إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحمن صالح المحمود
  4. نماذج من أحوال السلف مع القرآن [1]

نماذج من أحوال السلف مع القرآن [1]للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحياة الحقيقية هي الحياة مع القرآن، والعيش الهنيء هو العيش في ظلاله، فإن ذلك يورث المجد والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة، وخير مثال لذلك تلك الحياة التي عاشها ذلك الجيل الرباني العظيم في تلك القرون المفضلة، وسيقف القارئ الكريم على متفرقات من وصاياهم وأحوالهم مع القرآن الكريم؛ ليرى تلك الحياة السعيدة الطيبة التي عاشوها مع القرآن يوم أن أعطوه حقه من التلاوة والعمل.

    1.   

    الصحابة الكرام وعيشهم مع القرآن الكريم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فاعلم أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأخ المسلم! هذا هو الدرس الرابع من دروس (كيف نحيا بالقرآن الكريم)، فأقول: كيف كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يحيون بالقرآن العظيم؟ فانظر إلى نماذج من مواقف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسولهم الكريم حول هذا القرآن والثقة بالقرآن. لقد كانت ثقتهم بوعد الله تعالى في القرآن وأخذهم ما جاء فيه على أنه حقائق مسلمة ينتظرون حصولها ووقوعها حسبما وعد الله لهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لقد كانت هذه الثقة كاملة ومطلقة، وكانوا يتعاملون معها في واقعهم وفي أحوالهم وفي تلقيهم للأحداث التي يمرون بها. كان المسلمون في مكة قبل الهجرة مستضعفين، وكان من حرب المشركين للمسلمين أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين، ومما جادلوهم به في مكة أنهم قالوا لهم في يوم من الأيام: إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب، وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل إليكم! هكذا احتج المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بحدث واقع في زمنهم، ألا وهو انتصار الفرس الوثنين على الروم النصارى الذين كانوا ينتسبون إلى الكتاب، فاهتدى لها المشركون وأتوا إلى المسلمين ليثيروا فيهم الشكوك ويقولوا لهم: نحن وثنيون، وأنتم تزعمون أنكم أهل كتاب أنزله الله على محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، وانظروا إلى حقائق التاريخ، فهؤلاء الفرس المجوس الوثنيون قد انتصروا على النصارى وهم أهل كتاب! فأنزل الله تبارك وتعالى قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:1-7]. وتلقى الصحابة رضي الله عنهم هذه الآيات على أنها وعد صادق لا شك فيه أبدا، مع ما كانوا فيه في مكة من ضعف وتشريد وتضليل، ومع هذا فإنها متضمنة للإخبار بالنصر وبأنه كائن في وقت معين. ومع أن هذين الأمرين -أعني النصر وتوقيته- كل منهما خارج عن متناول الظنون، وذلك أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف حداً يكفي من تلاحقه أنها غزيت في عقر دارها وهزمت في بلادها، كما قال تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ [الروم:2-3]. فلم يكن أحد يظن أنها تقوم لها بعد ذلك قائمة فضلاً عن أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر وهو أقل من عشر سنين؛ لأن البضع ما بين الثلاث إلى التسع، ولذلك كذب به المشركون وراهنوا على تكذيبه بعد نزول هذه الآيات. ومع هذا فإن الله تعالى عزز هذا بوعد آخر يتعلق بالمسلمين أنفسهم فقال تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم:4-5]، وهذا إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه هاهنا نصر للمسلمين على المشركين، وإذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعداً عند الناس في ذلك الوقت أشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم واحد؟! وقد أكد الله تعالى ذلك أعظم التأكيد في قوله: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:6]. ولقد بلغ من يقين الصحابة في هذا الوعد أن أبا بكر الصديق -كما روى الترمذي عنه في سننه- لما نزلت هذه الآيات خرج يصيح في نواحي مكة ويتلوها الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4]، فقال ناس من قريش لـأبي بكر : فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وتراهنوا. ولقد صدق الله وعده، حيث تمت للروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤرخين في أقل من تسع سنين، وليس كذلك فقط، بل كان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى، كما روى ذلك الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه. نصر من الله سبحانه وتعالى في يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، مواكب لنصر وقع للروم على الفرس، وكل هذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم ونصرة الله له. ولكن كيف عاش الصحابة مع هذا الوعد من الله تعالى وهم مستضعفون؟ إنه النضج لعيش الصحابة مع القرآن واليقين بالقرآن، فلم يتلوا هذه الآيات وهم مستضعفون مشردون في مكة تلاوة شك وتردد كما يفعله أحياناً بعض ضعفاء الإيمان، يتلو القرآن ويعلم أنه كلام الله تعالى وهو حق لا شك فيه أبداً، ولكنه يتلوه وكأنه شاك بوعد الله تعالى. هكذا كان الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم يعيشون مع القرآن، وهكذا يجب أن يعيش المسلمون مع حقائق القرآن إذا أرادوا أن يحيوا في القرآن حياة حقيقة.

    1.   

    الوعد القرآني للصحابة بدخول مكة آمنين وأين حل منهم

    وهناك نموذج آخر، ففي عام الحديبية منع المسلمون من دخول مكة، وكان الاتفاق وعقد الصلح، وكان من بنوده أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم -وقد ساق الهدي- إلى بلده من عامه ذلك، وأن يعتمر هو وأصحابه في العام المقبل، واشترط المشركون شرطاً على المسلمين، هو أن يدخلوا مكة عزلاً من كل سلاح إلا السيوف في القرب، أي: في أغمادها. فكيف يثق المسلمون بوفاء المشركين بعقدهم وقد بلوا منهم نقض العهود، وقطع الأرحام، وانتهاك شعائر الله، والصد عن سبيل الله، والصد عن المسجد الحرام؟ فهل سيصدقون في تمكينهم من الدخول إلى مكة لعمرة القضاء؟ ولو صدقوا في تمكينهم من الدخول فكيف يأمن المسلمون جانبهم إذا دخلوا ديارهم مجردين من دروعهم وقوتهم؟ ألا يمكن أن تكون هذه مكيدة يراد منها استدراجهم إلى الفخ، وعلامة هذه المكيدة اشتراط تجردهم من السلاح إلا السيوف في القرب وهو سلاح لا يصد الرمي بالسهام والنبال؟ أيها الأخ المسلم! إن المسلمين لم يخافوا من ذلك كله؛ لأن وعد الله الصادق قد جاء قبل ذلك بقول الله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ [الفتح:27]. فكان وعداً بثلاثة أمور: الدخول، والأمن، وقضاء الشعيرة، وقد تحقق ذلك كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه كما هو معلوم -والحديث في الصحيحين- ثقة بوعد الله وبنصره، وثقة بالقرآن، وثقة بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا كانوا يعيشون مع القرآن ويحيون في ظل القرآن.

    1.   

    الوعد القرآني للصحابة بالتمكين والأمن بعد الخوف

    وهناك نموذج آخر: فقد كان الله تعالى يقص في القرآن على المسلمين من أنباء الرسل وهم في مكة يثبت أفئدتهم، ويعدهم الأمن والنصر الذي كان لمن قبلهم في مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173]، وبمثل قوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51]. فلما هاجر المسلمون إلى المدينة فراراً بدينهم من الفتن ظنوا أنهم قد وجدوا مأمنهم في مهاجرهم، ولكن ما لبثوا أن هاجمتهم الحروب المسلحة من كل جانب، فانطلقوا من خوف إلى خوف، وأصبحت أمنيتهم أن يجيء يوم يضعون فيه أسلحتهم، وفي هذه الحال كان يعدهم الله في القرآن بما سيحصل لهم من النصر والأمن والاطمئنان، بمثل قول الله تبارك وتعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]. روى الحاكم في مستدركه -وصححه- عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟! فنزلت هذه الآية: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ.. [النور:55]). وروي عن البراء رضي الله عنه قال: (نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد). فكيف عاش الصحابة مع هذا الوعد الرباني بأن الله سيمكن لهم في الأرض، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ولكنه وعد مشروط بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فكيف عاش الصحابة مع هذا الوعد الرباني المشروط بعبادة الله وحده لا شريك له؟! لقد تلقوه بالتصديق، فحققوا الشروط، فعبدوا الله وحده لا شريك له، ونبذوا الأصنام، وحققوا الولاء والبراء، وعملوا بأحكام الله تبارك وتعالى، وصاروا أناساً يتلقون القرآن ليعملوا به، يتلقاه الفرد وتتلقاه الأمة للعمل، فالفرد حين يسمع آيات من كتاب الله تعالى في أمر أو نهي، ينقلب إلى أهله وأولاده يتلو عليهم كتاب الله تعالى فينفذون في الحال، لا انتظار ولا شكوك ولا قساوة قلوب، لأنها قلوب حية تلين مع القرآن، وتعمل بالقرآن، وتحقق ما أمرها الله سبحانه وتعالى به، فلما حققوا ذلك وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وفعلوا الواجبات وتركوا المحرمات؛ حقق الله سبحانه وتعالى لهم ذلك الوعد، فبدلوا في وقت قصير من بعد خوفهم أمنا، واستخلفوا في مشارق الأرض ومغاربها، وقد تم ذلك في وقت قصير من السنين. هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يعيشون مع القرآن، كانوا لحبهم لهذا القرآن ولثقتهم بما فيه لا يملون من تلاوته، يتعلمونه ويعملون به، كانوا وهم في ساحات الجهاد يحيون لياليهم بالقرآن الكريم، وكانوا يتلذذون بقراءة القرآن العظيم، وكان الواحد منهم إذا اشتدت عليه الهموم أو جاءه الخوف من كل جانب لجأ إلى الله سبحانه وتعالى وهو يتلو القرآن العظيم، يتلوه تلاوة المؤمن الواثق، تلاوة المؤمن العامل، تلاوة المؤمن الذي صدق ربه فصدقه الله سبحانه وتعالى. يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! هل تريدون أن نكون كما كانوا؟ إن الأمر واضح وضوح الشمس، فإن كنا نريد أمناً، وإن كنا نريد عيشاً رغيداً، وإن كنا نريد حياة طيبة، وإن كنا نريد أن يعصمنا الله من أعدائنا مشرقاً ومغربا، فعلينا بهذا الدين عقيدة وشريعة ومنهاجا، وعلينا بهذا القرآن نجعله حياتنا، وذلك وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.

    1.   

    وصايا السلف في التعامل مع القرآن

    لقد كان من وصايا السلف بهذا القرآن والتزامه وتلاوته والعمل به دروس لمن جاء بعدهم، دروس عملية ودروس قولية كانوا يوصون بها أصحابهم، أما كونها دروساً عملية فكان السلف الصالح رحمهم الله تعالى نماذج للعمل بالقرآن يقتدي بهم من كان بعدهم، فالصحابة كانوا دروساً عملية للتابعين، والتابعون كانوا دروساً عملية لتابعي التابعين، وهكذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تخل في كل وقت من خير وإلى خير إن شاء الله تعالى. ولقد أعطوا دروساً قولية تصدق أفعالهم، فلم تكن أفعالهم تخالف أقوالهم، واستمع إلى بعض كلماتهم ووصاياهم وزواجرهم حول القرآن العظيم. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله. ولقد صدق رضي الله عنه وأرضاه في هذا، فإذا أردت أن تعرف قدر الله عندك وبالعكس قدرك عند الله سبحانه وتعالى؛ فانظر إلى قدر القرآن العظيم عندك، هل تحبه وتتعلق به؟ هل تلازمه وتتلوه؟ هل أنت تفرح بهذا القرآن أم لا؟ ويقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما -وهو الخبير بالفتن ومواقعها- يقول موصياً أهل القرآن: يا معشر القراء استقيموا. يا معشر القراء استقيموا. يا معشر القراء استقيموا؛ فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً. ولما كان أبو موسى الأشعري أميراً على البصرة رضي الله عنه كيف كانت عنايته بإمارته؟ لقد اعتنى أول ما اعتنى بالقرآن، فبعث إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن العظيم، فقال لهم رضي الله عنه يوصيهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤها، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم. ويا لها من وصية، وصية من أمير البصرة في ذلك الوقت يوصي القراء ويعطيهم منزلة بين المجتمع، ثم بعد ذلك ينصح لهم فيأمرهم بالقراءة والتلاوة والعمل، وينهاهم عن أن يطول عليهم الأمد فتقسو قلوبهم. ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا معشر القراء! ارفعوا رءوسكم؛ فقد وضح لكم الطريق فاستبقوا الخيرات. وصدق رضي الله عنه، وكثيراً ما أوصى السلف بالعمل بالقرآن الذي هو دليل الإيمان، فهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لقد عشنا دهراً طويلاً وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما آمره وما زاجره وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل. أيها الأخ المسلم! لقد أوتي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان، فكانوا يعملون بالقرآن، وكانوا لا يتجاوزون آيات حتى يتعلموها ويعملوا بما فيها، وهذه هي الحياة الحقيقية بالقرآن، فالحياة بالقرآن -أيها الأخ المسلم- هي أن نعيش مع القرآن بقلوبنا وأنفسنا، أن نعيش معه في أسرنا، أن نعيش معه في تعليمنا، أن نعيش معه في إعلامنا، أن نعيش معه في كل حالة من حالاتنا، أن نعيش معه وأن لا نلهو ونعرض عنه. أيها الأخ المسلم! يقول أبو هريرة رضي الله عنه -وهو يعلم الأسرة-: البيت الذي يتلى فيه كتاب الله كثير خيره، والبيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله وقل خيره، وحضرته الشياطين وخرجت منه الملائكة. وصدق رضي الله عنه وأرضاه. ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أحداً من خلق الله أعطي أفضل مما أعطي فقد حقر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل ولا أن يحد فيمن يحد، ولكن يعفو ويصفح. وصدق عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، فمن أعطي القرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي بشر على الإطلاق؛ لأنه أعطي النور المبين الذي به حياة القلوب في الدنيا والآخرة.

    1.   

    أنموذج من حياة السلف مع القرآن

    ولقد كان السلف رحمهم الله تعالى يعيشون حياتهم للقرآن ولتعليم القرآن، فهذا أبو عبد الرحمن السلمي التابعي رحمه الله تعالى جلس سبعين سنة يعلم الناس القرآن، ومثله كثير في كل زمن، وفسر مجاهد قول الله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121] بأن قال: يعملون به حق العمل. وهذه هي الغاية من تلاوة القرآن، أن يعمل به صاحبه. فأين نحن من القرآن العظيم؟ أين نحن من هذا الكتاب المبين الحق الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]؟ أين نحن من هذا القرآن يا أمة الإسلام؟ أين نحن من تلاوته وتعلمه وتعليمه؟ أين نحن من العمل به؟ أين نحن من العيش في ظل هذا القرآن؟ اللهم إنا نسألك أن تعمر قلوبنا وأن تملأها بالقرآن العظيم، اللهم رد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى هذا القرآن لتعمل به حق العمل يا رب العالمين، اللهم اعمر قلوبنا وبلادنا بالقرآن، اللهم أجرها من الفساد وسوء الأخلاق، اللهم أملأها بالقرآن يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر عبادك الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك المؤمنين الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم من أراد عقيدتنا بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم من أرادها بهدم أو تغيير فاشغله بنفسه يا رب العالمين، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم من أراد أمننا بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم احفظنا واحفظ أمننا بالقرآن والعمل بالقرآن، اللهم احفظنا واحفظ أمننا وأمن المسلمين جميعاً بالقرآن العظيم، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، اللهم من أراد أخلاقنا وأخلاق شبابنا وبناتنا بسوء فاشغله بنفسه، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم إنا نسألك أن توفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء وبقية العشرة وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، واجعلنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.