إسلام ويب

خطوات عملية في أوقات المحن [1]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعيش الأمة الإسلامية في هذا العصر في فتن ومحن، وبلايا ورزايا لا تخفى على ذي بصيرة، ولابد لها من البحث عن مخرج من ذلك، وبين يدينا خطوات ونقاط ينبغي الأخذ بها في معالجة الأوضاع، وتصحيح المسيرة.

    1.   

    رسالة المنبر

    الحمد لله منه المبتدى وإليه المنتهى، وهو في كل خير يرتجى، ومن كل شر وضر إليه الملتجأ، نحمده سبحانه وتعالى، هو المحمود على كل حال وفي كل آن، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، بعثه الله إلى الناس أجمعين، وأرسله رحمة للعالمين، وهدى به من الضلالة، وبصر به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وكان أبعدنا عنه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! (خطوات عملية في أوقات المحن) ذلك ما يسأل عنه الناس، ويريدون معرفته، ويعزمون على الأخذ به، وهو موضوع حديثنا اليوم؛ لأننا في هذا المقام ينبغي أن نذكر أنفسنا ونذكر إخواننا بأن مقام الخطبة مقام عظيم، لابد فيه من أن تتوفر كثير من الصفات، ولكننا نشير إلى أهمها.

    أولاً: المقصد الأعظم؛ فإن هذا المنبر ليس لمناظرة سياسية، ولا لمظاهرة إعلامية، إنما هدفه الأعظم ومقصده الأكبر: الإخلاص لله عز وجل، وابتغاء رضوانه وإن سخط الناس، وقصد وجهه سبحانه وتعالى دون الالتفات إلى الناس.

    وثانياً: الهدي الأقوم، والاقتداء بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، كيف كان في خطابته وفي تأثيره وفي وضوحه وفي صراحته، وكيف كان في علاجه لأمراض الأمة، وتناول شئونها العامة والخاصة، وكيف كان ذلك دائماً ناشئاً عنده صلى الله عليه وسلم من معايشته لأصحابه وأمته، ومن معرفته العظيمة الواضحة الجلية لحاجتها.

    وأمر ثالث: مراعاة المصالح والمفاسد، والأخذ بالحكمة والبصيرة.

    أما والناس يريدون -كما يقولون- كذا وكذا، فليس هذا مثل وسائل الإعلام يقدم ما يطلبه الجمهور، فنسأل الله عز وجل أن يجعل لهذه المنابر إخلاصاً لله كاملاً، ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم تامة، وحكمة فيها بالغة.

    1.   

    جوانب فكرية في معالجة الفتن والمحن

    هذه الخطوات نذكرها حتى نفهم ونفقه، وربما نؤكد ونكرر ونزيد ونعيد لأهمية مثل هذه المعاني، ولست أطيل؛ وإنما أؤكد وأركز على المهم من هذه المعاني التي لابد لنا منها.

    وضوح الرؤية وقوة العصمة

    أولاً: وضوح الرؤية، وقوة العصمة:

    لابد أن نكون على بصيرة واعية، ووضوح تام، وبينة فاصلة من أمر ديننا، وكتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، لسنا في شك من أي قضية وحقيقة قرآنية أو نبوية، لسنا نبحث هنا وهناك، لسنا نقبل ما يروج من الشائعات، وما يكون له صدى واسع ودوي كبير من الأخبار أو الأقوال أو المقالات؛ لأننا كما قال الحق عز وجل في خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57]، بينة من الله واضحة، آيات أنوارها ساطعة، أحكام أدلتها باهرة، لابد أن تكون معرفتنا بذلك ووضوح رؤيتنا فيه حتى في سنن الله الماضية، وفي حكمته البالغة التي نقرؤها في آيات كتابه، ونرى تطبيقها في واقع الحياة؛ كل ذلك له أهميته.

    ومن ذلك لا يمكن حينئذ أن يكون شك ولا ارتياب، ولا حيرة ولا اضطراب، إذ هذه هي البينة الواضحة، والرؤية التي ليس فيها غبش مطلقاً، قال تعالى: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يونس:105].

    قال الله جل وعلا في خطابه لرسوله ليخاطب البشرية كلها والناس أجمعين: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:104-106].

    ثم من بعد آيات قليلة يعود الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليصرح بها أمام الناس كلهم والخليقة جمعاء قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يونس:108-109].

    نبقى على ثوابتنا، ونعرف عاقبتنا وخاتمتنا؛ لأن الله جل وعلا قد قال: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، ونوقن أيضاً في وضوح رؤيتنا أن الدائرة على الكافرين، كما كسر الكياسرة، وقصر القياصرة، وأغرق فرعون، فإن ظلمة اليوم من الغزاة المعتدين أمريكان أو بريطانيين عاقبتهم ولو بعد حين إلى ذل وهوان، فلا ينبغي أن تكون هناك عجلة، ولا ينبغي أن تكون هناك حيرة، قد تكون لهم جولة، وقد يكون لهم نصر في دائرة أو ميدان، فهل يعني ذلك أن يدب اليأس إلى النفوس؟ وهل يعني ذلك أن الكفر ظهر على الإيمان؟ وهل يعني ذلك أن نتشكك في حقائق القرآن؟ وهل يعني ذلك أن تضطرب الآراء وتحتار؟!

    لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ببصيرته النافذة، وكان قد أعلن عن نتائج كثير من معاركه وغزواته قبل بدئها، ألم يكن في يوم بدر قد قال: (والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم: هذا مصرع أبي جهل ، هذا مصرع عقبة بن أبي معيط ، هذا مصرع أمية بن خلف) لماذا؟ لأن يقينه بالله كان عظيماً؛ ولأنه يعرف أن سنة الله ماضية في نصرة من نصر الله، إن تخلف وعد فلم يكن تخلفه لذات الوعد؛ وإنما لتخلف شروط تحقق الوعد، فلا ينبغي أن نسرف في عواطفنا، وأن نجاري هذه الموجات الإعلامية التي تتلاعب بعواطف الناس، ثم لا يكون لهم من بصيرتهم ورؤيتهم ويقينهم ومعرفتهم القرآنية والإسلامية ما يكشفون به ذلك.

    ولقد كانت كسرة في يوم أحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، فأي شيء صنع عليه الصلاة والسلام؟ هل استسلم لليأس؟ وهل شك أصحاب محمد في نبوته؟ وهل ظنوا أن الإسلام قد ذهبت ريحه وانقضت أيامه وزالت دولته؟

    لم يكن من ذلك شيء، بل خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي يليه ليلاقوا عدوهم؛ ليثبتوا أن الهزيمة لم تصل إلى القلوب، وأنها لم تبلغ النفوس، وأنها لم تخالط العقول، وأنها لم تغير الشعور، ذلك هو الذي كان يقصده رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يقصد مجرد المواجهة المادية بقدر ما كان يريد تثبيت الروح والقوة والفهم المعنوي لأصحابه رضوان الله عليهم.

    وهكذا كان في كل واقعة عليه الصلاة والسلام، يوم بدأت حنين بما بدأت به من ارتداد بعض الأصحاب في أول الأمر، واختلاط الرؤية، وتضارب جيش المسلمين، ونزول السهام والنبال عليهم كوقع المطر؛ ثبت عليه الصلاة والسلام، وأي شيء كان يقول؟

    بعض الذين كانوا من مسلمة الفتح لم يثبت الإيمان في قلوبهم، قال بعضهم: بطل اليوم سحر محمد. لم يكن عندهم وضوح رؤية، لم يكن عندهم صدق إيمان بعد، فهل نقول مثل ذلك إن وقعت واقعة أو حلت كارثة؟ كلا؛ ينبغي ألا يكون ذلك، لقد قالها عليه الصلاة والسلام: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، رفع بها صوته، ثبت في موقعه، تقدم في مواجهة عدوه، ثابت العقول إلى رشدها، ورجعت العزائم إلى قوتها، انعطفت الجيوش إلى مقدمتها، فعادت الجولة لأهل الإسلام والإيمان.

    ويوم كسر المسلمون في بغداد في محرم من عام (656هـ)، وكان ما كان من قتل ثمانمائة ألف وألف ألف كما ذكر ابن كثير، واستحر القتل أربعين يوماً، وسالت الميازيب من دماء المسلمين، وبلغ نتن جيفهم إلى بلاد الشام؛ قامت الأمة من كبوتها، ونهضت من وهدتها، واستعادت عزيمتها؛ لأن كتابها بين يديها؛ لأن سنة نبيها صلى الله عليه وسلم أمامها؛ لأن القوة المولدة موجودة، بقي أن نوصلها بنا، وأن نرجع إليها لنشحن أنفسنا بها.

    وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر رمضان في يوم الجمعة عام ثمانية وخمسين وستمائة من الهجرة، أي: بعد أقل من ثلاثة أعوام؛ نهض المسلمون، وواجهوا التتار، وكسروهم، وهزموهم، وتتبعوهم حتى لم يبق منهم أحد.

    وذلك ما ينبغي أن نعرفه، فليست مواجهتنا لأهل الكفر والعدوان في ميدان واحد، ولا في جولة واحدة، ولا في دولة واحدة، فإن رأينا ذلك كذلك، وخسرنا الجولة، أو ذهبت الدولة كأنما نسينا كل شيء! كلا.. ينبغي أن ندرك أننا نواجه أعداءنا على مدى طويل من الزمان كما فعلوا وكما يفعلون، وأننا نواجههم في كل الميادين قتالية وفكرية وخلقية وعقدية كما يفعلون:

    قطفوا الزهرة قالت من ورائي برعم سوف يثور

    قطعوا البرعم قالت غيره ينبني في رحم الجذور

    قلعوا الجذر من التربة قالت إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور

    كامن ثأري بأعماق الثرى وغداً سوف يرى كل الورى

    كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور

    تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور

    وذلك ينبغي أن نستحضره في رؤيتنا: أن يبقى ولاؤنا لله، ولعباد الله، ولدين الله، وأن يبقى بغضنا لأعداء الله، وتربصنا بهم الدوائر، وشحذ هممنا للقائهم، وتغذية أبنائنا ورضاع ذلك مع لبانهم؛ فإنها ليست جولة واحدة..

    إن اغتصاب الأرض لا يخفينا

    فالريش قد يسقط عن أجنحة النسور

    والعطش الطويل لا يخفينا

    فالماء يبقى دائماً في باطن الصخور

    هزمتم الجيش إلا أنكم لم تهزموا الشعور

    قطعتم الأشجار من رءوسها وظلت الجذور

    أبقوا الجذور للإيمان في قلوبكم فسوف تبسق شجرته، وتينع ثمرته، ويعظم ظله ويشمخ بإذن الله عز وجل رغم أنف كل قوى الأرض قاطبة وإن عظمت، وإن تضخمت، وإن هول الناس هولها.. وعظموا أمرها!

    1.   

    معرفة الخلل وطريق العمل

    ثانياً: معرفة الخلل، وطريق العمل:

    لا ينبغي أن نخادع أنفسنا، ما الذي آل بنا إلى هذا الأمر؟ ما الذي جعل عجزنا واضحاً فاضحاً؟ ما الذي جعل ذلنا ظاهراً بيناً؟ ما الذي جعل خلافنا مؤسفاً محزناً؟ ما الذي حل بنا؟

    نعم! ذلك كيد من أعدائنا، وهل يتصور من الأعداء إلا ذلك؟ لكننا نريد أن نكاشف أنفسنا.. أن نضع النقاط على الحروف.. أن نقرأ آيات القرآن الكريم: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

    انتبه إلى هذه المعاني! ولقد جاءت صريحة واضحة، ليس فيها مداراة ولا مجاملة، خوطب بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وصفوة البشر من أصحابه رضوان الله عليهم في حادثة واحدة، في معصية ومخالفة واحدة، في يوم أحد جاء الخطاب الرباني: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا [آل عمران:165]؟! كيف وقع هذا؟! كيف حل بنا هذا؟! كيف وبيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! كيف ونحن ننصر دين الله؟!

    لقد كان ذلك والرسول معهم والصحب هم الصفوة المختارة، فهل تجاوزتهم سنة الله؟ وهل لم يمض عليهم قدر الله؟

    أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165] كلام واضح، ومحاورة صريحة نفتقدها، ونداري أنفسنا، ونغالطها، ونرمي بالتبعة على الحكام، أو نلبسها على العلماء، أو ندفع بها نحو الأعداء، وكأننا من كل ذلك برآء، وكأننا مطهرون ليس فينا نقص ولا عيب، وكأننا لسنا سبباً من أسباب هذا البلاء، وكأننا لسنا طريقاً من طرق تسلط الأعداء!

    ولقد تنزلت الآيات في يوم أحد والجراح ما زالت نازفة، والحزن ما زال في القلوب يعصرها، وفي النفوس يفريها ويؤلمها، ومع ذلك جاء الوضوح القرآني والمنهج الرباني، فهل نحن قادرون على أن نقول: نحن أصحاب الأخطاء، ونحن جزء من البلاء، ونحن الذين ركنا في بلادنا وديارنا وأوضاعنا وأحوالنا إلى الأعداء؟! هل نقولها؟

    ينبغي أن نقولها، وينبغي ألا نلتفت يمنة ويسرة، أن ننظر إلى ذوات أنفسنا، أن ننظر في المرآة إلى أحوالنا، أن نكشف خللنا، فإذا عرفنا مصدر الخلل يمكن أن نعرف مصدر الإصلاح والعمل، وذلك أمره بين.

    إذا شكا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أمر يسير ومخالفة واحدة، فكيف نحن نسأل اليوم: لم يجري ذلك؟! ولم يحل بنا ذلك؟! ألسنا نرى معاصي تبلغ إلى درجة الكفر بنبذ دين الله، والاستهزاء بكتاب الله، والتعدي على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم تقع في ديار المسلمين وبلسان عربي مبين؟ ألسنا نرى فسقاً وفجوراً مما تعلمون؟!

    وهذه مرة أخرى في وصف أحد: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران:152] أي: تقتلونهم قتلاً قوياً سريعاً، وذلك في أول المعركة، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:152].

    لـابن القيم كلمات كثيرة، انتخبت منها واحدة يقول فيها: من آثار المعاصي والذنوب، قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء، وطول الهم والغم، وظنك العيش، وكسف البال.

    كل ذلك يتولد عن المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء.

    لم لا نبحث في ذلك كما كان يعرفه ويتشربه سلفنا الصالح؟

    روى ابن مسعود -يروى عنه موقوفاً ومرفوعاً-: (إن العبد ليحرم العلم بالذنب يصيبه).

    كانوا يرون أن خفاء المسألة أو نسيان النص إنما هو بسبب الذنب.

    ومن مقالات السلف: كان أحدنا يجد أثر الذنب في خلق زوجه ودابته.

    إذا رأى من زوجته خلقاً سيئاً اتهم نفسه أنه قد قصر أو أساء، فابتلاه الله بذلك، ففي أدق الدقائق وأبسط الأمور كانوا يعرفون ويوقنون أنها من الأسباب، فيبدءون أولاً بعلاج أنفسهم.

    لله در أبي هريرة رضي الله عنه حيث يقول لنا: ما بالك تبصر القذاة في عين أخيك ولا تبصر الجذع في عين نفسك!.

    نحن بصيرون بالبحث والتنقيب والاستخراج لعيوب الناس، ونحن أعمى الناس عن عيوبنا، وأغفل الناس عن تقصيرنا، إن كنا نريد في هذه المحن والفتن أن نخرج منها بخير فليكن معرفة تقصيرنا وتفريطنا أول ما نبدأ به، ونحن نعلم أن طريق العمل كما قال الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

    نسأل الله عز وجل أن يقوي قلوبنا، وأن يعز نفوسنا، وأن يربطنا به، وألا يجعل لنا إلى سواه حاجة.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    جوانب نفسية في معالجة الفتن

    الجانب النفسي: وهو مهم جداً، ونذكر فيه أمرين:

    المشاركة الشعورية للأمة الإسلامية

    المشاركة الشعورية العميقة الصادقة، أين أخوة الإيمان؟ أين نصرة الإسلام؟ أين الصورة المثالية العظيمة الفريدة، والمثل الحي الكامل الذي ضربه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). لقد كنت أحدث نفسي وحدث بذلك بعض الناس، قلت: إني أنكر من نفسي أن حزنها ما زال قليلاً لا يكافئ المصاب والخطب العظيم، وإن ألم القلب ما زال دون المطلوب بكثير، وإننا ما زلنا نستطيع أن نضحك وأن نفرح، وأن نلهو وأن ننام، وأن نطعم وأن نشرب، وكأن خنجراً لم يطعن في قلوبنا، أو لم ينفذ إلى ظهورنا، وكأننا لسنا مصابين بذلك المصاب الضخم الهائل، كأننا لن يكون لنا هذا الأثر النفسي حتى يكون المصاب في أنفسنا وفي أعراضنا، وفي بيوتنا وحرماتنا.

    لقد كان صلاح الدين لا يضحك ولا يتبسم، فلما قيل له في ذلك قال: كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى؟

    ذلك كان همهم وحزنهم قد خالط شغاف قلوبهم، وجرى مع دمائهم في عروقهم، لم يملكوا معه أن يناموا وأن يهجعوا، ولا أن يلهوا ولا أن يضحكوا، لابد أن نعمق هذا الشعور، وأن نجعله عظيماً في قلوبنا..

    لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان

    لابد أن نستشعر هذه المعاني، وأن نعمقها في نفوسنا ونفوس أبنائنا، ألا يتبلد الإحساس ونحن نشاهد المناظر أمامنا؟ كم طفلاً رأيناه مشوه الوجه قد قتلت براءته! كم أماً رأيناها تبكي على رضيعها وصغيرها! كم رأينا ممن فقدوا دورهم وأموالهم! ليس اليوم.. ليس في العراق فحسب؛ بل في فلسطين على مدى خمسين عاماً، وفي كشمير مثلها، وفي غيرها وفي غيرها، وما زال الحزن في نفوسنا قليلاً!

    ولقد قلت هذا لأنني أعني به نفسي، وأرى أننا إن لم يكن لنا حرقة نشعر بها تقض مضاجعنا، وتؤرق نومنا، وتجعلنا لا نهنأ بعيشنا؛ فلنتهم أخوتنا، ولنتهم صدق مودتنا، ولنتهم تلاحمنا كالجسد الواحد الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قلب يفيض أسىً وعين تدمع والجسم من فرط الضنى متضعضع

    نار تمور بها الحشى وتألم يفري نياط القلب فهي تقطع

    حر يسام أذىً ويهتك عرضه قهراً فيالله كم ذا مفزع!

    وفتاة طهر بالحجاب تلفعت عنها حجاب الطهر قهراً ينزع

    وبيوتهم فوق الرءوس تهدمت والطفل مات وأمه تتوجع

    أفليس في قلوبنا رحمة إنسانية، وأخوة إيمانية، وعاطفة إسلامية؟!

    ما لم نبكها، ما لم نحركها، ما لم نبتغ بذلك أن نقويها فلن تكون لنا تلك الحركة الإيجابية التي نرجوها ونأملها.

    القوة والعزة والاستعلاء بالإيمان

    ثانياً: القوة والعزة:

    فلسنا نريد لهذه الأحزان أن تنال من عزيمتنا، ولا أن توهن من قوتنا، ولا أن تضعف من عزتنا، كلا، نريدها وقوداً يتفجر قوة، ويتطاير عزة، نريد أن نؤكد في كل الظروف والأحوال، بل في ظروف المحن والفتن على وجه الخصوص أننا نستعلي بإيماننا، وأننا نتشرف ونفخر بإسلامنا، وأننا نرفع رءوسنا، وأننا سادة الدنيا، وأننا معلمو البشرية، وأننا قادة الإنسانية، وأننا دعاة الحرية.

    نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نحن الأمة التي اختارها الله عز وجل لتكون الأمة الباقية إلى قيام الساعة، ولتكون الأمة الشاهدة على الأمم يوم القيامة قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    ما بالنا نفوسنا فيها حزن، وقلوبنا فيها ذل، وأحوالنا في تقهقر؟ إذا دام الأمر كذلك فإنه لا يرجى أن يتولد لنا عمل، ولا أن تكون لنا حركة، لابد أن نستحضر قول الحق جل وعلا: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139]، أقدامنا فوق كل الرءوس وإن علت وشمخت بقوتها المادية؛ فإن قوتنا الإيمانية أعظم، وإن جولتنا أوسع وأشمل، وإن نصرنا عليهم مؤزر مؤكد، ليس في ذلك أدنى شك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

    ينبغي أن ندرك ذلك، وأن نستحضر موقف ربعي بن عامر ، وكلكم يعرفه، وقد قلناه وكررناه؛ لأنه موقف يدل على ما ينبغي أن يعمر قلوبنا ونفوسنا، يوم دخل على أبهة الملك عند رستم، وكان قائداً عظيماً من قادة الفرس في بهرج الدنيا، وزخرف الحضارة، وقوة الجند، وهيبة الملك، فهل لفت نظره شيء من ذلك؟ هل أضعف شيء من ذلك قوته وعزيمته؟ هل نال من فخره وعزته؟

    دخل يخرق الطنافس برمحه، ويسير إلى أن يجلس على سرير ملكه، ثم يخاطبه عندما سأله ذلك السؤال: ما الذي جاء بكم؟ فقال بعزة المؤمن: (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)!

    لله درك من نموذج للعزة ووضوح الرؤية نفتقده ونفتقر إليه، فكن مسلماً قوياً عزيزا.

    فإنك لا تلين لهم جنابا وإنك لا تقيم لهم حساباً

    ولا تبدي لهم قربىً وزلفى ولا تهدي لشيبهم خضابا

    وغيرك ينسج الألفاظ عهراً يدغدغ في عهارتها الرغابا

    وغيرك لا يجيد الرقص إلا على أوتارهم ولها استجابا

    ورأسك يا أمير القوم قاس ومن قبل المشيب أراه شابا

    لأنك مسلم ستظل حرباً على الأشرار ترهقهم عذاباً

    تذكروا وصيحوا دائماً لأن الإيمان أعلى وأجل، ويوم قام أبو سفيان بعد غزوة أحد، وقد رأى شيئاً من نشوة انتصار عابر، يصيح وينادي: أين محمد؟ أين أبو بكر ؟ أين عمر ؟ ويقول الرسول: لا تجيبوه. حكمة وحيطة، فلما قال: اعل هبل. أراد أن يفتخر بعقيدته ويعلي جاهليته، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. فانتدب الفاروق عمر ، فلما قال أبو سفيان : اعل هبل. قال: الله أعلى وأجل. فقال: يوم بيوم بدر. قال: لا سواء، قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة.

    يبقى راشد العقل، قوي العزم، رابط الجأش، لا تنال الأحداث من قوته وعزته، نسأل الله عز وجل أن يقوي قلوبنا، وأن يعز نفوسنا، وأن يربطنا به، وأن يجعلنا أوثق بما عنده مما في أيدينا، وألا يجعل لنا إلى سواه حاجة.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون: لابد لنا أن نستحضر هذه المعاني، وأن نتواصى بها، ولقد كنت أريد أيضاً أن أضيف إلى حديثي هذا الجانب العملي، وهو جانب فيه كثير من الخطوات، وكثير من الميادين، ولكن المقام يقصر عنه، وبعض إخواننا قد يرى أن طول الحديث يتعبه أو يرهقه، مع أني لست ممن يريد طول الحديث شهوة في الكلام، وأيضاً: نحن نقضي من الأوقات في كثير من الأمور التافهة ما الله سبحانه وتعالى به عليم، ثم لا يكون لنا اجتهاد ولا صبر أن نتذاكر وأن نتحدث، وأن تطول مراجعتنا وأخذنا وردنا في حالنا وبلائنا، وفيما نستعين الله سبحانه وتعالى به في مواجهة أعدائنا.

    لعلنا -أيها الإخوة الأحبة- أن نكثر من التجائنا إلى الله عز وجل، ودعائنا إليه سبحانه وتعالى، وسأجعل حديث الجانب العملي في لقائنا وجمعتنا القادمة إن مد الله في الأعمار.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيد الكائدين، وأن يدفع شرور المعتدين.

    اللهم سلط على الغزاة المعتدين من الصليبين الحاقدين، واليهود الغاصبين رجزك وغضبك وبأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد؛ فصب اللهم عليهم سوط عذاب، وكن لهم يا ربنا بالمرصاد، اللهم لا تبلغهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية.

    اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، ولا تجعل من المؤمنين للكافرين ولياً ولا ظهيراً، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم إنهم قد طغوا وبغوا، وتجبروا وتكبروا، وحاربوا الإسلام والمسلمين، واستحلوا الحرمات، وسفكوا الدم الحرام؛ اللهم فانتقم منهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم سلط عليهم جند السماء، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أعطب أسلحتهم، وأسقط طائراتهم، وأغرق بارجاتهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.

    يا ذا الجلال والإكرام! يا من أمره بين الكاف والنون! سدت الأبواب إلا بابك، وانقطعت الأسباب إلا أسبابك، وليس لها من دونك كاشفة، اكشف اللهم البلاء عن الأمة، وارفع الغمة، والطف بنا فيما يجري به القضاء يا رب الأرض والسماء!

    اللهم إنك على كل شيء قدير، وأنت بكل شيء عليم، إليك الملتجأ، وأنت المرتجى، نسألك اللهم أن تقضي لأمة الإسلام والمسلمين خيراً، وأن تجعل لهم من وراء هذه المصائب والرزايا والبلايا خيراً، وأن تكتب لهم فيها نصراً وعزاً يا ذا الجلال والإكرام!

    اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والصبية اليتامى، والنسوة الثكالى.

    اللهم ارحم إخواننا في العراق وفي فلسطين، وفي كشمير وفي الشيشان، وفي أفغانستان وفي كل مكان.

    اللهم انصر المستضعفين، اللهم انتصر للمظلومين، اللهم إنا نسألك أن تمسح عبرتهم، وأن تسكن لوعتهم، وأن تؤمن روعتهم، وأن تقيل عثرتهم، وأن تفرج همهم، وأن تنفس كربهم، وأن تعجل فرجهم، وأن تفك حصارهم، وأن تقهر عدوهم، وأن تزيد إيمانهم، وأن تعظم يقينهم، وأن تجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء!

    اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

    اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا على بصيرة وبينة من أمرنا، اللهم لا تفتنا ولا تفتن بنا، وإذا قضيت فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين.

    اللهم ثبت المجاهدين، اللهم أمدهم بقوتك وحولك ونصرك وعزك وتأييدك يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا في هذه الأيام المباركة عملاً صالحاً ترضى به عنا، وترفع به البلاء عنا، وتنصر به إخواننا، نسألك اللهم أن تسخرنا في نصرة دينك، وأن تستخدمنا في طاعتك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين.

    اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك أن توفق ولي أمرنا لهداك، وأن تجعل عمله في رضاك.

    اللهم الطف بنا فيما تجري به المقادير يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.