إسلام ويب

الدين في حياة المسلمين [2]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام منهج حياة، وكما أنه يجب على الفرد الالتزام به، يجب أيضاً على المجتمع بأنظمته المختلفة وعلاقاته الدولية أن يلتزم به، وأن يجعله مؤثراً في مجريات الحياة، ولكننا اليوم وللأسف نعاني من قصور كبير في هذا الجانب، فنرى إعلامنا وسياساتنا تخالف تعاليم الإسلام مخالفات صريحة، وتتجاوز أحكامه صراحة وكفاحاً.

    1.   

    تأثير الدين في مجتمعات المسلمين

    الحمد لله له الفضل والمنة، ومنه الرزق والنعمة، وعليه التوكل والاعتماد، وبه الهدى والرشاد، نحمده سبحانه وتعالى هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته صلى الله وسلم وبارك على آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! الدين في حياة المسلمين موضوع مهم، عندما كان الحديث عنه في الجمعة الماضية وجدت له عند كثير من الإخوة أصداء حسنة، وتعليقات كثيرة، ومطالبات عديدة، ذلك أن مثل هذا الموضوع يخصنا في أعظم الأمور التي تهمنا، وهو في واقع الأمر قطب رحى حياتنا، ومحور انطلاقنا إلى مرضات ربنا، ولقد وقفنا في الجمعة الماضية مع ذلك في حياة الأفراد، ولكن اكتمال الموضوع يحتاج إلى أن نرى الدين في حياة المسلمين على مستوى الأمة والدولة والمجتمع؛ لأن لذلك صلة وطيدة، وعلاقة قوية بما يؤثر على الأفراد، ويغير في أفكارهم، ويوجه من مشاعرهم، ويحول من سلوكهم، ولسنا بصدد استعراض ذلك كله، فإن المقام يضيق عنه، لكنها الأمور الكبرى، والمعالم العظمى التي تهم المجتمعات من خلال هذه المجالات.

    علاقة الإعلام وتأثره بالدين

    أولاً: الإعلام وما أدراك ما الإعلام! ما صلته بالدين؟ ما ارتباطه به؟ أهو ملتزم بأحكامه أم هو متحل بآدابه؟ هل هو موصل إلى مقاصده؟ هل هو محذر من مخالفته؟

    إننا نكاد جميعاً نعرف الإجابة، ونملك عليها الأدلة الكثيرة، وإن مثل هذا الأمر ينبغي أن لا يتم تجاوزه لعظيم أثره، فإنه يخترق السدود والحواجز، ويدخل إلى الناس في عقر بيوتهم، ويخاطبهم وهم متكئون أو مضطجعون على سررهم.

    إننا نجد صورة واضحة، وهو أنه قد تفتتح كثيراً من القنوات بالقرآن الكريم وتختم به، وما بين الافتتاح والاختتام مخالفة للقرآن، ودعوة إلى عدم التزام أحكامه، وإغراء بالانسلاخ من أخلاقه وآدابه، وقد جاءتنا من بعض القنوات الرسمية في البلاد العربية والإسلامية ما يندى له الجبين، ولا يحتاج إلى علم وبصيرة ليعرف أنه مخالف مخالفة واضحة صريحة لما هو في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    حتى جاءت القنوات الفضائية والتخصصية ومجموعة من القنوات الغنائية، وأخرى سينمائية، وثالثة أجنبية عالمية، ورابعة إباحية جنسية وغير ذلك، بعضها بهذا التخصص منذ انشقاق الفجر إلى انشقاقه في اليوم الذي يليه والموسيقى تعزف، والغناء يصدح، والعورات تتكشف، والأجساد تتمايل، والكلمات في منتهى التفاهة، والإغراءات في منتهى الرذالة، ثم من بعد ذلك نسأل عن أثر الدين في حياة المسلمين؟

    إنه مسخ للفطرة، وإذكاء وإسعار للشهوة، ودعوة للبقاء مع مثل هذه المعاني الهابطة، بل إن محور ذلك كله يجعل مسار الأمة في غير الطريق المحمود، فإذا تحدثنا عن المواهب الشابة، أو إذا تحدثنا عن المستقبل الواعد، فإنما نتحدث عن مغن يكشف عن موهبة عظيمة، أو فتاة راقصة سيكون لها مستقبل باهر، وتمتلئ بذلك الشاشات، وتتوالى المقابلات، وتتابع المسابقات، التي بلغت في قوتها وأهميتها من خلال إبراز الإعلام لها، أنها مثل الأحداث الكبرى، والمصائب العظمى التي تحل بالمسلمين في بقاع شتى، بدءاً من جرحنا النازف في قلب أمتنا في أرض فلسطين، ومروراً بالعراق، وانتهاء بأفغانستان وغير ذلك.

    على الصفحات الأولى في الأسابيع الماضية كانت هناك متابعة دائمة لمسابقة فنية، كان من آثارها كما تصف وتبالغ بعض الصحف أنها كانت الشغل الشاغل للشارع العربي في دول كثيرة؛ لأجل التصويت لمن يكون النجم الأكبر في الغناء وما يلحق به.

    وإذا أردنا أن نرى الإنفاق المالي فإننا واجدون أن هذا يستأثر بكثير من أقوات شعوب في بلاد فقيرة، فتبنى من المدن ومن الاستوديوهات ما لا تحتاج الشعوب إلى عشر معشاره، وهي في حاجة أعظم إلى غيره من الأمور المهمة في مجال العلم والعمل والتطور والتقدم.

    وأين هو الدين وأين مساحته؟! ضيقة محدودة في أوقات محدودة غير مشاهدة في غالب الأحوال ولا منظورة، ثم كذلك في صور وفي أنماط تثير من البلبلة والحيرة أكثر مما تقدم من النفع والفائدة.

    ثم نعيد الكرة لنقارن ونقول: ما هو مذكور في الإحصاءات من أن هناك نحو أربعة آلاف وستمائة قناة تلفزيونية وإذاعية متخصصة في التنصير والتبشير، فكم قناة متخصصة في بيان محاسن الإسلام، ورد الشبهات عنه، وتعريف المسلمين قبل غيرهم بحقائقه؟!

    وكيف نواجه هذا السيل الإجرامي الإعلامي من الشبه، والتهم الإرهابية والإقصائية وغيرها التي يدبجها أعداؤنا، ويروجها أبناؤنا وتتناقلها وسائل إعلامنا.

    أمر يحتاج إلى بيان، وإلى حقيقة ينبغي أن نعرفها، وإلا فإن نداءات القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] لا تسمع أو لا تلقى في الإعلام آذاناً مصغية، وذلك أمر له آثاره العظيمة.

    التعليم وبيان صلته بالدين

    الجانب الآخر: جانب التعليم، وما أدارك ما التعليم!

    كل طفل وطفلة، كل فتى وفتاة يمر عبر هذه القنوات ويدرج في تلك المناهج السنوات والسنوات، فبأي شيء يخرج لدينه ولإسلامه، ولمعرفة فرائض الله وشرائعه، ولمعرفة سنن النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله؟! كم هي الحصة الوافرة في ذلك ونحن نتحدث على مستوى عام للبلاد العربية الإسلامية في جملتها، ونحن نعرف كثيراً من أحوالها.

    إن بلاداً عربية وإسلامية كانت ولا زالت تفاخر بأنها أنجح من طبق سياسة تجفيف المنابع، وذلك في وأد الآيات، وتقليص الأحاديث، ومنع المعاني الإيمانية، والدراسات الإسلامية، وأكثر الدول إلا ما رحم الله تجمع مناهج الدين كلها في مقرر واحد، يكاد من هزاله ألا يرى بين كتب كثيرة ضخمة تعلم اللغات الأجنبية، والعلوم التقنية الأخرى، بل تعلم من الحضارات والثقافات الكفريه والجاهلية ما هو جدير بأن يكون بديلاً عنه حقيقة التاريخ الإسلامي في تلك البلاد، حتى إنه من المعلوم أن بلداً عربياً مسلماً كبيراً اختزل منهج التاريخ فيه في المراحل المتقدمة إلى الثانوية، حتى كان نصيب تاريخ عمر بن الخطاب وفترة خلافته وفتوحاته وإنجازاته لا يتجاوز نصف صفحة، وأما سيرة عثمان وخلافته فكانت بالعد والحصر سبعة أسطر لا غير.

    وإذا مضينا نجد كثيراً من الأمور الأخرى، كالتشويه والتبديل والتحريف لمفاهيم الإسلام واجتزائها، بل وتحريف وتغيير وتبديل الأحكام الشرعية، بل وأحياناً عرضها في صورة الانتقاص والازدراء.

    ثم هناك جزئية واضحة: إنه مجرد تعليم لوضوء وصلاة لا يذكر فيه كثير من جوانب الحياة الأخرى التي يتناولها الإسلام في شموليته العظيمة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، وكما روى أبو هريرة : (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة)، هذه الشمولية لا يكاد يكون لها أثر في كثير من مناهج البلاد العربية والإسلامية، وحينئذ يمكن أن نرى كيف تكون النتائج.

    النظم الداخلية وصلتها بالدين

    ثم ننتقل إلى النظم الداخلية في كثير من بلادنا الإسلامية، ما الذي تقره وتبيحه؟ ما الذي تمنعه ولا تجيزه؟

    إنها في كثير من هذه البلاد تبيح شرب الخمور وبيعها، بل إن بعض البلاد العربية والإسلامية اشتهرت بصناعة الخمور الجيدة التي هي من أعظم صادراتها.

    ثم تنظر فتجد في بلاد أخرى ترسيماً للبغاء والزنا والخنا برخص رسمية، وضرائب تدفع إلى خزائن الدولة، وذلك أيضاً ليس خافياً ولا مجهولاً.

    ثم هناك عدم اعتبار ولا احترام لمعنى الدين وفرائضه، فهل ترون الأسواق تغلق كما هي عندنا إذا أذن المؤذن للصلاة؟! وهل ترون أحداً يكترث لأمر يتعلق بالدين في واقع الحياة من حيث النظم والتقريرات؟!

    كنت مرة في بلد مسلم عربي، ودخلت للمسجد في صلاة الجمعة، وبجواره الأسواق مفتوحة، والناس يرتادونها، والمطاعم مفتوحة، والناس يأكلون فيها، وعند الأبواب ليس بعيداً من هنا من يتناول الشيشة، ويدخن السيجارة، وكثيرون لا يدخلون المسجد ألبتة، وهم عرب أقحاح ومسلمون بالهوية، وذلك من أثر هذه النظم.

    أما إذا أراد مسلم أو مسلمون أن يقيموا مركزاً إسلامياً أو يؤسسوا جمعية دعوية، فدون ذلك خرط القتاد إلا ما شاء الله، وأما إذا فعل أحد شيئاً من ذلك فإنه قد تجاوز الحدود، واخترق الخطوط الحمراء، أما إذا أراد أن يقيم حفلاً غنائياً، أو أن يؤسس نادياً ليلياً، فذلك أمر ميسور ومباح ومشجع عليه، ولذلك لوائح ونظم، وله أسس يحاكم بموجبها الناس في تلك الديار.

    العلاقات الخارجية وصلتها بالدين

    وأخيراً: العلاقات الخارجية والصلات الدولية، هل ترونها قائمة على أسس إسلامية ومنطلقة من المبادئ القرآنية ومهتدية بالسياسة النبوية؟! هل ترون فيها تجديداً للسفارة الإسلامية الأولى التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة يدعو ويبشر ويظهر محاسن الإسلام، ويذكر مآثر المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويكشف في حكمة وحنكة معايب الجاهلية ومساوئها؟

    وهل ترونها كذلك فيما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم في اليوم والليلة خمس صلوات، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم! واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).

    ويوم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أحكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله).

    كيف بعث النبي علياً وسلمه الراية في يوم خيبر لمهمة قتالية وقال له: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).

    أين سياسة أمتنا وبلادنا ودولنا العربية والإسلامية من هذه المنطلقات الإيمانية والإسلامية؟ إننا نجد صوراً مغايرة، إما ارتهان وركون وارتماء في أحضان غير المسلمين خوفاً منهم ورهبة أو مصانعة لهم، ومجاملة أو مسايسة يظن كثيرون منهم أنها هي التي تعطي أسباب البقاء والرقي والتحضر أو القوة والتمدن، ولا نقول بأن هناك دعوة لقطع علاقات أو لمنع هذه الصلات، لكن منطلقاتنا الإسلامية تدعونا إلى أن نعرف من نحن وإلى أن نحافظ على هوية الأمة ديناً وتاريخاً ولغة، وأن نحافظ على مكونات قوة الأمة ثروة وأرضاً وخلقاً، وأن نحافظ على كل ما يحفظ لهذه الأمة خصوصيتها من مناهج تعليمية، وسبل اجتماعية، ونظم أخلاقية.

    ونحن في عصر العولمة كما يقولون، وهم يريدون أن لا يبقى أمة تتميز بدين عن غيرها، ولا بلغة عن غيرها، ولا بثقافة عن غيرها، ولكنهم يريدون لما لهم من قوة مادية في الإعلام وغيره أن يقولوا لكم: دعوا هذه الخصوصيات وسنملؤها بما لدينا من الكثير والكثير الذي كله في معظمه لا يكون فيه الخير، ثم نجد في هذا كثيراً وكثيراً من الصور.

    1.   

    النتائج المتوقعة لإهمال الدين من قبل المسلمين

    هل نريد أيها الإخوة بهذا أن نوهن عزائم النفوس، أو أن نشعل شيئاً من معاني التذمر والتمرد غير الواعي، أو أن ندخل إلى النفوس يأساً مقعداً أو هماً عظيماً؟

    كلا، ولكننا نريد أن ندرك ما هو واقعنا، ثم ندرك بعض النتائج وكيف يكون لها أثر علينا نحن جميعاً وذلك ناتج عما يصنعه أعداؤنا، وما قد يطبقه بعض أبنائنا إما بمصانعة سوء قصد، وإما بمتابعة وعدم معرفة وانتباه والله عز وجل يقول: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] وقد أخبرنا الحق عز وجل بذلك: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:32-33].

    تلك إرادة الله لا يمكن لقوى الأرض كلها أن تقف في وجهها، ولكن الله جل وعلا جعل في هذه الحياة سنناً ماضية لا تتخلف: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

    ما هي النتائج المتوقعة لذلك الهم والكم والغم الذي ذكرنا بعض صوره؟

    كثيرة هي النتائج المتوقعة: غربة للدين، وجهل بالإسلام، وانحراف في السلوك، وغلو وتطرف في الفهم والمعالجة، ذلك هو الذي يمكن أن يقع، ولكننا ونحن نريد أن نشعل الأمل دائماً في نفوسنا، وأن نزرع بذور التفاؤل في قلوبنا، وأن نرى الخير الذي يسوقه إلينا ربنا، ونرى المنح في ثنايا المحن مما تجري به أقدار الحق جل وعلا، نجد أن ذلك الذي يصنع لا يحقق ثماره وآثاره إلا بقدر، وثمة آثار أخرى يسوقها الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] إنه تقرير إلهي بصيغة التوكيد الجازمة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ) وبصيغة المضارع الدائمة، فينفقون أموالهم للغاية القبيحة التي تختلف صورها مرة من السياسة، وأخرى من الاقتصاد، وثالثة هي الغزو العسكري، والنتيجة والهدف واحد: (لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، قال: (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)؛ ولكن ذلك لا بد وأن يكون ببذل وعمل وإخلاص وصدق، نرى بعض آثاره بحمد الله في بلاد الإسلام في جملتها زيادة في التدين، رغم كل هذه الوسائل العظيمة، نرى المساجد اليوم وهي أكثر رواداً من ذي قبل، نرى حلق التحفيظ وهي تجمع الشباب والفتيات منذ نعومة الأظفار ومنذ الطفولة الأولى.

    حدثني قبل يومين مدرس هنا لتحفيظ القرآن يدرس بعض الأبناء في بيوتهم، وأخبرني أن طلبته من البنات والأبناء يبلغ عمر أصغرهم ثلاث سنوات، وهو يتقن تلاوة وحفظ جزء عم، وبعضهم في الخامسة والسادسة وقد أنهى نحو عشرة أجزاء وهلم جراً.. ونحن نعرف الأمثلة والدورات القرآنية المكثفة التي يحفظ بعض الطلبة فيها نصف القرآن وأكثر في نحو شهرين.

    ومرة أخرى زيادة في الوعي أثمرته كثير من هذه الهجمات الشرسة، فأصبح المسلم اليوم يدرك من أحوال أعدائه ومقاصدهم ومكرهم وكيدهم ما لم يكن يدركه من قبل، وأصبح يعرف من حال إسلامه وحقائق إيمانه ومحاسن دينه ما لم يكن يكشف له من قبل، وذلك من فضل الله عز وجل.

    ثم زيادة الوحدة؛ ونحن نرى اليوم التنادي والنداء داخل المجتمعات الإسلامية، بأن تنبذ أسباب فرقتها واختلافها، وألا تجعل اختلاف الآراء والاجتهادات داعياً لتفرق الصفوف، لماذا؟

    لأن الجميع يقول: لا بد أن نكون صفاً واحداً في وجه الهجوم الخارجي الشرس، بل لا بد أن يكون هناك وحدة وتكامل بين العلماء والدعاة وعامة المجتمع، بل لا بد أن يكون كذلك وحدة وتعاون وتآزر لسد النقص ومنع الخلل مع الحكومات والشعوب؛ لأن الأمر أكبر وأخطر من أن يكون معه ذلك التفرق أو التناحر، أو أن نجعل القوى موجهة إلى داخل صفوفنا، والسهام مدفوعة إلى صدورنا ونحورنا.

    نسأل الله عز وجل أن يدرأ عن أمتنا الشرور والمخاطر، ونسأله عز وجل أن يحفظ ديننا وإيماننا وعقيدتنا وبلادنا وديارنا وأهلنا، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الصحوة الإسلامية اليوم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن.

    وإن من المآثر الخيرة لما جرت به كثير من الأحداث المتأخرة زيادة النصرة والوحدة الإسلامية على مستوى الأقطار والقضايا الإسلامية، نحن اليوم بحمد الله نشهد من العناية والاهتمام والتأثر والتأثير والتفاعل مع قضايا المسلمين ما لم نكن نشهده من قبل.

    ففي قضية فلسطين ما من حدث يحدث، ولا قطرة دم تهراق، ولا شهيد كشهيد الأمس العظيم يمضي إلى الله عز وجل إلا والقلوب تتفطر، والأكف تدعو، والأموال تنفق، والوعي يزداد، والغيرة تعظم، ومعرفة كيد الأعداء يظهر، وشعورنا بأهمية تناصرنا في كل بقاع الأرض يمتد ويزداد، وتلك هي المآثر العظيمة التي تجيء على خلاف كثير مما يقوم به أعداؤنا، أو يروج له بعض المنحرفين من أبنائنا.

    ولعلي هنا أقف وقفة صادقة لأبين أن الهجوم الذي يستهدف هذه البلاد أكثر من غيرها، ويتعاظم في هذه الأوقات بشتى الطرق والوسائل، إنما مرده الأعظم ما تتميز به عن غيرها في شأن الدين، نحن لا ندعي كمالاً، نحن نعرف أن هناك خللاً وقصوراً، وأن هناك انحرافاً وتجاوزاً، لكن كثيراً من هذا الخير هو الذي أغاظ قلوب الأعداء يوم أرادوا الهجوم الكامل الشرس على الإسلام والمسلمين وأهله في واقع الأمر مادياً ومعنوياً، فوجدوا أن هذه البلاد فيها ما ليس في غيرها.

    انظروا إلى كثير من المعاني والمعالم في تحفيظ القرآن الذي يكاد يخلو مسجد في مدينة ولا قرية ولا حاضرة ولا بادية من حلق التحفيظ، وذلك مما يبشر بخير كثير، انظروا إلى برامج الدعوة والإرشاد من دورات علمية يتعلم فيها الأبناء والشباب أحكام دينهم، وعلوم إسلامهم، وتاريخ أمتهم، وسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، والمحاضرات العظيمة التي تحرك القلوب، وتهيج العواطف نحو طاعة الله، والتي تذكر وتحذر من مخالفة أمر الله.

    ونرى بحمد الله ذلك الإقبال الذي قل أن يكون له نظير في بقاع أخرى، والمناهج الإسلامية التي هي محور الرحى الذي يروج الأعداء أنه سبب ما يزعمونه من الإرهاب، لماذا؟ لأننا بحمد الله ندرس ديننا فقهاً وتوحيداً وحديثاً وسيرة، ونجعل لذلك حظه المناسب.

    نعم ليس ذلك على وجه الكمال، ويحتاج ذلك إلى مراجعة وتطوير، لكن فيه من الخير ما ليس في غيره، وكليات شرعية يدرس فيها الطلبة ويتخرجون إلى أعلى المراتب العلمية؛ ليتمكنوا في الدين عن بصيرة وعلم، فيكون لهم من التوعية والإرشاد وبناء الجيل بعيداً عن طرفي الغلو إفراطاً وتفريطاً ما له الأثر المحمود، ولذلك ينبغي أن تؤكد لنا هذه الهجمات الشرسة المزية العظمى التي نقولها ونكررها على جميع المستويات قادة وشعوباً: أن التميز الموجود بقدرها زيادة ونقصاً إنما مرده إلى التزام الدين، وإقامة شعائره، وتطبيق أحكامه، وبقدر ذلك كان توفر الأمن، وزيادة الخير، وبقدر نقصه يقع الخلل، فلذلك إذا راجعنا أنفسنا فإنما نراجع لمزيد من الاستمساك بديننا، ومزيد من الارتباط بممناهجنا، ولمزيد من هذه المعاني في فصل التعليم وجعله غير مختلط، وفي تلك المعاني الأخرى التي أشرت إلى بعضها.

    1.   

    الشباب بين إفراط وتفريط

    وتبقى لدينا مسألة مهمة يضيق المقام عن ذكرها، لكني أشير إليها: الشباب بين إفراط وتفريط، بين لهو ولغو، ولعب وانحراف، فيه مخدرات ومغازلات ومعاكسات، وبين تشدد وتطرف وتفجير وتدمير وغير ذلك.

    أقول: إن هذه مسألة مهمة، وما هو موجود في أصل ديننا هو مكمن علاجنا، وحلول أوضاعنا، لا يكفي العلاج الأمني وحده، لا في ذلك الجانب ولا في هذا، بل نحن نحتاج إلى تكامل في العلاج الإسلامي، ونحتاج كذلك إلى معالجة فكرية علمية شرعية للتعليم والتوعية والإرشاد.

    وإلى معالجة تربوية سلوكية خلقية للتهذيب والتقويم والإسناد، وإلى معالجة تعليمية عملية حياتية للتأهيل والتدريب والتوظيف، وكل ذلك إنما هو من منطلقات ديننا الذي جعل للشباب أهمية يعتنى بها وفق هذه المنهجية العظيمة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    نسأل الله عز وجل أن يرد عنا كيد الكائدين، وأن يدفع شرور المعتدين، وأن يرد كيدهم في نحورهم وأن يشغلهم بأنفسهم، وأن يجعل بأسهم بينهم.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك أن تفيض علينا الخيرات، وأن تنزل علينا الرحمات، وأن تمحو عنا السيئات، وأن تقيل لنا العثرات، وأن تضاعف لنا الحسنات، وأن ترفعنا بالدرجات، وأن تغفر يا ربنا لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسماوات!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك لطفك ورحمتك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين، والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء!

    اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، والشيوخ الركع، والأطفال الرضع، اللهم إنه لا حول ولا قوة لنا ولهم إلا بك يا رب العالمين، اللهم فاكشف عنا وعنهم العناء والبلاء في كل وقت وآن يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! ووفق اللهم ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمهم يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.