إسلام ويب

الوصايا الربانية [2]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بر الوالدين من أعظم أبواب الطاعات، ولذا أمر الله عز وجل به وحث عليه، بل إن الله عز وجل قرن بر الوالدين بعبادته سبحانه في غير ما موضع من كتابه الكريم، وما ذاك إلا لما للوالدين من المنزلة والمكانة والقدر، فيجب على كل مسلم أن يكون باراً بوالديه، مطيعاً لهما.

    1.   

    وصية الله عز وجل بالوالدين

    الحمد لله الذي شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، وجعل لنا في الطاعة خيراً وسعادة، وكتب لنا في الاستقامة عطاءً وزيادة، له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثّر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه -عليه الصلاة والسلام- قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فها نحن نمضي مع الوصايا الربانية التي عرفنا قدرها ومقامها، ووقفنا على أهميتها وخطورتها، وأدركنا من قبل أنها سر النجاة، وسبب السعادة، والمخرج -بإذن الله- من كل فتنة، والعصمة من كل محنة؛ لأنها هدى الله عز وجل، وأوامره ووصاياه التي بدأها بقوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151].

    ووصية هذا الموضوع هي الوصية التي أقرتها الفطر البشرية السوية، واتفقت عليها جميع الشرائع السماوية، وأقرتها وتواطأت عليها جميع المجتمعات الإنسانية، وهي التي تدل على الخلق المرضي، والعقل المهدي، والنهج السوي، وهي التي تكشف عن أصالة المعدن، وحسن الوفاء، وكريم المعاملة، إن هذه الوصية التي نتحدث عنها اليوم تكررت في كتاب الله كثيراً، وتنوع الأمر بها والحرص عليها ودوام التذكير بها في سنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم مراراً وتكرارً، إنها قوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الأنعام:151].

    إنها الوصية بالوالدين، بر الوالدين، فالإحسان إلى الوالدين جاء في القرآن كثيراً متنوعاً، وها هو تقديم الجار والمجرور في ذكر الوالدين وتأخير الإحسان لإظهار الاختصاص والقصر، وإطلاق لفظ الإحسان منكراً ومنوناً ليكون عاماً شاملاً، ليكون إحساناً في القول والفعل، وقسمات الوجه، ونظرات العين، ولمسات اليدين، وكل حركة وسكنة، وفي كل وقت وآنٍ، وفي كل ظرف وحال؛ لأنه إحسان مطلق، وإحسان يكون في كل أحوالهما، وفي كل أحوال أولادهما كذلك.

    والفيروزآبادي في تعريفه لبر الوالدين ذكر كلاماً نفيساً فقال: هو الإحسان إلى الوالدين، والتعطف عليهما، والرفق بهما، والرعاية لأحوالهما، وعدم الإساءة إليهما، وإكرام صديقهما.

    غير أن كلامه وكلامي وكلام كل الخلق ليس بشيء مع كلام الله عز وجل ومع أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعندما كنت أبحث وأقلب رأيت أن أمسك لساني إلا من ذكر الآيات ورواية الأحاديث؛ لندرك أن القضية دين وتشريع رباني، وأنها سنة وتشريع وهدي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهما قال القائلون أو عبر أهل العلم فإن ما جاء في الكتاب والسنة أبلغ وأعظم، ولذا آثرت أن نقف مع هذه الوصية ومكانة الوالدين وبرهما مع الآيات القرآنية العظيمة.

    1.   

    وجوه تعظيم حق الوالدين وبرهما

    الحمد لله الذي شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، وجعل لنا في الطاعة خيراً وسعادة، وكتب لنا في الاستقامة عطاءً وزيادة، له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثّر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه -عليه الصلاة والسلام- قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فها نحن نمضي مع الوصايا الربانية التي عرفنا قدرها ومقامها، ووقفنا على أهميتها وخطورتها، وأدركنا من قبل أنها سر النجاة، وسبب السعادة، والمخرج -بإذن الله- من كل فتنة، والعصمة من كل محنة؛ لأنها هدى الله عز وجل، وأوامره ووصاياه التي بدأها بقوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151].

    ووصية هذا الموضوع هي الوصية التي أقرتها الفطر البشرية السوية، واتفقت عليها جميع الشرائع السماوية، وأقرتها وتواطأت عليها جميع المجتمعات الإنسانية، وهي التي تدل على الخلق المرضي، والعقل المهدي، والنهج السوي، وهي التي تكشف عن أصالة المعدن، وحسن الوفاء، وكريم المعاملة، إن هذه الوصية التي نتحدث عنها اليوم تكررت في كتاب الله كثيراً، وتنوع الأمر بها والحرص عليها ودوام التذكير بها في سنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم مراراً وتكرارً، إنها قوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الأنعام:151].

    إنها الوصية بالوالدين، بر الوالدين، فالإحسان إلى الوالدين جاء في القرآن كثيراً متنوعاً، وها هو تقديم الجار والمجرور في ذكر الوالدين وتأخير الإحسان لإظهار الاختصاص والقصر، وإطلاق لفظ الإحسان منكراً ومنوناً ليكون عاماً شاملاً، ليكون إحساناً في القول والفعل، وقسمات الوجه، ونظرات العين، ولمسات اليدين، وكل حركة وسكنة، وفي كل وقت وآنٍ، وفي كل ظرف وحال؛ لأنه إحسان مطلق، وإحسان يكون في كل أحوالهما، وفي كل أحوال أولادهما كذلك.

    والفيروزآبادي في تعريفه لبر الوالدين ذكر كلاماً نفيساً فقال: هو الإحسان إلى الوالدين، والتعطف عليهما، والرفق بهما، والرعاية لأحوالهما، وعدم الإساءة إليهما، وإكرام صديقهما.

    غير أن كلامه وكلامي وكلام كل الخلق ليس بشيء مع كلام الله عز وجل ومع أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعندما كنت أبحث وأقلب رأيت أن أمسك لساني إلا من ذكر الآيات ورواية الأحاديث؛ لندرك أن القضية دين وتشريع رباني، وأنها سنة وتشريع وهدي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهما قال القائلون أو عبر أهل العلم فإن ما جاء في الكتاب والسنة أبلغ وأعظم، ولذا آثرت أن نقف مع هذه الوصية ومكانة الوالدين وبرهما مع الآيات القرآنية العظيمة.

    اقتران حقهما بحق الله جل وعلا

    أول هذه الوجوه: اقتران حقهما بحق الله عز وجل، وكم هي الآيات التي جاءت بالأمر بالتوحيد وثنت بالإحسان إلى الوالدين! كقوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] واقترن كذلك في قوله جل وعلا: أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14] فأي حق أعظم من حق يأتي تالياً مباشرة لحق الله سبحانه وتعالى؟!

    قال ابن عباس : (ثلاث لازمات لثلاث، وقرن بينهما فقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92] فلا تتم طاعة الله إلا بطاعة الرسول وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] فلا تتم إقامة الصلاة إلا بإيتاء الزكاة، وقال في شأن الله عز وجل: أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14] فلا يتم شكر الله إلا بشكر الوالدين.

    وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى ذلك ويبينه ويوضحه؛ لأن المكانة عظيمة، كما في حديث أسماء رضي الله عنها في بيان الوجه الثاني، وهو الصحبة والإحسان ولو مع الكفر؛ لأن الله جل وعلا قال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فهل رأيت قدراً أعظم ومكانة أرفع من أن يكون إنسان على غير الإيمان والتوحيد ثم يأتي أمر الله متنزلاً بالآيات بحسن صحبته؟ فقد جاءت أسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: (جاءت إليّ أمي وهي راغبة) قال بعض الشراح: أي: فيما عندي. تريد وصلاً من إحسان دنيوي، قالت: (فاستفيت رسول الله صلى الله عليه وسلم) فلم يكن أحد يصنع شيئاً إلا بعد أن يعرف حكمه ومكانه في دين الله، فقالت: (يا رسول الله! إن أمي قدمت إليّ راغبة، أفأصل أمي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم صلي أمك) وهذا مقام عظيم.

    بر الوالدين من الجهاد في سبيل الله عز وجل

    ووجه آخر من العظمة أن برهما معدود من الجهاد في سبيل الله، والجهاد من أعظم الأعمال وأشرفها، وأجلها من حيث كونه بذلاً للروح وإزهاقاً لها في سبيل الله عز وجل، وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال له عليه الصلاة والسلام: (أحي والداك؟! فقال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو .

    وروى أنس أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه. فقال له صلى الله عليه وسلم: هل بقي من والديك أحد؟ فقال: أمي. قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد) رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه بسند جيد، وصححه العراقي .

    ففي هذا أنه قال: (أريد الجهاد ولا أقدر عليه) فدله على عمل -صلى الله عليه وسلم- يكون به من المجاهدين؛ لأنه قال في الحديث السابق: (ففيهما فجاهد).

    وعن ابن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث عظيم في تقديم بر الوالدين على الأمور العظيمة والأعمال الجليلة- فقال: (أي العمل أفضل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عبادة الله. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فقدم بر الوالدين على الجهاد.

    بر الوالدين طريق من طرق الجنة

    وإذا قلنا: ما أعظم شيء نأمله ونرجوه؟ وما أعظم أمنية نفكر بها ونتعلق بها؟ فإن الجواب عند كل مؤمن ومسلم واحد، وهو دخول الجنة، ونيل رضوان الله عز وجل، فإليك طريقاً ممهداً سالكاً موصلاً إلى تلك الغايات العظيمة، وهو بر الوالدين.

    وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل الجنة فقال: (دخلت الجنة فسمعت قراءة، فسألت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم البر، نعم البر. وكان حارثة من أبر الناس بأمه) فهذا الربط بين إخبار النبي عن كونه في الجنة وبره بأمه ظاهر الدلالة في أن هذا العمل بظهوره في حياته وعنايته به وحرصه عليه واستمراره فيه جعل له هذا المقام العالي وتلك الرتبة الرفيعة.

    وكذلك جاء الحديث العظيم الذي رواه أبو هريرة وفيه يثلث النبي صلى الله عليه وسلم القول فيقول: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه. قالوا: من يا رسول الله؟! قال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة) أي: لم يقم ببرهما بما يدخله الجنة؛ لأنه فرط وقصر، أو عق وجحد، والعياذ بالله.

    وإذا تأملنا ذلك فإننا واجدون الصراحة والوضوح في تلك النصوص، ومن ذلك ما رواه الترمذي وابن حبان وصححه عن أبي الدرداء قال: قال عليه الصلاة والسلام: (الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه).

    قال بعض الشراح: (أوسط أبواب الجنة) أي: خيرها. والمقصود بالوالد الوالدان معاً الأم والأب، فهما اللذان يكون من خلالهما باب هو خير الأبواب إلى الجنة، وهو باب برهما والإحسان إليهما.

    ولو مضينا لوجدنا ذلك أكثر وأظهر، فإن معاوية بن جاهمة السلمي قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله! إني كنت أردت الجهاد معك ابتغي وجه الله والدار الآخرة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! أحية أمك؟ فقال: نعم. قال: ارجع فبرها. قال معاوية : فأتيته من الجانب الأيمن فقلت: يا رسول الله! إني أردت الجهاد -وكرر القول- فقال له: ويحك! أحية أمك؟ قال: نعم. قال: ارجع فبرها. قال: فأتيته من أمامه فأعاد القول، فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: ويحك! الزم رجلها فثمَّ الجنة) رواه النسائي وابن ماجة والإمام أحمد والحاكم بسند صحيح، فهل ثمة ما هو أوضح وأظهر في الدلالة على عظمة هذا البر وهو يكرر الأمر ثلاثاً ويريد الجهاد مصراً والنبي يرده إلى ذلك الباب والمسلك والطريق ليمهد له به عملاً له أجره في الآخرة وله نفعه في الدنيا بإذن الله سبحانه وتعالى؟!

    وهكذا نرى الأمر واضحاً -كما قلنا- في رضا الله عز وجل، فقد ورد الحديث صريحاً بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد) كما رواه أهل الحديث بسند حسن.

    بر الوالدين من أسباب مغفرة الذنوب

    وثمة أمر آخر، وهو أن بر الوالدين من أسباب مغفرة الذنوب، فكم نصلي! وكم نستغفر! وكم ننفق نبغي مغفرة الذنب! وكل عمل صالح فيه مغفرة للذنب، غير أن ذلك ورد له اختصاص، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إني أصبت ذنباً كبيراً فهل لي من توبة؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها) رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح، ولعل هذا التوجيه موضع عجب، وأحسب أن كثيراً منا ربما لم يسمع هذا الحديث من قبل، فهو يقول: (أصبت ذنباً كبيراً) يريد طريقاً لتكفير الذنب، فيسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن أمه فيقول: إنها ليست حية. فيقول: (هل لك من خالة) والخالة بمثابة الأم، فقال: نعم. فيقول: (فبرها) أي: فسيكون برها طريقاً إلى تكفير ذنبك ومغفرة ما أصابك من أثره. وهذا ولا شك من أعظم الأمور.

    أثر بر الوالدين في تفريج الكربات

    وهناك كذلك أمر آخر، وهو أثر البر في تفريج الكربات، وأكثرنا يعرف الحديث في قصة الثلاثة الذين آواهم الغار فسقطت عليهم صخرة فسدت مخرجهم، فقالوا: لا نجاة إلا أن نتوسل إلى الله بأخلص الأعمال التي عملناها. فكان مما قاله أحد الثلاثة أنه كان لا يسقي أبناءه وزوجه إلا بعد أن يسقي والديه، فجاء مرة بغبوق -أي: باللبن- فإذا هما نائمان، فلم يشأ أن يقدم عليهما غيرهما، ولم يستطع أن يزعجهما فيوقظهما، فظل واقفاً حتى انبثق ضوء الفجر، فقال: اللهم! إن كنت عملت هذا لوجهك وابتغاء مرضاتك ففرج عنا. فتزحزحت الصخرة، فدل ذلك على أن من أسباب التفريج الحرص على هذا البر.

    بر الوالدين سبب في سعة الرزق وحسن الخاتمة وبركة العمر

    وهكذا سعة الرزق، وحسن الخاتمة، وبركة العمر، كل ذلك مربوط بالبر، كما صح من حديث أنس رضي الله عنه: (من أحب أن ينسأ له في أثره ويبارك في رزقه فليصل رحمه)، ومن أعظم الرحم وأولاها وأولها بر الوالدين.

    ومن هنا كذلك جاءت الرواية الأخرى في هذا الحديث بلفظ آخر من حديث علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، وتدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه).

    أثر دعاء الوالدين على الأبناء أو لهم

    وثمة أمر مهم في غاية الأهمية، وهو أن دعاء الوالدين له خصوصية في القبول في شأن أولادهما، وإن كان الدعاء على الأبناء، أي: ليس لهما، وقد صح في الحديث قصة جريج العابد ، وأن أمه دعت عليه فقالت: اللهم! لا تمته حتى يرى وجوه المومسات. فتحققت هذه الدعوة، كما وردت في الأحاديث الصحيحة.

    وثمة حديث أيضاً يوضح ذلك، وهو قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم) رواه أحمد في مسنده، وقال الذهبي : سنده قوي.

    استمرار بر الوالدين بعد وفاتهما

    ومن أدل الدلائل كذلك على الأهمية أنه ما من أمر ولا من شرع ولا من حكم إلا وينتهي بانتهاء الحياة، إلا هذه الشعيرة العظيمة وهذه الوصية المهمة، فإن بر الوالدين لا ينتهي بوفاتهما، وكثير منا يعلم ذلك الحديث الذي رواه أبو أسيد الساعدي في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فيقول: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ وهذا دليل على حرص الصحابة، قد قضى حظه وقدرته وما يسر الله له من البر في حياة والديه، ثم جاء يسأل من بعد: هل بقي شيء حتى أصلهما؟ وهل ثمة ما يعمل حتى أستمر فيه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) فهل هناك دين أعظم من هذا الدين في الوصية بالوالدين حتى بعد الوفاة؟ ففتش عن أصدقائهما، وأكرم أصدقاءهما لأجلهما، وابحث عن أقاربهما ومعارفهما فاجعل ذلك استمراراً لبرهما حتى بعد موتها، وهذا من عظيم ما في ديننا هذا، وقد طبق الصحابة ذلك، فهذا ابن عمر يلقى أعرابياً وهو في طريق السفر قرب مكة، فيُركِبه حماره، وينزع عمامته ويضعها على رأسه، ويسلم عليه ويكرمه، حتى إذا انصرف قال أحد أصحابه: إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير! يعني: لمَ صنعت ذلك كله؟ ولمَ هذه الحفاوة وذلك الإكرام؟ فقال ابن عمر رضي الله عنه: (إن والد هذا كان من أهل ود عمر ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) رواه مسلم في صحيحه.

    1.   

    بر أبي هريرة بأمه

    ولعلنا نقف مع هذه القصة لـأبي هريرة لنرى صورة حية من المشاعر الفطرية التي تبين لنا عظمة وسماحة ديننا، وأنه يريد الخير لعموم الناس فكيف بخصوصهم؟ ألسنا نريد للكافر أن يؤمن؟ ألسنا نريد للضال أن يهتدي؟ ألسنا نريد للمنحرف أن يستقيم؟ إن لم نكن نريد ذلك فنحن في خطأ وعلى انحراف، فإن أردناه فليكن لأقرب المقربين إلينا وأحب الناس إلينا وأعظمهم فضلاً علينا وهم الوالدان، فهذا أبو هريرة يخبر ويقول: (كانت أمي مشركة، فكنت أدعوها إلى الإسلام فلا تستجيب. قال: فدعوتها يوماً فنالت من رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: تكلمت عليه بما لا يليق- قال: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! إن أم أبي هريرة قد نالت منك، وإني أدعوها). فماذا طلب أبو هريرة من الرسول بعد أن سمع الذي أغاظه في حبيبه ورسوله عليه الصلاة السلام؟

    قال: يا رسول الله! فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم! اهد أم أبي هريرة) يقول: فرجعت مسرعاً مستبشراً بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بالباب مجافىً -يعني: مفتوحاً قليلاً- فأردت أن أدخل، فقالت: مكانك يا أبا هريرة. قال: وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، ثم خرجت وقالت: يا أبا هريرة ! إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي من الفرح -وكانوا يحبون الخير- قال: فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم! حبب أبا هريرة وأم أبي هريرة للمؤمنين)، قال أبو هريرة : فما رأيت أحداً من أهل الإيمان إلا وهو يحبني.

    إنها صورة لعظمة هذا الدين، وعظمة التربية الإيمانية، فانظر كيف كان حرص أبي هريرة! فقد كان يكرر الدعوة، وانظر كيف كظم غيظه عندما نالت من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم! لأنه كان يرجو لها الخير، ويؤمل لها الهداية، وإنما حزن وغضب وبكى، ولكنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالهداية، فلما هداها الله لم يطق من فرحته إلا أن بكى فرحاً بعد أن بكى حزناً، ثم جاءت هذه الصورة المشرقة لندرك في الحقيقة كيف كان فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] عجباً لهذا السلوك! وعجباً لهذا الدين العظيم الذي يعلمنا ذلك!

    1.   

    عظم عقوق الوالدين وعقوبة العاق

    ولعلي هنا أقف وقفة أحسب أن الجميع سيكون ملتفتاً إليها، فهل بعد هذه الوجوه وبعد هذه الآيات الواضحات والأحاديث الصحيحة والصور المشرقة العملية التي كانت في حياة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هل يتصور أحد أنه يخطر في البال عقوق للوالدين؟ وهل يمكن بعد هذا كله أن يكون في النفس متسع أو في القلب مجال لقسوة أو غلظة؟ وهل يمكن بعد هذا كله أن يلفظ اللسان بما لا يليق؟ إن العقوق بعد هذا كله يظهر تماماً على أنه الأَمُ وأشد وأسوأ ما يمكن أن يصدر عن الإنسان، إنه يكشف حينئذ عن انحراف في الفطرة، وضعف واختلال في الإيمان، ونقص في حقيقة التمثل والالتزام بالإسلام، إنه يدل على انفصام بين كليات هذا الدين وحقائقه الكبرى وهداياته العظمى التي تنزلت بها الآيات وجاءت بها الأحاديث، ولذلك قال بعض أهل التفسير في هذا الموطن في تفسير قوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [البقرة:83] قالوا: جاء بالأمر وليس بالنهي عن العقوق. قال القرطبي: لأنه لا يتصور العقوق في حق الوالدين. كيف يمكن أن يتصور عقوقك لامرأة حملتك في بطنها تسعة أشهر، وأرضعتك عامين، وظلت تغذوك بحنانها وعطفها، فتسهر ليلها، وتمرض في تمريضك، ويشغل بالها أمرك أكثر مما يعنيها أو يشقيها أو يتعبها شيء يتصل بها؟! إن الإنسان الذي يجحد بعد ذلك أو يعق يمثل الصورة الشوهاء للانحراف السيء في غاية السوء، ومن هنا جاء الأمر بالإحسان، كما قال تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [البقرة:83] وكذلك ذكر الآيات الكثيرة كقوله سبحانه: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً [الأحقاف:15] وذكر ذلك على التفصيل كما هو في الآيات، وكما جاء في الحديث: (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) فقال أهل العلم: لبر الأم ثلاثة أرباع وربع للأب. وقالوا: لأنها حملت وولدت وأرضعت، وهذه كلها لا يشاركها فيها الأب، وإن كان حق الوالدين جميعاً عظيماً.

    لذلك كان من المتوقع ومن البدهي أنَّ من يخرج عن هذه الأوامر الربانية وهذه السنن النبوية أنه قد خالف الدين مخالفة عظيمة تستوجب له وعيداً خطيراً، ومن هنا وجدنا أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر مقترناً بأعظم ذنب في الوجود كله، والحديث في هذا معلوم، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس فقال: وشهادة الزور، وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) فأكبر الكبائر وأعظم الذنوب على الإطلاق ثانياً وتالياً بعد الشرك بالله عز وجل هو عقوق الوالدين.

    وما الذي تخشاه؟ وما الذي تخاف منه في هذه الدنيا؟ أليس حرمان رضوان الله؟ أليس الخوف من عذاب الله؟ إن الذي يخوض في هذا المضمار يستوجب الوعيد الشديد، فقد روي عن النبي صلى الله عيه وسلم في حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بعطائه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة) والديوث هو الذي يرضى السوء في أهله، والرجلة هي المرأة المتشبهة بالرجال. رواه الحاكم وصححه، ورواه البزار بإسناد جيد.

    بل إن الأمر يرى رأي العين، فإنه ما من ذنب إلا وقد يؤجل عذابه أو يقدم إلا ذنبين اثنين لابد أن يكون لهما عقوبة معجلة وإن بقيت لهما عقوبة مؤجلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أنس رضي الله عنه: (بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق) رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي ، وفي رواية أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) وترجم البخاري في الأدب المفرد لهذا الحديث بقوله: (باب عقوبة عقوق الوالدين).

    وعقوق الوالدين أعظم القطيعة للرحم، فأي شيء بعد هذا يمكن أن يقال؟ وأي قول بعد قول الله وبعد قول رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وما هو واقعنا اليوم؟ فكم نسمع من قصص مبكية محزنة مؤلمة! وكم نرى من صور عجيبة غريبة شاذة!

    1.   

    واقع الناس في بر الوالدين

    روي في كتب الأدب عن الأصمعي أنه قال: عزمت أن أبحث عن أعق الناس وأبرهم. فظل يبحث ويسير في حياته وهو يبحث عن هذا الأمر، قال: حتى رأيت مرة شاباً ومعه شيخ كبير مربوط بحبل ينزع دلو ماء، وهذا يشتد عليه ويغلظ له، ويعرض له بالضرب أحياناً، قال: فقلت له: ويحك! ألا تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟! فقال: ثم هو مع ذلك أبي! قال الأصمعي : فرأيت أنه أعق الناس.

    قال: ثم نظرت -أي: في حياته مرة أخرى- فرأيت شاباً يحمل شيخاً في زنبيل كبير، ثم يزق له كما يزق الطير لفرخه -يعني: كل لحظة يأتي فيطعمه، ويأتي فيسقيه، ويأتي فيحمله- فقال: هذا أبي. قال: فقلت: هذا أبر الناس.

    فلاحظ الصور المتباينة، لاحظ الواقع الذي بلغ أن سمعنا في مجتمعاتنا ليس عن أبناء رموا بآبائهم أو بأمهاتهم في دور العجزة أو في المستشفيات وتركوهم، بل رأينا ما وصل فيه الأمر إلى حد القتل وغيره، فما الذي جرى؟! وهل هذه الوصايا لا تتلى؟! ألم نختم القرآن في رمضان؟! ألا تقرأ هذه الآيات في الصلوات؟! ألا يعرف الناس هذه الأحاديث؟! ألم يروا كيف كانت سيرة الأصحاب؟! ألا يجدون في كل شيء من ديننا ما يدل على عظمة هذا الأمر ورفعة هذه الصفة وأهمية هذه الخلة في حياة المسلم، وأن ضدها من العقوق هو أشنع شيء وأبشعه؟!

    إن الصورة تحتاج إلى مراجعة.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يبرون آباءهم ويبرهم أبناؤهم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لكل ما يرضي آباءنا وأمهاتنا، وأن يسخرنا لرضاهما، وأن يجعل طريقنا إلى رضاء الله من رضاهما، ونسأله سبحانه وتعالى أن يحسن ختام من بقي لهم من آباؤهم وأمهاتهم، ونسأله عز وجل أن يبعدنا ويجنبنا عن كل ما يسخطهما أو يسيء إليهما؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    كيفية الطريق إلى بر الوالدين

    التدبر في الكتاب والسنة

    أحسب أنه مهما أطلنا الحديث وأعدناه فإن الأمر يستحق، وإن المسألة تستدعي، وإن الواقع يدلنا على وجود خلل كبير في هذا الباب، فما الطريق إلى تقويمه؟ وما الطريق إلى رجوعه إلى جادة الصواب؟

    هنا أمور كثيرة يضيق المقام عن حصرها، لكن أولها وأعظمها: التدبر في كتاب الله، والاغتراف من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحديث ليس حديث هذا الرجل أو ذاك، وليست موعظة ذلك الواعظ أو هذا، وليس استنباط ذلك العالم أو غيره، إنه كلام الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن كنت مؤمناً ومسلماً فالمخاطب لك هو الله، والموجه لك هو رسوله عليه الصلاة والسلام.

    استحضار فضل الوالدين

    والأمر الثاني الذي يعين على ذلك استحضار فضل الوالدين، كما دلت على ذلك الآيات، مثل قوله تعالى: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:24]، فتذكر نفسك وحالك وأنت طفل لا تملك من دنياك ولا من أمرك ولا من حالك، ولا من تدبير شئونك شيئاً، وتذكر كل تلك الفضائل التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تقدر قدرها فضلاً عن أن توفي حقها، ولو أن كل عاق أو كل مخطئ في حق والديه إذا أراد أن يلفظ الكلمة، أو إذا أعرض، أو إذا صنع شيئاً من ذلك تذكر الحليب الذي أرضعته إياه أمه، والمال الذي أنفقه عليه أبوه، والحماية التي كان يتعرض فيها للمصاعب والمخاطر لكي يحميه، لو تذكر -كما يقول بعض أهل العلم- ولو قبضة أو انقباضة من انقباضات وقت الولادة ومخاضها لشعر أنه قد أجحف في حق نفسه، وأنه ينبغي له أن يطأطئ رأسه خجلاً من تصرفه، وأنه قد أتى بما لا يليق بحال من الأحوال، حتى إن البهائم -وهي بهائم- تعطف الأمهات على أبنائها، ونرى الأبناء كيف ترتبط بأمهاتها، وهذه سنة فطرية في الخلائق، فكيف بالإنسان الذي أعطاه الله العقل وأنزل عليه التشريع وضرب له الأمثلة من رسل الله وأنبيائه وصالح الأمة وعلمائها وأفاضلها؟!

    استحضار الثواب في البر

    وأمر ثالث كذلك، وهو استحضار الثواب والفضل والأجر في البر، فقد رأينا أن طريق الجنة عبرهما، ورأينا أن استنزال رضاء الله برضاهما، ورأينا أن تكفير الذنوب بالإحسان إليهما، ورأينا أن تفريج الكروب بإكرامهما، فأي شيء نريد؟ وكل ما نريد نجد طريقه يمر عبرهما، فلمَ لا نفكر في ذلك ونتأمله؟!

    وانظر إلى الجانب الآخر المقابل، وهو التذكر للوعد والوعيد والعقوبة المنتظرة في الدنيا قبل الآخرة لكل من أساء ولو بكلمة؛ لأن الله قال: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] فجاء بالأدنى، وجاء بما قد يكون الأعلى.

    ذكر سيرة البارين بوالديهم

    ومما يعين كذلك ذكر سير أهل البر بآبائهم وأمهاتهم، فقصة أبي هريرة نموذج من نماذج عدة ليست في حياة الصحابة فقط، بل في حياة الصحابة والتابعين وصلحاء المؤمنين إلى يوم الناس هذا، فانظر كيف يكون التوفيق حليفهم! وانظر كيف تكون السعادة مالئة قلوبهم! وانظر كيف يكون الأثر في أبنائهم! لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) والأمر في هذا ظاهر الدلالة، والحساب فيه والقصاص بيّن للعيان، فكم رأينا من مسيء لوالده -والعياذ بالله- ووالده كان مسيئاً بوالده، والعكس كذلك، فمن عق والده فإنه يجد العقوق من أبنائه، وذلك ظاهر.

    قيام الوالدين بدورهما وواجبهما

    ثم هناك أمر مهم، وهو أداء الوالدين لدورهما، وقيامهما بواجبهما، هو أيضاً من أعظم أسباب البر، فهل علمت ابنك كتاب الله وسنة رسوله؟ وهل وجهته إلى الخير؟ وهل كنت قريباً منه؟ وهل حرصت على تربيته؟ وهل أحسنت في اختيار أصدقائه؟ ذلك هو الطريق الذي يعود عليه بالخير استقامة في سلوكه، وبراً بأبيه وأمه، أما إن أسلمته للضياع، وألحقته برفقاء السوء، وغبت عنه ولا تدري ما يصنع ولا ما يقول، ثم تعض أصابع الندم وتقول: عقني فما عقك إلا من تفريطك وتقصيرك.

    والأمر يطول، والحديث يتكرر في مثل هذا، ويلحق به ما هو في هذه الآيات كذلك، كقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31] وليس المقصود ما كان عند أهل الشرك من أنهم يقتلون أولادهم كما كان في بعض أحوال الجاهلية، فبعض الناس يقتل ابنه يوم لا يرشده ولا يعلمه ولا يربيه، ويوم يبعثه إلى بلاد الكفر أو إلى بلاد الفساد والانحراف العقدي والخلقي، فكأنما هو يقتله؛ لأنه يقتل إيمانه، ويقتل خلقه، ويقتل فضيلته، ويقتل شرفه وخيره ونحو ذلك.

    إذاً هذا باب آخر من الأبواب، وثمة أبواب أخرى كثيرة، ومنها التذكير الدائم بهذه المسألة، والحديث يطول، والمقام يقصر، نسأل الله عز وجل أن يحفظنا، وأن يحفظ لنا آباءنا وأمهاتنا، وأن يشيع البر في أبنائنا وبناتنا، وحسن التربية والرعاية في آبائنا وأمهاتنا.

    اللهم! إنا نسألك أن تؤلف بين القلوب، وأن توحد بين الصفوف.

    اللهم! إنا نسألك أن نبر آباءنا، وأن نسعى إلى رضاهما، وأن نجتهد في طاعتهما في المعروف، وأن نبذل غاية ما نستطيع في الإحسان إليهما وإدخال السرور عليهما، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! وفقنا لطاعتك ومرضاتك، واسلك بنا سبيل الصالحين، واجعلنا من عبادك المخلصين، واكتبنا في ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، وأحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ -اللهم- لها أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها يا رب العالمين.

    اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.