إسلام ويب

الغلو معالمه ومخاطره [2]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء كتاب ربنا سبحانه وتعالى كاملاً مكملاً لا نقص فيه ولا خلل، وجاءت سنة حبيبنا واضحة وضوح الشمس لا نقص فيه ولا عوج، فيجب العمل بهما كما جاءا من دون زيادة ولا نقصان؛ فإن الغلو الزائد الذي لم يأت به كتاب ولا سنة منهي عنه في الشرع بكل صوره وأشكاله، فإن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة.

    1.   

    أسس الفهم الصحيح

    الحمد لله أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، شرح به الصدور، وطمأن به القلوب، وهدى به البصائر، وجعلنا على بينة من أمرنا، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال، وفي كل آن، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا موصول في موضوع: الغلو معالمه ومخاطره، ووقفتنا اليوم مع الفهم الصحيح لحقيقة الغلو، وبيان بعض صوره، وقد أسلفنا القول من قبل أنه لابد لنا أولاً من فهم وفقه حقيقة الإسلام في وسطيته واستقامته، ويسره وسماحته؛ لأن هذا هو الحد المشروع الذي إنما يعرف الغلو بتجاوزه وتعديه، والزيادة عليه أو النقص منه.

    المرجعية لكتاب الله وسنة رسوله عند حصول النزاع

    ولذلك أول أسس الفهم الصحيح هو الفهم للحق الذي جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير إفراط ولا تفريط.

    الأمر الثاني: أن المرجعية عند حصول الاختلاف أو النزاع إنما هي لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، فلابد من معرفة هذه القضية، فعند اختلاف الآراء، أو تباين الأفكار، أو تعدد الاجتهادات فالفصل لا يرجع إلى الأشخاص، ولا يرجع إلى المذاهب، ولا يرجع إلى التقليد أو التعصب، وإنما إلى الاستنارة بضوء وأنوار الكتاب والسنة على ما تقتضيه الأصول العلمية المرعية، والاجتهادات العلمية المقبولة.

    الأمر الثالث الذي ننبه عليه: هو أن هذا الرجوع فيه ثبات للمرجعية والمعيارية، وسلامتها من تنازع الأهواء وضغوط الواقع، فلو أنه لم يكن لنا رجوع إلى الثابت المعصوم من نصوص الكتاب والسنة لانفرط عقدنا، واختلف رأينا، وتشتت شملنا، وذلك أنما في كتاب الله حق لا باطل معه، ويقين لا شك فيه، وأمر صالح لكل زمان ومكان.

    ثم هو من جهة أخرى سالم من التغير والتبدل رغم كل تغيرات الظروف والأحوال، وبذلك نفقه هذا الأصل المهم في حقيقة فهم الغلو، فإنه ليس فهماً ينشأ من واقع الناس، فإذا بدل الناس وغيروا في دين الله، وفرطوا فيه، صار الغلو عندهم مفهومه مفهوماً آخر.

    وربما رأوا أن التمسك بالفرائض والمحافظة عليها، والاجتهاد في الطاعات، والزيادة في المشروع منها غلواً غير مقبول كما يظن أولئك الضعفة والكسلة المفرطون في الواجبات، المتخاذلون عن التزام الفرائض، ولو جعلنا ذلك مرجعه إلى الناس لربما جنحت أهواؤهم ممالأة لأعداء الله عز وجل، ومصانعة لهم، أو خوفاً منهم أو توهماً أن عندهم شيئاً من صواب، وذلك يؤدي بنا إلى الانحراف.

    فلنعلم هذه الحقيقة المهمة، ثم لنفهم الإطار العام والمنهج الذي جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الغلو فيه حتى لا نجنح إلى مثل هذه الأمور التي أشرنا إليها.

    1.   

    المعالم الرئيسية للفهم الصحيح لحقيقة الغلو

    الدعوة إلى الالتزام بالكتاب والسنة وعدم التجاوز

    أولاً: الدعوة إلى الالتزام والنهي عن التجاوز هي مفتاح ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك للوقاية من الوقوع في الغلو، ولفهم حقيقته على وجهها الصحيح، نحن نقرأ في كل يوم وفي كل ركعة من كل صلاة فريضة وسنة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7].

    إنها الدعوة إلى النهج المستقيم، المتزن المتوسط المعتدل الذي هو جوهر ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتحذير من الخروج عنه تجاوزاً أو تقصيراً، إفراطاً أو تفريطاً، والنهي هنا جاء محذراً من فئتين بوصفين ذكرتهما الآية الكريمة: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وهم الذين عرفوا الحق وجحدوه، والضالون: وهم الذين ضلوا في معرفة الحق فلم يصيبوه، والخصلة الأولى بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها ظاهرة في اليهود، والثانية ظاهرة في النصارى.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : لما أمرنا الله أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين.

    ثم بين صوراً لذلك فقال: وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه باليهود ومن انحرف من العباد ففيه شبه بالنصارى؛ لأن العالم إذا انحرف فهو ينحرف مع معرفته وعلمه وفقهه، فهو عرف الحق وجحده، إما اتباعاً للهوى أو طلباً للدنيا أو خوفاً على النفس فيما لا يكون عذراً من الناحية الشرعية، والعباد الذين يضلون لا يعرفون الحق، فيبتدعون ويزيدون وينقصون من دين الله عز وجل.

    نهي الأمم السابقة عن الغلو الذي كان سبب هلاكهم

    الوجه الثاني: التحذير من الغلو مقترناً بالنهي عنه في الأمم السابقة، كما ورد ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171]، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77].

    وبين الله عز وجل صوراً من آثار ذلك الانحراف من الناحية العملية، وأنكر ذلك وحذر منه كما في قوله: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27]، والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك عندما ربطه كذلك بمن سبق من الأمم السابقة في قوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم) أي: عندما قالوا: المسيح بن الله أو قالوا: المسيح هو الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    وما جاءت هذه الآيات ولا تلك الأحاديث للإخباء عن أمر قد مضى في الأمم السابقة إلا ليكون وجهاً من أوجه العظة والعبرة، وأن سبب انحرافهم ومن بعد ذلك هلاكهم إنما هو خروجهم عن مقتضى دينهم، وغلوهم فيه، وانحرافهم عن جادة الصواب الذي جاءهم عن الله، وبلغتهم إياه رسل الله صلوات الله وسلامهم عليهم.

    النهي عن الغلو في صوره العامة

    الوجه الثالث: النهي عن الغلو في صوره العامة كلها صغيرها وكبيرها؛ لأن معالجة الأمور الصغيرة إنما هي معالجة من باب أولى للصور الكبيرة؛ ولأن النهي عن المقدمات منع للوصول إلى النتائج، ولأن منهج الإسلام منهج متكامل، فيه وقاية وحماية، كما فيه علاج من بعد وقوع الضرر أو الأذى، كما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس في حجة الوداع: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يلتقط له الحصى التي يرمي بها في منى، فالتقط له حصيات كحصى الخذف -أي: صغيرة في حجمها- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين!)، رغم أن المسألة -كما نرى- في ظاهرها يسيرة، في أمر الحصى أن تكون على هذا النحو، ولكنه عليه الصلاة والسلام حذر من الغلو ولو في هذا، بأن يأخذ الناس كبار الحجار ظناً منهم أنها أبلغ في تحقيق المراد بأمر الله، فنهى عن ذلك، ثم جعل النهي عن الغلو عاماً رغم أن الحدث خاص، ورغم أن المسألة ربما تعد مقارنة بغيرها يسيرة فقال: إياكم والغلو في الدين.

    كما بين أهل العلم هذا في شرح الحديث فقالوا: وإن كان الأمر خاصاً فإن النهي عام عن كل ما فيه غلو وتجاوز للحد المشروع، أي: في صغير الأمور وكبيرها.

    ومن صور التحذير والتنفير من الغلو بيان الشارع الحكيم لسوء عاقبته، وخطورة مغبته، وأنه لا يؤدي حتى إلى مقصود صاحبه، فإن المتشدد في العبادة أو الطاعة فوق الحد المشروع إنما يريد التقرب إلى الله، وإنما يريد الاستزادة من الخير ومضاعفة وكثرة الثواب والأجر، لكن النتيجة التي أخبر بها الشارع تؤدي إلى غير ذلك.

    فجاء التحذير من هذا الغلو ببيان عاقبته السيئة الوخيمة، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكرر ويدلل ويبين فيقول: (هلك المتنطعون! هلك المتنطعون! هلك المتنطعون!)، هلكوا هنا معناه عام يشمل الهلاك في حقيقة الأمر المادي والمعنوي، فقد يهلك فينقطع عن تلك الطاعات والعبادات ويعجز عنها، وقد يهلك بانحرافه في اعتقاده ومخالفته لأمر الله، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد بين صفة ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال: (إن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)، إن المنبت في صفة السفر لا يريد أن يرتاح، فهو يقول: أنا أمضي وأمشي إلى غايتي بقوة وعزيمة، من غير راحة ولا هدوء ولا توقف، يريد أن يبلغ الغاية في أقصر وقت، وبأعلى قوة وهمة، فإذا به ينقطع في وسط طريقه لا يستطيع الاستمرار، ثم يفقد الوسيلة التي بها يسير إلى الغاية إذ تنقطع دابته أو تهلك، فيكون حينئذ هلاكه مقطوعاً به في الصورة المادية في المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً قد تشددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27]).

    وهذا أمر واضح ومهم وبين، وله كثير من الأدلة التي تبينه.

    1.   

    صور وأمثلة على الغلو المذموم

    بعد أن ذكرنا المعالم الرئيسة للفهم الصحيح لحقيقة الغلو، لعلنا نكمل هذا الفهم بالصور والأمثلة التي تدل عليه؛ لأنه بالمثال يتضح المقال.

    التشديد على النفس بما هو زائد عن الحد المشروع

    من أول هذه الصور وأجلاها التشديد على النفس بما هو زائد عن الحد المشروع، ورد في حديث قبيصة بن مخلب عن أبيه رضي الله عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن من الطعام طعاماً أتحرج منه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية) رواه أبو داود .

    قال الشارح: لا يدخل في قلبك ضيق ولا حرج؛ لأنك على الحنيفية السمحة، فإذا شددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية، والمقصود هنا أن بعضاً من الأمور التي تدخل في دائرة الحلال العام ربما نجد من يشدد على نفسه في تحريمها، أو في البحث عن أصولها بحثاً ليس هناك ما يدعو إليه من ناحية الشرع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها).

    وقد بين الحق سبحانه وتعالى لنا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا [المائدة:101]، وهذا ضرب من الضروب، يبعث عليه أحياناً شعور في الرغبة في التورع والاستزادة من الزهد، غير أننا ينبغي ألا ننسى الأمر المهم، وهو أننا متعبدون في دين الله على شرع الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا على نوازع النفس، ولا العواطف، ولا ردود الأفعال.

    تحريم الحلال وتحليل الحرام

    قال ابن تيمية رحمه الله: التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، أو تارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه من الطيبات.

    وهذه قضية أخرى، وصورة نفردها في شأن التحريم والتحليل.

    جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح قالت: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ فذكرت من صلاتها -أي: عبادتها الزائدة عن الحد المشروع- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مه! عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه).

    وهذا ظاهر في هذا التوجيه والإرشاد، وجاء من حديث عائشة ما يبين ذلك، وأثره في الصحابة وتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم لهم، قالت: (كان إذا أمرهم أمراً أمرهم من الأعمال ما يطيقون فقالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر)، كان يأمرهم من الأعمال بأوامر يطيقونها، وبعبادات يتيسر عليهم فعلها، فيرون أن ذلك دون طاقتهم وهمتهم وعزيمتهم، فيرغبون في الأكثر فيقولون: (إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر، قالت: فكان يرى الغضب في وجهه صلى الله عليه وسلم ثم يقول: إني أتقاكم لله وأعلمكم به).

    أي: قمة ما كان يأمر به هو التقوى، وإرشاده لأمته هو الأفضل والأكمل والأمثل الذي لا مزيد عليه، فمن أراد زيادة فإنما يخرج عن نهج الاعتدال الذي هو سمة الدين، ومن أراد تشديداً فوق المشروع فإنه كأنما يرى في فعل النبي صلى الله عليه وسلم قصوراً ونقصاً، وهو يريد أن يكون أفضل أو أكثر.

    وقد أثر عن مالك إمام دار الهجرة : أن رجلاً جاء فسأله وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميقات أهل المدينة فأخبره به، وهو مكان معروف في خارج المدينة، فقال الرجل: لأحرمن من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الإمام مالك: هذه والله الفتنة! فسمع الرجل فرجع وقال: وأي فتنة يا أبا عبد الله ! إنما هي أميال أزيدها أبتغي بها ثواب الله؟! أي: أحرم من هذا المكان فتزيد المسافة التي أسيرها وأنا محرم فيعظم أجري عند الله، فقال له: الفتنة أن تعمل عملاً تظن أنك فيه خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فليس هناك خير ولا كمال ولا فضل أتم وأكمل مما أثر عنه عليه الصلاة والسلام.

    الاهتمام بعبادات مع ترك حقوق وواجبات

    من صور الغلو ترك الواجبات عند تزاحم الحقوق، فإن من الناس من يندفع إلى طاعة وعبادة، ويفرط في حقوق وواجبات أخرى هي من الشرع بمثابة تلك العبادات من حيث وجوبها، بل ربما تعلق وجوبها بحقوق للعباد، لا يكون التساهل أو التسامح فيها مثل ما قد يكون في حق الله عز وجل.

    والمثل المضروب في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي جحيفة عند البخاري وغيره في قصة مؤاخاة سلمان الفارسي مع أبي الدرداء رضي الله عنه، حيث (جاء سلمان إلى أبي الدرداء في بيته، فوجد امرأته مبتذلة قال: ما لك يا أم الدرداء ؟! قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له فينا ولا في الدنيا نصيب -أي: تفرغ لطاعته وعبادته فقصر في حقوق أهله- فجاء أبو الدرداء فقدم الطعام إلى سلمان فقال له سلمان : كل، قال: إني صائم، قال: عزمت عليك إلا أكلت، وكان متطوعاً فأفطر، ثم لما جاء الليل أراد أن يقوم ليصلي فقال له: نم، ثم أراد أن يقوم فقال له: نم، ثم أراد أن يقوم، فقال له: نم، حتى إذا كان آخر الليل قال: قم فصل الآن، فصليا، ثم لما أصبح الصبح قال سلمان : إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأخبر أبو الدرداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: صدق سلمان).

    وكم نرى من اندفاع في باب من الأبواب يقابله قطعاً وبلا أدنى شك تفريط في أبواب أخرى، فينبغي أن نفقه ذلك وننتبه له.

    قال ابن حجر في تعليقه على الحديث: فيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور.

    وفي حديث الرجل الذي نذر أن يمشي ويحج ماشياً ولا يستظل، نهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، قال ابن حجر : فيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس، ليس من طاعة الله تعالى؛ فلا ينعقد به النذر.

    وصور من مثل هذا نراها في واقعنا وخاصة عند بعض الشباب: إذا تعلق قلبه بالطاعة وأراد أن يعوض ما فاته من عمره، أو يكفر عما سلف من ذنبه، ربما شدد على نفسه بما لا يستطيع الاستمرار فيه، وفي كثير من الأحوال يفرط في حقوق أخرى.

    نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة من الغلو، ونسأله عز وجل أن يجعلنا من أهل الوسطية والاعتدال، ومن أهل الاستجابة والطاعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    التشديد على النفس بما ليس بمشروع

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن التشدد والتشديد على النفس فيما ليس بمشروع يفوت كثيراً من الحقوق، ويحصل به اختلال عن التوازن، ولعلنا نضيف إلى ذلك أموراً تبين هذا في أصل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما بينه العلماء في ضوء هذه السنة الشريفة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، وفي رواية عند البخاري نصها: (يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى)، أي: لا يفر إذا لاقى العدو.

    قال الطبري في شرح الحديث: إنما كان صوم داود من أفضل الصيام من أجل أنه مع صومه لا يضعف عن القيام بالأعمال التي هي أفضل من الصوم، وذلك لثبوته للحرب أمام أعداء الله عند التقاء الصفوف، وتركه الفرار هنالك والهرب، فمن أضعفه صوم النفل عن أداء شيء من فرائض الله عز وجل فغير جائز أن يصوم صومه ذلك، بل محظور عليه إذا كان يصوم تطوعاً ويضيع بسبب ذلك الصوم فرضاً أو واجباً، بل إذا ضيع بذلك الصوم المستحب والنفل ما هو أفضل منه من نفل الأعمال، فإن صومه مكروه غير محبوب، وإن كنا لا نؤثمه، هكذا قال رحمه الله.

    وهذا يدلنا على أمر مهم: وهو النسبية، فإن ما يطيقه إنسان لا يطيقه غيره، وإن ما يطيقه إنسان في بعض أنواع العبادات قد لا يطيقها في غيره.

    قد يطيق الصوم لكنه لا يطيق طول القيام، وقد يطيق طول القيام ولا يطيق أمر الصيام، فينبغي للإنسان أن ينظر ما لا تتأذى به نفسه من المشروع فيأخذ به، وأما ما يفضي إلى سآمته وانقطاعه أو تفريطه في حقوق أخرى فينبغي له أن يوازن، فلا يقدم على عمل بتوسع مع علمه أو يقينه بأنه يفرط في غيره.

    وهذا أيضاً مما فقهه العلماء من صفة النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم) .

    قال الشاطبي في تعليقه على هذا الحديث: فانظر إلى ما كان من مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأحوال والظروف والأوقات، فربما في وقت ينشط لهذا، وربما في غيره ينشط لغيره، ولكن المهم هو ألا يتجاوز الحد المشروع بالتشديد على النفس بما يؤدي إلى انقطاعها أو سآمتها ومللها، وبما يؤدي إلى ترك المداومة على الأعمال.

    نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يفقهنا في كتاب ربنا، وأن يلزمنا هدي نبينا صلى الله عليه وسلم.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين، اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا سميع الدعاء!

    اللهم إنا نسألك لهذه الأمة أن تبرم لها أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم يا أكرم الأكرمين! يا أرحم الراحمين! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واصرف اللهم عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة.

    اللهم وأصلح أئمة المسلمين وولاة أمورهم، واجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، ووحد صفوفهم، واعل رايتهم، واجمع كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأنزل اللهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي! يا عزيز! يا متين!

    عباد الله! صلو وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم بالذكر ذو القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم صل وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].