة، وإنما كان إيمانه في قلبه، ويقينه في فؤاده، وبلاؤه في نصرة دين الله عز وجل، وحفاظه على الأمة، وغيرته على الدين، وشدته على الأعداء، إلى غير ذلك من المواصفات العظيمة التي كانت مؤهلاً لأن يتسلم هذا المنصب الرفيع في أمة الإسلام، وأن يكون خلفاً لـأبي بكر الذي كان خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لما اشتد المرض على أبي بكر رضي الله عنه دعا بعض الصحابة من المهاجرين والأنصار، وقال: ( اختاروا لكم أميراً من بعدي؛ فإنكم في حل من عقدي وبيعتي، وأوشك أن أنتقل إلى ربي )، فلم يجتمع أمرهم على أحد، وقالوا: ( قد فوضنا الأمر إليك يا أبا بكر ، فنظر أبو بكر فيمن صحب محمداً صلى الله عليه وسلم فوجدهم كلهم أصحاب فضل وسبق، وكلهم أصحاب جهاد وبلاء، وكلهم أصحاب بذل وعطاء؛ فإذا به يقلب الأسماء اسماً اسماً، وإذا به يتصفح الوجوه وجهاً وجهاً، وإذا به يستنطق التاريخ حدثاً حدثاً ويوماً يوماً، وإذا به يستقر رأيه على عمر رضي الله عنه، ثم ينطلق مستشيراً أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقد كانت الشورى منهجاً نزل في القرآن وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المسدد بالوحي من الرحمن، وسار على إثره من بعده صحابته رضوان الله عليهم، فأي شيء قيل عن عمر ؟ دعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف ليسأله عن عمر ؟ فقال عبد الرحمن رضي الله عنه: ( ما تسألني عن أمر وأنت أعلم به مني؟ ) أي: لا يوجد رجل أخبر بـعمر من أبي بكر ، لكن أبا بكر أراد أن يستفرغ جهده في النصح للأمة وتحمل المسئولية في أمر هو من أعظم أمورها وأخطر قضاياها، فقال: ( وإن يا عبد الرحمن ؟! ) أي: وإن كنت به خبيراً فإني أقضي في توليته مستشيراً، فأجاب عبد الرحمن بكلمات موجزات، وقال: ( هو والله! أفضل من رأيك فيه)، ولعمري إنها لكلمات عظيمة؛ فأي رأي لـأبي بكر في عمر ؟ إنه رأي التقدير والتعظيم لرجل قد ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام في شأنه على وجه الخصوص ما ذكر، ثم دعا أبو بكر رضي الله عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه واستشاره، فقال عثمان : ( علمي به: أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله )، ثم دعا أسيداً وبعض الأنصار، فقال أسيد : ( اللهم أعلمه الخيرة بعدك )، ثم قال عن عمر : ( يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن )، ثم قال مقالة واضحة جلية في أهلية عمر : ( ولن يلي الأمر أحد أقوى عليه منه )، وكان الأمر كما قال، فاستقر رأي أبي بكر على عمر ، فتكلم بعض الناس في أمر عمر وشدته وقالوا: أتولي بعدك عمر ؟! أما تخاف الله يا أبا بكر ؟! فأمر أبو بكر أن يجلس، وكان قد أقعده المرض، وقال: أبالله تخوفونني؟! والله لئن سئلت لأقولن: وليت على أمة الإسلام خيرهم )، وكان يرى ذلك أبو بكر والصحابة رضوان الله عليهم، واستقبل عمر رضي الله عنه الخلافة في صبيحة الثلاثاء بعد دفن أبي بكر وانتقاله إلى الدار الآخرة ليلقى ربه ومولاه.

    1.   

    مباشرة عمر رضي الله عنه للمسئولية بنفسه

    بدأت ملامح القيادة العمرية والتصوير الدقيق لعظمة وأهمية ودقة المسئولية في صورة عملية تكررت في كل لحظة من اللحظات، وفي كل ليلة من الليالي، وفي كل يوم من الأيام عبر عشر سنوات طوال امتدت فيها خلافة عمر رضي الله عنه، ولم يكن الأمر كلاماً وثناءً، ولم يكن قولاً وادعاءً، وإنما كان ممارسة وتطبيقاً تنظر إليه الأمة كلها في شرق الأرض وغربها، عبر مرور الزمان، وعبر تغير المكان، فالكل رأى هذه الصورة المشرقة الوضيئة لمسئولية عمر ، ولقيادة عمر ، ولنموذج الحاكم المسلم الذي ضرب أمثلة رائعة في شتى المجالات يقصر حديثنا دونها، وتضيق مقاماتنا عن استيعابها، وتقل طموحاتنا وخيالاتنا في هذا العصر الذي تخلفت فيه أمتنا عن أن ندركها أو نتصورها.

    فكان أول أمر عمر هو أول أمر ينبغي أن يبدأ به كل مسلم في كل عمل وكل مسئولية صغيرة كانت أو كبيرة، إنه أمر الاستعانة بالله عز وجل، إن المرء ضعيف بنفسه، قليلة حيلته، ذاهبة خبرته ما لم يسدد من الله سبحانه وتعالى، ولقد كان عمر من أعظم الناس اتصالاً بالله، وأعظمهم ارتباطاً وخشية وخوفاً من مولاه، فلما تلقى الأمر ولما تحمل المسئولية كان أول ما قال دعاءً يستعين الله سبحانه وتعالى فيه على أن يعينه، فقال: ( اللهم إني ضعيف فقوني، اللهم إني غليظ فليني، اللهم إني بخيل فسخني )، فكان عمر يرى في أمر نفسه شدة، وكان يريد لنفسه في أمر أمته أمراً يحبه الله عز وجل ويرضاه، ثم قال عمر : ( لو علمت أن أحداً أقوى على هذا الأمر مني لكان ضرب العنق أحب إليَّ من أن ألي هذه الولاية )، أي: لم تكن فرصة أو غنيمة اكتسبها، ولم يكن شرفاً كان يسعى إليه، ولم يكن أمراً من الفخر كان يتطلع إليه، بل كانت مسئولية عظيمة ناء بها ظهره، وأشغلت ليله ونهاره.

    ولذلك بدأ عمر يرسم ملامح المسئولية، وأولها: المباشرة والمشاركة، فلم يتخذ عمر أبواباً، ولم يتخذ حجاباً، ولم يجعل بينه وبين الناس باباً، ولذلك كان أول مجلس جلسه في بداية سياسته أنه بين للناس ما ينبغي أن يؤدى من الرعية للراعي، ومن الراعي للرعية في فقه إيماني عمري، قال فيه عمر رضي الله عنه: ( الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى إلى الله عز وجل، فإذا ركع ركعوا )، بين في هذا أن أمر الصلاح متعلق بصلاحه؛ لأنه القائد والحاكم والآمر والناهي، فإن أدى حق الله وإن خاف الله انعكس ذلك في رعيته، ثم قال للناس: ( والله! لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني شيء من أمركم فآلوا فيه عن أهل الصدق والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم، ما يكون من أمر بين يدي إلا وأكون أنا الذي أتولاه، وأنا الذي أباشره، وأنا الذي أشارك فيه، لا أكون بعيداً عنكم، ولا مترفعاً عنكم، ولا مبتعداً عن أموركم )، أي: أنه سوف يباشر ذلك بنفسه رضي الله عنه وأرضاه.

    ولقد طبق ذلك؛ فكان عمر بنفسه يطعم ويسقي، ويسأل ويفصل، ويقضي ويحكم، ويعس ويستقضي، وكان يذهب كل مذهب، حتى قال فيه الصحابة: لقد أتعبت من بعدك يا عمر!

    ثم إنه لم يخلد إلى الراحة، ولم يسكن إلى الاستراحة، وإنما كان الأمر عنده مسئولية عظيمة، فهذا معاوية بن خديج يأتي من مصر في زمن عمر يبشره بالفتح ودخول الإسكندرية، فوافى المدينة في وقت الظهيرة، فأتى إلى بيت عمر ناحية مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجده فيه، فدخل إلى المسجد، فلما قدم عمر قالوا: رجل من مصر يسأل عنك، فذهب إلى المسجد فدعاه إلى بيته، ثم قال له: ( ما قلت يا معاوية ! إذ لم تجدني؟ ) يعني: أي ظن دار في خاطرك؟ فقال معاوية : (قلت: إن أمير المؤمنين قائل)، أي: نائم في وقت القيلولة، فقال عمر وقد ضرب على صدره: (بئس ما ظننت؛ والله لئن نمت النهار لأضيعن رعيتي، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي!) قالوا: وكان عمر لا ينام إلا غراراً من ليل أو نهار. أي: خفقات يخفقها، لا يطمئن فيها قلبه، ولا يغمض جفنه؛ لأنه يرى أنه تحمل مسئولية الصغير والكبير، وشرق الأرض وغربها، والجنود والرعية كلها، فكان لا يرى هذه الراحة ولا يأنس بها؛ لأن في قلبه هماً عظيماً يشارك فيه الأمة في كل مأساة من مآسيها، وفي كل مصيبة من مصائبها، وفي كل حاجة من حاجاتها.

    1.   

    موقف عمر رضي الله عنه مع رعيته عام الرمادة

    ولما جاء عام الرمادة -وهو عام المجاعة الذي أصاب المدينة وبعض بلاد نجد، وبلغ الأمر مبلغاً- كان عمر أول المشاركين في تحمل هذه المعاناة، وأول المبالغين في الشدة على نفسه رحمة الله عليه ورضي الله عنه، وكان من شأنه -كما ذكر كُتَّاب السيرة- ما روى أسلم -وكان من مواليه والعاملين معه- فقال: ( كنا نقول: لو لم يرفع الله المجاعة عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هماً بأمر المسلمين )، أي: أنهم كانوا يخشون عليه الموت من شدة همه وغمة لحال الأمة في ذلك الوقت.

    وقد روى الواقدي عن بعض أزواج عمر ونسائه: ( أن عمر ما قرب امرأة من أهله في عام الرمادة؛ هماً بأمر المسلمين ) أي: من شدة همه وتحمل مسئوليته، حيث إنه كان يتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الإمارة: (إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة)، فكان عمر يحمل الأمانة كما ينبغي أن تحمل، وكان يخشى الخزي والندامة خشية لا يتصورها كثير من الناس، وهكذا كان عمر في مباشرته وفي مشاركته لرعيته أنه بين أول صورة من صور المسئولية.

    1.   

    توجيه عمر رضي الله عنه وإرشاده للأمة

    ثم قام بأمر ثانٍ وهو: أمر التوجيه والإرشاد، وهو أمر من مهمات المسئولية، فأي شيء كان يوصي عمر به رعيته؟ لقد قال لهم في أول أمره وفي بداية خلافته: (اقرءوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية. اتقوا الله عباد الله! وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإخباري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم )، هذا هو توجيهه لكي يحصل التكامل والتعاون بين الراعي والرعية، حيث قال: ( أعينوني على أنفسكم بكفها عني، فلا تشغفوا، ولا تخالفوا، ولا تعتدوا، ولا تظلموا، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخباري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم ).

    1.   

    حب عمر رضي الله عنه لنقد الناس ونصيحتهم له

    كان عمر رضي الله عنه يطلب من الناس أن ينقدوه وينصحوه، ويوجهوه ويأمروه وينهوه ما دام ذلك بأمر الله وبأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو وهم خاضعون لأمر الله ولهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان يقول رضي الله عنه: ( أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي )، ولم يكن ذلك أيضاً إعلاناً سياسياً، ولا قولاً ادعائياً، وإنما كان صورة حية عملية، وكان عمر يأتيه الآتي من الناس ويقول: اتق الله يا عمر ! ويهز عمر بقوته وهيبته، فيطأطئ عمر رأسه، وينسكب دمعه من عينه خشية لله عز وجل، وكان يسمع للصغير والكبير، وللقاصي والداني؛ حتى إنه كان يبحث عمن يستشيره ومن يسأله بحثاً عجيباً.

    1.   

    مسئولية عمر المالية ومنهجه في ذلك

    ثم هناك أمر ثالث في مسئولية عمر المالية، وما أدراك ما ارتباط المسئولية بالنواحي المالية، كان عمر يرسم في ذلك على نفسه ثم على ولاته صورة من أعظم الصور التي يضمن بها ضبط الحقوق ووضعها في مواضعها، فقال للناس من أول يوم وفي بداية أمره: ( لكم علي ألا أجتبي من خراجكم ولا من فيئكم شيئاً إلا من وجهه -أي: الشرعي- ولكم علي إذا وقع في يدي ألا يخرج إلا في حقه، ثم قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وان افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت، أما أموالكم وخراجكم وبيت مال المسلمين فلا حق له فيه إلا كحق ولي اليتيم، إن افتقر أكل بالمعروف بقدر ما يحتاج مقابل عمله، وإن أيسر استغنى، قال: ( وإن استغنيت استعففت )، أي: أنه استغنى من أن يأخذ شيئاً، وإن أخذ أخذ بالمعروف، ثم إن أيسر قضى إلى بيت مال المسلمين.

    وهكذا كان عمر في صورته العملية، فقد كان يعمل في بعض الأحوال بالتجارة؛ ليكسب قوته وقوت عياله، فأرسل مرة إلى رجل من الصحابة من يستقرض له أربعة آلاف درهم يريد أن يستعين بها في أمر تجارة من الشام، فرد الصحابي رسول عمر ، وقال له: قل له: يأخذها من بيت المال، فإذا غنم فليردها. فغضب عمر وأسرها في نفسه، وشق ذلك عليه، فلما لقي ذلك الصحابي قال له: ( أنت القائل: فليأخذها من بيت المال ثم ليردها؟ قال: نعم، قال: ولعلي إن فعلت ذلك فمت قلتم: أخذها أمير المؤمنين دعوها له، وأؤخذ بها يوم القيامة، لا والله! لا أقدر، ولكن أردت أن آخذها من رجل صحيح شحيح مثلك، حتى إذا مت أخذها من ورثتي )، وهكذا كانت عفة عمر عن الأموال العامة وسياسته ومسئوليته فيها، وقد جاء إليه مرة حفص بن أبي العاص ، ودخل إلى بيت أمير المؤمنين، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر ، وصاحب أعظم منصب في الأمة التي ورثت ملك كسرى وقيصر، فدخل على عمر ، فقدم له عمر طعاماً، فأمسك الرجل يده، فقال: ( مالك لا تصيب من طعامنا؟! ) إنه طعام الخليفة في دار الخليفة في وقت خلافته وعظمته، فقال الرجل: إن طعامك جشب غليظ، وإني راجع إلى طعام لين قد صنع لي فأصيب منه. فقال عمر : ( أو أعجز أن آمر بشاة أو بعناق فتذبح، ثم يسلخ عنها جلدها، ثم آمر بدقيق فيعجن، ثم آمر بهما فيضرم عليهما النار ...؟ ) فوصف الطعام حتى عجب الرجل، وقال: والله! إنك لعالم بالطعام يا عمر ! فقال عمر رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده! لولا أن تنتقص حسناتي لشاركتكم لين عيشكم؛ فإني سمعت الله عز وجل يقول: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20] ).

    لقد كان عمر يعف ويتوقأ ويزهد؛ لأنه تلقى ذلك من مدرسة النبوة؛ فقد دخل يوماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نام على حصير أثر في جنبه، فحزن عمر ، وجرت دمعته في عينه، وطأطأ رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما لك يا عمر ؟! قال عمر : كسرى وقيصر في العيش الرغيد الهنيء ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجد بينه وبين الحصير وقاءً يقي جنباً؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم)، هكذا تربى عمر رضي الله عنه، فلم يكن في قلبه تعلق بالمال، ولم يكن في نفسه شغف بالثروة، وإنما كان عنها معرضاً، وفيها زاهداً، ولمصلحة المسلمين مسخراً، ولذلك كان عمر في هذا سريع التجاوب، لقيه مرة أبو الدرداء رضي الله عنه وهو علم من أعلام الزهد في مدرسة النبوة من صحب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لـعمر يعظه ويذكره ويذكر نفسه: ( أتذكر حديثاً حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وما هو يا أبا الدرداء ؟! قال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب)، فقال عمر: نعم، فقال أبو الدرداء : فما صنعنا بعده؟ فجعلا يتذاكران ويبكيان رضي الله عنهما وأرضاهما ).

    فإذاً: لم تكن المسئولية عند عمر مغنماً، ولم يكن ذلك في شأنه، وكان يطبق هذا على ولاته أيضاً، كما سنذكر.

    وهناك معلم رابع من معالم مسئولية عمر وهو: الدقة والشمولية، والدقة في هذه المسئولية وشمولها لا يخرج عنها صغير ولا كبير، ولا قوي ولا ضعيف، وليس فيها محاباة لأحد، ولذلك كان عمر رضي الله عنه من دقته أنه كان ينظر في إبل الصدقة أمراضها، وكان ينظر إلى البعير من إبل الصدقة قد أصابه المرض، ويقول: ( إني لخائف أن أسأل عنك يوم القيامة ).

    وهكذا قال في الرواية المشهورة التي ذكرها ابن سعد في طبقاته وغيره: ( والله! لو أن جملاً مات بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه )، فكان دقيقاً في مسئوليته غاية الدقة، حتى إن علياً رضي الله عنه رآه مرة وهو يمشي ويستبكي، فقال: ( مالك يا أمير المؤمنين؟! قال: إبل من إبل الصدقة ند فأنا في أثره حتى أرجعه! فقال علي : لقد أتعبت من بعدك )، وهكذا كان عمر رضي الله عنه.

    ثم إنه كان إذا أمر بأمر أو نهى عن نهي جمع أهل بيته وذوي قرابته، ثم قال لهم: ( فإني قد أمرت بكذا وكذا، أو نهيت عن كذا وكذا، وإن الناس ناظرون إليكم لمكانكم مني -أي: لأنكم أقرباء الخليفة، أو أصهار أمير المؤمنين- فإذا وقعتم وقعوا، وإذا هبتم هابوا، والله! لا أرين أحداً منكم أتى ما نهيت عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء منكم فليتقدم، ومن شاء منكم فليتأخر ).

    وكان عمر رضي الله عنه يتنبه لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2]، وكان يخشى مما ذكر الله عز وجل من وصف اليهود وكبرائهم، وأنهم كانوا يأمرون الناس بما يخالفونه، فكان يطبق ذلك على نفسه وعلى خاصة أهله.

    1.   

    بغض عمر رضي الله عنه للمداهنة والمجاملة

    كان أيضاً لا يدع مجالاً للنفاق والادعاء والكذب، بل كان دائماً يضع حداً فاصلاً بين الحق والباطل، ولا يقبل مداهنة ولا مجاملة، وكان مرة في مجلسه، فتذاكر بعض الناس مآثر عمر ، وهو جالس معهم، فقال بعضهم: ( والله! ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط ولا أقول بالحق، ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين! فأنت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عوف بن مالك -وكان يعلم من عمر عدم حبه للنفاق والمراءاة والمداهنة-: ( كذبتم؛ إني قد رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً من عمر أبا بكر رضي الله عنه )، فماذا قال عمر في مثل هذا الموقف، وهو أمير المؤمنين يمدح، ثم يأتي من يقوِّم المدح ويرد ما كان فيه من باطل؟ قال: ( صدق عوف ، وكذبتم، والله! لـأبو بكر أطيب من ريح المسك وإني أضل من بعير أهلي )، أي: يوم كان قد أسلم كنت لا زلت بعد في الجاهلية، فهذه بعض معالم المسئولية في سيرة عمر رضي الله عنه.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يتحملون الأمانة حق التحمل، ويقومون بكل ما استرعانا الله عز وجل فيه من المسئولية؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    منهج عمر رضي الله عنه في تولية القضاة ومحاسبتهم

    إن من أعظم معالم المسئولية العمرية منهج عمر في تولية الولاة ومحاسبتهم؛ فإنه كان يشرف بنفسه على ما تحته أو ما عنده من الأمور، وكان يولي على الآفاق والأمصار، وعلى الجند والجيوش، فأي الرجال كان يولي عمر ؟ لقد كان يعرضهم عوداً عوداً، ويخبرهم واحداً واحداً، ويسأل عنهم، ثم بعد ذلك لا يطمئن حتى يتابع أعمالهم، فكان عمر رضي الله عنه يقول: ( إني لأستحيي أن أستعمل رجلاً وأنا أجد أقوى منه )، أي: ولو كان هذا الرجل صالحاً لهذه المسئولية، ولكن هناك من هو أصلح منه، فإن عمر كان لا يرى جعله على هذه الولاية وهذا الشأن، وهكذا كان عمر رضي الله عنه على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حذر من مغبة آخر الزمان، وذكر من أوصافه: (أنه يوسد الأمر إلى غير أهله، وتضيع الأمانة)، أما في عهد عمر فقد كان معلم النبوة بارزاً ظاهراً، ولذلك كان كثيراً ما يستشير أصحابه ويقول: دلوني على رجل لأمر كذا وكذا، فذكروا له فلاناً من الناس، فقال: لا حاجة لي فيه، قالوا: فمن تريد يا أمير المؤمنين! قال: ( أريد رجلاً إذا كان في قوم وليس أميرهم كأنه أميرهم، وإذا كان فيهم وهو أميرهم كأنه رجل منهم)، يريد عمر نموذجاً مصغراً، وصورة منه رضي الله عنه، فقد كان شديداً في الحق ليناً لأهل الحق، كان يريد رجلاً إذا كان في الناس وليس أميرهم كأنه أميرهم من حبهم وتوقيرهم له، وتقديمهم إياه، وإذا كان فيهم وهو أمير عليهم كأنه واحد منهم من قربه منهم، ومن لينه معهم، ومن بساطته بينهم، ومن عدم غلظته عليهم، وهذه المواصفات لم تكن خيالاً أو تنظيراً، بل كان عمر يمحص ويمهد ويختبر وينتقي مثل هذه المواصفات في أعيان الصحابة وأعيان الرجال الأبطال ممن جاء بعدهم.

    وكان إذا ولَّى رجلاً كتب له كتاباً، وأشهد عليه جمعاً من الأنصار والمهاجرين؛ حتى يعظم المسئولية في نفس هذا الوالي، وحتى يعظم خوف الله في قلبه، فكان يقول له فيما يكتب عليه مما قد يشابه اليوم ما يسمى بالقسم الذي يقسمه أصحاب المسئولية أو نحو ذلك، كان يقول له في كتابه: ( إنه ينبغي له ألا يظلم أحداً في جسده، ولا في ماله، ولا يستغل منصبه لفائدة أو مصلحة له، ولا لمن يلوذ به )، وكان يقول لولاته: ( إني لم أستعملكم على دماء المسلمين ولا على أعراضهم، ولكن أستعملتكم لتقيموا الصلاة، وتقسموا بينهم، وتحكموا بالعدل. إني لم أبعثكم جبابرة، ولكن بعثتكم أئمة؛ فلا تضربوا المسلمين فتضلوهم، ولا تمدحوهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم فتظلموهم )، وكان يشهد على هذا الكلام عندما يولي الولايات، وكان يأخذ على كل والٍ ألا يغلق بابه دون الناس.

    بل قد ورد في بعض السير أنه بلغه أن بعض ولاته اتخذ قصراً أو داراً وجعل له باباً، فبعث إليه محمد بن مسلمة -وكان المفتش الإداري العام عند عمر رضي الله عنه- وبعث معه من يحرق هذا الباب أول بلوغه، وقال: ( اتخذت باباً دون الناس حتى لا يصل إليك ذو الحاجة المظلوم؟! ) وهكذا كانت ولايته رضي الله عنه، وقد كان ولاته من الصحابة، فكيف إذا كانوا من غيرهم؟!

    ورد أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري : ( أن سو بين الناس في مجلسك وجاهك؛ حتى لا ييئس ضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك ).

    ثم بعد هذا الاختيار والانتقاء والوصايا والإشهاد لا يقنع بذلك، فقد قال مرة لجمع من الناس: ( أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت الذي علي؟ -أي: هل أخليت مسئوليتي باختيار الأفضل وتوصيته وأمره؟- قالوا: نعم يا أمير المؤمنين! قال: لا؛ حتى أنظر في عمله: أعمل بما أمرته أم لا؟).

    اتخاذ عمر رضي الله عنه مبدأ الإشراف والمراقبة والمتابعة لعماله

    كان عمر يأخذ مبدأ الإشراف والرقابة والمتابعة، وأذكر نموذجاً واحداً من نماذج شتى يضيق المقام عن حصرها، هذا أحد النماذج التي كان عمر يفتح لها صدره وبابه ليسمع شكاية الناس في الولاة، ثم يأتي بالوالي والرعية في المجلس بين يديه، وينظر أمير المؤمنين في القضية: سعيد بن عامر الجمحي رضي الله عنه كان والياً لـعمر على حمص، فجاء إليه أهل حمص، فسألهم عن أميرهم، فشكوا إليه أربع خصال، فاستدعاه عمر من حينه إلى المدينة إلى مقر الخلافة؛ ليكون في مجلس القضاء الفصل، والحكم بالعدل بين يدي عمر رضي الله عنه، فجيء بـسعيد وجيء ببعض أهل حمص الذين قالوا هذه المقالة، وتقدموا بشكاواهم، وكان سعيد بن عامر يدافع ويرد على ذلك بين يدي عمر ، وقبل أن يقدم على عمر قال: ( اللهم لا تخيب فراستي فيه )، فقد كان عمر يحزن أشد الحزن إذا وجد في ولاته تغيراً؛ لأنه كان ينتقيهم ويختارهم، ويتفرس فيهم، وينظر فيهم بفراسة المؤمن التي آتاه الله إياها، فكان يرى سعيد بن عامر مثلاً من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يحب أن يكون فيه نقص أو تغير، لكنه كان يرى العدل، وكان يرى ضرورة ضبط الأمور في هذه المسئولية، فلما جاء أهل حمص قال لهم: ما شكايتكم؟ قالوا: كان لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، فالتفت عمر إلى سعيد : ما تقول؟ فيقول: أما إني ما كنت أحب أن أقول، ولكنه ليس لأهلي خادم، فإذا أصبح الصباح عجنت عجيني، وخبزت خبزي، فلا أخرج لهم إلا وقد مضى من النهار شيء، فحمد الله عمر رضي الله عنه، ثم قال لأهل حمص: وما شكايتكم؟ قال: لا يرد على أحد بالليل، فالتفت إليه عمر ، فقال: قد تركت النهار لهم، وتركت الليل لربي، فحمد الله عمر رضي الله عنه، ثم قالوا له: إنه يغيب عنا يوماً في الشهر فلا يظهر إلا آخر النهار، فقال: أما إني كنت لا أحب أن أقول، ثم قال: إنه ليس لي إلا ثوب واحد، فإذا اتسخ غسلته، وانتظرته؛ حتى يجف، فأخرج إليهم متأخراً، قالوا: وكان يغشى عليه المرة بعد المرة، أي: يصاب بإغماء، قال: أما إني ما كنت أريد أن أقول، ولكني شهدت مصرع خبيب بن عدي رضي الله عنه في مكة يوم صلبه كفار قريش وقالوا له: أتحب أن محمداً صلى الله عليه وسلم مكانك؟ فقال: ما أحب أن يشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة وأنا آمن في أهلي، ثم قتل، قال: ففي نفسي أني لم أكن نصرته يومئذٍ، وكنت من الكافرين، فكلما ذكرت موقفه أُغمي علي، فحمد الله عمر على أن هذا النموذج من ولاته يمثل سياسته ويمثل نظرته للمسئولية، ثم بعث به إلى حمص مرة أخرى، وبعث في إثره بأربعة آلاف درهم، كتب له أن ينفقها على نفسه وأهله؛ لأنه قد بلغت حاله من الزهد والفقر مبلغاً عظيماً، فدخل سعيد بن عامر على أهله -وقد كان في ذلك الوقت يتوقع مجيء جيش من جيوش الكفر- وهو مهموم مغموم، فقالت له زوجته: أي شيء يا سعيد ! أجاء العدو؟ قال: لا، بل أعظم، قالت: فاذكر من عندك، قال: فإني لا آمنكم عليه، قالت: خذ الأمان لنفسك، قال: قد بعث عمر إلي بأربعة آلاف درهم، وأمرني أن أنفقها على نفسي وأهلي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن فقراء المهاجرين يسبقون أغنياءهم إلى الجنة بأربعين خريفاً)، وأخشى ألا أكون من السابقين، قالت: قد أمنتك، فدونك المال، فجعل يربطه خرقاً خرقاً ويوزعه، حتى ما انتهى يومه إلا وقد وزعه كله.

    فهذا نموذج من نماذج ولاة عمر رضي الله عنه، وهذه ثمرة ذلك النظر الثاقب في الرجال، وتلك المراقبة الدقيقة في متابعة الأعمال، فرضي الله عن عمر على ما قدم لأمة الإسلام والمسلمين.

    ونسأل الله عز وجل أن يجدد فينا سيرة عمر وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.

    1.   

    عمر رضي الله عنه والتنمية

    أما التنمية العمرية فقد ساس عمر الناس وقادهم وسعى في صلاحهم، وجهد في خيرهم وعطائهم ورخائهم؛ لتبرز لنا صورة مشرقة من صور التطبيق الإسلامي الأمثل لإدارة شئون الحياة، وللتعامل مع مستجدات الأمور، ونحن اليوم نسمع حديث التنمية والرخاء يتردد صباح مساء، وكثير من حديث الناس والساسة وأهل التحليلات والأخبار إنما يدور حول هذه القضايا، وقد مر بنا قريباً مؤتمر السكان والتنمية، وغير ذلك مما هو حديث الناس اليوم عن الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وعن الفقر، وعن مستوى المعيشة، وغير ذلك، ويُنسب كثير من النقص والقصور زوراً وبهتاناً واعتداءً وافتراءً إلى دين الإسلام! والإسلام من ذلك براء.

    فهذه صورة الحياة الإسلامية والرفاهية الإسلامية في عهد عمر رضي الله عنه تبرز لنا الجانب المهم الذي ينبغي أن يكون يقيناً راسخاً عند كل مؤمن ومسلم، وهو أن الحياة في ظلال القرآن وفي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وعلى منهج الإسلام هي الحياة الهنيئة الوضيئة في هذه الحياة الدنيا، وهي التي تؤهل -بإذن الله عز وجل- إلى رضوان الله ورحمته في الحياة الأخرى، وأما غير ذلك فهو الشقاء وإن عظمت الأموال، وهو النكد والتعاسة والبلاء وإن اتسعت أسباب الرزق وتنوعت سبل التقدم، كما قال جل وعلا: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    إن عمر رضي الله عنه كان قد جعل للتنمية أسساً في طبيعة الفكر والحكم والمبادئ التي ساس بها أمته، فجعل المساواة والعدالة والحرية والشورى أسساً تنطلق من خلالها كل الإبداعات، وتتفجر عبرها سائر الطاقات، ويحصل من خلالها التنافس في مجال الخيرات، ولذلك جعل عمر هذه القوائم دعائم وأسساً لم يتخل عنها في إعلانه، ولا في تطبيقه، ولا في ممارسته، فجعل ذلك أمراً بيناً واضحاً، فهو في المساواة يعلن للأمة في ملأ منها قائلاً: ( والله! الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم )، أي: التفريق إنما هو في العطاء والبذل للإسلام، قال عمر : (الرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وضناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، والله! لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه)، أي: في طلبه واستجداءً لغيره، قالها عمر بلسانه ثم طبقها بفعله، كما سنتحدث في بعض ومضات من تنمية عمر رضي الله عنه.

    لقد كان عمر رضي الله عنه يطبق المساواة عملياً، فحينما جاءت بعض البرد -وهي الثياب الطيبة الرخية من بلاد اليمن- وزع عمر على الصحابة وعلى المسلمين، وأخذ لنفسه مثلهم، ثم لما رقي المنبر قال: (اسمعوا وأطيعوا)، قال: سلمان : (لا سمع ولا طاعة)، قال: (ما بك يا أبا عبد الله ، قال: أعطيتنا برداً برداً وأخذت بردين، فقال عمر : قم يا عبد الله بن عمر ! من أين هذه البردة؟ قال: إنها لي، وقد أعطيتها لأبي، قال عمر : لم يكن لي ثوب ) وكان عمر طويلاً جسيماً، فأخذ ثوب ابنه وجعله معه، فقال سلمان : (أما الآن فقل نسمع ونطع بإذن الله عز وجل).

    1.   

    عدالة عمر رضي الله عنه

    ثم جاء عمر ليؤسس العدالة، ويبين أنها أمر مهم لكي تستوي الفطرة البشرية، ولكي يمكن أن تنطلق الطاقات والابداعات، فإذا بـعمر يقول مقدراً حقيقة مهمة هي أعظم من كل الدساتير التي تنادي بحقوق الإنسان اليوم، يقولها عمر في كلمات موجزة: ( ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يقر على نفسه )، أي: بما لم يكن، وهذا دليل على حرية الإنسان وكرامته في الإسلام، وأن حقه محفوظ، وأن العدل ينصفه من كل من يعتدي عليه أو يجور، وإذا بـعمر يطبق ذلك عملياً، كما في القصة المعروفة الشهيرة: لما أجرى عمرو بن العاص -وكان والياً على مصر- الخيل سبق أحد الأقباط ابناً لـعمرو بن العاص ، فأخذ هذا الابن درة وضرب بها المصري، وقال: أتسبق ابن الأكرمين؟! فخشي عمرو من هذا الحدث أن يبلغ عمر ، فذكرت بعض الروايات أنه حبس الرجل أو أخره، ثم خرج الرجل من مصر إلى المدينة ينشد عدالة عمر ، فاستدعى عمر عمرو بن العاص وابنه، وجمع الناس، فلما حق له الحق وعرف الواقعة أعطى درته للقبطي، وقال: اضرب بها ابن الأكرمين، ثم لما ضربه، قال: ( جل بها على صلعة عمرو بن العاص ، فوالله! ما ضربك إلا من سلطان أبيه )، فقال: القبطي -وقد رأى العدالة-: قد ضربت الذي ضربني يا أمير المؤمنين! وإني مسلم لله رب العالمين، قال: (والله! لو ضربته لما منعتك منه )، ثم التفت إلى عمرو بن العاص وهو يقول كلمته الأثيرة الشهيرة الذائعة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! ).

    1.   

    تثبيت عمر رضي الله عنه لأصل الشورى في حياة المسلمين

    ويمضي عمر في الأصل الثالث، وهو أصل الشورى في حياة الأمة الإسلامية فيجعله أمراً واضحاً في كل شأن من شئون الحياة، فكانت الأمور في عصر عمر تجد، فكان يشاور رضي الله عنه ولا يستبد، وكان يعطي الحرية لكل من شاء أن يقول بالحق ما شاء، وأن يطلب بالحق ما شاء، ومن ذلك: أنه خرج هو ورجل يقال له الجارود ، فمضى معه في الطريق، فإذا بامرأة تعترض طريق عمر ، وقالت: يا عمر ! لي إليك حاجة، فوقف عمر يسمع منها، فقالت: يا عمر ! عهدي بك وقد كنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تصارع الفتيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية! واعلم أن من خاف الموت خشي الفوت، فقال الرجل الذي مع عمر : إيهٍ! قد اجترأت على أمير المؤمنين، فأسكته عمر وقال: دعها يا جارود ! أتعلم من هذه؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فلعمر الله لـعمر أحرى أن يسمع من قولها.

    ويقول حذيفة رضي الله عنه: ( دخلت على عمر وهو مهموم حزين، فقلت: ما أهمك يا أمير المؤمنين؟! قال: إني أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد عنه منكم تعظيماً لي )، أي: أنه كان يخشى أن تصد هيبته الناس من أن يأخذوا حريتهم في بيان الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال حذيفة : ( والله! لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك، ففرح عمر لذلك وقال: الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقومونني إذا اعوججت ).

    1.   

    الفتوحات في عهد عمر رضي الله عنه

    عندما جعل عمر المساواة والحرية والعدالة والشورى مبدأً عاماً في كل جانب من جوانب حياة الأمة تهيأت الأسباب الحقيقية لكل ما يأتي بعد ذلك، فكانت هناك أبواب عظيمة جعلها عمر -بإذن من الله عز وجل وتوفيقه- باباً من أبواب الخير والرخاء والقوة المادية للأمة الإسلامية، ومن أعظم هذه الأبواب: باب الجهاد والفتوحات الإسلامية، لم تكن الأمة في عهد عمر راكنة إلى الأرض، راضية بالدون، مخلدة إلى متاع الحياة الدنيا، ولم تكن ممن يصدق عليها قول الله عز وجل: مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة:38]، لم يثقلهم شيء، فانطلقوا في فجاج الأرض، انطلق صحب محمد صلى الله عليه وسلم يقودهم عمر ، ويوجههم ويفرقهم ويوزعهم على شتى البقاع والأمصار، فإذا بعهد عمر عهد الفتوحات العظيمة.

    ففي العام الرابع عشر فتحت بعلبك وحمص، وفي العام الخامس عشر فتحت المدائن، وكانت في هذه السنة وبعدها اليرموك والقادسية وفتوح الشام وفتوح العراق، وفي العام السادس عشر فتحت حلب وأنطاكية، وفي السابع العاشر كانت معركة جلولاء وفتحها، وكان فيها من الفيء ثمانية عشر ألف ألف في هذه الوقعة وحدها، وفي السابع عشر فتحت الأهواز، وفي الثامن عشر فتحت حران والموصل وتستر ونصيبين، وفي التاسع عشر فتحت تكريت وقيسارية، وفي التاسع عشر والعام العشرين أيضاً: فتح عمرو بن العاص أرض مصر، وفي العام التاسع عشر فتحت الجزيرة وإرمينيا، ومن بعدها في عام اثنين وعشرين فتحت أذربيجان وجرجان، وهذه بلاد نسمع عنها اليوم قد عفا عليها الزمن بعد أن ذهبت من بلاد الإسلام منذ أن فتحها عمر رضي الله عنه.

    وقد كان فتح جرجان ونهاوند على يد المغيرة رضي الله عنه، والدينور وهمدان على يد حذيفة رضي الله عنه، ومن بعد ذلك أتم عمرو بن العاص فتح طرابلس في الغرب، ففتحت البلاد، وتوسعت الأراضي، وزاد الخير، وعم النوال بلاد الإسلام والمسلمين بفضل الله عز وجل ثم بإقامة شريعة الجهاد التي لم تكن إرهاباً ولا قتلاً ولا سفكاً للدماء، بل كثير من هذه البلاد قد فتح صلحاً، وأقر أهل البلاد المسلمين على دخولها، وعلى حكمهم وعلى حفظهم وعلى أداء جزيتهم للمسلمين.

    وكذلك كان أعظم هذه الفتوح، وهو فتح بيت المقدس، الذي مضى إليه عمر رضي الله عنه بنفسه، ويأتي لنا حديث عنه بإذن الله عز وجل.

    1.   

    موقف عمر رضي الله عنه من الأراضي التي ملكها المسلمون بعد فتحها

    ولما فتحت هذه البلاد رأى عمر الخير يأتي من جوانبها كلها، فرأى عمر رضي الله عنه أن هذا المال وهذا العطاء حق للمسلمين، وكان ينظر نظراً بعيد المدى، لا ينظر إلى اليوم والغد فقط، وإنما ينظر إلى الأمة الإسلامية في شتى الأصقاع، وينظر إلى الأجيال التي ستأتي من بعده، فلما فتحت أرض العراق، وكان الشأن أن الأرض والسبي توزع على المقاتلين بحسب بلائهم وبحسب مشاركتهم في الجهاد، لكن عمر رأى أن هذا الفتح أعظم من أن يقسم بين أولئك الجند وحدهم، ثم لا يكون نصيب ولا شيء لسائر الأمة ولا لمن يأتي بعدهم، فماذا صنع عمر ؟ لم يستبد برأيه، وإنما جمع أهل الشورى وطرح رأيه مستنبطاً بفقه دقيق عميق من كتاب الله عز وجل، لينظر إلى مصلحة الأمة، وليؤسس لها أسساً تفيدها وتنفعها في قوتها ورخائها وعزتها، قال عمر رضي الله عنه مستنبطاً من كتاب الله عز وجل أن هذه الأرض يرى عمر أن تكون وقفاً لعموم الأمة الإسلامية في عصره والعصور من بعده، وأن يقر أهلها عليها، فلا يكونون من السبي؛ حتى يؤدوا الجزية، ويعطوا الخراج أيضاً، ورأي عمر هذا استنبطه من كتاب الله؛ قال: يقول الله عز وجل: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]، هذا أمر الفيء بعامته، قال: ثم خص الله به الفقراء من المهاجرين، ففي قوله جل وعلا: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، ثم يقول عمر : ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم أي: بالمهاجرين غيرهم، فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، ثم قال: وهؤلاء هم الأنصار فيما نعلم، ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم، فقال جل وعلا: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، قال: فكانت هذه عامة للمسلمين وللمقاتلين وغيرهم، كيف أقسمها بينهم؟ أيأتي من بعدهم فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؟ نظر عمر هذا النظر فخالفه بعض الصحابة، وخالفه بعض من كان من المقاتلين، وقالوا: حقنا يا أمير المؤمنين! فأعطنا إياه، فاستشار عمر ، وما زال يستشير؛ حتى جمع جمعاً من الأنصار من الأوس والخزرج وقال لهم مقرراً كل الحقائق التي أشرت إليها من العدالة والحرية والمساواة والشورى، قال قولاً بسط فيه الرأي لهم، وسطر فيه ما رأى من الخير للأمة، فقال رضي الله عنه وأرضاه: ( إني لم أجمعكم إلا لتشتركوا معي في أمانتي التي حملت، وإني واحد منكم كأحدكم، وأنتم الذين تقرون بالحق خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فقالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين! فقال: سمعتم كلام هؤلاء الذين يقولون: إني ظلمتهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أرتكب ظلماً، ولئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت )، ثم شرح ما سبق أن أسلفته من الآيات، قال: ورأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها -أي: على المسلمين كلهم- لتكون وقفاً لهم، وأضع عليهم فيها الخراج -أي: على الأرض- وعلى رقابهم الجزية، فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور -أي: البلاد التي على حدود بلاد المسلمين- لابد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن -البصرة والكوفة ونحوها- لابد من شحنها بالجند، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يُعطى هؤلاء إذا اقتسم هؤلاء؟ فأجمع الصحابة على رأي عمر فأمضاه، وكان الخير تلو الخير في ذلك، كما سنذكر بعد.

    فهذا باب من أبواب التنمية في الفتوحات وما كان فيها من الغنائم وما جعله عمر وقفاً على الأمة الإسلامية.

    إحياء عمر رضي الله عنه للأرض الموات

    وهناك أمر ثانٍ: وهو إحياء الأرض الموات، كان عمر يذكر الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، وهذا هو أمر التنمية، وهذا هو أمر الاستصناع والاستثمار، أن تبسط أيدي الناس في أرض الله عز وجل، وأن يعطوا منها، وأن يكلفوا بإعمارها، وأن يستخرجوا خيراتها، وأن يستثمروا ما فيها مما جعله الله من الأرزاق، فرأى عمر رضي الله عنه بعض الناس يأخذون هذه الأراضي ليستصلحوها وليحيوها، لكنهم يحتجزونها ويبقونها كما هي، فقال عمر رضي الله عنه: ( إنه ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين )، ثلاث سنوات للإحياء والاستثمار، أما أن يجعلها تحت يده ليستكثر بها من الأراضي فلا.

    وجاء رجل من أهل البصرة إلى عمر وقال: إن قبلنا أرضاً ليست من أرض الخراج، فلو رأيت أن تقطعنيها لتكون مرعىً لخيلي، فكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنه: ( إن كانت كما يقول -أي: هذه الأرض ليست من الخراج، وليس فيها مصلحة للأمة- فأقطعه إياها واجعلها له )، وهكذا كان عمر رضي الله عنه يجعل الناس يأخذون ويعملون ولا يبقى أحد عالة أو فقيراً.

    حث عمر رضي الله عنه على مبدأ العمل والصنعة والحرفة

    كان عمر يأخذ مبدأ ثالثاً: وهو مبدأ العمل والصنعة والحرفة، حتى لا يبقى في الأمة أحد كالاً أو عاجزاً، فقد كان عمر يسمع بالرجل وعبادته وشأنه فيحبه ويعظمه، فيسأل بعد ذلك عن حرفته أو مهنته، فيقال: إنه يُنفق عليه، فيسقط من عينه رضي الله عنه، وكان عمر يقول: ( إني لأحب الرجل يعمل العمل ويحترف الحرفة )؛ لأن العمل هو الأساس الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن فيه الشرف والعزة لصاحبه، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (ما أكل أحد قط طعاماً خيراً من أن يأكل من كسب يده) وكان يذكر عن داود عليه السلام أنه كان يأكل من كسب يده، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر للأمة أنه كان يرعى الغنم لأهل مكة بقراريط يأخذها منهم، وهكذا كان عمر بنفسه في أول أمره يتجر لنفسه ويعمل لنفسه، ثم بعد ذلك فرض له الصحابة من بيت المال.

    إعمار عمر رضي الله عنه للمدن وتخطيطه لها

    ثم من معالم التنمية العمرية إعمار المدن وتخطيطها، فليس الإسلام -كما يظن البعض- دردشة أو تخلفاً، رأى عمر رضي الله عنه هذه البلاد وهي تفتح والناس وهم يصيحون في الأرض، فرأى أن يمصر الأمصار، وأن يقيم البلاد، فأنشأ البصرة والكوفة والفسطاط وغيرها من البلاد.

    وكان عمر رضي الله عنه يكتب في دقيق الأمور وجليلها، ويفصل في صغيرها وكبيرها، كتب عمر إلى سعد بأن يدعو صاحب التنزيل -وصاحب التنزيل بمثابة رئيس المهندسين الذي يخطط- فيأمره أن يحدد لهم خطط المدينة، وأن يجعل فيها مناهج -أي: شوارع كبيرة، وهي الشوارع الرئيسة كما تسمى اليوم- بعرض أربعين ذراعاً، وما يليها ثلاثين -أي: الشوارع التي أقل منها- وما يليها عشرين وأن يجعل فيها أزقة -وهي: الطرق الصغيرة- عرضها سبعة أذرع ليس دون ذلك شيء. فقام بهذا العمل، وأسست على ذلك المدن، ثم أيضاً بنوا هذه البيوت بالقصب، ثم جاء الحريق فأحرقها، فاستأذنوا عمر أن يبنوا باللبن، وكان عمر المستشار في كل أمر من أمور الأمة في كل مكان، فكتب إليهم أنه لا بأس بذلك، وكتب إليهم يبين أنه ينبغي ألا يؤدي الأمر إلى الإتراف والركون إلى الدنيا، فقال: ( لا يزيد أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطيلوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة، وابنوا ما لا يقربكم من الترف، ولا يخرجكم من القصد).

    1.   

    فتح عمر رضي الله عنه قناة بين النيل والبحر الأحمر

    كان عمر ينظر أيضاً إلى أمور عجيبة دقيقة، فقد كتب إلى عمرو بن العاص واستدعاه هو وجماعته من أهل مصر، فلما جاء قال عمر رضي الله عنه: ( إن مصر بلد كثيرة الخير والطعام، ولقد ألقي في روعي الرفق بأهل الحرمين والتوسيع عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوة لهم، ورأيت أن أحفر خليجاً من نيلها حتى يسيل في البحر؛ فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فاذهب يا عمرو ! وشاور أصحابك )، يريد أن يفتح القناة بين النيل والبحر الأحمر؛ ليسهل الطريق، فذهب عمرو إلى أهل مصر يستشيرهم فخاف أهل مصر أن يضر ذلك بنيلهم وبشربهم وبزراعتهم، فقالوا: نخشى ذلك، فعظم الأمر على أمير المؤمنين يا عمرو ! يعني: اجعله عظيماً وخطيراً حتى يصرف النظر عنه، فجاء عمرو إلى عمر رضي الله عنه يعظم له الأمر، ويهوله عليه، فقال عمر -وله فراسة-: ( كأني بك يا عمرو ! ذهبت إلى أهل مصر فقالوا: نخشى على مائنا وزرعنا، فعظم الأمر لأمير المؤمنين، قال: والله إنه لكما قلت يا أمير المؤمنين! قال عمر : فامض لما أمرتك فاحفر الخليج، فلا يأتين قابل إلا وقد فرغت منه)، فكان كما كان، فما أتى عام إلا وقد جرت السفن فيما بين النيل والبحر الأحمر كما ذكر أهل التاريخ والسير.

    وهكذا كان عمر رضي الله عنه يجهد للأمة، فدون الدواوين، وأنشأ النظم الإدارية الحديثة، ورعى الأمة بسياسة حكيمة، فعم الرخاء والنوال، وهكذا يكون كل من سار على منهج الإسلام، والتزم هدي النبي صلى الله عليه وسلم ورأى العدالة والحرية والمساواة وأخذ بالشورى كما كان عمر رضي الله عنه.

    فالله نسأل أن يجدد في أمتنا سيرة عمر رضي الله عنه، وأن ينهج بنا نهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    انتشار الرخاء في عهد عمر رضي الله عنه

    كان عمر رضي الله عنه يأخذ بالإسلام والتقوى، فعم الخير والنوال، وأنقل لكم صورة تبين الرخاء الذي عم بلاد الإسلام في عهد عمر : فهذه أسس السيرة والتاريخ تجمع على هذه المعلومات وهي: أنه ما كان مولود يولد في الإسلام إلا وله من بيت مال المسلمين مائة درهم، فإذا ترعرع -أي: نشأ- وكبر قليلاً صار له مائتا درهم، وكان عمر في أول أمره لا يكتب ذلك للمولود حتى يفطم؛ لأنه لا يحتاج إلى طعام ولا عطاء؛ لأنه يرضع من أمه، فمر مرة فرأى امرأة ومعها غلام يبكي، فقال: ( يا أمة اللهّ! انتبهي لغلامك )، ثم بعد فترة رآه يبكي فزجرها، ثم رآها بعد ذلك، فقال: ( مالك يا أمة الله؟! قالت: إني أراغمه على الفطام، قال: ولم تفطمينه قبل وقته؟ قالت: إن عمر لا يفرض إلا لمن فطم )، أي: أنها تريد عطاء عمر لأنها في حاجة، فبكى عمر رضي الله عنه حتى غلبه النشيج، ثم قال: ( ألا كل مولود في الإسلام له عطاء من بيت مال المسلمين )، أي: أن كل مولود بلا استثناء يعطى من بيت المال بلا منة، وبلا أن يكون هناك داعٍ إلى طلب يمنعه منه الحياء، كل ذلك كان في عهد عمر رضي الله عنه، ثم كان يأخذ كل من كان يحتاج من اللقطاء أو غيرهم؛ حيث جعل لهم نفقة من بيت مال المسلمين، ثم إنه جعل العطاء عاماً في الأمة كلها مما يأتي من الخراج والأرض الموقوفة والغنائم وغيرها، فجعل لأهل بدر ألفين ألفين، وخص الحسن والحسين فجعل لهما خمسة آلاف إلحاقاً بأبيهما علي رضي الله عنه لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطى بعد ذلك الصحابة السابقين ثلاثة آلاف، وأعطى أسامة بن زيد أربعة آلاف، فجاء عبد الله بن عمر ، وقال لـعمر : ( أعطيتنا ثلاثة آلاف، وأعطيت أسامة أربعة آلاف، وليس أبوه في الإسلام مثلك؟ فقال عمر رضي الله عنه: فإن أبوه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وإنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك )، وهكذا كان يحكم بقدر البلاء في الإسلام والقرابة والصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى فرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكل واحدة منهن اثني عشر ألف درهم، فجاء عطاء عمر إلى زينب أم المؤمنين رضي الله عنها، وقالوا لها: هذا من عمر ، فقالت: ( رحم الله عمر قد كانت غيري من أخواتي أقدر على قسمه مني )، أي: أنها ظنت أن عمر أعطاها إياه لتفرقه على المحتاجين والفقراء، فقالوا: ( بل هو لك، فاستترت منه بثوب، وقالت: أفرغوه، فلما أفرغوه قالت: استروه بثوب، فلما ستروه بثوب، قالت لمولاة عندها: خذي منه قدر يديك، واذهبي به إلى بيت آل فلان، ثم جاءت المرة الأخرى فقالت لها: خذي منه كذا ... خذي منه كذا، فقالت لها: يا أم المؤمنين! والله! إن لنا في هذا لحقاً، قالت: ما تحت الثوب فهو لكم، -أي: ما بقي- قالت: فكشفنا عنه فإذا هو خمسة وثمانون درهماً، وفرقت كل ذلك، ثم قالت رضي الله عنها: اللهم لا يدركني بعد عامي هذا عطاء لـعمر )، فماتت قبل أن يحول الحول رضي الله عنها وأرضاها، وكان عمر يعطي كل أحد، ويبلغ عطاؤه كل إنسان، حتى إنه مر مرة بيهودي قد أسن وبلغ به الكبر عتياً، وهو في حالة رثة، فقال له عمر : ( من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما لك هكذا؟ قال: أشكو الجزية والحاجة والتعب، فأخذ عمر رضي الله عنه بيده إلى بيت المال وأعطاه، ثم قال: انظروا هذا وأضرابه فأعطوهم من بيت مال المسلمين؛ والله! ما أنصفناه في شيبته وقد أخذنا منه في شبيبته )، وهكذا كان عطاء عمر يصل إلى كل مكان، حتى جاء مرة رجل من أهل العراق اسمه خالد بن عرفطة العذري ، فقال عمر : (كيف حال الناس؟) وانظروا إلى حال الناس في عهد عمر ، فقال هذا الرجل: ( يا أمير المؤمنين! إني تركت الناس يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم، ما أحد وطئ القادسية -أي: شارك فيها- إلا وعطاؤه ألفان أو خمسة عشر مائة وإنه ما من مولود يولد إلا لحق في مائة -يعني: له مائة- وجريبين -أي: كيسين من طعام- كل شهر، ذكراً كان أم أنثى، وما يبلغ لنا ذكر إلا لحق على خمسمائة أو ستمائة) هذا لرجل يصف هذه الحال، ثم يستكثر هذا العطاء لأن هذا العطاء أكثر من حاجة ذلك الصغير أو ذلك البالغ أو نحو هذا، فقال: (فإذا خرج هذا بأهل البيت منهم من يأكل الطعام ومنهم من لا يأكل -أي: منهم الصغير- فما ظنك به؟ إنه لينفقه فيما ينبغي!) رأى هذا أن في هذا زيادة، فأراد من عمر أن يقلل في عطاء الناس، فقال عمر رضي الله عنه: ( الله المستعان! إنما هو حقهم أعطوه، وأنا أسعد بأدائه إليهم منهم بأخذه، فلا تحمدني عليه؛ فإنه لو كان من مال للخطاب ما أعطيتموه )، ثم بين أسساً في الاستثمار والتوسع والتخطيط للمستقبل فقال: (ولكني قد علمت أن فيه فضلاً -أي: زيادة- ولا ينبغي أن أحبسه عنهم؛ فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه غنماً فجعله بثوابه، فإذا خرج عطاؤه مرة ثانية، ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها؛ فإنه أنفع له، وإني أخاف عليكم بعدي: أن يليكم ولاة لا يعطونكم عطاءً، وإني أنصح لك كما أنصح لأقصى رجل في ثغور المسلمين )، فكان رضي الله عنه يريد منهم أن يستثمروا الأموال، وألا يكونوا معتمدين على العطاء، وهكذا كتب عمر إلى عماله: ( أن أعط الناس على تعلم القرآن )، وكانت الجوائز والمنح للسابقين في الإسلام، ولمن يعملون بالأعمال الإسلامية، والتشجيع والمكافئات في هذه الميادين لا في غيرها، فكتب إلى عماله: ( أن أعطوا الناس على تعلم القرآن )، فكتب إليه هذا الوالي -وفي بعض الروايات أنه سعد -: ( إن الناس قد أقبل بعضهم على تعلم القرآن لا يريد إلا العطاء )، أي: أصبحوا يتعلمون لأجل أن يأخذوا هذه المكافئات من عمر ، وهو يريد أن عمر يمنعها، فقال عمر : ( أعط على القرآن، وأعط على المروءة والصحبة )، أي: من قصر في تعلم القرآن، ولكنه سبق في ميدان آخر فأعط هؤلاء، وأعط هؤلاء، بل قد أمر عمر رضي الله عنه لامرأة بخادم ونفقته؛ فقد روي أنه رأى امرأة تحمل قربة ماء قد ناءت بها، فسألها عن حالها، فقالت: إني أشكو التعب وليس لي خادم يخدمني، فحمل عنها عمر رضي الله عنه، ثم قال لها: ( ائت أمير المؤمنين؛ فلعله أن يخدمك خادماً، فقالت: إني لا أصل إليه، قال: بل تأتينه فتجدينه )، فجاءت فإذا هو عمر رضي الله عنه، فأمر لها بخادم ونفقة.

    لقد اتسع العطاء وعم الرخاء في عهد عمر ، حتى إنه كان يكتب مع الجيوش الغازية بتسمية الأطباء والقضاة والمرشدين يعينهم ويصرف عليهم من بيت مال المسلمين، وهذا كله من فضل الله عز وجل، ثم من فضل هذا الدين العظيم، وكذلك من الالتزام العظيم من عمر بمنهج الله عز وجل وبما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبإقرار الحق، وإقامة العدل، فكانت هذه الصورة المشرقة، ولم يدع عمر رضي الله عنه لأجل التنمية إلى منع النسل أو تحديده، كما يزعم الزاعمون، ولم يدع إلى أية حلول من هذه الحلول العرجاء العوجاء، وإنما كان عمر يؤسس الأسس المنهجية، ثم يتحرك في صورة عملية، ثم يجعل الأمة كلها على قلب رجل واحد، فكان هذا الخير الذي عم ديار الإسلام والمسلمين، ويتكرر ذلك في كل زمان ومكان بحسب قرب الناس من دين الله والتزامهم شرع الله عز وجل.

    فالله نسأل أن يلزمنا دينه، وأن يلزمنا شرعه، وأن يقيمنا على هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يلحقنا بآثار أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

    1.   

    العدالة العمرية

    العدالة العمرية معلم عظيم من معالم السيرة العمرية التي نتفيأ ظلالها، ونستقي أخبارها، ونجني من ثمارها، والعدل أساس في الحياة الإنسانية كلها، وبانعدامه تختل الأمور، وتضطرب الأحوال، وتقع الشحناء والبغضاء، ويفشو الظلم والاعتداء، وما من نفس بشرية ما تزال على فطرتها إلا وهي مفطورة على إباء الظلم، ومفطورة على حب العدل، وتجد أن في العدل راحتها وطمأنينتها، وتجد فيه أساساً لانطلاقها وحريتها، وتجد من خلاله فرصة لعملها واستثمارها، وبدونه تتعطل الطاقات، وتكبت الحريات، وتتبلد الأحاسيس، ويفوت الناس خير كثير.

    وعمر رضي الله عنه جاء في فترة من الزمان عصيبة وعجيبة، تضاعفت فيها مساحة الدولة الإسلامية أضعافاً مضاعفة، ودخل فيها في دين الإسلام آلاف مؤلفة، وتشعبت الأمور، واختلفت طرائق الحياة، وتغيرت موارد الرزق، وتفجرت خيرات الدنيا، وكان عمر رضي الله عنه قد عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم بيئة فيها بساطة، وفيها محدودية في مساحتها وفي إطارها، ولكنه تعلم المبادئ، وتلقن الأسس، وتلقى المنهج الذي يطبق على الفرد كما يطبق على الأمة وإن بلغت الملايين من البشر، ويطبق على الرقعة الصغيرة كما يطبق على الدنيا كلها في شرقها وغربها، وتلقى قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90]، وقول الله جل وعلا: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، وتلقى من محمد صلى الله عليه وسلم نموذج العدالة الأكمل في فعله عليه الصلاة والسلام، فلذلك جعل عمر رضي الله عنه هذا المعلم ركناً ركيناً وأساساً مكيناً في سياسته، وفي معاملته، وفي إدارته، وفي فتوحاته وجهاده رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    مزايا عدالة عمر رضي الله عنه

    ولـعمر منهجية فريدة متميزة لعلنا أن نشير إلى بعض ملامحها، وأن نقتبس بعض أنوارها في هذه الوقفة الوجيزة التي تقصر عن الإشارة إلى المزايا في عدالة عمر فضلاً عن الإحاطة بها:

    أولاً: جعل عمر العدالة شعاراً وعنواناً معلناً لكل الناس، ظاهراً في كل المحافل، منصوباً عليهم في كل أمر وفي كل حكم وفي كل قضاء، وهكذا أراد أن يقول للناس: إن العدل حق لكم، وأن العدل أساس في حياتكم. فنجد عمر رضي الله عنه أنبأ عن ذلك في مقالة بدأ فيها بنفسه، وضرب المثل من شخصه، فقال: ( أيما عامل ظلم أحداً وبلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا الذي ظلمته )، إنه يريد أن يقول: إن العدالة أمر لابد أن يكون عاماً شاملاً واسعاً معلناً، وكذلك نجده يكتب إلى ولاته وعماله أن يوافوه في موسم الحج؛ ليلتقي بهم، ويسألهم عن أحوال الرعية، ويسمع ما يقال عنهم من الشكاوى، ويواجههم بها، فلما اجتمع مرة في موسم من المواسم جمع من ولاته وأمرائه قام في الناس رضي الله عنه وأرضاه وقال: (أيها الناس! والله ما أبعث إليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده! لأقصنه منه أمام الأمة كلها)، لقد أعلن أمام الأمة كلها ولاة ورعية، ضعفاء وأقوياء، صغاراً وكباراً، أغنياء وفقراء، أن العدالة شعار مرفوع ينبغي أن يعم الناس جميعاً.

    ولكن عمر لم يكتف بذلك، بل جعل العدل غاية وأساساً لا مجرد لافتة ترفع، ولا كلمات تقال، وإنما أراد أن يجعله محوراً تنجذب إليه كل الأمور، وتنطلق منه كل الأحكام، وتعود إليه كل الولايات، وترتبط به جميع أمور الحياة التي كان يسيرها عمر رضي الله عنه من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجده لا يتجاوز العدل مطلقاً، ولا يغفل عنه أبداً، ويأمر أن يكون هو الذي يكون المحور الأساسي في شتى الأمور التي تدار في حياة الأمة الإسلامية، فها هو يكتب إلى أبي موسى رضي الله عنه أحد ولاته يبين أن العدل ينبغي أن يكون الغاية، فإن فات في مرحلة فلا يفوتن في الأخرى، وإن وقع خطأ فلا ينبغي أن يسكت عنه، بل ينبغي أن يصحح، فكتب إليه قائلاً: ( لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل )، وتأمل قول عمر : ( فإن الحق قديم لا يبطله شيء )؛ لأن الحق مرتبط بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وقع خطأ في اجتهاد فليصحح، فإن كانت غفلة فلتتبعها يقظة، وينبغي أن يكون عند الإنسان العود إلى العدل والإنصاف، وإلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولذلك أراد عمر أن يرسخ المعاني الإيمانية في الآيات القرآنية، كقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58].

    ويبين عمر أيضاً في توضيح غاية العدل وأساسه أنه لابد فيه من التجرد والتنزه عن الأهواء، وعدم التأثر بأية عوامل خارجية من قرابة أو صحبة أو معرفة أو علو منزلة، ولا يرقب الوالي في قضائه وفي حكمه وفي قسمه به بين الناس إلا وجه الله عز وجل، ولا يخاف إلا عقاب الله عز وجل، فكان عمر إذا جاءه من يتقاضى جثا رضي الله عنه وأرضاه على ركبتيه، وقال: ( اللهم أعني عليهما -أي: على المتخاصمين- فإن كل واحد منهما يريدني عن ديني )، أي: أنه يريد أن أقضي له على حساب ديني وعلى حساب أمانتي وعلى حساب التزامي كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ( وما أبالي إذا اختصم إلي رجلان لأيهما كان الحق )، أي: وإن كان للضعيف أو للفقير أو للوضيع، فالحق هو الذي يحكم ولا يحكم عليه، وقال: ( ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة )، أي: في الحق وإقامة العدل.

    1.   

    تقرير عمر رضي الله عنه وترسيخه لمنهج العدل

    ثم يمضي عمر في تقرير منهجية العدل وترسيخه داعياً إلى إزالة العوائق التي تحول بين الناس وبين العدل؛ فإن بعض الناس قد يتنازل عن حقه، وقد يسقط ما له، وقد يترك قضيته، لا عن رضا وطيب نفس، ولكن من خلال بعض العوائق التي توضع في طريقه، كأن يماطل في حقه، أو يخوف من قريب أو بعيد، أو يبعث إليه من هنا وهناك، فيأتي ويعلن أنه قد أسقط حقه، وأنه قد تنازل عن قضيته، فأراد عمر ألا تكون هذه المظاهر تدل على إقامة العدل مع أنها أسست على صور من الظلم أو من منع العدل، فـعمر رضي الله عنه يكتشف هذا بثاقب نظره، ويوصي بألا يكون هناك ما يبطئ إقامة العدل، أو ما يجعل الناس لا يندفعون لطلب الحق بقوة وجرأة، فإذا به يكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ويقول له: ( إذا حضر الخصمان، فعليك بالبينات العدول والأيمان القاطعة، ثم ادن الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجترئ قلبه؛ فإنه ربما هاب السلطان والحكم، وربما هاب قوة الحكم فلم يفصح عن حجته، ولم يبن عن قضيته، فإن كان هذا في نفسه فأزل هذا العائق من نفسه، وتعاهد الغريب -أي: الذي جاء من بلد آخر لأجل هذه القضية، يريد أن ينتهي منها ليرجع إلى أهله- فإنه إن طال حبسه ترك حاجته وانصرف إلى أهله، وإنما ضيع حقه من لم يرفق، وآس بينهم )، أي: بين الخصوم، أي: ساوي بينهم، وفي أي شيء يساوي بينهم؟ هل في المنزلة والقدر أو في مجلس الحكم؟ ليس هذا مراد عمر ؛ فهذا أمر مفروغ منه، ولكنه يقول: ( وآس بينهم في لحظك وطرفك )، أي: في نظرتك إليهم، فإذا نظرت إلى هذا فانظر إلى ذاك، وإذا بششت في وجه هذا فبش في وجه ذاك؛ لئلا يكون لهذا مظنة في الاسترسال ولذلك مظنة في الانقباض، قال: ( آس بينهم في لحظك وطرفك، واحرص على الصلح ما لم يتبين لك القضاء ).

    وهكذا يبين أساس العدل، وكيف يكون في نفس المؤمن، فيقول رضي الله عنه: ( باب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد )، ولعمري إن هذه الكلمات من عمر رضي الله عنه لكلمات تستحق أن تكتب بماء الذهب على صفحات النور، إذ يبين فيها الدافع الإيماني الذي يوجد الاندفاع والالتزام بالعدل، ثم يبين العائق الذي قد يصد الإنسان عن قيامه بالعدل، فهو يقول: ( باب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد )، ثم يشرح ويقول: ( والاعتبار: ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، ومن ذكر ما بعد الموت اعتبر وارتدع عن الظلم، وعلم أنه إن ظلم أو جار أو قسط فإن من وراء ذلك حساباً، وإن من بعد الحساب عذاباً، فكان ذلك باب للعدل، وهو إقامة الخوف من الله عز وجل، ومراقبته في قلب المؤمن، فمن لم يخش الله لا يخشى أحداً من الناس، ومن لم يستحي من الله فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت))، ثم يكمل عمر الشق الثاني بحكمته البليغة فيقول: ( والزهد: أخذ الحق من كل أحد عنده له حق، وتأدية الحق إلى كل أحد له حق، ولا يُصانع في ذلك أحد، الزاهد: الذي نزع من نفسه التعلق بالدنيا وشهواتها، حينئذٍ لا يميل في حكمه طمعاً في دنيا الغني، ولا يميل في حكمه خوفاً من بطش القوي، فقد زهد -بمعنى: أنه لم يجعل للدنيا ولا لأهلها في نفسه ميزاناً- فمن استكمل ذلك فإنه قد استكمل الأساس الركين الذي يقيم به العدل بين الناس ).

    ولئن كان هذا قول عمر ومنهجه الذي بسطه لولاته، فإن تطبيقه العملي كان أروع وأعظم وأقدر من كل هذه المقالات على بلاغتها ووضوحها وشيوعها وذيوعها، فها هو عمر يعطينا المثل في تطبيق العدل على نفسه وعلى أهله وعلى ولاته وعلى الأشراف والعظماء، فكل يخضع لسلطان العدل، وكل يأخذ حقه بالعدل.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والحمد لله رب العالمين.