إسلام ويب

شرح كتاب لمعة الاعتقاد [6]للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب على المرء المسلم أن يؤمن بكل صفات الله عز وجل التي ثبتت في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة، كما يجب عليه أن يثبتها كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومن ذلك صفة العلو التي ثبتت بالأدلة المتواترة من الكتاب والسنة والفطرة والعقل. ومن صفات الله الثابتة له أيضاً صفة الكلام، فالله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، بحرف وصوت، ومن تأول ذلك أو حرفه فقد خالف منهج السلف الصالح.

    1.   

    شبهات في مسألة العلو والرد عليها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تـأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله ]. هذه العبارة فيها بيان ما سبق أن ذكرنا من منهج السلف رحمهم الله تعالى في هذه القضية، ونحن في الدرس الماضي تحدثنا عن قضية العلو، وذكرنا أن إثبات علو الله سبحانه وتعالى من قضايا العقيدة التي دلت عليها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والفطرة، وأدلة العقول، بل والإجماع؛ فقد أجمع عليها سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.

    الرد على شبهة أن الله في كل مكان

    تقدم أن المخالفين لمنهج السلف في مسألة العلو يقولون بأحد قولين حينما يسئلون عن علو الله سبحانه وتعالى، فبعضهم يقول: الله في كل مكان، وبعضهم يقول: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه! والحقيقة أن هذين القولين باطلان، أما من يقول: إن الله في كل مكان فنقول له: هل تثبت لله سبحانه وتعالى ذاتاً متصفة بالصفة أم لا؟ فإن أثبت لله سبحانه وتعالى ذاتاً موجودة متصفة بالصفات، فنقول: أين الله؟ فإن قال: في كل مكان، فنقول: هذا هو قول الحلولية؛ بل إن النصارى قالوا بالحلول في المسيح فقط، وإن الصوفية المشبهين للنصارى المنحرفين قالوا بالحلول في بعض الأشخاص أو في بعض الأماكن عدا من قال منهم بوحدة الوجود، وأنتم تزعمون أن الله في كل مكان، فهل معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى في السماء وفي الأرض وفي الجبال وفي البحار؟ بل وفيما ينزه الله سبحانه وتعالى عنه من أماكن القذر والوسخ ونحو ذلك؟! أم أنكم لا تثبتون لله ذاتاً، وكأنكم تقولون: إنه لا يوجد إله، وإنما هو شيء مثل الهواء أو مثل الريح لا حقيقة له؟! وإن أثبتم لله ذاتاً، وهذه الذات متصفة بصفاتها، وأن الله تعالى عليم خبير، فعال لما يريد، على كل شيء قدير، يأخذ الكفار أخذ عزيز مقتدر، خلق السماوات والأرض، فهذه الذات هل يقول قائل: إنها في كل مكان؟! لا شك أن هذا القول ينبت منه الحلول الباطل؛ بل الحلول الذي هو أخبث وأقبح من أقوال النصارى وأقوال بعض الصوفية، وحقيقته في النهاية الانتهاء إلى إنكار وجود الله؛ لأن معنى ذلك أنه سبحانه وتعالى ليس له ذات متميزة. وإن قالوا: إن الله سبحانه وتعالى ليست له ذات حقيقة متصفة، كفروا. إذاً: القول بأن الله في كل مكان يقتضي أن الله حال في كل مكان متحد بخلقه، وهذا مما ينزه الله سبحانه وتعالى عنه أتم التنزيه؛ بل نقول: لما خلق الله سبحانه وتعالى الخلق، هل خلقهم داخل ذاته أو خارج ذاته؟ إن قلتم خلقهم داخل ذاته فمؤدى ذلك أن يكون الله سبحانه وتعالى قد حل فيه القاذورات والمخلوقات ونحو ذلك والعياذ بالله! وإن قلتم خلقهم خارج ذاته، فهذا هو الحق، فإن الله سبحانه وتعالى خلقهم خارج ذاته، كما قال السلف رحمهم الله تعالى: إن الله بائن من خلقه، وإذا كان قد خلقهم خارج ذاته فلابد أن يكون عالياً عليهم، وهذه لا محيد عنها، ولا يمكن أن يجيبوا بأي جواب يخرج عن هذا. وبهذا استدل الأئمة رحمهم الله تعالى، وبينوا به بطلان مذاهب الحلول؛ لأن مقتضى الحلول عدم تنزيه الله سبحانه وتعالى، أما مذهب السلف رحمهم الله تعالى فهو أن الله سبحانه وتعالى مستو على العرش بائن من خلقه.

    الرد على شبهة القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه

    أما الجواب الثاني الذي يجيب به بعضهم: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا الجواب يكثر عند من يشتغل منهم بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وهذا الجواب أيضاً لا يعقل؛ لأن القول بأنه لا داخل العالم ولا خارجه مستحيل؛ فالقول بأنه ليس داخل العالم يقتضي أنه خارج العالم، والقول بأنه ليس خارج العالم يقتضي بأنه داخل العالم، وأما القول بأنه لا خارج ولا داخل فهذا غير معقول، فإما أن يكون الله عز وجل خارج العالم أو داخله، ولا يمكن أن يتصور الذهن غير هذا أبداً، فلا يمكن أن يكون الشيء لا داخل هذا الشيء ولا خارجه، بل إما أن يكون داخله وإما أن يكون خارجه؛ ولهذا فإن بطلان هذا القول لا شك فيه؛ لأنه قول يتضمن أمراً مستحيلاً. وبهذا يتبين بطلان دعواهم تلك، وأن ما قاله السلف رحمهم الله تعالى مما هو مستدل عليه بالأدلة الكثيرة هو المنهج الحق.

    الرد على شبهة استلزام إحاطة السماء بالأرض أنه الجهات كلها علو

    وهنا قضية أحب أن أشير إليها في مسألة العلو؛ لأن بعض الناس سألني عنها في أكثر من مناسبة، ولأنه قد يقع في النفس منها شيء، ألا وهي كروية الأرض. فبعضهم يقول: إن الأرض كروية، وسواء كنت هنا أو في أوروبا أو في أمريكا أو في جهة اليابان فإن السماء من فوقك، فمعنى ذلك أنك إلى أي جهة اتجهت فأنت تتجه إلى السماء. فنقول: نعم، بالنسبة للسماء والأرض ليس هناك جهات، وإنما هناك جهتان: (فوق وتحت) وأما بالنسبة لنا ونحن على الأرض فعندنا ست جهات: (أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت). فبالنسبة للسماء والأرض لو أن واحداً علق في السقف وصار رأسه تحت ورجلاه فوق فإنا نقول: السماء فوقه، ولو أن واحداً مضطجع نقول: السماء فوقه، وإذا كان نائماً على الجهة اليسرى أو على الجهة اليمنى نقول أيضاً: السماء فوقه. إذاً: على كل حال ليس هناك إلا فوق أو تحت، والله سبحانه وتعالى هو فوق وليس تحت. قد يقول قائل: إذاً لو خرقنا في الأرض وانتهينا إلى الطرف المقابل فإننا ننتهي إلى جهة. نقول: نعم، لو خرقت وانتهيت إلى الطرف المقابل فإنك ستخرج إلى الجهة المقابلة وتتجه إليها. قد يقول قائل: إذاً معنى ذلك أنني إذا اتجهت إلى أي جهة فإنني اتجه إلى الله سبحانه وتعالى. فنقول له: هنا فرق، فما دام أنه ليس هناك إلا جهة فوق أو تحت فأنت في أي مكان على الأرض إما أن تطلب الله فوق، أو أن تطلبه تحت (وهو الذي يؤدي إلى مركز الأرض)، وليس هناك جهة أخرى، والمعلوم أن الله سبحانه وتعالى فوق السماوات، وأنه سبحانه وتعالى محيط بكل شيء عليم خبير. إذاً: مقتضى هذا أن نؤمن -في أي مكان كنا على الأرض- بأن الله سبحانه وتعالى فوقنا.

    إحاطة السماء بالأرض لا تستلزم أن يكون الله في كل جهة

    وهنا أحب أيضاً أن أشير إلى مسألتين: الأولى منهما: قد يقول قائل: أنا حينما أتجه جهة الأمام فأنا أتجه إلى جهة السماء، ولو اتجهت إلى الأرض مخترقاً الأرض فأنا أيضاً أتجه إلى جهة السماء. فنقول له: أنت حينما تطلب أمراً تأتيه من أقرب الطرق إليه، فالإنسان مفطور على ذلك، فهذا الذي يتجه إلى هذه الجهة يطلب ربه سبحانه وتعالى في السماء مثل ذلك الذي أراد أن يحج من الرياض -مثلاً- فقال: أذهب إلى دمشق ثم أذهب إلى مكة! فنقول له: حينما تذهب إلى دمشق ثم تتجه إلى مكة ستصل إلى مكة، لكن ستوصف بالجنون أو ضعف العقل؛ لأن الذاهب إلى مكة يجب أن يذهب إليها من أقرب الطرق إليها، ولما كان الله سبحانه وتعالى العليم الخبير، وهو سبحانه معبودنا وإلهنا نحبه ونتوجه إليه، فإننا نبحث عن أقرب الطرق إليه، وبحثنا عن أقرب الطرق إليه سبحانه وتعالى إنما يكون بأن نتجه إلى السماء في جهة العلو، فمن طلبه متفلسفاً بطرق معينة فهو شبيه بمن يريد أن يذهب من الرياض إلى مكة عن طريق المغرب أو عن طريق أفغانستان أو غير ذلك. إذاً: ونحن على الأرض نطلب ربنا في السماء، ولا يأتي إنسان ويطلب ربه في جهة أخرى زاعماً أنه يمكن أن يصل إلى هذا الأمر بطريقة معينة، وإنما يطلبه من أقرب الطرق إليه.

    إحاطة السماء بالأرض لا تقتضي إحاطة الله بمخلوقاته

    الثانية: أن القول بأن السماء محيطة بالأرض لا يقتضي أن يكون الله بذاته محيطاً بمخلوقاته كما ادعى أهل الضلال الذين يكيفون ذات الله سبحانه وتعالى. وإنما نقول: إن هذه الأرض ما هي إلا ذرة صغيرة في الكون تحيط بها ملايين المجرات، وتحيط بها السماوات وفوق السماوات عرش الرحمن سبحانه وتعالى، والله فوق العرش وهو أعظم منها، ولايقدر قدره إلا الله سبحانه وتعالى، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه يقبض السماوات بيمينه، قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، فإذا كانت هذه السماوات وهذه المجرات وما يتبعها مطويات بيمينه، فلا يتصور أحد أن الأرض تحيط بها السماء من كل جانب، وأن الله سبحانه وتعالى له ذات، وهذه الذات بشكل كيت وكيت وهي تحيط بالمخلوقات. وإنما الواجب أن يعلم المرء أن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى، وهذه الأرض وما حولها كلها حقيرة بالنسبة له سبحانه وتعالى. ومن ثمَّ فلا يلزم ذلك اللازم الباطل، ولهذا شبه بعض علماء السلف رحمهم الله تعالى تشبيهاً في هذه المسألة يوضحها فقال: لو أن نسراً طار في السماء، وأمسك برجله شعيرة، فهذه الحبة بالنسبة للنسر تحته، فهل يقتضي هذا أن يكون هذا النسر على هذا النحو محيطاً بالحبة؟ لا يلزم، ولله المثل الأعلى. وقد أخبرنا الله أن السماوات والأرضين كلها مقبوضة بيد الرحمن تبارك وتعالى، وعلى هذا فهي لا تساوي شيئاً، كما ورد في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم). إذاً: الفهم الخاطئ في هذا الأمر نشأ من قصور العقل، ونشأ من التشبيه؛ حيث ظن الإنسان أن الله مثلما نقول: فلك أو جبل أو نحو ذلك، ثم قاس الله سبحانه وتعالى بها، فإذا كانت السماوات بملايين المجرات في يد الرحمن كخردلة في يد أحدهم، فكيف يتصور أحد ذلك التصور الساذج؟! بل نقول: سبحانك يا إلهنا ما أعظمك! وما عبدناك حق عبادتك، ونؤمن بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته، ولا يخطر ببالنا أي شيء من هذا الأمر. فالإيمان الصحيح بالله وأسمائه وصفاته وعظمته يجعل الإنسان يعبد رباً عظيماً رحيماً قديراً خبيراً أحاط بكل شيء علماً، يعبد رباً على العرش استوى استواءً يليق بجلالته وعظمته، يعبد رباً لا تساوي هذه المخلوقات بالنسبة له شيئاً، وإذا آمن بذلك أيقن يقيناً تاماً أنه لا يمكن أن يكون الله إلا في جهة العلو، وأن أي اعتقاد عدا ذلك من حلول كامل أو حلول محدد بشخص أو مكان، أو القول بإن الله لا داخل العالم ولا خارجه أو نحو ذلك، ما هو إلا دوران حول أنواع من الشرك بالله، نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    شرح أثر مالك بن أنس: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول...)

    ثم قال المصنف رحمه الله تعالى أيضاً: [ سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، فقيل: يا أبا عبد الله : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج ]. الإمام مالك ولد سنة (93 هـ)، وتوفي سنة (179 هـ)، والإمام مالك رحمه الله تعالى عاصر بعض البدع التي وجدت في عهده، فدخل عليه في أحد الأيام رجل وهو في المسجد في الحلقة، فقال: يا أبا عبد الله !: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ إذاً: عندنا أمران: الأمر الأول: أن السائل يعلم بأنه ورد في القرآن إثبات الاستواء، وأنه دل عليه قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]. الثاني: أن السؤال إنما هو على الكيفية؛ لأنه قال: كيف استوى؟ ونحن نقول هذا الكلام لأن جواب الإمام مالك فسره المخالفون لأهل السنة والجماعة تفسيراً خاطئاً، فالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) وفي بعض الروايات أنه قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول)، وهنا قال: (والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). فالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) يعني أن معنى الاستواء كما نفقهه، ونحن خوطبنا باللغة العربية، فهذا الاستواء معلوم لنا غير مجهول، لكن ما هو الشيء الذي نجهله ولا نعقله؟ الجواب: هو الكيف، لأننا لا نعلم كيف الله فكذلك لا نعلم كيف صفاته سبحانه وتعالى. وبعض الذين ينكرون استواء الله ويتأولونه بالاستيلاء يجيبون عن هذا ويقولون: إن قول الإمام مالك : (الاستواء معلوم) يعني أنه مذكور في القرآن، فنقول لهم: لو كان قصد الإمام مالك أن الاستواء مذكور في القرآن لاكتفى بكلام السائل؛ لأن السائل أولاً قال: يا أبا عبد الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ ولكان قوله: (الاستواء معلوم) كلاماً لا قيمة له، ولكن السائل سيقول: أنا ما سألتك إلا وأنا أعلم أن الاستواء مذكور في القرآن، لكن أراد الإمام مالك إثبات وبيان قضية منهج السلف رحمهم الله تعالى، ألا وهي أن الاستواء معلوم، أي: نحن نعلم معنى الاستواء بما خوطبنا به في اللغة العربية؛ فإنه بمعنى: علا، وارتفع، واستقر، وصعد، هذه هي الألفاظ الواردة عن السلف رحمهم الله تعالى، وعلى هذا فإن الاستواء معلوم، وأما كونه مذكوراً في القرآن فهذا أمر بدهي، ولا يمكن أن يغفل عنه الإمام مالك ، والسائل نفسه ذكر أن سؤاله إنما هو عن الكيفية، والكيفية غير معقولة. وهذا هو منهج السلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى إثباتاً حقيقياً، ويثبتون ما دلت عليه من معانٍ، ويقولون: إن الكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: (والإيمان به واجب)، أي: أن إثبات الاستواء على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واجب، ولا يجوز تأويله. وقوله: (والسؤال عنه بدعة)، أي أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، وليس المقصود به السؤال عن إثبات الاستواء؛ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث قال فيه: (إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، فهل معنى ذلك ألا نتكلم عن الإيمان بالقدر، ولا نتكلم عن فضل الصحابة؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر القدر وخاض فيه الخائضون بالباطل فلا نتكلم، وإنما نكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، لكن إثبات الإيمان بالقدر أصل من الأصول؛ بل هو ركن من أركان الإيمان، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (...وتؤمن بالقدر خيره وشره). إذاً: قوله هنا: (أمسكوا) أي: عن الخوض فيه بالباطل، وهكذا ذكر الصحابة، هل معنى ذلك أننا لا نذكر الصحابة بشيء أبداً؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر الصحابة وتكلم فيما وقع بينهم كما هو ديدن كثير من أهل البدع، فيجب علينا أن نمسك، وألا نخوض في ذلك، وأن نكل ما جرى بينهم إلى الله سبحانه وتعالى، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقوله: (ثم أمر بالرجل فأخرج)، أي: أن الإمام مالكاً أمر بهذا الرجل فأخرج تأديباً له وتعليماً لأصحابه؛ لأن أهل البدع يجب ألا يمكنوا من نشر بدعهم، وهذا هو منهج السلف الصالح، فبعض الناس يظن أن فتح الحوار يدل على منهج علمي واقعي، وأنه ينبغي أن يفتح الإنسان الحوار لكل من هب ودب، فمن كان من هؤلاء من أهل البدع فإنه حينما يكون هناك قدرة للمتمسكين بمنهج أهل السنة والجماعة فيجب عليهم ألا يتهاونوا، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه ما ترك صبيغ بن عسل يتكلم بالمتشابهات، وإنما أتى له بعراجين النخل وضربه حتى قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب عني الذي أجد. لكن إذا وجدت البدعة وابتلي بها المسلمون، ولم يكن للمسلمين من أهل السنة والجماعة قدرة على منع الخوض فيها، فحينئذ تشرع مناقشتهم لا أن نفتح نحن الحوار ونقول: تعالوا لنشر بدعكم؛ وذلك لأن البدعة قد يصوغها صاحبها ولا يستطيع الجواب عنها، فتثير في النفس شكاً وريبة، فكيف إذا كان هذا يقع عند المتعلمين؟ فكيف بالعوام؟ وكيف بالنساء؟ وكيف بغيرهم؟ فمثلاً: لو أن إحدى البدع تقام في التلفزيون، ويشاهدها الأطفال والنساء وغيرهم، ونقول لصاحبها: نفتح معك الحوار، وهذا يصلح وهذا يرد، فهذا لا شك أنه سيؤدي إلى بلاء قذر. فمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هو بيان الحق وبيان العقيدة بأدلتها؛ حتى تؤمن النفس ويصفو إيمانها، ولا يخوضون في ذلك إلا عند الضرورات وعند الحاجة، وحينما يكون هناك خطر لا يمكن رده إلا بالنقض والبسط، كما فعل أئمة السلف رحمهم الله تعالى في القرن الثالث والرابع وما بعدهما.

    1.   

    الكلام على صفة الكلام

    إثبات صفة الكلام لله عز وجل

    ثم قال رحمه الله تعالى: [ومن صفات الله تعالى: أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه]. وهنا بدأ المصنف يتكلم عن إثبات صفة الكلام لله، وقد ذكر قبل ذلك بعض الصفات، وأعقبها بصفة العلو والاستواء، ثم ذكر كلام الله سبحانه وتعالى. فمن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، ولفظة (قديم) يرى بعض العلماء أنه لم يرد وصف الله سبحانه وتعالى بالقدم؛ لأن القديم في اللغة العربية هو المتقدم على غيره، والله سبحانه وتعالى ليس له غير حتى يقال: إنه متقدم عليه، ومن ثمَّ قالوا: إن الأولى وصفه تعالى بالأزلي، والأصح منه أيضاً الاسم الشرعي (الأول الذي ليس قبله شيء) لكن ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود أنه قال: (من قال حين يدخل المسجد: أعوذ بالله العظيم وسلطانه القديم...)، وهذا يدل على أن القديم قد يستعمل أحياناً مرادفاً للأزلي. وقوله: (إنه متكلم بكلام قديم)، أي: أزلي، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله سبحانه وتعالى صفة الكلام على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لكنهم يقولون: إن كلامه تبارك وتعالى قديم النوع حادث الآحاد؛ لأن الكلام من صفات الأفعال، أي أنه تبارك وتعالى يتكلم إذا شاء متى شاء، وهو سبحانه وتعالى يتصف بصفة الكلام أزلاً، وهو سبحانه وتعالى يتكلم بإرادته ومشيئته؛ ولهذا قال العلماء: هو قديم النوع حادث الآحاد، فقولهم: (قديم النوع) أي أن الله متصف بهذه الصفة في الأزل، وقولهم: (حادث الآحاد) أي أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء.

    بيان مذهب المعتزلة والأشاعرة في الكلام

    وهذه الصفة أثبتها السلف رحمهم الله تعالى، وأثبتها الأشاعرة؛ لأنهم يثبتون سبع صفات ومنها صفة الكلام، لكن إثبات السلف رحمهم الله تعالى لها هو إثبات حقيقي، أما إثبات أولئك لها فهو مخالف لما دلت عليه النصوص. وحتى نبين مذهب السلف في كلام الله فإننا نذكر قول المعتزلة وقول الأشاعرة؛ لأن هذه القضية هي التي بني عليها القول بخلق القرآن، فعند المعتزلة أن كلام الله تعالى هو شيء منفصل عنه، فهو مخلوق، فهم يقولون: إن الله لا تقوم به صفة الكلام، ولهذا قالوا: إن هذا الكلام وهذا القرآن من جنس مخلوقاته؛ فكما أنه خلق السماوات والسماوات منفصلة عنه، كذلك أيضاً تكلم بالقرآن والقرآن مخلوق منفصل عنه، ومن ثمَّ قالوا: القرآن مخلوق؛ لأنهم لا يثبتون لله صفة الكلام التي تقوم به تبارك وتعالى؛ هذا مذهب المعتزلة. والأشاعرة في مقابل ذلك قالوا: نثبت لله صفة الكلام، لكن الكلام هو الكلام النفسي القائم بذاته، ولا ينفصل عنه. إذاً: هما قولان متضادان، فالمعترلة يقولون: لا تقوم به صفة الكلام، وكلامه من جنس مخلوقاته، فهو مخلوق منفصل عنه، والأشاعرة يقولون: الله تقوم به صفة الكلام، وكلامه لا ينفصل عنه، أي أن الله سبحانه وتعالى يتصف بصفة الكلام أزلاً، وأن كلامه قائم بذاته، وأن الكلام هو ما قام بالنفس فقط، ومن ثمَّ قالوا: إنه بغير حرف وبغير صوت، وعلى هذا فالكلام عندهم هو الكلام الذي في داخل النفس، كما يقال: خواطر النفس، لكن ليس هناك كلام بحرف وصوت مسموع، فجعلوا هذا الوصف لله سبحانه وتعالى.

    الرد على الأشاعرة في كلام الله

    لو قيل للأشعرية: إذا قلتم إن الكلام يقوم بالله لا ينفصل عنه، فهذا المصحف ماذا تقولون عنه؟ قالوا: هذا المصحف ليس كلام الله! وإنما هو عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، أي أنه نوع من الإلهام عبر عنه جبريل بهذا المصحف، بل بعضهم قال: عبر عنه محمد! ونحن نطعن في المستشرقين وغيرهم من المبشرين الذين يقولون: إن القرآن من محمد، بينما بعض هؤلاء المتكلمين من الأشاعرة يقول: القرآن كلام محمد عبر به عن كلام الله. قيل لهم: هل هناك فرق بينكم وبين المعتزلة، فالمعتزلة يقولون هو مخلوق، وأنتم أيضاً تقولون إنه من كلام محمد؟ قالوا: نعم، القرآن العربي في جانب منه مخلوق، وهو كونه بهذه اللغة العربية، أو بالنسبة للتوراة باللغة العبرانية، أو الإنجيل باللغة السريانية، فهذه كلها مخلوقة لأنها ليست هي كلام الله، وإنما كلام الله هو القائم بذاته الذي لا ينفصل عنه، فقيل لهم: إذاً: ليس بينكم وبين المعتزلة فرق. وأهل السنة والجماعة -وهم الوسط- وفقهم الله سبحانه وتعالى لسيرهم على المنهاج الحق بأن قالوا القول الحق في هذه المسألة؛ فقالوا: القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به، والله سبحانه وتعالى يتكلم إذا شاء متى شاء، ومن كلامه القرآن، فيثبتون الكلام القائم بذاته، ويثبتون لله ما ورد الدليل على أنه كلام الله مثل القرآن؛ ولهذا فإن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله متصف بصفة الكلام أزلاً، وإنه تبارك وتعالى كلم موسى في ذلك الوقت الذي وجد فيه موسى لما كان بجانب الطور. والأشاعرة قيل لهم: ماذا تقولون في كلام الله لموسى؟ قالوا: كلمه بكلامه الأزلي القائم بذاته، قيل لهم: فلماذا موسى؟ قالوا: سمع كلام الله الأزلي القائم بذاته! وهذا الذي قالوه لا يعقل أبداً، وهم إنما قالوا هذا لأنهم لا يثبتون أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، وعندهم أن كلام الله سبحانه وتعالى لا ينفصل عنه أبداً، وإنما هو الكلام الأزلي. ومن قول أهل السنة أن الله يتكلم، وكلامه سبحانه وتعالى تسمعه الملائكة ويبلغونه، ويكتب أحياناً في الصحف، ويكتب في اللوح المحفوظ، وهذا القرآن هو كلام الله، وهو مكتوب في المصاحف؛ ولهذا فإن الكلام إنما هو لمن تكلم به مبتدئاً، فالقارئ للقرآن يتلو القرآن بصوت، لكن المقروء كلام الله تعالى، ولو جاء واحد -مثلاً- وقرأ علينا معلقة امرئ القيس ، فهل نقول: هذا هو الذي قال معلقة امرئ القيس أو نقول: المعلقة للشاعر امرئ القيس ، وهذا نقلها إلينا أو قرأها علينا أو نحو ذلك؟ فالكلام هو لمن قاله مبتدئاً، والله سبحانه وتعالى تكلم بالقرآن، وهذا القرآن نقله جبريل وتلقاه محمد صلى الله عليه وسلم، وتلقاه الصحابة وكتبوه، فهو كلام الله سبحانه وتعالى. إذاً: القضية هنا هي إثبات صفة الكلام لله، وأن الله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام أزلاً، وأنه يتكلم إذا شاء متى شاء، فكلم آدم في وقت خلق آدم، وكلم موسى في وقت وجوده، وكلم محمداً في وقت وجود محمد ليلة المعراج، ويكلم أهل الجنة يوم القيامة حينما يدخلون الجنة، فالآن لو فرضنا أن ثلاثة أشخاص: الأول منهم أخرس لا يتكلم، والثاني: يهذي ليلاً ونهاراً لا يكل، والثالث: عنده قدرة على الكلام لكن يتكلم إذا شاء متى شاء، فأي الثلاثة أكمل؟ فالأول الأخرس وقد نتفق على أنه متصف بصفة نقص؛ لأنه لا يتكلم، لكن إذا جاءنا واحد وقال: هذا المهذار الذي يتكلم ليلا نهاراً أحسن من ذلك الذي يتكلم مرة ويسكت، فنقول: لا، فإنه لا شك أن الأكمل هو الذي يتكلم إذا شاء، هذا بالنسبة للمخلوق، ولله المثل الأعلى. وقد دلت النصوص المتكاثرة على أن الله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام، وأنه يتكلم إذا شاء متى شاء، وأن من كماله تبارك وتعالى أنه كلم موسى في هذا الوقت الذي كان فيه موسى بجانب الطور، كلاماً سمعه موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أما القول بأنه لا يتكلم فهذه صفة نقص، والقول بأنه لا يتكلم بمشيئته وإرادته هذه أيضاً صفة نقص، والله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص، ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم النوع حادث الآحاد، يسمعه منه من شاء من خلقه، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى كلم عباده فيسمعهم كلامه.

    بيان أن كلام الله يسمع

    ثم مثل المصنف رحمه الله بقوله: [ سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة ]. وهذا دل عليه نص القرآن العظيم، في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] وجاءت الآية بصفة التأكيد، وبعض أهل البدع أراد أن يجد قارئاً يقرأ بنصب لفظ الجلالة، أي: (وكلم اللهَ موسى)؛ حتى يثبت أن موسى هو فاعل الكلام، يريد بهذا أن ينفي عن الله صفة الكلام، فقال له إمام من أئمة القراء من أهل السنة: هب أننا قرأنا بنصب لفظ الجلالة، فلماذا سنصنع بقوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]؟ فبهت المبتدع، لأنه ليس هناك خيار إلا أن يحذف الآية، أو يقول: فيها تقديم وتأخير، أما أن يأتي بضمة بدل فتحة أو نحو ذلك ويحل بها المشكلة، فهذه الآية لا تحتمل ذلك. ثم قال: [ وسمعه جبريل عليه السلام، ومن أذن لهم من ملائكته ورسله ]. وهذا أيضاً ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم)، فهذا يدل على أن جبريل والملائكة يسمعون كلام الله سبحانه وتعالى. إذاً: هو تبارك وتعالى يتكلم بكلام مسموع، وأيضاً رسل الله سمعوا كلامه، كما في قصة موسى، وكما في قصة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله كلمه كفاحاً ليلة المعراج، كما في الصحيحين وغيرهما.

    إثبات تكليم الله للمؤمنين في الآخرة

    ثم قال: [ وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه ]. وهذا أيضاً ورد فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها: (يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك..) إلى آخر الحديث، فهذا نص على أن الله يخاطب أهل الجنة، ويكلمهم ويكلمونه، وهذه أحاديث صحيحة صريحة دالة دلالة قاطعة على ما ذكرناه. ثم قال: [ ويأذن لهم فيزورونه ]. ورد في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم، ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم)، رواه الترمذي وابن ماجة ، لكنه حديث ضعيف، إنما الثابت: أن إن الله يكلم أهل الجنة ويكلمونه، وهذا ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أدلة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من القرآن

    ثم ذكر المصنف الأدلة على ذلك فقال: [ قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] ]. وقوله: (تكليماً) مصدر مؤكد أن هذا التكليم حقيقي. ثم قال: [ وقال سبحانه: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144] ]. هذا يدل على أن الله كلمه بكلام مفهوم سمعه: أني اصطفيتك واخترتك على الناس برسالاتي وبكلامي. وهذا يدل على أمرين: الأمر الأول: أن الله كلمه بذلك وقال له: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ [الأعراف:144]. الأمر الثاني: أن الله اصطفاه برسالته، واصطفاه بكلامه، ولهذا سمي موسى كليم الله سبحانه وتعالى. وقد ذكرنا أن العلم عند الله سبحانه وتعالى في سبب تسمية موسى كليم الله، مع أن الله كلم محمداً، وكلم آدم، لكن الله كلم موسى على الأرض، وهو على طبيعته البشرية، بخلاف تكليم الله لآدم فإنه كان وهو في السماء، وتكليم الله لمحمد كان عند أن عرج بروحه وجسده إلى السماء، أما تكليمه لموسى فكان وهو على الأرض، ولعل هذه خصوصية لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. ثم قال: [ وقال سبحانه: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253] ]. يعني: الرسل، فهذه الآية هي عن رسل الله سبحانه وتعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253]، وهذا واضح. ثم قال: [ وقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51] ]. قوله: (إِلَّا وَحْيًا) المقصود به في هذه الآية كلام الله مباشرة؛ لأنه قال: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى:51]، ثم قال بعد ذلك أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى:51]، فهذه التقسيمات الثلاثة تدل على أن قوله: (( إِلَّا وَحْيًا )) هو تكليم الله سبحانه وتعالى لعبده مباشرة. ثم قال: [ وقال سبحانه: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه:11-12] ]. قوله: (( فَلَمَّا أَتَاهَا ))، أي النار (نُودِيَ)، والنداء لا يمكن أن يكون إلا بصوت، والذي ناداه وكلمه هو الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية نص صريح في إثبات كلام الله لموسى، وأن كلامه له بصوت سمعه موسى. ثم قال: [ وقال سبحانه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله ]. أي: من تكليم الله لموسى أنه قال: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:12]، وأيضاً من تكليم الله له أنه قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14]. وبعض الذين تأولوا صفة الكلام لله يقول: إن الذي كلم موسى ملك، أو إن الشجرة هي التي سمع منها الكلام، وهذا التأويل باطل، ودليل بطلانه أنه لا يمكن أن تقول الشجرة: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14]، أو يقول الملك: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14]، ولو كان كلام الملك أو الشجر لقال: إنه هو الله فاعبده، أو إن ربك الله فاعبده، لكن أن يقول: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] فهذا نص صريح على أن هذا كلام الله جل وعلا، وقد ذكر هذا الدليل ابن قدامة نفسه في قوله: (وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله). ونكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يهب لنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    سبب وقوع الأشاعرة في الخطأ في صفة الكلام لله عز وجل

    السؤال: ما هي العلة التي بسببها أنكر الأشاعرة والمعتزلة صفة الكلام لله سبحانه وتعالى؟ وهل كان إنكارهم بدليل معين، أم يرون دليلاً عقلياً، كقولهم: إن صفة الكلام نقص فلا يجب أن نصف الله تعالى بها؟ الجواب: الأشاعرة لا ينفون صفة الكلام، بل يثبتون لله صفة الكلام، وإنما وقعوا في الخطأ من جهة فهمهم للكلام حين خصصوه بالكلام النفسي، أما المعتزلة فهم الذين نفوا صفة الكلام عن الله سبحانه وتعالى، ونفيهم لهذه الصفات -ومنها صفة الكلام- إنما كان بسبب شبه عقلية، وإلا فالنقل يرد عليهم من أوله إلى آخره، ومن شبههم العقلية: الخوف من تشبيه الله بخلقه، والخوف من تعدد القدماء؛ لأنه إذا قيل إن الله متصف بصفة الكلام وغيرها من الصفات ظنوا أنه يستلزم التشبيه.

    فساد القول بأن الله عز وجل لا داخل العالم ولا خارجه

    السؤال: قد يقول قائل: إذا لم يكن الله خارج العالم ولا داخله، فإن ذلك يقتضي أن الله بينهما، فكيف نرد عليه؟ الجواب: هذا الكلام غير صحيح؛ فقولهم لا داخل العالم ولا خارجه مستحيل؛ بل إما أن يكون خارج العالم، وإما أن يكون داخل العالم، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سبحانه وتعالى متصف بصفة العلو، فهو تبارك وتعالى وتقدس بائن من خلقه.

    لا يسمى الله عز وجل بالدهر

    السؤال: هل من أسماء الله تعالى الدهر؛ لأنه ورد في الحديث: (لا تسبوا الدهر؛ فإني أنا الدهر)؟ الجواب: الدهر ليس من أسماء الله تعالى على القول الصحيح؛ لأن الدهر هو الزمان، والدليل على ذلك ما ورد في نفس الحديث؛ فإنه قال: (فإني أنا الدهر؛ بيدي الليل والنهار، أقلبهما كما أشاء)، ولو أن القول بأن الله هو الدهر صحيح لكانت نسبة الأمور التي تقع إلى الدهر صحيحة. لكن لماذا قال: (يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر)؟ الدهر ليس اسماً من أسماء الله سبحانه وتعالى، وإنما يسب الإنسان الزمان فينتقل السب إلى خالق الزمان وموجد الزمان، وهو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه تبارك وتعالى هو الذي بيده كل شيء.

    الخلاف حول مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج

    السؤال: هل نقول إن الله تعالى لما كلم محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن محمداً رأى الله سبحانه وتعالى؟ الجواب: لا؛ لأن مسألة الرؤية غير مسألة الكلام، فأهل السنة يثبتون الكلام، ويثبتون أن محمداً صلى الله عليه وسلم كلمه ربه بلا واسطة، لكن مسألة الرؤية هذه فيها خلاف، والقول الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بأم عينيه، وإنما رآه بفؤاده؛ ولهذا لما سئل: هل رأيت ربك -كما في الحديث الصحيح- قال: (نور أنى أراه)، وفي رواية قال: (رأيت نوراً)، فهذا دليل على أنه لم ير الله، وإنما رأى حجابه النور، وهذا هو القول الصحيح.

    أقسام الوحي

    السؤال: بما أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، وأنه وحي من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكيف كان يأتي بواسطة جبريل عليه السلام؛ إذ إن مقتضى الوحي أن يكون من الله سبحانه لرسوله مباشرة؟ الجواب: بل مقتضى الوحي هو كما أخبر الله بقوله: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى:51]، فالوحي ينقسم إلى هذه الأقسام: إما أن يكلمه الله مباشرة، أو يكون من وراء حجاب، أو يرسل الرسول، وكل ذلك يسمى وحياً؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى يوحي أحياناً لعباده مباشرة كما كلم موسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يكون عن طريق الملك جبريل عليه الصلاة والسلام، ولا يقتضي هذا أن يقال: إنه ليس بوحي، بل هو وحي.

    الجواب عمن يستشكل صفة النزول بانتقال الليل على مدار الزمان

    السؤال: يقال إن ثلث الليل يكون مستمراً على الكرة الأرضية، فكيف نجيب عن نزول الله عز وجل؟ وهل يكون الله نازلاً في جميع الأوقات؟ الجواب: سبق أن أجبنا عن هذا، وقلنا إن الله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه، فنحن نقطع بأن الله سبحانه وتعالى ينزل على أهل كل بلد وأهل كل مكان حين يبقى ثلث الليل الآخر، حتى ولو كان هناك آخرون بعد ساعة لهم ثلث الليل؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه، وليس نزوله كنزول المخلوقين، وكما ضربنا مثلاً: لو قال قائل: كيف يسمع الله دعاء الناس له يوم عرفة، وقد اجتمع أكثر من مليون شخص على مختلف اللغات؟ فالإنسان لا يستطيع أن يسمع أكثر من واحد، لكن كيف يستمع الله عز وجل إلى مليون؟ بالنسبة لنا نحن البشر لا نستطيع أن ندرك ذلك، لكن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يسمعهم جميعاً، كما أنه يوم القيامة يجتمع آلاف الملايين، وليس مليوناً، ومع ذلك يحدثهم الله جميعاً في ساعة، كل واحد منهم يكلمه ربه ويحاسبه وحده، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، فكيف يتم هذا؟! قد يقول العقل: لا يتم هذا، لكن الله تبارك وتعالى هو العظيم، ولا يقدر قدره ولا قدر صفاته إلا هو سبحانه وتعالى، وكل الخطأ ناشئ من قياس الله سبحانه وتعالى بخلقه، والله تبارك وتعالى لا يقاس بخلقه، هذا هو الصحيح.

    المتكلمون لا يمسكون عن تحديد المكان لله تعالى

    السؤال: أليس قول القائلين: لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي أنهم يمسكون عن الخوض في ذلك؟ الجواب: هم ما قالوا: نمسك، وإنما قالوا: نقطع بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فنقول لهم: هذا كلام غير صحيح وفضول لم يرد به الشرع.

    منهج السلف في رد الشبهات

    السؤال: كيف يكون ذكر الشبه والرد عليها؟ وهل لها ضابط؟ وماذا تعرف عن كتاب (شبهات حول الإسلام) لـمحمد قطب ؟ الجواب: منهج السلف رحمهم الله تعالى عدم ذكر الشبهات؛ لأن الشبهة أحياناً تستقر في الذهن، ولا يستقر في الذهن الجواب عليها. وأما كتاب (شبهات حول الإسلام) لـمحمد قطب فـمحمد قطب في كتابه (شبهات حول الإسلام) يرى أنه كان هناك شبه في أيام الاستعمار، فكتب هذا للدفاع عن الإسلام، أما الآن فإن الإسلام ليس بحاجة إلى الدفاع عنه، وهذا في الحقيقة يجب أن يكون منهج المسلمين في كل وقت، فلا يستهينون بدينهم، وإيمانهم، وعقيدتهم، بل الواجب عليهم أن يعتزوا بها. ومن ثمَّ فإن هذا المنهج غير صحيح، لكن إذا صارت القضية منتشرة فترك الشبهة حتى تستقر في النفوس، ثم تختلج ويبحث عن الجواب عنها لا يكون مناسباً، فمثلاً: في مسألة العلو قد ذكرنا شبهتين من شبه أولئك، وما قلناها إلا لأن كثيرين سأل عنها، ولأنني ما طرحت هذه القضية في محاضرة أو درس إلا وجاءني أربعة أو خمسة يسألون عن هذه القضية؛ لأنهم سبق أن نوقشوا فيها، فنحن ذكرناها لذلك، ولم نكن نقصد أن نذكر الشبهة وندافع عنها، وإلا فلو أننا استقصينا شبههم، لعدت بالمئات ولا أقول: بالعشرات، ولأفنينا أعمارنا في ذكرها والجواب عنها، لكن ذكرنا أبرز القضايا التي تعلق في الذهن، خاصة في العصور المتأخرة لما علمت كروية الأرض، وصارت معلومة لدى الجميع، فصارت مثل هذه الشبهة تأتي عند بعض الناس، ويتكلم عنها، فنحن نجيب عنها كما أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه التي تحدث فيها عن هذه القضية؛ لأنها كانت موجودة في زمنه، وأثارها المخالفون من أهل الكلام ومن غيرهم، وإلا فإن منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واضح كل الوضوح. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.