إسلام ويب

المرأة بين الحرية والاستقلاليةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أعلى الإسلام مكانة المرأة، وأعطاها حقها في كل شيء، فأعطاها حقها في التصرف المالي، وفي اختيار الحياة الزوجية، وفي شهود العبادة مع الجماعة بالضوابط المعروفة، وكذلك اعتبر قولها في الرأي والمشورة، وحسن التدبير والتصرف، وغير ذلك، وهذا فيه رد على أولئك الأفاكين أصحاب الشهوات والنزوات البهيمية الذين يريدون من المرأة أن تكون سلعة تباع وتشترى، فالإسلام حفظ للمرأة كامل حقوقها، وصانها من كل شر، وأعطاها من الحقوق ما لا يمكن أن تحصل عليها في غيره.

    1.   

    حقيقة الحرية في الإسلام

    الحمد لله رضي لنا الإسلام ديناً، وحفظ لنا القرآن دستوراً وشرعاً، وأكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، أحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    تشويه مكانة المرأة في الإٍسلام

    أيها الإخوة المؤمنون: (المرأة بين الحرية والاستقلالية والعبودية والتبعية) هذا موضوع من الموضوعات المهمة التي تبرز مكانة المرأة في الإسلام وإظهار حقوقها ورعايتها وحمايتها في دين الله عز وجل، وبالمقارنة تتضح أيضاً معالم الجاهلية التي تبخسها حقها، والتي تفرط في مكتسباتها، والتي تجعلها نهباً للخوف ولكل ما يتعلق بالاعتداء على عفتها وشرفها وأنوثتها وحيائها.

    والحرية كلمة جميلة وشعار مغر هو كالمساواة التي سبق الحديث عنها، تدغدغ به المشاعر وتستمال به القلوب وتضل به العقول؛ لتخرج من شرع الله عز وجل، ومن الميزان العدل والحرية الحقة التي شرعها الله جل وعلا العليم بخلقه: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فيدعى للمسلمين ويشاع بينهم أن في شريعتهم بالنسبة للمرأة قيوداً، وأن في ذلك أيضاً ضرباً من العبودية والتبعية والاضطهاد والظلم للمرأة، وإلغاء شخصيتها ومصادرة استقلاليتها، إلى غير ذلك مما يشاع ويذاع، وقد يغتر به بعض الجهلة من المسلمين، ويتشدق به بعض المفتونين بالكافرين من غربيين وشرقيين، ولذا فإن بيان هذا الأمر وتجليته ينبغي أن يكون مما يحرص عليه المسلم والمسلمة؛ ليكون على بينة من أمره، وليكون المجتمع المسلم مجتمعاً متماسكاً عارفاً أحكام شرع الله، مطلعاً على الحِكَم والمنافع والمصالح التي تنتج من التزام أمر الله سبحانه وتعالى.

    الفوضى المطلقة ليست من الحرية

    عندما يتأمل المرء في تشريع الإسلام يجد أنه أعطى المرأة الحرية والاستقلالية الكاملة التامة فيما ينفعها ويعود عليها بالخير والصلاح.

    وإذا وجد ما يظنه بعض الناس قيوداً فإنه لابد أن يعلم أن الحرية لا يمكن في أي مذهب ولا نحلة، ولا مجتمع ولا تاريخ قديم ولا حديث أن تكون بلا قيد مطلقاً؛ لأن معنى إعطاء الحرية لكل أحد بلا قيد أن يتعدى حدوده ليعتدي على حقوق الآخرين، وكل حرية لها حد تقف عنده، وهو ألا تُتجاوز حقوق الآخرين ويُعتدى عليها، ومن ثم فليس هناك ما يعرف بالحرية المطلقة، إلا أن يكون هناك الفوضى التي تسمى باسم الحرية؛ لأن الحرية إذا أعطيت لي على أني أنا حر في أن أصنع ما أشاء، فلأقم بكل عمل ولو كان فيه ما يضر الآخرين أو يزعجهم أو يقلقهم، فهل يقبل أحد أن يعطيني مثل هذه الحرية؟! وأنا حر في أن أمتلك ما أشاء، فهل تعطيني هذه الحرية الحق في أن أسطو أو أسرق أو أعتدي على حقوق الآخرين لأحقق حريتي؟! والحرية أيضاً في مجال الشهوات والغرائز هي أيضاً موجودة في الفطرة، فهل يقر أحد أن تكون الحرية على حساب أعراض الآخرين؟! كل هذا ينبغي أن يكون معلوماً وأن يكون من الأمور المستقرة المسلّمة عند كل أحد.

    فلننظر إلى الحرية الحقة في الميادين الرئيسة، وفي الأسس المهمة في حياة البشرية، التي أعطاها الله عز وجل ووفرها شرع الله سبحانه وتعالى للمرأة المسلمة.

    1.   

    حرية الاعتقاد في الإسلام للمرأة

    إن هذا الدين جاء بشطر آية هي من أعظم شعاراته ومن أبلغ حقائقه: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، فليس هناك إكراه في دين الله عز وجل على الناس سواء كانوا رجالاً أو نساء؛ أن يدخلوا في دين الله قهراً أو قسراً أو غصباً فإن ذلك ليس من شرع الله سبحانه وتعالى، وليس الجهاد كما نعلم ضرباً من هذا القهر أو الإكراه، وإنما هو ضرب من تكسير القيود وتهديم الحواجز؛ حتى يكون للناس اختيار تام فيما يعتقدون ويعتنقون.

    والإسلام الذي أباح للمسلم أن يتزوج بالكتابية من أهل الكتاب لم يجعل من شرط زواجه أن تسلم، ولا من حقه أن يكرهها على الدخول في الإسلام، وإنما جعل ذلك باباً من الأبواب الذي قد يحصل به مثل هذا من خلال الإقناع والتأثر بالقدوة الحسنة.

    والله سبحانه وتعالى قد بين حق المرأة المسلمة في اعتناق دينها الإسلامي وحرصها عليه وثباتها عليه، وذلك عندما نزلت سورة الممتحنة تقرر عقيدة المرأة المسلمة وحريتها، وتفرض على المجتمع المسلم أن يحميها ممن يريد أن يضطهدها في دينها: إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار [الممتحنة:10].

    ويضرب لنا القرآن المثل العظيم في استقلالية شخصية المرأة وحريتها الاعتقادية، حتى في المجال السلبي، وذلك عندما ضرب الله سبحانه وتعالى المثل بكفر امرأة نوح وامرأة لوط قال: كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [التحريم:10].

    ثم ضرب لأهل الإيمان مثلاً عظيماً وهو قوله جل وعلا: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11]، انظر إلى هذا المثل، المرأة في بيت الطاغية الأكبر مدعي الربوبية والألوهية الذي قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، هذا الكافر الأعظم في بيته زوجة مؤمنة تدعو الله سبحانه وتعالى، تحافظ على عقيدتها وإيمانها وتتشبث وتتمسك به.

    لقد ضرب لنا القرآن مثلاً ونموذجاً من الأمم السابقة ليبين أن للمرأة شخصية مستقلة، وأنها بإيمانها وإسلامها لشرع ربها سبحانه وتعالى تكون في أعظم قوة وفي أقوى شخصية، تتمرد حتى على فرعون الذي كان مضرب المثل في القوة والطغيان والتكبر.

    و سمية أول شهيدة في الإسلام مضرب مثل عظيم تحدت أبا جهل فرعون هذه الأمة، ومرغت كبرياءه في التراب، ولم يستطع أن ينال منها كلمة تتنازل بها عن عقيدتها أو تتخلى عن إيمانها، أو تساوم في دينها أو تشتري دنياها بأخراها، فما كانت المرأة المسلمة إلا هذا النموذج الحي القوي في ثباته واستقلاليته وقوته.

    1.   

    الحرية المالية للمرأة في الإسلام

    حق المرأة في التملك بالميرات والمهر

    هذه أيضاً من الأمور المهمة التي جعل الله عز وجل للمرأة فيها حرية وحقاً مستقلاً وتميزاً ظاهراً بيناً، فجعل لها حق التملك في الميراث، وحق تملك المهر، وحق تملك النفقة، وحق التملك بالكسب، فلها شخصيتها المستقلة وحريتها الكاملة في مجال ما تكتسبه وما تمتلكه، وليس لأبيها ولا لزوجها حق في أن يأخذ منه شيئاً من غير طيب نفس ومن غير رضاً ومن غير قناعة.

    ليست هناك الصورة الجاهلية السابقة في أن تكون المرأة من ضمن الميراث، ولا الصورة الجاهلية الحاضرة التي يمكن أن تلغي حقها بمجرد الهوى والشهوة، كلا، فقد أنزل الله عز وجل آيات تحفظ لها حقها، وتحمي حريتها من الاعتداء عليها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] قرآن يتنزل وآيات تتلى لتحفظ لها استقلاليتها وملكيتها وحريتها المالية فيما اكتسبته بالطرق الشرعية، أو آل إليها من خلال إرث أو مهر أو نحو ذلك.

    وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:20-21] حقها لا يمكن أن ينتقص، وما هو شائع في بعض بيئات المسلمين هو ضرب من الإعراض عن شرع الله، فليس للآباء حق في مهور بناتهم ولا أن يأخذوا نسبة من نصف أو ثلث أو نحو ذلك، فكل ذلك ليس من شرع الله ولا يلصق بدين الله.

    قد قلنا من قبل: إن معرفتنا للدين إنما تكون من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التطبيق في العهد النبوي الكريم، ولا يمكن أن نجعل بعض العادات أو التقاليد أو الأعراف الجاهلية هي التي تعطينا صورة الإسلام، أو التي يحصل منها التطبيقات العملية للإسلام، فليس هذا من الحق في شيء مطلقاً.

    حق المرأة في البيع والتبرع

    وانظر إلى التطبيق العملي لحق التملك وحق التصرف وحق الأهلية والاستقلالية المالية:

    روى مسلم في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، زوج الزبير رضي الله عنه، تقول: (كان لي جارية فبعتها -يعني كما يظهر من الرواية أنها باعتها من غير إذن سابق من زوجها- قالت: فدخل الزبير وثمنها في حجري فقال: هبي هذه الأموال لي، يطلب منها الزبير وهو الزوج الذي له حق الطاعة في شرع الله عز وجل قالت: فقلت: إني قد تصدقت بها).

    هذه صورة حية من داخل بيت مسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه المرأة باعت جاريتها لأن لها حق التصرف في ملكها ومالها، وليس من شرط صحة عقدها إذن زوجها وإن كانت لو أخذت رأيه أو استشارته لكان ذلك حسناً، لكن لا يترتب عليه فساد عقد ولا إبطال بيع، فلها مطلق الحرية في التصرف في مثل هذا الشأن.

    وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: (طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها -أي: أن تقطف التمر من النخل- فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بلى فجدي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً)، أي: جدي نخلك فهو ملك لك عسى أن تبيعيه ثم تتصدقي منه أو تصنعي معروفاً.

    فهذه أيضاً صورة حية لاستقلالية المرأة المالية في إطار الشريعة الإسلامية.

    وكذلك حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها: (لما أعتقت وليدة لها فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: إني أعتقت وليدتي-فهو لم يكن يعلم من قبل بما فعلت، ولم يكن يترتب على إذنه صلى الله عليه وسلم صحة فعلها- فقال لها: أما إنك لو وهبتيها لأخوالك لكان أعظم لأجرك)، كما في صحيح البخاري .

    1.   

    حرية المرأة في الحياة الزوجية في الإسلام

    حق المرأة في اختيار الزوج

    إن للمرأة حريتها في الحياة الزوجية، فلها حريتها في الاختيار، لا الحرية التي تدعى أو تنادى إليها المرأة اليوم ليقال: إن الإسلام يمنع المرأة من الاختيار، أو أن لأبيها أن يغصبها أو يبيعها لمن شاء؛ ليكتسب من ورائها ولا يكون لها رأي ولا اختيار؛ لكن إن وجد مثل هذا في بعض بيئات المسلمين فإنه ليس من الإسلام في شيء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن).

    لها مطلق الحرية في القبول أو الرفض وليس لأحد أن يكرهها، وانظر إلى التطبيق العملي في هذا الشأن وهو أمر مهم أن يظهر في بيئات المسلمين؛ لأن بعضاً منهم يمارسه بطريقة خاطئة مخالفة لشرع الله عز وجل:

    روى البخاري عن القاسم أنه قال: (إن امرأة من ولد جعفر تخوفت أن يزوجها وليها وهي كارهة، فأرسلت إلى شيخين من الأنصار عبد الرحمن ومجمع ابني جارية رضي الله عنهما تخبرهما عن هذا التخوف، فقالا لها: لا تخشي فإن خنساء بنت حزام أنكحها أبوها وهي كارهة فرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك).

    امرأة زوجها أبوها وهي كارهة فجاءت إلى رسول الله تشكو، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النكاح الذي بني على غير رضا المرأة.

    حق المرأة في رفض من لا تراه صالحاً لزواجها

    والتطبيق العملي يظهر أيضاً في صورة أخرى جميلة وجديرة بلفت النظر والاهتمام، تلك الصورة هي قصة مغيث وبريرة مولاة عائشة:

    (كان مغيث عبداً وكانت بريرة لا تحبه وهو زوجها من قبل، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعتقت: إنها لا تريد مغيثاً ، وإنها ليس له في قلبها منزلة وقدر ومحبة من الناحية النفسية، فجعل مغيث يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس : يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثاً ، ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى بريرة فقال لها: ألا ترجعين إليه؟ قالت: يا رسول الله! أتأمرني؟ قال: لا، إنما أشفع يا بريرة ، فقالت: فلا حاجة لي فيه).

    أي استقلالية أعظم وحرية أظهر من موقف مولاة لـعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أمام رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    قال ابن حجر في تعليقه وشرحه لهذا الحديث: فيه من الحِكَم واللطائف: أنه يندب للإمام والحاكم أن يشفع بين الناس وأن يصلح بينهم، وفيه وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه حسن أدب بريرة فإنها لم ترد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها قالت: لا حاجة لي فيه.

    انظر إلى هذه الصورة العظيمة.

    اشتراط المرأة لما تريده قبل زواجها

    ولننتقل إلى صور أكثر وضوحاً وجلاء لهذا الحق العظيم من حقوق المرأة والحرية المهمة من حرياتها، وهو أمر في أعظم بيت من بيوت الدنيا كلها، إنه بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    لما توفي أبو سلمة وانقضت عدة أم سلمة رضي الله عنها تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطبة أم سلمة المهاجرة للهجرتين والمتقدمة في نصرة الإسلام، قالت: (أرسل إلي صلى الله عليه وسلم حاطباً يخطبني إليه فقلت: إن لي بنتاً وأنا غيور -كأنها تذكر بعض الأمور التي ينبغي أن يراعيها أو أن يعرفها الزوج حتى يأخذ بالاعتبار مثل هذه الأمور فيقدم أو يحجم- فلما رجع الرسول إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أرسله وقال: أما ابنتها فأدعو الله أن يغنيها عنها، وأما غيرتها فأدعو الله أن يذهب عنها الغيرة).

    ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي صحيح مسلم قصة أخرى أعظم من هذه وأبلغ في زواج النبي صلى الله عليه وسلم الزواج القرآني الذي خلده الله عز وجل في آيات تتلى، وذلك زواجه من زينب بنت جحش لما طلقها زيد رضي الله عنه، يقول زيد كما في صحيح مسلم: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فانطلقت حتى إذا جئت وهي تعجن عجيناً لها، فوقفت فهبتها لما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوليتها ظهري وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي -أي: حتى أستخير وأصلي وأتخذ القرار بناء على استخارة ربانية- ثم ذهبت ونزلت إلى مسجدها في بيتها ونزل القرآن: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْه [الأحزاب:37] إلى آخر الآيات القرآنية التي زوج الله عز وجل بها النبي صلى الله عليه وسلم من زينب.

    وهذه صورة عملية لاستقلالية المرأة المسلمة وحريتها في الاختيار، حتى في هذا الموقف العظيم الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حق المرأة في الرجوع إلى زوجها الذي طلقها

    نزلت آيات قرآنية تتلى، وسبب نزولها حفظ حق المرأة وحريتها واستقلاليتها باختيارها ورضاها بزوجها، ففي الحديث الصحيح عن معقل بن يسار : (أن أخته كانت متزوجة فطلقها زوجها وتركها حتى انتهت عدتها ثم جاء يخطبها، فرفض معقل وقال: طلقها ثم تركها ثم جاء يخطبها، فجاءته الحمية أن لا يردها إليه وأن لا يوافق على زواجها) وفي رواية عند غير البخاري ومسلم قال الراوي فيها: (وكان الرجل لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فمنعها أخوها، فأنزل الله عز وجل قوله جل وعلا: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:232]، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلاً وتلا عليه الآية القرآنية -قالت الرواية في الصحيح-: فترك معقل الحمية واستقاد لأمر الله عز وجل).

    فأي حق وأي حرية وأي استقلالية أعظم من هذا للمرأة في أمر هو من أهم شئونها، وهو أمر زواجها وبناء أسرتها.

    نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يجعلنا مستمسكين بشرعنا.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وجعلني وإياكم من أهل الذكر الحكيم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حرية المرأة في شهود العبادة وضوابط ذلك

    الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله وخير خلق الله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى التزام شرع الله في معاملة النساء، والتزام شرع الله عز وجل في هذه الأحكام التي تجاوزها عدد غير قليل من المسلمين، فأجحفوا في حق المرأة، وظلموها من ذات أنفسهم ومن خلال أعرافهم أو قواعد قبلياتهم ونحو ذلك، بأمور وأفعال ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان.

    وإن من الحقوق التي تظهر حرية المرأة واستقلاليتها: حرية شهود العبادة:

    فإن هذا الدين العظيم جعل للمرأة الحق في أن تشهد بعض العبادات من غير فرض ووجوب عليها، ولكن المشاركة لها في بعض الأمور قد ثبتت ثبوتاً متواتراً قطعياً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كشهود صلاة العيد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحض النساء على الخروج إليها حتى تخرج ذوات الخدور من بيوتهن، وحتى يخرج الحيض ويكن في معزل عن المسجد يشهدن الخير مع المسلمين.

    وكذلك الخروج إلى الصلوات المعتادة، فإنه ليس من المحرم ولا من المكروه إن لم يكن هناك ارتكاب لمكروهات أو محرمات، فتشهد المرأة صلاة الجماعة مع المسلمين، فقد ثبت ذلك في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وثبت أن النساء كن يصلين الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث آية نزول الحجاب.

    وكذلك ورد في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه قال لامرأة عمر : لماذا تخرجين إلى الصلاة وأنت تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟! فقالت: وما يمنعه أن ينهاني؟! فقال ابن عمر : يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).

    فالحكم الشرعي لا يتغير لتغير أفكار بعض الناس أو لسوء تطبيقه، بل ينبغي لنا أن نطبق الحكم الشرعي كما هو، فإن جاءت ملابسات أو ظروف فإنها لا تلغي الحكم الشرعي وإنما يقال: إن ثمة فتنة أو ثمة ضرراً أو ثمة خوفاً لأجله منع هذا الأمر لا لإبطال أصله، فإن بعض الناس قد يكون عنده غيرة أو حماسة، فيجعل المنع حكماً شرعياً كأنه دائم أو كأنه أصلي أساسي.

    1.   

    مشاورة المرأة والأخذ برأيها في بعض الأمور

    من صور الحرية التي أعطاها الله عز وجل وأبرزها الإسلام في شخصية المرأة: حرية الرأي، ورجاحة العقل، وحسن التدبير والتصرف في الأمور:

    فليست المرأة كماً مهملاً كما يدعي بعض الناس، أو كما قد يمارس بعض الناس في بعض الأحوال، فإن صوراً كثيرة وثيقة أبرزت لنا مواقف تدل على ذلك في حياة المرأة المسلمة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وحسبنا في ذلك من الأمثلة موقف أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية؛ لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يحلقوا رءوسهم ليرجعوا عن مكة، فشق ذلك على نفوسهم، فدخل رسول الله عليه الصلاة والسلام على أم سلمة مغضباً وهو يقول: هلكوا، فلما سألته أخبرها بأمر امتناعهم، فقالت: يا رسول الله! قد دخل عليهم ما تعلم مما يشق على نفوسهم، فاخرج إليهم ثم اؤمر حالقك أن يحلقك، فإن رأوك فعلت فعلوا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيها الحكيم ومشورتها الصائبة، فخرج فحلق، فابتدر القوم يحلق بعضهم بعضاً حتى سال الدم من شدة ما كانوا يحلقون.

    فهذا موقف عظيم من هذه المواقف المهمة، ومواقف أخرى تدل على حسن التدبير واللطف مع مراعاة حق الزوج وطاعته.

    هذه أسماء مرة أخرى تعرف طبع الزبير بن العوام رضي الله عنه: (جاء رجل يستأذن أسماء في أن يبيع في ظل دارها، فقالت: إني أخشى إن فعلت ألا يرضى الزبير ، ولكن ائتني إذا كان موجوداً فاطلب طلبك، فجاء والزبير موجود فقال: إني أريد أن أبيع في ظل بيتكم، فقالت: أما وجدت في المدينة إلا داري؟! فقال الزبير : وما يمنعك أن تجعليه يكتسب في ظل دارك؟!) كما في صحيح مسلم.

    ففي هذه القصة حسن التدبير والتصرف من غير مخالفة، ومن غير نوع من المصادمة والاختلافات التي يجعلها بعض الناس بينهم بحجة وجود أو طلب الاستقلالية، لم يتحكم الرجل؟! لم تتحكم المرأة؟! إذاً سيبقى هناك نزاع دائم في مثل هذه الأمور.

    انظر إلى حسن التصرف في قصة أم سليم رضي الله عنها في شأن زواجها وفي شأن وفاة ابنها:

    لما جاءها أبو طلحة يخطبها قالت: (إنك رجل كفء ولكنك كافر، فلو أسلمت لتزوجتك، فأسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامه مهرها).

    وهذه من الصورة التي تدل على رجاحة العقل، فما طلبت مالاً ولا طلبت شيئاً، وإنما جعلت أمر الزواج سبباً أو أسلوباً من أساليب دعوتها إلى الله عز وجل.

    كان لـأم سليم ابن مريض فتوفي وزوجها خارج البيت، فجاء إليها في آخر اليوم يسأل عن ابنه فقالت: هو اليوم أسكن منه مما مضى. كلمة صحيحة في المعنى فهم منها أن الابن قد سكن وهدأ، وهي تعني بالسكون الموت الذي لم يعد له فيه حراك.

    ثم أعدت له طعام العشاء وتصنعت له وتزينت حتى غشيها، فلما فعل ذلك قالت له: إن لنا جيراناً أودعهم بعض الناس وديعة فلما طلبوها منهم أبوا أن يردوها، فأنكر ذلك عليهم، فقالت له بعد ذلك: إن ابنك وديعة الله عندك وإن الله قد استرد وديعته!

    فتلطفت وأحسنت التصرف وأصابت الرأي، فغضب أبو طلحة فمضى في الصباح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عن هذه القصة التي فيها بعض التورية، فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سليم ، ودعا لهما بالبركة في ليلتهما تلك، فرزقا عشرة من الأبناء طال عمرهم وحسن عملهم، وكانوا من خيرة أبناء الإسلام.

    1.   

    حرية المرأة واستقلالية شخصيتها

    وكذلك مواقف القوة التي تبرز شخصية المرأة المسلمة؛ لأن الصورة التي تظهر الاستقلالية بصورة ممسوخة سيأتي الحديث عنها.

    صورة أو مثل واحد أختم به الحديث، في قصة الحجاج الظالم الطاغي حين استحل حرمة البيت الحرام في مكة المكرمة، وقتل عبد الله بن الزبير، ثم أرسل إلى أسماء يدعوها لتأتي إليه، فأبت أن تأتي، فأرسل إليها: لئن لم تأتي لأرسلن من يسحبك بقرونك، فقالت: لا آتيه حتى يرسل من يسحبونني بقروني.

    فلما بلغ ذلك الحجاج قال: أين مكانها؟ فأخبر به فلبس نعله ثم جاء إلى أسماء وقال لها: ما رأيت فيما فعلت بعدو الله -يعني: ابنها عبد الله بن الزبير، وكانت امرأة كبيرة في السن تفقد ابنها وقد عمي بصرها ويأتي قاتل ابنها بهذه القوة والغطرسة والجبروت- قالت: رأيت أنك قد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك.

    الحجاج الباغي سفاك الدماء الذي كان الناس يرتعدون من سماع اسمه، ثبتت له أسماء ، ثم قالت له: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن في بني ثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراه إلا أنت)، فأخذ الحجاج نفسه ومضى لا يلوي على شيء من هذه المواجهة للمرأة المسلمة المؤمنة الواثقة.

    فهذه أمثلة محدودة مما جعله الله عز وجل من استقلالية لشخصية المرأة، وحريتها في اعتقادها وعبادتها وتصرفها المالي واختيارها الزوجي، وهذه الحريات كثيرة وفيرة وعظيمة وصالحة نافعة، أما الحريات التي يطالب بها بعض الجهلة من المسلمين وأعداء الإسلام، وهي حرية التبرج، وحرية الممارسة الجنسية وغيرها من الحريات؛ فهي فوضى وليست حرية، ويقولون لنا أيضاً كما سبق أن أشرنا في الموضوعات السابقة: أين حرية المرأة وأنتم تحجبونها تحت حجابها؟ وأين حرية المرأة وقرآنكم يتلى ويقول: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]؟ فهي حبيسة البيت قعيدته، إلى غير ذلك مما يقولون مما هو مردود عليهم ولنا فيه حديث.

    أسأل الله عز وجل أن يعصمنا بالإيمان، وأن يقينا شرور أهل الكفر والطغيان، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجمل نساءنا بالحياء والحشمة، وأن يجعلنا ممن يتبعون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا واجبر كسرنا واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا البركات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وحط عنا السيئات، وكفر عنا الخطيئات، وأقل لنا العثرات، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا واجعلنا من عبادك الصالحين، وانصر جندك المجاهدين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك.

    اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم استأصل شأفتهم، وفرق كلمتهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك وسخطك ومقتك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار.

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والجرحى والمرضى.

    اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والنسوة الثكالى، والصبية اليتامى.

    اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم عجل فرجهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واحفظ إيمانهم وأعراضهم وديارهم وأموالهم يا رب العالمين.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين.

    اللهم وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك ووفقهم لرضاك، وارزقهم بطانة صالحة تحثهم على الخير وتدلهم عليه، وتنهاهم عن الشر وتحذرهم منه يا سميع الدعاء.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].