إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ علي بن عمر بادحدح
  3. مكامن الأخطار في تغيير النفوس والأفكار

مكامن الأخطار في تغيير النفوس والأفكارللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد طفق أعداء الله من اليهود والنصارى يكيدون للإسلام بشتى الوسائل، وبكل الطرق، والأدهى والأمر أن يأتوا إلى المسلمين عن طريق وسائل محرمة في شرعنا، مثل التبرج والسفور، والغناء الماجن، والاختلاط السافر، والنعيق وراء الكرة والمباريات، وإنفاق الملايين والمليارات من الأموال والأوقات فيما يغضب الله، بل أتوهم من كثير من أبواب الكفر والزندقة، وأدخلوا كثيراً من المسلمين في أمور تناقض الدين من أصله، وهذا مسخ للهوية، وتغيير للفطرة، وانسلاخ من الدين، فإلى متى لا نفقه ما يدور حولنا؟! وإلى كم نغفل عما يراد بنا؟!

    1.   

    استمرار الأعداء في محاولة صد المسلمين عن دينهم

    الحمد لله جل جلاله، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعظم عطاؤه، وجلت آلاؤه، له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! مكامن الأخطار في تغيير النفوس والأفكار، هذه الحقيقة في غاية الأهمية، وإن واقع ما تشهده الأمة اليوم من هجمة شرسة قل نظيرها ينبغي ألا يصرفنا عنه أنه احتلال للأرض، أو نهب للثروات، أو سفك للدماء، وكل ذلك حاصل لكنه في جانبه الآخر محاولة لقتل الحمية في النفوس، وإضعاف القوة في القلوب، ووجود الزيغ والانحراف في الأفكار، وإن أمة تموت روحها، وتضعف حميتها، وتدفن مشاعرها، وتضلل أفكارها، تصبح أسهل لقمة سائغة في أفواه أعدائها، واعلموا أن أعداءنا يعرفون هذه الحقائق، ويعملون للوصول إليها أكثر مما يلتفت إليها أبناء هذه الأمة على مختلف مستوياتهم من القادة والشعوب، من أصحاب الرأي والكلمة ومن غيرهم من عموم الناس، ولا أريد أن أجعل الحديث مسترسلاً من غير أن يكون واضحاً بيناً، ولا شك أن ذلك ينطلق في ضوء أنوار توضح الطريق، وتبين المعالم، وتكشف المستور، لابد لنا أن نستضيء دائماً وأبداً بآيات الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأن نستضيء بهدي وسنة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي بين لأمته كل ما تحتاجه في هذه الحياة الدنيا لإقامة دين الله وإعزازه، ولكي تؤدي الأمانة التي حملتها، وتبلغ الرسالة التي تلقفتها عنه، وعمن كان من أصحابه رضوان الله عليهم: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] ولفظ الآية هذه واضح في دلالته المستمرة، وفي غايته الواضحة المحددة، لا يزالون مستمرين على ردة الناس، عاملين متواصين على ذلك ومجتمعين: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم) وصيغة المضارع تدل على الاستمرار، والغاية ليست متشعبة ولا متعددة، بل كما قال الحق جل وعلا: (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ).

    ولا شك أننا قد تحدثنا في قضية الدين في حياة المسلمين بشيء ربما نبه على هذا الأمر، والآيات كثيرة في هذه الحقائق: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]، قضايا كثيرة، وحقائق واضحة بينة: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] حسداً من عند أنفسهم، آيات كاشفة واضحة وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم قائمة باقية ما بقي الزمان، يقول فيها صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن) ، وهو القائل: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ، وهو الذي لقن أصحابه حتى قال الفاروق رضي الله عنه: (لست بالخب ولا الخب يخدعني، وإنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية) الحقائق كثيرة، فلننتقل إلى الوقائع لنرى أي شيء يصنع أعداؤنا في هذه الهجمة التي تتزعمها القوة العظمى العالمية التي نعرف أخبار جنونها وقتلها وعدوانها وغير ذلك، لكنه يخفى علينا كثيراً من مكامن الخطر التي تستهدف الروح والنفس، والتي تحرف التصور والفكر.

    1.   

    نماذج من الغزو الفكري

    هذه أخبار جديدة تطالعنا يقول فيها مسئول بارز: إننا في حرب في مجال الأفكار بقدر حربنا في مجال الإرهاب، وإن تخفيف الملابس عبر الملابس يشكل وسيلة مثلى للاختراق -ولا أريد أن أفسر تخفيف الملابس؛ لأن بقية الخبر يوضحه- إذ رصد اثنان وستون مليون دولار لإطلاق قناة فضائية ناطقة باللغة العربية .. هل لنشر العلوم والتقنية؟ هل ستكون لإصلاح الأوضاع والأحوال الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية؟ إن القائمين يقولون: إنهم جندوا فريقاً من الحسناوات والرموز الثقافية في المجتمعات الأمريكية ليكن رسلاً للثقافة الأمريكية التي يودون الترويج لها!

    وقد يقول قائل في مثل هذا: إن الأمر لن يكون مؤثراً ولا مقبولاً، فأقول: خذوا الأمثلة الواقعية، وهذه كلمات محزنة مؤسفة نقرؤها لكاتب شهير خطير في صحيفة سائرة ذائعة يروي خبراً أعده من باب التشفي والتشهي بأمتنا ليقول لنا: إننا نفعل بكم، ونلعب بمشاعركم، ونغير في عقولكم، وسنصنع بكم ما نريد وما نشاء، لا بأنفسنا ولكن من خلال ألسنتكم، وبأيديكم وبرجالكم ونسائكم! إنه يتحدث تحت عنوان عجيب نصه: اثنان وخمسون وثمانية وأربعون، قلت: لعلها أعوام فيها بعض الأحداث، فإذا بها نسب للتصويت على أفضل المطربين والمغنين في عالمنا العربي الشهير، الذي أصبحنا لا نستطيع أن نعد أو نحصي أعداد أولئك الجيوش من الفنانين أو الفنانات.

    يقول هذا الكاتب -وكما قلت: أحسبه ساخراً أو شامتاً-: أؤمن بإمكانية تحول الثقافات تبعاً للتحولات التاريخية والإصلاح الاقتصادي، والتقدم التقني. ويعطينا المثال على ذلك فيقول: وإذا ما أراد البعض معرفة القضية الرئيسية التي بات العالم العربي يتحدث حولها خلال الأسابيع الأخيرة، فسيجد أنها ليست العراق ولا فلسطين، بل رؤية العرب للنموذج الأمريكي، ويخبرنا عن برنامج بثته قناة عربية على مدى واحد وعشرين أسبوعاً للخروج بأفضل المطربين في عالمنا العربي، ويخبرنا بالأحداث التي وقعت في بعض مراحل هذا البرنامج وتصويته، وأنه قد حصل عراك، وأنه قد سالت الدماء، وأنه حصل إغماء، وأن الشوارع خلت في بعض الدول أثناء عرض البرنامج للتصويت، ويضيف قائلاً -وذلك هو المحزن المؤلم-: إن صديقاً له من تلك البلاد التي فازت فيها مغنيتها أرسل له قائلاً: بالأمس فازت مطربة من جنسيته في مسابقة اشترك فيها ما يزيد على أربعة ونصف مليون شخص، ثم يقول واصفاً الحال: لقد انطلق الناس في الشوارع للتعبير عن فرحتهم حتى الساعات الأولى من الصباح، متى كان هذا؟ ليس لتاريخ هذا المقال سوى أسبوع واحد، وهو يخبرنا عما كان شاغلاً لعالمنا العربي الذي تدمر فيه البيوت فوق رءوس أصحابها، والذي تقذف فيه الطائرات النفاثة البيوت والسيارات لتحرق من فيها فلا يبقى منهم بقية من جسد، ولا أثر من جثة، ثم يكمل هذا الصديق العربي قائلاً: يمكن للقبو العربي أن يتغير، ذلك مفهوم التغيير عند بعض أولئك القوم.

    ثم يخبرنا عن كاتب من تلك الدولة يقول في صحيفته السائرة: كان هذا (أي: التصويت والبرنامج) مثالاً مثيراً على مدى قوة التقنية الحديثة في العالم العربي، وذلك في تأجيج المشاعر، ودفع الجماهير للتحرك. ولست أدري أية مشاعر تلك التي رأى أنها مثالاً مثيراً لتحريكها وإثارتها هل غضبة للأعراض المنتهكة أو للأرض المغتصبة أو للسيادة التي مرغت تحت أقدام القوة الغازية أو لكلمة المسلمين والعرب التي رغم كل هذه الأحداث لم تجتمع لتقول سطراً واحداً فيه شيء من عزة أو قليل من إباء أو بقايا من حياء؟!

    ثم يقول هذا الكاتب الأمريكي الشهير مختصراً ما يريد أن يوصله لنا في العالم العربي: حيث تستطيع القلة فقط التعبير عن رأيها بحرية، فما بالكم بالإدلاء بأصواتها؟! ها هي القنوات الفضائية تشكل ما قد يصبح في الواقع جدار الديمقراطية، أليس هذا تمويتاً وإماتةً لروح الغيرة والحمية والارتباط بقضايا الأمة ومصيرها، وهي اليوم في أسوأ أحوالها وأضعفها؟ أليس هذا تسميماً للأفكار حتى يكتب الكتاب، ويبعث الأصدقاء، فرحين بالتأثير الهائل للتقنيات الحديثة، لا لترفع مستوى التعليم المنحدر المتهالك في عالمنا، ولا لتجعلنا في صف الدول المتقدمة في تجاراتنا واقتصادياتنا، ولا ولا .. وإنما لتزيدنا من هز الأوساط وما يلحق بذلك مما يعف اللسان عن ذكره؟!

    وفي صحيفة محلية تعليق آخر على الحدث ذاته، ولعله كان فيه جانب من النقد الذي يخفف شيئاً من لوعة قلوبنا، إذ بالفعل كانت الصحافة على صفحاتها الأولى مع أخبار القتل والتدمير، نجد خلال الأسابيع الماضية بالفعل خبراً ومتابعة دائمة لهذا الحدث الذي يمثل اختراقاً حقيقياً كما تريد تلك القنوات والوسائل الإعلامية.

    يقول الكاتب: استطاع البرنامج تلقين الفرد العربي قيماً اجتماعية جديدة على غرار النموذج الغربي، شباب وصبايا توافدوا من كل حدب وصوب يغنون ويتمازحون، ويتبادلون القُبل أمام المشاهدين، وبمباركة أكثر من خمسة ملايين شخص، صوتوا لصالح تشريع القبل المحرمة تحت مسمى الفن، ثم ينتقد ويختم فيقول: ماذا لو كان هناك سوبر ستار للمبدعين العرب؟

    وقد يقول أولئك القوم: إن في تلك البلاد والحضارات مثل هذه البرامج، لكني أقول: إن عندهم ميزانيات هائلة وضخمة، وسارية المفعول لمعامل الأبحار، ولمراكز الدراسات، ولكل العلماء والمخترعين، وإن عندهم ميزانيات هائلة لتصنيع الأسلحة الخفيفة والثقيلة والطبيعية وغير الطبيعية، وإن لديهم .. وإن لديهم .. فلا حرج إن فعلوا مثل ذلك، فهم في موقف القوة والانتصار والهيمنة، أما أن تكون هذه الأمة في هذه الحال ثم تغرق في مثل هذه الأمور فإنها سياسة خطيرة للفت الأنظار عن المهمات والواجبات والقضايا الكبرى والحقائق العظمى التي تواجه أمتنا.

    ومرة أخرى أنتقل إلى صفحة أخرى، ولست ممن يحب أن يكثر من الأخبار التي قد يكون فيها شيء من الإضعاف أو الوهن، لكن معرفة الواقع أمر مهم.

    في أكثر الصحف خلال الأسابيع الماضية صفحة كاملة لإعلان ملفت للنظر، أقرأ لكم فقرات منه لنرى كذلك ما الذي سيشغلنا على مدى تسعة أشهر قادمة؟ وما الذي سيكون موضع اهتمام الشارع العربي كما يقولون في هذا الإعلان عن أبطال الكرة العربية، سطر يقول: مائتان وخمسون مليون متفرج في ملعب واحد، ما هو هذا العدد؟! مائتان وخمسون مليون يعنون به كل شعوب الدول العربية، وأنتم منهم ستكونون جميعاً في ملعب واحد لتتابعوا هذه البطولة!

    ويقول الإعلان: إحدى عشر مليون كيلو متر مربع قطر الكرة العربية، ويعنون بها: مساحة العالم العربي كله، وتسعة أشهر زمن البطولة، وكلكم معاشر الملايين ينبغي أن تحشدوا كأنكم في ملعب واحد، وكأنكم تتفرجون على كرة واحدة, ليصبح العالم العربي كله بما فيه مهبط الوحي, وأرض الحرمين, وما فيه مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكنانة عمرو بن العاص وتاريخ الأمة المجيد كله كرة قطرها: أحد عشر مليون كيلو متر مربع كما يقول الإعلان، وعلى مدى تسعة أشهر ترقبوا وانتظروا وتأهبوا واستعدوا، ثم بعد ذلك نقول ما قاله كثير من العقلاء والحكماء، وما تقوله أمثلتنا العربية وتراثنا الإسلامي: (لا يبلغ العدو من جاهل مثلما يبلغ الجاهل من نفسه) وتلك قضية خطيرة.

    وثالثة كل هذه الأحداث التي أذكر بعض أخبارها، وكلها في يوم واحد وفي صحف نفس اليوم حتى نرى كم هو حجم الإنهاء والإغواء والإغراء، وكذلك صرف النظر إلى ما لا يريد أعداؤنا أن ننشغل به.

    لعبة من لعب الكمبيوتر جديدة حديثة، فيها أن اللاعب يصور نفسه، ويظهر على الشاشة، ويمارس اللعب مع أجهزة الكمبيوتر، وهذه الألعاب مشهورة معروفة، وهذا النوع الجديد يستقطب اليوم كثيراً من الشباب صغاراً وكباراً، وتستنفذ فيه من الأوقات لا أقول: آلافاً ولا مئات الآلاف، بل ملايين من الساعات لشبابنا وأبنائنا، أي شيء يجنون؟ وأي بطولة يحققون؟ وأي مهارة يكتسبون؟ وأي خبرة يقتنون؟ وعلى أي خبرة يحصلون؟ إنها قضايا كثيرة، ولذلك لا نود أن نكرر وأن نزيد، فإن الأمر واضح بين، وإننا نقول حينئذ: هل نحن متهمون أو متجنيون عندما نذكر هذه الحقائق؟ وهل يقال بعد ذلك: إن هناك آثاراً وخيمة على شبابنا وأوضاعهم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟

    ويوجد تحقيق آخر كنت أريد أن أطوي ذكره ولكني أعرج عليه، تحقيق يذكر عن بلادنا بعض الظواهر في شبابنا، وأن منهم بعضاً -وقد يكونون قلة في أول الأمر- أصبحوا اليوم يصطحبون معهم كلابهم في النزهات، ويقولون كما يوجد في العناوين العريضة: جمعتنا الصداقة من خلال الكلاب.

    وخبراً آخر عن القنوات الإباحية، وانتشار بطاقات فتح تشفيرها، وأن هناك أعداداً خطيرة وكثيرة من هذه القنوات، ثم لا نريد أن يحصل في مجتمعات الأمة بعد ذلك: إما انحراف إلى الجانب الأقصى في اتجاه التهتك والانحلال والانغماس في الشهوات والملذات والمخدرات وغير ذلك من أنواع الجرائم، أو يكون انحرافاً إلى ما يصبح اليوم عنواناً للإرهاب أو التشدد أو التكفير أو غير ذلك، وتضيع الأمة بين طرفي نقيض، والوسط الذي تحدثنا عنه كثيراً يغيب؛ لأننا غيبناه بفعل ما نصنع وخاصة في وسائل الإعلام الفضائية على وجه الخصوص.

    ولو أردنا أن نكمل الصورة لوجدنا ما يؤلم ويحزن، ولكننا نريد أن نقول ذلك، وأن نبين هذه الحقائق لكي نكون على بينة من أمرنا، وهذا الأمر الذي ذكرته أعلم يقيناً أن عدداً كبيراً منكم يعلمه، وربما عرفه عن خبرة، وربما شاهده، وربما تابعه، وربما البعض منا يدفع الأموال ليشترك في هذه المجموعات الفضائية، أو في تلك المباريات الكروية أو غيرها، فنحن جزء ممن تمرر عليهم وبهم وفيهم ومن خلالهم هذه القضايا التي يقول عنها الكاتب الشهير: إنها ستحدث التغيير في الثقافات أي: في المبادئ والمسلمات، في التعاملات والعادات، في المبادئ والقيم، وفي الروح العامة التي بدأنا نرى في نفوس أبناء أمتنا ما يستدعي التوقف والحذر، صيحة إنذار لمكامن الأخطار في النفوس والأفكار، لا بد أن نطلقها وأن نشيعها وأن نحذر منها، وألا نقبل باستمرارها، وألا نكون نحن وقوداً لها.

    نسأل الله عز وجل أن يقينا الشرور والآثام، وأن يعصمنا وأن يحمي أهل الإيمان والإسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن لفت النظر والعناية بالاختراق الثقافي والسلوكي والاجتماعي أمر مهم في غاية الأهمية؛ لأنه من العجيب جداً أن نسمع هذه الأخبار، وأن نعرف هذه الوقائع، في الوقت نفسه الذي نستمع ونرى بأعيننا كيف تدمر البيوت فوق رءوس أصحابها في أرض الإسراء، وكيف تخترق الجثث بصواريخ الطائرات، وكيف يقع الكثير والكثير من المآسي والحرائق والتدمير في أرض العراق المحروقة، فمدارسها مغلقة، وجامعاتها معطلة، وأمنها مفقود، أين هذا كله من الذين يصوتون للغناء، أو يترقبون مباريات الكرة، أو ينشغلون بألعاب الكمبيوتر أو غير ذلك، أين هذا من دماء تسيل، وأرواح تزهق، وكرامة تمرغ في التراب، وسيادة تداس بالأقدام، وأمة كأنما لا ذكر ولا وجود ولا حياة لها؟!

    ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود

    أين أمة الألف مليون؟! أين أمة العرب التي تجري الأحداث لا نقول بعيداً عنها ولا نقول في عقر دارها، بل في كل شبر من أرضها، وفي كل ذرة من هوائها، وفي كل مرحلة وحركة وسكنة من تفاعلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

    احسبوا الملايين التي تصرف في هذه المجالات، احسبوا الأوقات والجهود التي تصرف في هذه الميادين، أين تقدم العلم؟ أين تطور التقنية؟ أين وأين وأين .. مما نحن في أمس الحاجة إليه؟! ثم بعد ذلك يراد للأمة ألا تعرف تاريخها، وألا تدرس دينها، وألا تكون بصيرة بواقعها، وأن يكون شغلها الشاغل هو ما تبثه تلك القنوات أو ما تروجه تلك الوسائل الإعلامية.

    إنها قضية خطيرة، ومسألة أخرى لا أود أن أنهي حديثي هذا وأنا قد وضعتكم في أجواء قد يكون فيها شيء من الإخافة، أو بث روح اليأس، لكنني أجد أن ما نحتاج إليه سيحتاج حديثاً أوسع، إن عزة الأمة وكرامتها، وإن الأمثلة المشرقة المضيئة فيها، وإن المعنيين بهمها، وإن القائمين بواجبهم في مواجهة أعدائها لا يزالون كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) .

    اختر لنفسك أخي أن تكون في هذه الزمرة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السنن الماضية بقاؤها مستمسكة بكتاب ربها، مهتدية بهدي رسولها صلى الله عليه وسلم، رافعة لراية أمتها، ناشرة لبنود وأعلام دينها، ولا تكن كالذي يسير وراء أولئك المغررين من الأعداء أو الأصدقاء، الذين أماتوا في شبابنا وفي مجتمعاتنا من خلال هذه الوسائل كل روح من روح القوة أو المقاومة أو الغيرة، أو حتى الشرف والعزة والنخوة ونحو ذلك، وهناك الصور المشرقة رغم كل الظروف الصعبة والقاسية والشديدة في ميادين المواجهة التي نرى، ورغم كل هذه المآسي في أرض الإسراء، وكم نعجب من تلك المواقف التي نطأطئ رءوسنا خجلاً أمام عظمتها، وتذرف دموعنا حقيقة، وليس تعبيراً أمام كبريائها، وعزة إيمانها، وشموخ إسلامها، وعظمة قوتها، رغم أنها خلو من أسباب القوة المادية.

    رجل كلكم شاهدتموه قصف بيته حتى لم يبق فيه شيء قائم على شيء، واستشهد ابنه الذي كان مقرراً أن يكون عرسه بعد ثلاثة أيام، ومعه زوجته، وعندما يسأل عن شعوره يقول: ليس ابني أغلى من أبناء فلسطين، وليست الزوجة أغلى من نساء فلسطين، كل من يقتل من الأولاد من الذكور فهم أولادي، ومن الإناث فهم أخواتي أو أمهاتي، ولا ترى إلا قوة إيمان، وشموخ إسلام، ووضوح رؤية، ليس هناك نوع من ذلة المفاوضات السياسية، ولا أنانية المصالح الشخصية، ولا غير ذلك من المآسي المخزية الفاضحة التي جعلت سمعة القوم في أسوأ صورها وأسود حالاتها.

    ولعلنا نفتح من هذه الصفحات المشرقة ما هو جدير بأن يحيي في نفوسنا الأمل، ويدعونا إلى أن نكون في خندق المواجهة، ليست المعركة اليوم في العراق، وليست في فلسطين، إنها في كل بيت، وفي كل دار، وفي كل بلد إسلامي وعربي لا يستثنى من ذلك شيء، بل بعضها أكثر من بعض، والتفاوت في الحجم والكثرة لا أقل ولا أكثر، فوطنوا أنفسكم على أن تعتزوا بإيمانكم، وتلتزموا بإسلامكم، وتكونوا على بينة من أمركم، ومعرفة لحقائق أعدائكم، واستعداداً لمواجهة هذه الهجمات الشرسة.

    نسأل الله عز وجل أن يرد عنا كيد الكائدين، وأن يدفع عنا شرور المعتدين، وأن يحقن دماء المسلمين، وأن يحفظ أعراضهم وأموالهم، وأن يتقبل في الشهداء موتاهم.

    نسألك اللهم يا ربنا أن تهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

    اللهم إنا نسألك أن تمكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، وأن تقمع أهل الزيغ والفساد، وأن ترفع في الأمة علم الجهاد. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.

    اللهم احفظ شبابنا وشاباتنا من زيغ الفكر وانحراف السلوك، اللهم احفظ أبناءنا وأزواجنا وذرياتنا من كل سوء ومكروه يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأصلح أحوالنا، ورخص أقواتنا.

    اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا الخيرات، وأن تفيض علينا البركات، وأن تمحو وتكفر عنا السيئات، وأن تقيل لنا العثرات، وأن تضاعف لنا الحسنات، وأن ترفع لنا الدرجات، وأن تبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب الأرض والسماوات!

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك يا سميع الدعاء!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل الدائرة تستوي عليه، وأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، ورد كيده في نحره.

    اللهم إنا نسألك أن تنزل سخطك ورجزك وغضبك على أعداء الإسلام والمسلمين، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل الأرض من تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر.

    اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين!

    اللهم لطفك ورحمتك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، اللهم زد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا، وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم ثبت وأعن وانصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، اللهم زدهم إيماناً، وقوة وشموخاً، وعزة ونصراً، وعزاً وتمكيناً يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من جندك المجاهدين، ومن عبادك المخلصين، ومن ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم أهل القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].