إسلام ويب

الوصايا الربانية [1]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في سورة الأنعام ثلاث آيات توصي بأصول الفضائل، وتحذر من أصول المحرمات والرذائل، وأول ذلك الأمر بالتوحيد والتحذير من الشرك بالله عز وجل، وذلك رأس الوصايا؛ لأنه لا فلاح إلاّ بعد تحقيق التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله.

    1.   

    أهمية الوصايا الربانية

    الحمد لله جعل في الإيمان أمناً وأمانة، وفي الإسلام سلماً وسلامة، وفي القرآن رحمة وهداية، وفي الشرائع حكمة ووقاية، له الحمد سبحانه وتعالى لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من استعطاه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! معاشر المسلمين! وقفات ستتوالى -بإذن الله عز وجل- مع وصايا في غاية الأهمية، أبدؤها بلفت النظر إلى أهميتها، فقد روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم قال: (من يبايعني على هذه الآيات وتلا: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151] إلى آخر الثلاث الآيات، ثم قال صلى الله عليه وسلم: فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص شيئاً أدركه الله به -أي: في الدنيا- كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة كان أمره إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

    وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه مقالة عظيمة، تكشف عن أهمية ما نقف معه من هذه الوصايا القرآنية حيث قال: (من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ... [الأنعام:151])، إنها وصية مختومة ممهورة بختم ومهر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وذكر القرطبي هذه الرواية عن غير ابن مسعود وقال فيها: (وعليها خاتمه الذي لم ينفك).

    فهذه الوصية التي وجهها الحق جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وجعلت خطاباً وتوجيهاً لأمته، هي التي رأى الصحابة أنها خلاصة تلك الوصية، وخلاصة تلك الديانة العظيمة والشريعة الكاملة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أهمية آيات الوصايا العشر في سورة الأنعام

    قطع للعذر وإقامة للحجة

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب).

    وذكر ذلك القرطبي نقلاً عن ابن عباس بقوله: (الآيات المحكمات التي ذكرها الله جل وعلا في آل عمران أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ في ملة قط)، أفليس مثل هذه الوصايا حري بنا أن نعنى بها؟ وهي آيات تتلى في كتاب الله عز وجل، وهداية وجهت لخير الخلق عليه الصلاة والسلام، ولذا فإننا نقف معها هذه الوقفات المتتاليات، نسأل الله عز وجل أن يفتح علينا في معانيها، وأن يوفقنا لحسن قبولها والعمل بها.

    قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151] الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما ذكر القرطبي : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما حرم الله عليهم، قال: وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم وما أحل، لقوله تعالى: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187]، فما نقوله اليوم يكون حجة لنا أو علينا، فإن امتثلنا وعملنا، وإن بلغنا ودعونا وذكرنا كان ذلك نوراً على نور، وهدىً على هدىً، وتقىً على تقىً، وإن كانت الأخرى فقد قامت الحجة، وانقطع العذر، وصار الأمر إما إلى عقوبة معجلة أو مؤجلة، أو إلى رحمة من الله واسعة، نسأل الله عز وجل من فضله.

    خطاب للمسلمين غير المسلمين

    وثمة أمر آخر: وهو الخطاب الذي يوجهه النبي صلى الله عليه وسلم، ويوجهه من بعده من حملة رسالته وأتباع سنته، فقوله: (قُلْ تَعَالَوْا) هذا النداء للخلق جميعاً، ويخص المسلمين وغير المسلمين معاً، فإن هذا النداء هو نداء هذه الشريعة الخاتمة، والرسالة التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم.

    وما سبق من هذه الآيات يبين لنا حكمة وضع هذه الآيات في هذا السياق؛ وذلك أن الآيات السابقة كانت تخاطبنا عن المشركين من أهل الجاهلية، وعن أفعالهم الشنيعة التي أحلوا فيها ما حرم الله، وحرموا فيها ما أحل الله؛ اتباعاً لأهوائهم، وتقريراً لأعرافهم، وتثبيتاً لجاهليتهم، ومن هنا جاء الخطاب الرباني في مواجهتهم قبل هذه الآيات والوصايا بقوله سبحانه: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:150]، فأولئك حرفوا وبدلوا وغيروا، فجاء النداء لتصحيح المسار، فإنه لا حلال إلا ما أحل الله، ولا حرام إلا ما حرم الله، ولا شرع إلا ما جاء عن الله أو بلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، فليس هناك اختيارات، وليس هناك أنواع من الأهواء التي تقدم شيئاً أو تؤخره، وإلا كان ذلك ضرباً من مناقضة أصل الإيمان، ومخالفة صفاء التوحيد، كما قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] أي: يقبلوا قبولاً تاماً من أعماق قلوبهم ونفوسهم دون أدنى شك، ولا أقل حرج، ولا أيسر معارضة، ولا شيء مما فيه ضرب من الاعتراض بحال من الأحوال.

    ولذلك جاء هذا الخطاب وهذه الوصية التي أمر بها المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ لتبين لنا جملة الأمور المهمة، كما روي عن ابن عباس : أن هذه الوصايا قد أجمعت عليها الشرائع كلها، ولم ينسخ منها شيء قط، وأنها خلاصة هذا الدين وجوهره، وأن بها العصمة من كل زلل، ومن كل فتنة، ومن استمسك بها فقد أدى ما عليه، وقد وفّى لله جل وعلا بما أمره به ونهاه عنه، وبعد ذلك فمن قصر أو فرط فحسابه على الله عز وجل.

    بيان لأصول المحرمات وأصول الفضائل

    ومن هنا فإن هذه الآيات والوصايا تشتمل على أصول المحرمات في الأقوال والأفعال، وأصول الفضائل وأنواع البر، فهي تجمع ما نهي عنه وما أمر به من الكليات التي تستقيم بها الحياة، ابتداءً من اعتقاد القلب ويقين النفس، وانتهاءً بفعل الجوارح والسلوك، ومروراً بألفاظ اللسان وأقواله، وتعريجاً على العلاقات والصلات والمعاملات والأحكام والتشريعات، فهي شاملة لذلك كله، ففيها قوام الدين كله؛ لأنها تشتمل على جوهر هذا الدين العظيم.

    أما المتبعون لأهوائهم الذين يقدمون الظنون على الحقائق، والذين يحللون ويحرمون بحسب أهوائهم، فقل لهم: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، فإن الذي يحل ويحرم إنما هو ما ثبت في الوحي وجاء به الشرع الكريم، ونطق به الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أحوال السلف في تلقي الوصايا الربانية

    ولقد كانت استجابة الأصحاب في زمن المصطفى عليه الصلاة والسلام للشرع استجابة فريدة نادرة، ذلك أنه قال لهم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، فكانت استجابتهم ليست مقتصرة على مجرد امتثال الأمر واجتناب النهي، بل المبادرة إلى ذلك كانت بالفعل سبقاً وحرصاً ومبالغةً عند بعض الناس في بعض الأحوال، كما كان ابن عمر رضي الله عنهما يحرص على اقتفاء السنة واتباع أثر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان ينيخ ناقته حيث أناخ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته، وحتى يستظل في سفره بالشجرة التي استظل النبي تحتها، فكان لا يدع شاردة ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا حرص أن يترسم فيها خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما قال ما قال، وجاءه بعض الناس بأقوال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!) ليبين أن المعقد إنما هو في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الأقوال إنما تفهم في ضوئهما، وترجع إليهما، وتنطلق منهما، وما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما فربما كان اجتهاداً وقع فيه خطأ.

    وهكذا نرى من جهة أخرى جانب الانتهاء عندهم عن التحريم، فلقد كان الصحابة رضوان الله عليهم كما وصفهم الحسن رضي الله عنه بقوله: كانوا يدعون بينهم وبين الحرام سبعين باباً من الحلال. أي: كانوا يتقون الشبهات، ويبتعدون عن المحرمات بعداً عظيماً؛ لما سيأتي ذكره في هذه الآيات والوصايا، كما في قوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ [الأنعام:151]، أي: اجعلوا بينكم وبينها مسافة؛ ولأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد قال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).

    وكم هي أقوالنا اليوم: هذا لا بأس به، وهذا ليس فيه شيء، وهذا من المكروهات، فما زلنا نفعل هذا، ونغض الطرف عن هذا، ونقع في هذا، حتى وقعنا في جملة أحوالنا في كثير من المحرمات إلا من رحم الله عز وجل.

    روى البخاري في صحيحه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث إلى أصحابه يوماً وفي يده حرير وذهب، وقال: هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها، وكان في القوم رجل في يده خاتم من ذهب، فنزعه من فوره فوضعه، فلما انتهى المجلس قالوا له: لو أخذت خاتمك فانتفعت به، فقال: ما كنت لآخذه وقد طرحته لله ولرسوله)، أي: مع حل ذلك، لكنهم كانوا يريدون ألا يكون بينهم وبين شيء من النهي صلة ولا تعلق.

    ولما نزل قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] لم تبق لحظة واحدة ولا دقيقة واحدة قبل التنفيذ، بل كانت المبادرة التي شقت فيها دنان الخمر، وسكبت الكئوس من الأيدي، ومجت تلك القطرات من الأفواه؛ لأن القلوب مسلمة لأمر الله؛ ولأن الإيمان مستكن ومستقر فيها، ولسان حالها كما قال جل وعلا: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7].

    هذه الآيات موجهة لهذه الحقيقة الكبرى وفي ظلالها، وبعدها الآيات التي فصلت فيما كان عليه أهل الشرك والجاهلية في زمان مضى، وهي كذلك في جاهلية اليوم وأزمنة العصر الحاضر تختلف صورها، وتختلف مظاهرها، لكن تتحد حقائقها، وتتفق أصولها في مناقضتها ومخالفتها لأمر الله عز وجل وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وجملة هذه الوصايا فيها قيام الحياة كلها؛ ففيها قيام حياة القلوب بالتوحيد والإيمان، وقوام حياة الأسرة بالبر والإحسان، وقوام حياة المجتمع بالعفة والطهارة، وقوام حياة الإنسانية بالعدل والوفاء، فالإسلام العظيم يربي الفرد، ويقيم الأسرة، ويطهر المجتمع، ويظل الإنسانية بعدالته؛ لأنه دين كامل، وتشريع عظيم.

    هذه الوصايا موجزة في ثلاث آيات فحسب، اشتملت على جملة من المأمورات والمحظورات التي بها تستقيم حياة الناس جميعاً مسلمهم وغير مسلمهم؛ فإن الإسلام جاء بالعدل والإنصاف، والوفاء بالحقوق، وإعطاء الناس ما لهم، ومطالبتهم بما عليهم.

    الوصية بالتوحيد والتحذير من الشرك

    وقوله عز وجل: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... [الأنعام:151] الآيات، فيها أوامر، وليست كلها محرمات، ولذا قال المفسرون: إن ذكر أصول المحرمات يدل على ما يقابلها من المباحات، وإن الله نوّع بين نهي عن محرم وأمر ببر وواجب؛ ليشتمل ذلك على هذا وذاك كل بحسبه في بلاغة القرآن المعجزة، فبماذا كانت البداية؟

    وجوب الإيمان بالله عز وجل وتوحيده

    قال تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151].

    فأول الأمر وبدايته: الإيمان بالله خالصاً له سبحانه وتعالى، والتوحيد له نقياً من كل شائبة، ولعلنا هنا نقف وقفات عديدة؛ لأن الناس يتصورون الشرك في تلك الأصنام التي كانت حول الكعبة في مكة، ويتصورونه فيمن يسجد لتلك الأصنام أو يذبح لها، ويقتصر فهمهم على مناقضة التوحيد أو خالطه بغير ما هو منه.

    ولذلك ينبغي أن ننتبه إلى أن القرآن في هذه الوصايا بدأ بأكبر المحرمات وأفضعها وأشدها إفساداً للعقل والفطرة، وهو الشرك بالله تعالى، سواء كان الشرك باتخاذ الأنداد له جل وعلا، أو باتخاذ شركاء يُرى أنهم يشاركونه في تصريفه للأمور وتدبيره لها، أو اتخاذ شفعاء يكونون عنده وسطاء، أو اتخاذ تشريع وحكم غير تشريعه وحكمه الذي أنزله في كتابه وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فكل شيء وكل ضرب من ضروب الشرك ينبغي أن يكون في قائمة أعظم المحرمات المنهي عنها؛ إذ التوحيد قاعدة بناء الإسلام، كما قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23]؛ لأنه عمل على غير إيمان، ولأنه عمل من غير توحيد، قال عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    إن أمر توحيد الله عز وجل عظيم؛ ففيه الاعتراف بربوبية الله جل وعلا خلقاً وتدبيراً، والاعتراف بألوهيته سبحانه وتعالى خضوعاً وتعبداً، والاعتراف بأسمائه وصفاته تعظيماً وإجلالاً، إنه يشتمل على كل مشاعر القلب التي تخرج منه كل تعلق بغير الله، وكل رجاء في غير الله، وكل خوف من غير الله، وكل ذل لغير الله عز وجل؛ ليبقى موحداً قوياً في صلته بربه سبحانه وتعالى، وليبقى حينئذ مقراً بخلق الله وتدبيره ورزقه وإحيائه وإماتته وتصريفه لكل أمر، وليبقى عالماً بأن الذي أنعم ينبغي أن يعبد، وإذا عبد ينبغي ألا يشرك معه غيره، وإذا كانت له أسماء وصفات فليس له معها ولا بها ولا فيها أحد يشابهه، كما قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    إن امتلاء القلب بهذه الحقيقة هو أساس هذا الدين كله، وهو الذي طهر محمد صلى الله عليه وسلم منه قلوب وعقول الكافرين والجاهليين، فأصبحوا من خلص أصحابه رضوان الله عليهم، وأصبح عندهم صفاء في توحيدهم، وقوة في يقينهم، ورسوخ في إيمانهم، وتجرد في إخلاصهم، وعظمة في تقواهم، وصدق في توكلهم، وقوة في ثقتهم بالله عز وجل، وعظمة في حبهم له، وشدة في خوفهم منه سبحانه وتعالى، وذلك هو جوهر الإيمان والتوحيد، وليس مجرد كلمات تقال فحسب، وليس مجرد اتباع للأوامر فحسب، بل هو ذلك الشعور الذي يستقر في سويداء القلب، وفي أغوار النفس، فيملك على الإنسان كل مشاعره، وكل خواطره، وكل أقواله، وكل أفعاله، وكل أحواله، فيكون في كل حركة وسكنة وكلمة وسكتة يعبر عن صلته بالله عز وجل وتوحيده له سبحانه وتعالى.

    من الشرك تحكيم القوانين الوضعية

    وحقيقة الشرك بالله كما يقول السعدي في تفسيره: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظمه كما يعظم الله، أو يصرف له شيئاً من خصائص الألوهية والربوبية، وهكذا الذين يعظمون غير الله تعظيماً يشابه تعظيمهم لله، فيخضعون لهم، ويوافقونهم، ويتابعونهم، ويقرون لهم بما يخالفون به شرع الله عز وجل، فإنه يصدق فيهم قول الله عز وجل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

    ثم نبين بعد ذلك أمراً مهماً، وهو ما يتعلق بصور كثيرة من معارضات هذا التوحيد التي -وللأسف الشديد- فشت وانتشرت في ديار الإسلام إلا ما رحم الله، ولعل أبرزها ما قلنا إنه متصل بهذه الآيات في معناها، وهو تحكيم غير شرع الله، والرضا بحكم غير حكم الله، أو النظر إلى حكم الله وتشريع رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح لهذا الزمان، ولا يتناسب مع هذا العصر، وأنه ينبغي لنا أن نغير ونبدل ونحسن؛ حتى نظهر أمام المجتمعات الدولية بمظهر حضاري كما يقال.

    ولست أريد أن أتحدث من تلقاء نفسي، فكلام علماء الإسلام في القديم كثير، أكتفي منه بنزر يسير، وأنقل لكم بعض أقوال علماء العصر في هذا الزمان، سواء من مات منهم أو من بقي؛ لنرى أن القضية ليست قضية تشدد أو تطرف كما يقال، بل هي قضية دين حق: آيات تتلى، وأحاديث تروى، ومفاهيم واضحة، ومعاقد عقدية فاصلة ينبغي أن تكون واضحة.

    قال الجصاص رحمه الله في هذا المعنى: من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة.

    ويقول ابن تيمية رحمه الله: الإنسان متى أحل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء.

    إذاً: فخطئوا فقهاء الإسلام كلهم، وخطئوا إجماع الأمة كلها؛ لتقولوا لنا: إن مثل هذا القول يدخل في هذا الباب أو ذاك الباب، أو هذا التصنيف أو ذاك التصنيف.

    ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقاً: إن من الكفر الأكبر المستبين: تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، ثم ذكر القوانين الوضعية فرنسية وبريطانية مما يحكّم أو يحكم به في بعض ديار الإسلام.

    وقال ابن باز رحمه الله المفتي السابق: قد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو أن غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر.

    كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج على شريعة محمد أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال، وكم نسمع اليوم من يأتينا بأمثلة قد ذكرها أيضاً علماء العصر! فقد ذكر الشنقيطي هذا الحكم، فقال: الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على لسان أوليائه، مخالفة لما شرعه الله عز وجل على ألسنة رسله، لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. ثم ضرب لنا أمثلة فقال: كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، بل يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوها أعمال وحشية لا يسوغ فيها بالإنسان، ونحو ذلك.

    وأظننا جميعاً نعلم أن مثل هذه المقالات تقال، وتكتب في الصحف، وتسمع في الإذاعات، وترى في المقابلات على الشاشات، ويتحدث بعض الناس فيها على أنها سجال ورأي وحرية فكر! ولا يفرقون بين حرية فكر وحرية كفر تنقض الدين من أصوله، وتأتي على مناقضة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وأختم بقول لشيخ الأزهر سابقاً محمد الخضر حسين يقول فيه: أما أن تفعل البلاد الإسلامية ما فعلته البلاد الغربية من تجريد السياسة من الدين، فهو رأي لا يصدر إلا عمن يُكِن في صدره أن ليس في الدين من سلطان على السياسة، وهذا ما يبثه فئة يريدون أن ينقضوا حقيقة الإسلام من أطرافها؛ حتى تكون بمقدار غيرها من الديانات الروحانية التي فصلها أهلها عن السياسة، ثم صبغوا هذا المقدار بأي صبغة أرادوا، فيذهب الإسلام، فلا القرآن نزل، ولا محمد صلى الله عليه وسلم بُعث، ولا الخلفاء الراشدون جاهدوا في الله حق جهاده، ولا الراسخون في العلم سهروا في تعرف الأصول من مواردها، وانتزاع الأحكام من أصولها.

    هذه أقوالهم تقول: إن من يقول ذلك ينقض عرى الإسلام، ويخلخل قاعدة التوحيد والإيمان، نسأل الله عز وجل السلامة، ونسأل الله عز وجل أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يجعل توحيدنا خالصاً لوجهه الكريم، سالماً من كل شرك وشبهة ورياء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    التحذير من بعض مظاهر الشرك الموجودة في واقع الأمة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجرين إلى جنات النعيم نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أوصيكم أحبتي الكرام! بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولنعلم أن هذه الوصية أول ما بدأت بالتحذير من الشرك بالله عز وجل؛ وذلك لأنها مفتاح لما يريد الله عز وجل من الخير لأهل الإيمان والتوحيد؛ لأن الإيمان والتوحيد هو أساس الأمر ومبدؤه ومنتهاه، قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وفي الصحيحين من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة).

    ولو أردنا أن ننتبه إلى الصور الكثيرة التي يعج بها واقع أمة الإسلام اليوم لوجدنا مخاطر كثيرة ينبغي الحذر منها، وأكتفي بالإشارة إلى اثنين منها:

    من المخاطر تقديم العقل على النقل

    الأول هو: تقديم العقل على النقل, وكم نرى اليوم من ينظر إلى الأحكام والتشريعات فيقول: هذه لا تتفق مع العقل، وكيف يمكن أن نطبق هذا؟ وكيف نستطيع أن نفعل هذا؟ إن هذه الأحكام لا تتطابق مع مقتضى العقل وحقيقة المصلحة!

    وكم سمعنا ذلك حتى في أحكام قد يرونها يسيرة، فكم تسمع من امرأة أو رجل يجادلك في تشريع الله عز وجل في حجاب المرأة المسلمة، ويناظر في ذلك بأمور يزعم أن من العقل، وحقيقتها أنها من الهوى، ويزعم أنها عليها دلائل من الحقائق، وهي ضلالات من الأوهام! وكم نرى صوراً من ذلك في واقع الحياة!

    من المخاطر تمييع الولاء والبراء

    وثانيهما هو: مما عد اليوم من المحظورات التي ينبغي أن نكف ألسنتنا عنها، وأن نمنع أقلامنا من الكتابة فيها، وأن نعطلها من التدريس والتعليم، أتعلمون ما هو هذا الأمر؟

    إنه أمر تنزلت به آيات من عند الله عز وجل، ولا يمكن لأحد من الخلق مهما كان أن يمحوها ويلغيها، بل لا يستطيع أن يغير حرفاً واحداً منها مهما كان شأنه.

    إنها الحقيقة التي أريد أن أكشفها لكم بالآيات، وبما جاء في كتاب الله عز وجل، قال عز وجل: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165]، ويقول الحق جل وعلا: لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:28]، ويقول كذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1]، إنه أمر الولاء والبراء، المحبة لله، والبغض في الله، إنه أمر يصورونه على أنه مناقضة للعدالة، أو مخالفة للسماحة.

    وليس فيه شيء من ذلك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعدل الخلق، وأسمح الناس، وأرأفهم بالخلق جميعاً، ودعا وبصر وهدى غير المؤمنين، لكنه علم وعلّم أن بغض الكفر في ذاته وبغض الفحش والفاحشة في ذاتها أصل مرتكز من عقيدة المؤمن، وبين أن أهل الكفر إن ناصبوا العداء، وإن كادوا واستخدموا أساليبهم في المكر والدهاء، فإنه لا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله ورسوله إلا أن يُكِن بغضهم، وأن يعتقد عداءهم، وأن يسعى إلى مواجهتهم، وذلك هو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويوم جاءت المواقف الفاصلة بين إيمان وكفر مضى بعض الأنصار مع حلفائهم من اليهود في المدينة ينشدونهم النصر، ويطالبونهم الوفاء بالعهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكلوا وتخاذلوا وأحجموا، فأي شيء قال ذاك الصحابي؟ قال: (اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء وحلفهم، وأكون مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم)، وفي هذه الحادثة تنزل قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51].

    وكثيرة هي الصور التي نراها مخالفة لحقيقة التوحيد وهي ليست سجوداً لصنم, ولا بقاء عند قبر، وإن كان ذلك كله من المعارضات والمناقضات التي تجرح التوحيد، وقد تنقض أصله، وتدخل صاحبها في دائرة الشرك أو الكفر، أصغر أو أكبر كل بحسبه وبحسب حكمه.

    إذاً: أحبتنا الكرام! أول ما حرم الله علينا هو: ألا نشرك به شيئاً، فإن التحريم لهذا تحريم قاطع؛ لأنه أساس كل ما يأتي من المحرمات والمأمورات.

    فنسأل الله عز وجل أن يبرئ قلوبنا من الشرك به، وأن يطهر نفوسنا من الشرك به، وأن يطهر عقولنا من الشرك به، وأن يجعلنا أعظم اعتماداً عليه، وأصدق توكلاً عليه، وأشد إخلاصاً له، وأعظم خوفاً منه، وأصدق ثقة به، وألا يجعل في قلوبنا خوفاً ولا رهبة ولا رجاءً ولا تعلقاً إلا به سبحانه وتعالى.

    اللهم إنا نبرأ إليك من الشرك والكفر وأهله، اللهم إنا نسألك أن تحبب إلينا عبادك المؤمنين، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا.

    اللهم أصلح أحوالنا، واختم بالصالحات أعمالنا وآجالنا.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، واحفظ اللهم عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها، ورغد عيشها يا رب العالمين.

    اللهم احفظ ديار المسلمين من كل سوء ومكروه.

    اللهم رد كيد الكائدين، وادفع شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم وأموالهم يا رب العالمين!

    اللهم رد كيد الأعداء في نحورهم، واشغلهم في أنفسهم، واجعل الدائرة عليهم، لا ترفع اللهم لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم اللهم لمن خلفهم آية، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين!

    عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    اللهم صلَّ وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والحمد لله رب العالمين.