إسلام ويب

صفحات من سيرة المصطفىللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تميزت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بخصائص ومزايا عظيمة، فهي صفحات تاريخية مشرقة وضاءة، يستضاء بها في الظلم، ويسترشد بها في الضلال، ويؤتسى بها في العمل بأنواعه، ومن صفحات التاريخ النبوي غزوة أحد، فقد تميزت هذه الغزوة بالدروس والعبر التي تقوّم اعوجاج المسالك، وتحيي الإيمان في القلوب، وتثبت الأقدام عند النزال في ساحات الوغى، وهذه الغزوة أظهرت شجاعة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم وصحابته، وأظهرت أهل النفاق وكشفت مساوئهم وما تنطوي عليه نفوسهم.

    1.   

    مقدمات غزوة أحد وحال المسلمين معها

    الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، له الحمد سبحانه وتعالى هو الكريم الوهاب، وهو الغفور التواب، نحمده سبحانه وتعالى حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! عود إلى صفحات من التاريخ، تميزت باختصاص عظيم، وجعلت قدوة وعبرة ونفعاً وفائدة للمسلمين، صفحات من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، تشدني إليها كلما جاء شهر شوال وهو الشهر الذي وقعت فيه غزوة أحد من العام الثالث للهجرة، وكلما قلبنا صفحات هذه الغزوة وجدنا أن فيها سفراً عظيماً للدروس والعبر التي تقوّم اعوجاج مسالكنا، وتحيي وتقوي ضعف إيماننا، وتثبت مواضع أقدامنا، وتكشف ما وراء المظاهر إلى حقائقها.

    تهيؤ قريش لغزو المدينة

    ولست اليوم أتحدث عن أحداثها، غير أني أتحدث عن مقدماتها؛ لأنها مقدمات تكشف لنا عن حال المجتمع المسلم، ما الذي كان في القلوب والنفوس؟! ما الذي كان في الخواطر والعقول؟! كيف كان ذلك المجتمع ينتبه ويلتفت نظره إلى ما حوله؟!

    هل كان منكفئاً على نفسه غارقاً في ذاته؟! هل كان متعلقاً بأمنه وسلامته فحسب؟! هل كان يدرك ما حوله وينتبه له أم لا؟! وكيف كان التفاعل مع ذلك؟!

    لا شك أننا جميعاً نعلم كيف كان التهيؤ لهذه الغزوة من قبل قريش أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك.

    بعد أن انجلى غبار بدر بما كان فيه من ظفر ونصر لأهل الإسلام والإيمان، وما كان فيه من هزيمة عظيمة لأهل الكفر والطغيان، سعى أرباب قريش كـعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وعبد الله بن أبي ربيعة ، ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم؛ سعوا إلى أبي سفيان ، وإلى من كان له مال في تلك القافلة التي نجت، وقالوا: يا معشر قريش! إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فما عليكم أن تعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا أن ندرك ثأرنا بمن أصاب منا.

    ففعلوا، ودخل معهم أحابيشهم وهم الذين كانوا في حلف مع قريش، وانضوى معهم بعض قبائل كنانة وبعض أهل تهامة، بل ذكر الواقدي في مغازيه: أنه اجتمع معهم مائة نفر من ثقيف، واحتشد أولئك جميعهم في ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مائتا فرس وسبعمائة درع، وثلاثة آلاف بعير، وأوعبوا من السلاح ما أوعبوا.

    ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن قريشاً اليوم حاضرة كما هي بالأمس، وقد ألبت وأجلبت لثأرها من أمة الإسلام، ولئن جمعت قريش ثلاثة آلاف ومائتي فرس وثلاثة آلاف جمل أو نحو ذلك، فقد جاء القوم اليوم بمئات الآلاف من الجند والطائرات الخارقة وغير ذلك مما تعلمون، وأنفقوا لأجله الأموال، وجيشوا لأجله الجيوش، والله جل وعلا يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36].

    رسالة العباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشأن قريش

    نعم! لقد أعدوا عددهم وشغلوا وسائل إعلامهم وحشدوا جيوشهم، وقالوا مقالة سابقيهم: لتدركوا ثأركم ولتوقفوا مسيرة هذا الدين الذي غزاكم في عقر دياركم، ذلك كان حال قريش، فأي حال كان حال محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته؟ هل كانوا غارقين في شهواتهم، ملتهين بملاعبهم ومسارحهم وغير ذلك مما نعلمه اليوم؟!

    روى أهل السير: أن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم برسالة سرية مع رجل قطع المسافة في نصف المدة أو أقل يخبره بتجهز قريش، وكان مما جاء في رسالته: إن قريشاً قد أجمعت المسير إليك فما كنت صانعاً إذا حلوا بك فاصنعه الآن.

    تهيأ قبل أن يأتوا إليك، واستعد قبل أن يطرقوا بابك، وتجهز قبل أن يكونوا في أرضك، وقد توجهوا إليك في ثلاثة آلاف، وقادوا مائتي فرس ومعهم سبعمائة دارع، وثلاثة آلاف من الإبل، وقد أوعبوا من السلاح، أي: قد جمعوا ما لديهم من السلاح كله، هل اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؟

    لقد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم الرسالة لـأبي بن كعب فقرأها عليه، فقال: اكتم الخبر، ثم مضى إلى سيد الأنصار وأخبره الخبر وقال: اكتم عني ذلك.

    الاستخبارات النبوية تأتي بأخبار قريش وجيشها

    ثم لما تقارب الأمر وحل الجيش قام النبي صلى الله عليه وسلم وبعث الحباب بن المنذر قبل الغزوة عندما وصلت قريش إليهم، وقال له عليه الصلاة والسلام: اذهب إليهم وائتني بخبرهم، ولا تخبرني بخبرهم بين أحد من المسلمين، قال: فدخل فيهم وحزر ونظر وجاس بينهم.

    وهذا من شجاعته من جهة، ومن فرط ذكائه وحسن حيلته وتدبيره من جهة، ثم انظروا إلى التقرير الاستخباراتي الذي جاء به هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه (قال: يا رسول الله! والله لقد رأيت أعداداً حزرتهم ثلاثة آلاف يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ومعهم أفراس حزرتها مائتين من الخيل، ومعهم أدرع حزرتها سبعمائة، وإبل حزرتها ثلاثة آلاف، ثم سأله النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت معهم الظعن -أي: النساء-؟ قال: نعم يا رسول الله! رأيتهم ومعهم الدفاف والأكبار -أي: الطبول والدفوف- فقال صلى الله عليه وسلم: أردن أن يحركنهم وأن يذكرنهم قتلى بدر، هكذا جاءني خبرهم، ثم قال له: لا تذكر مما قلت شيئاً ولا حرفاً، ثم قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك أصول).

    إنه الاعتماد على الله، والتوكل عليه، والثقة به، والالتجاء إليه، إنه اليقين الذي لا يتزعزع معه قدم، ولا يطيش معه عقل، ولا يخالج النفس منه اضطراب، ولا يداخل القلب منه خوف، إنه علم لمعرفة الحقيقة لا ليكون أثرها الوهن والضعف والخذلان، بل ليكون أثرها من قوة الإيمان وعظمة اليقين، مع شدة وصدق الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى: (اللهم بك أجول وبك أصول) هذا كان شعار المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    تلك مقدمات تبين لنا اليقظة والانتباه والرصد وجمع المعلومات، وتبين أن أعداء الحق لا يفترون ساعة ولا تتوقف مكائدهم لحظة، فلا ينبغي أن يكون المسلمون في غفلة، وأن يكونوا مسرفين في حسن الظن حتى بلغوا حد السفه والسذاجة، حتى وصفوا أعداءهم بأنهم شركاؤهم، وقالوا في حق من تربصوا بهم الدوائر وثبتت جرائمهم وتيقن عداؤهم: إنهم لا بأس أن يكونوا معه في صف واحد في مواجهة أمور انطلت حيلها وترددت كلماتها في وسائل الإعلام، حتى راجت وصارت هي حجة كل أحد في كل مسلك خاطئ، وفي كل اعوجاج مستمر، نسأل الله السلامة!

    1.   

    موقف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الخروج إلى أحد لمقاتلة المشركين

    ننتقل إلى صفحة أخرى قبل المعركة ولن نذكر من المعركة شيئاً مطلقاً.

    استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في البقاء أو الخروج

    النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغته الأخبار عن تجمع قريش ومن معها لمقاتلته وأصحابه، توجه إلى أصحابه يستشيرهم ويرى رأيهم في صورة هي أعظم صور المشورة وأعظم صور التلاحم بين القيادة والأمة، دعك من ديمقراطية زائفة، ودعك من انتخابات مزورة، ودعك من صور كثيرة مبهرجة، واخلص إلى جوهر الإسلام في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    رأى رؤياه عليه الصلاة والسلام وقصها على أصحابه قال: (رأيت بقراً تذبح، ورأيت ثلمة في سيفي، ورأيت أني آوي إلى درع حصينة، وأولت البقر: نفراً من أصحابي يقتلون، وثلمة في سيفي: بعضاً من أهل بيتي يقتلون، والدرع الحصينة: المدينة، فلو رأيتم أن نبقى فيها، فإن أقاموا هم أقاموا بشر مقام، وإن أتوا إلينا قاتلناهم، فكان لنا عليهم النصر والظفر).

    نفوس أبية وحماسة متقدة

    فلننظر إلى المجتمع المسلم عندما تحل به الظروف العصيبة، عندما تحيط به الأخطار، عندما تأتي الأخبار بأن الأعداء على الأبواب، وبأن حرباً ضروساً يوشك غبارها أن يصل إليهم.

    استمعوا إلى هذه المواقف التي هي في حقيقتها غنية عن كل تعليق: كان ممن تحدث حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم أسد الله وأسد رسوله، ومعه سعد بن عبادة سيد من سادات الأنصار، والنعمان بن مالك، فكان مما قالوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبناً عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت في بدر في ثلاثمائة رجل فأظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير قد كنا نتشوق لهذا اليوم وندعو به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مائلاً لهذا الرأي، فقام مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسنيين: إما أن يظفرنا الله بهم، فهذا الذي نريد، فيذلهم الله لنا فتكون هذه وقعة كوقعة بدر، فلا يبقى منهم إلا الشريد، أو الأخرى يا رسول الله! فإنها والله الشهادة، والله يا رسول الله! ما أبالي أين كنا إن كانت الشهادة يا رسول الله!

    فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) وكان حمزة رضي الله عنه كما قال أهل السير صائماً في يوم الجمعة، وكذلك كان صائماً في يوم السبت يوم غزوة أحد نفسها، فقال: (والله يا رسول الله! والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاماً حتى أناجزهم بسيفي خارجاً من المدينة، ثم قام النعمان بن مالك فقال: يا رسول الله! أنا أشهد أن البقر المذبح قتلى من أصحابك، فلم تحرمنا الجنة؟ فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلنها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله، ولا أولي يوم الزحف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت).

    وكان النعمان من شهداء أحد.

    ثم قام خيثمة والد سعد بن خيثمة وقد ذكرت قصته مرة: (جاء يوم بدر وكان خيثمة يريد أن يخرج وكذلك سعد ابنه يريد أن يخرج، وكان لابد لأحدهما أن يبقى، فلم يؤثر أحدهما الآخر حتى اقترعا، فجاءت القرعة لـسعد على أبيه، فقال أبوه مستغلاً مقامه وقدره وحقه في البر: أو تؤثرني بها يا سعد ؟ فجاء قول سعد : لو كان غير الجنة يا أبي، فمضى سعد ومضى شهيداً.

    فلما كان يوم أحد قام خيثمة رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! إن قريشاً جمعت الجموع، وتبعتها من العرب من أهل البوادي ومن تبعها من الأحابيش، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا يحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرحلون وافرين لم يكلموا -أي: لم يجرحوا -، فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا علينا الغارات، وعسى الله أن يظفرنا بهم، فتلك عادة الله لنا، أو تكون الأخرى وهي الشهادة، فقد أخطأتني يوم بدر، وقد كنت حريصاً عليها يا رسول الله، وقام إياس بن أوس وقال: نحن بنو عبد الأشهل، نرجو يا رسول الله! أن نَذبح في القوم وأن نُذبح؛ فنصير إلى الجنة ويصيروا إلى النار، مع أني يا رسول الله! لا أحب أن ترجع قريشاً إلى قومها فيقولون: حصرنا محمداً وأصحابه في يثرب وآطامها، فيكون ذلك جرأة لقريش، وقد كنا يا رسول الله! قبل أن تأتينا في جاهليتنا والعرب يأتون إلينا ولا يطمعون منا بشيء حتى نخرج إليهم بأسيافنا فنذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك، وعرفنا مصيرنا أن نخرج إليهم يا رسول الله) .

    مقالات قوية تكشف عن نفوس أبية، تكشف عن حماسة متقدة، تفصح عن إيمان عميق وعن يقين راسخ، قد علموا ما علموا من عدة قريش وسلاحها، وقد عرفوا قوتها ومن جاء معها من أحلافها، كل ذلك كان معلوماً عندهم، لكنهم كانوا يريدون الجنة، ويريدون شهادة في الجهاد في سبيل الله في مواجهة أعداء الله عز وجل، وكانوا يريدون رفع راية الإسلام وإعزاز الدين، وإظهار العزة في أهل الإسلام، لا طأطأة للرءوس، ولا انحناء للأبدان، ولا تراجع بالأقدام، ولا شيئاً من مظاهر الذل بحال من الأحوال.

    أرادوا أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، سيما وأن بدراً لم تكن مخصصة لقتال، ولكن لقافلة وغنيمة، فقد فات كثير من الصحابة تلك الغزوة فأرادوا أن يعوضوا، لا يعوضون بمال ولا يعوضون بزروع وثمار، بل يعوضون بمعارك فيها ضرب بالسيوف وطعن بالرماح، يعوضون بدماء تسيل وأنفس تزهق، لكنها أمنيات وآمال لا تكون إلا لأهل الإيمان، قالها أنس بن النضر في أثناء أحد بعد أن احتدم غبار المعركة: (واه لريح الجنة والله إني لأجدها دون أحد)، وقال قبلها: (والله لأن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين الله ما أصنع) تلك هي النفوس الأبية، ذلك هو المجتمع المسلم، فهل ترون في نفوسنا اليوم، والأعداء -لا أقول: قريبون منا- قد حلوا بديارنا، وقد أخذوا مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد دخلوا إلى مواقع ديارنا إلا ما رحم الله، هل ترون نفوساً تتوق إلى الشهادة؟ أم أن مجرد ذكري ذلك يعد اليوم خطراً عظيماً وتهمة ثابتة، بل ربما لا يجرؤ أحد على قوله: لا لذلك؛ لأن القلوب قد امتلأت رعباً.

    إن تلك الجيوش الضخمة التي ما يزال يعلن عن كفاءتها وقدرتها، ثم إذا بها في وحل لا تستطيع أن ترد عن نفسها شيئاً، ولا تستطيع أن تحقق نصراً، ولا تستطيع أن تواجه فتية صغاراً بأحجار وأسلحة قليلة ضئيلة.

    إن السنة ماضية، وإن آيات القرآن لا تتخلف مطلقاً فيما جاءت به من وعد الله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، وقال عز وجل: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:249] .

    كان ذلك يقيناً في قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك عادة الله فينا كما ذكر أولئك الأصحاب، وقالوا: قد نصرك الله عليهم في يوم بدر على قلة عددنا، كل هذا كان واضحاً في الأذهان، وكان حياً وساكناً في القلوب والنفوس، وكان الأمر كذلك من جهة أخرى فهم قوم مستقيمون على أمر الله، قائمون بطاعة الله، سائرون على خُطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا يخشون أن يؤتوا من قبل تخلفهم عن أمر الله، ولا تنكبهم لهدي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا معارضاتهم ومخالفاتهم المعلنة المشهرة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ألسنا اليوم في ظروف أشد وأصعب مما كان في يوم أحد؟ ماذا رأيت في صحف اليوم؟ صفحة كاملة، إعلان لمسابقة ملكة جمال إحدى الدول العربية بين ثلاثين فتاة، يتم التنافس بينهن حتى تفوز إحداهن بعد معركة طويلة بعرش الجمال.

    وكاتب يكتب أيضاً عن بلادنا وديارنا ليقول: إنه فرح جذل بأخبار عن وجود قاعات (السينما) وإنها قد بدأت بالأفلام المتحركة للأطفال، فإنه يرجو ويأمل أن تتطور حتى تعرض الأفلام المختلفة.

    هذا هو واقع الحال، وتلك هي الصورة التي كانت في عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، فهل إلى رجوع من سبيل؟ وهل إلى نظر وتأمل إلى حقيقة المجتمع المسلم وما كان عليه؟

    نفوس تواقة إلى الشهادة في سبيل الله

    ثم قام خيثمة والد سعد بن خيثمة وقد ذكرت قصته مرة: جاء يوم بدر وكان خيثمة يريد أن يخرج وكذلك سعد ابنه يريد أن يخرج، وكان لابد لأحدهما أن يبقى، فلم يؤثر أحدهما الآخر حتى اقترعا، فجاءت القرعة لـسعد على أبيه، فقال أبوه مستغلاً مقامه وقدره وحقه في البر: أو تؤثرني بها يا سعد ؟ فجاء قول سعد : لو كان غير الجنة يا أبي، فمضى سعد ومضى شهيداً.

    فلما كان يوم أحد قام خيثمة رضي الله عنه وقال: (يا رسول الله! إن قريشاً جمعت الجموع، وتبعتها العرب من أهل البوادي ومن تبعها من الأحابيش، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا يحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرحلون وافرين لم يكلموا -أي: لم يجرحوا - فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا علينا الغارات، وعسى الله أن يظفرنا بهم، فتلك عادة الله لنا، أو تكون الأخرى وهي الشهادة، فقد أخطأتني يوم بدر، وقد كنت حريصاً عليها يا رسول الله).

    وقام إياس بن أوس وقال: (نحن بني عبد الأشهل، نرجو يا رسول الله أن نَذبح في القوم وأن نُذبح؛ فنصير إلى الجنة ويصيروا إلى النار، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريشاً إلى قومها فيقولون: حصرنا محمداً وأصحابه في يثرب وآطامها، فيكون ذلك جرأة لقريش، وقد كنا يا رسول الله قبل أن تأتينا في جاهليتنا والعرب يأتون إلينا ولا يطمعون منا بشيء حتى نخرج إليهم بأسيافنا فنذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك وعرفنا مصيرنا أن نخرج إليهم يا رسول الله) .

    مقالات قوية تكشف عن نفوس أبية، تكشف عن حماسة متقدة، تفصح عن إيمان عميق وعن يقين راسخ، قد علموا ما علموا من عدة قريش وسلاحها، وقد عرفوا قوتها ومن جاء معها من أحلافها، كل ذلك كان معلوماً عندهم، لكنهم كانوا يريدون الجنة، ويريدون شهادة في الجهاد في سبيل الله في مواجهة أعداء الله عز وجل، وكانوا يريدون رفع راية الإسلام وإعزاز الدين، وإظهار العزة في أهل الإسلام، لا طأطأة للرءوس، ولا انحناء للأبدان، ولا تراجعا بالأقدام، ولا شيئاً من مظاهر الذل بحال من الأحوال.

    أرادوا أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، سيما وأن بدراً لم تكن مخصصة لقتال، ولكن لقافلة وغنيمة، فقد فات كثيراً من الصحابة تلك الغزوة فأرادوا أن يعوضوا، لا يعوضون بمال ولا يعوضون بزروع وثمار، بل يعوضون بمعارك فيها ضرب بالسيوف وطعن بالرماح، يعوضون بدماء تسيل وأنفس تزهق!

    لكنها أمنيات وآمال لا تكون إلا لأهل الإيمان، قالها أنس بن النضر في أثناء أحد بعد أن احتدم غبار المعركة: (واها لريح الجنة! والله إني لأجدها دون أحد)، وقال قبلها: (والله لئن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين الله ما أصنع).

    دعوة للاقتداء بالصحابة في النهوض للجهاد

    تلك هي النفوس الأبية، ذلك هو المجتمع المسلم، فهل ترون في نفوسنا اليوم والأعداء قد حلوا بديارنا، وقد أخذوا مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم؛ هل ترون نفوساً تتوق إلى الشهادة؟ أم أن مجرد ذكري ذلك يعد اليوم خطراً عظيماً وتهمة ثابتة، بل ربما لا يجرؤ أحد على قوله: لا لذلك؛ لأن القلوب قد امتلأت رعباً.

    إن تلك الجيوش الضخمة لم يزالوا يعلنون عن كفاءتها وقدرتها، ثم إذا بها في وحل لا تستطيع أن ترد عن نفسها شيئاً، ولا تستطيع أن تحقق نصراً، ولا تستطيع أن تواجه فتية صغاراً بأحجار وأسلحة قليلة ضئيلة.

    إن السنة ماضية، وإن آيات القرآن لا تتخلف مطلقاً فيما جاءت به من وعد الله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، وقال عز وجل: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:249] .

    كان ذلك يقيناً في قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك عادة الله فينا كما ذكر أولئك الأصحاب، وقالوا: قد نصرك الله عليهم في يوم بدر على قلة عددنا.

    كل هذا كان واضحاً في الأذهان، وكان حياً وساكناً في القلوب والنفوس، وكان الأمر كذلك من جهة أخرى، فهم قوم مستقيمون على أمر الله، قائمون بطاعة الله، سائرون على خُطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا يخشون أن يؤتوا من قبل تخلفهم عن أمر الله، ولا تنكبهم لهدي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا معارضاتهم ومخالفاتهم المعلنة المشهرة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ألسنا اليوم في ظروف أشد وأصعب مما كان في يوم أحد؟ ماذا رأيت في صحف اليوم؟ صفحة كاملة، فيها إعلان لمسابقة ملكة جمال إحدى الدول العربية بين ثلاثين فتاة، يتم التنافس بينهن حتى تفوز إحداهن بعد معركة طويلة بعرش الجمال.

    وكاتب يكتب أيضاً عن بلادنا وديارنا ليقول: إنه فرح جذل بأخبار عن وجود قاعات (السينما) وإنها قد بدأت بالأفلام المتحركة للأطفال، فإنه يرجو ويأمل أن تتطور حتى تعرض الأفلام المختلفة.

    هذا هو واقع الحال، وتلك هي الصورة التي كانت في عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، فهل إلى رجوع من سبيل؟ وهل إلى نظر وتأمل إلى حقيقة المجتمع المسلم وما كان عليه؟

    1.   

    صغار الصحابة يتسابقون للجهاد في سبيل الله

    لننظر إلى صورة أخرى فيما بين يدي المعركة:

    عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكان قبل بلوغه أحد، بدأ بتفقد الجيش فوجد مع الجيش جمعاً من الصغار دون الخامسة عشرة، وجد منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد والنعمان بن بشير وغيرهم، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم، هل خرجوا ليلعبوا في الملاهي كأطفالنا اليوم، بل كشبابنا الكبار اليوم؟! هل خرجوا ليأخذوا الحلوى أو ليأخذوا المسابقات؟!

    لا، بل خرجوا ليقاتلوا فردهم النبي صلى الله عليه وسلم، (وممن رد معهم سمرة بن جندب فقال له أحدهم: يا رسول الله! إنه رام، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رافع بن خديج وقال لزوج أمه مري بن سنان الحارثي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز سمرة وإني والله لأصرعه، فقام مري وقال: يا رسول الله! أجزت سمرة وأن ابني هذا يصرعه، فقال النبي: تصارعا، فصرع رافع سمرة فأجازهما النبي صلى الله عليه وسلم).

    شباب كان في ذلك السن يتوق إلى الجهاد، كان معداً إعداداً إيمانياً، كانت تربيته تربية معلقة بالسماء، معلقة بالله عز وجل، معلقة بالآخرة وثوابها، معلقة بنصر الدين وإعزازه، لا تلتفت إلى صغائر الأمور وسفسافها.

    تلك هي الصورة لأولئك الصغار، فأين صغارنا اليوم ومن يكون في الخامسة عشرة؟! إنه في الصف الثالث المتوسط، ماذا نطلب منه؟ إننا لا نأمنه أن يذهب إلى المتجر فيشتري شيئاً؛ لأنه لا يستطيع أن يسير خطوات وحده، دون أن يكون معه أحد من أهله من شدة خوفه وتكريس هذه التربية في نفسه، ولعلي لو مضيت وفتشت لوجدت شيئاً كثيراً.

    1.   

    موقف من مواقف الرسول عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في أحد

    بين يدي المعركة أيضاً (رفع النبي صلى الله عليه وسلم سيفه وقال: من يأخذ هذا بحقه؟ فقام إليه رجال فمنعهم منه، حتى قام أبو دجانة رضي الله عنه وقال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تقاتل به حتى ينحني، فقال: أنا آخذه يا رسول الله، فأخذه ومشى مشية المتبختر بعصابة حمراء ربطها على رأسه، فقال بعض الصحابة: فلقد رأيت أبا دجانة يفري بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرياً).

    هل هناك من ينتدب لتلك المهام الصعبة؟ هل هناك في أمة الإسلام من يقول اليوم: أنا لها؟

    إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

    أما اليوم تدعو الدواعي وتأتي الأمور الملحة فلا تكاد تجد أحداً يتقدم لها، ولا ينتدب إليها، ولا يجدد القدوة بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم. (ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، وهو على فرس لـأبي طلحة عري ما عليه سرج…).

    بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان المقدام في كل أمر: (كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم) كما قال ذلك الفارس المغوار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.

    تقدم أبو دجانة ووفى بحق سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدى دوره كما كان يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قلت لكم: إن حديثي ليس عن الغزوة بل عما سبقها.

    1.   

    وقفة مع موقف المنافقين في غزوة أحد

    هنا وقفة نقفها مع المنافقين قبل أحد، انخذل عبد الله بن أبي ابن سلول بمن معه من المنافقين ومن أجابه إلى دعوته، كان عبد الله بن أبي ممن يريدون البقاء في المدينة، فلما خرج الجيش خرج معهم وقبل الوصول إلى المواجهة قال: عصاني وأطاع الولدان والغلمان، فرجع ورجع معه من بين ألف رجل ثلاثمائة رجل.

    هذا شأن المنافقين المثبطين، وما أكثرهم في ديار وبلاد ومجتمعات المسلمين، لم لم يقعد في المدينة من أول الأمر؟ أراد أن يثير البلبلة، وأن يشيع روح التثبيط والخذلان، وقد كادت قبيلتان من القبائل أن ترجع معه كما ذكر الله جل وعلا ذلك في القرآن: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122] . (لما رجع ابن أبي فلحق بهم عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه وقال لهم: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حل عدوكم؟ فقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، ولكننا لا نرى أنكم تقاتلون)، وهذا تناقض مع القول الأول، وإرجاف ليس له معنى.

    القوم على مشارف المدينة والمعركة ظاهر أنها قائمة، ولكنهم يقولون تلك المقالة، فقال عبد الله رضي الله عنه: (أبعدكم الله يا بعداء، وسيغني الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الأنصار: يا رسول الله! ألا نستعين بحلفائنا من اليهود؟ فقال: إنا لا نستعين بمشرك).

    تلك هي الصورة في الاستعداد لكل مواجهة عسكرية أو غير عسكرية، إنه إيمان قوي، إنها نفوس أبية، إنهم صغار يطمحون إلى مطامح الرجال، إنهم رجال ينتدبون إلى مهمات الأعمال، إنهم مجتمع لا يستمعون إلى الإرجاف، ولا يفت في عضدهم خور الخائرين ولا خذلان المخذلين، بل يبقون خلف رسولهم ووراء منهجهم ولنصرة دينهم ولإعلاء كلمة الله عز وجل، لا يأبهون لشيء مطلقاً، تلك هي صورة المجتمع المسلم.

    ولنا وقفات أخرى سنرى فيها الوصية الجامعة التي نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بهدي وسنة وسيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا بها مستمسكين إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وقفة مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قبل غزوة أحد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن.

    وإليكم وقفة موجهة إلينا بين يدي كل ملمة تحيط بنا؛ إنها كلمات قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بين يدي غزوة أحد قبل أن تلتحم الصفوف، خذوا هذه الوصية التي رواها الواقدي في مغازيه، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطن نفسه على الصبر واليقين والجد والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كربه، قليل من يصبر عليه إلا من عزم له على رشده.

    إن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه، فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به، فإني حريص على رشدكم.

    إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف، وهو مما لا يحبه الله ولا يعطي عليه النصر ولا الظفر) .

    كلمات جامعة ينبغي أن تنزل من قلوبنا موقعها، قبل أن يكون في آذاننا مسمعها، كلمات يخبرنا فيها النبي صلى الله عليه وسلم، كيف ينبغي أن يكون حالنا عندما يتكالب علينا أعدائنا؟.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل، فلينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) .

    تلك الوصية الجامعة يخبرنا فيها النبي صلى الله عليه وسلم بجماع الأمر، بالائتمار بما أمر الله والانتهاء عن محارمه، استقامة واستجابة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].

    1.   

    خطر المعاصي والمنكرات على المجتمعات

    إن الخلل إذا وقع والمعاصي إذا انتشرت والفسق إذا عم، تكون عاقبته وخيمة، قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] .

    وفي حديث أم المؤمنين زينب رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج قدر هذا، وحلق بين السبابة والإبهام، فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)، وقد كثر -والله- الخبث وقل من ينكره، بل قل في الناس أحياناً من يدركه ويشعر به.

    إن مأساتنا عظيمة، وإن الخطر بنا محدق؛ لأنه في أعماق نفوسنا وقلوبنا، والنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا فقال: (ولكن من رضي وتابع)، فكم من أمور منكرة قد رضينا بها أو ألفناها أو غضضنا عنها طرفنا، وصممنا عنها آذاننا، ولم ننطق بشيء يحذر منها أو ينبه عليها، بل إن قلوبنا في كثير من الأحوال لم تعد تنقبض ولم تعد تغتم بكثرة تلك المنكرات، وربما فشا ذلك في معظم مجتمعات المسلمين إلا ما رحم الله.

    إن كثيراً من وسائل الإعلام مقروءة ومسموعة ومرئية تطالعنا صباح مساء بما يخالف هذه الوصية تماماً، فإنها لا تدعو إلى صبر ولا إلى يقين ولا إلى جد ولا إلى نشاط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية: (فعليكم بالصبر واليقين والجد والنشاط) أين نحن من هذا الجد والنشاط ونحن نتابع موسماً رياضياً الأول يدخل عليه الثاني ويتبعه الثالث، وقنواتنا العربية اليوم لم تقصر، فهي لم تترك بقعة في العالم إلا نقلت ألعابها وترهاتها حتى لا يفوتنا شيء من ذلك، كأنه قد فرغت أوقاتنا وانتهت مهماتنا وصلحت أحوالنا وقويت أمتنا وانتصرت جيوشنا، فلم يعد لنا هم إلا أن نتابع هذا المسلسل أو تلك المباراة أو تلك المسابقة، أو اتصل على ذلك الرقم أو افعل كذا وكذا، في نوع من تتفيه العقول وتسفيهها، وشغل الأمة ورجالاتها فضلاً عن شبابها ونسائها بهذه الأمور السخيفة العارضة، حتى يصل الخور إلى القلوب والنفوس فتركن إلى عدوها وتهزم قبل أن تأتي المعارك.

    ولذلك كم من هزيمة وقعت للنفوس والقلوب، بل نحن اليوم نرى من أبناء جلدتنا من يتكلمون بألسنتنا وهم يجوسون خلال ديارنا ويقولونا كلاماً هو أشد وقعاً وأظهر ضرراً مما يقوله أعداؤنا فيما يفت في عضدنا، وفيما يسكننا ويركعنا ويذلنا لأعدائنا، والمؤامرات اليوم لا تخفى على أحد، ولم يعد أحد يجهل اليوم المؤامرات الكبرى التي تحيط بأمتنا الإسلامية.

    وكما قلت: قد غزيت ديارها واستبيحت دماؤها وانتهكت أعراضها وسلبت مقدساتها وفعل بها ما فعل، وهي ما تزال ترقص وتغني، وما تزال تقول أموراً عجيبة في شأن أعدائها، نسأل الله عز وجل السلامة.

    1.   

    الصدق في المواقف بين واقع الصحابة وواقعنا المعاصر

    لقد كانت مواقف التصديق واضحة في أحد، بمعنى أن أقوال الصحابة صدقتها الأفعال: (ويوم انكشف المسلمون بعد أن تخلى الرماة عن مواقعهم وأراد بعض المشركين أن يتوجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، فأحاط به سبعة من الأنصار واثنان من قريش، فكانوا يدافعون عنه ويذودون عنه ويجعلون ظهورهم ونحورهم دروعاً له، حتى سقط السبعة شهداء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو طلحة الأنصاري يذود عن رسول الله ويرمي، فإذا أشرف الرسول صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! لا تشرف؛ حتى لا يصيبك سهم من القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله!

    ثم إنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً ومعه بعض الأسهم فقال: انثرها لـأبي طلحة ، فنثرها فكان ينبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشهداء يتساقطون فداء لرسول الله عليه الصلاة والسلام).

    ويوم قال قائل: (أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه قد مات، قال الأنصاري: فعلام الحياة بعده؟! موتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    ويوم أن انجلى غبار المعركة: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفقد سعد بن الربيع سيد من سادات الأنصار، فوجد وبه رمق في اللحظات الأخيرة من حياته، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، فقال: وعلى رسول الله السلام، أبلغ قومي أنه ليس فيكم خير قط إن خلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف، دافعوا عن دينكم وعن رسولكم إلى آخر نفس من أنفاسكم).

    تلك هي وصية الثبات، وذلك هو مجتمع الإسلام، وهذا هو واقعنا، وتلك عظة وعبرة؛ كل منا مطالب وقد قامت عليه الحجة بمعرفة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يتدبر بعقله، وأن يتأمل بفكره، وأن يحيي هذه المعاني في قلبه، وأن يشيعها في أهله، وأن يدعو إليها صحبه ومجتمعه، وأن نحرك أمتنا لتجديد مسيرة وسيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    إنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تحني رءوسها ولا أن تذل نفسها لأعدائها، ولا أن تتراجع عن ثباتها على منهجها وسيرها على إسلامها واستمساكها بدينها ورفعها لراية الجهاد في سبيل الله، سيما وهي اليوم معتدى عليها بلا أدنى شك، حتى لو قلنا: إن الجهاد جهاد مدافعة عند العدوان، فقد وقع العدوان وما زال يقع فأين الدفاع؟! وأين الجهاد؟!

    نسأل الله عز وجل أن يذب عن ديننا، وأن يذب عن أمتنا، وأن يحفظ للمسلمين أرواحهم وديارهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يوحد بين صفوفهم، وأن يردهم إليه رداً جميلاً، وأن يجعلهم مجتمعين على التقى والهدى.

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيها أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم من أرادنا وأرد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم رد كيدهم في نحرهم واشغلهم بأنفسهم واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم وحد كلمتهم وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها برحمتك يا أرحم الراحمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] وترضوا على الصحابة الكرام، خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم ذكراً ذوي القدر الجلي والمقام العلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي .

    اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.