إسلام ويب

كيف نحيا بالقرآن؟ [1]للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا أردنا أن ننتفع بالقرآن في حياتنا فعلينا أن نستشعر أننا نحن المخاطبون به، وأننا نحن المعنيون بأحكامه، وأن نعتقد أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وأن نجعله المقدم على أهوائنا في جميع شئوننا وحياتنا. ولقد علم أعداء الله في القديم والحديث أثر القرآن على المجتمع المسلم، فحرصوا على إبعاد الأمة الإسلامية عنه؛ ليحل محله حب الدنيا، والتطلع إلى الشهوات والملذات، فتصبح الأمة أمة شهوانية بعيدة عن الدين، وحينئذ لا يستحقون النجاء، ولا النصر على الأعداء.

    1.   

    كيف نتلقى القرآن؟!

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن صار على نهجهم واهتدى بهداهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأخ المؤمن! كيف نحيا بالقرآن؟ وقبل الجواب ينبغي أن نعني بقضية مهمة في هذا الموضوع، وهي القضية التي تتمثل في الثقة المطلقة في هذا القرآن، وبما فيه من حقائق متنوعة، سواءٌ أكانت أخباراً عن الماضي أو المستقبل، أم أموراً تشريعية، أم آداباً كتب الله لها الكمال والبقاء والثبات، أم مسائل عقدية متنوعة تتعلق بالله واليوم الآخر وما بين ذلك، أم إشارات عملية تتعلق بالكون والإنسان ونحو ذلك. ونستكمل اليوم جانباً من الجواب عن هذا السؤال الكبير: كيف تحيا أمة الإسلام بالقرآن؟ ولذا نقول: ينبغي أن نعيش مع القرآن تلاوة وتعلماً وتعليماً وكأننا نحن المخاطبون به بكل ما فيه من أمثال وقصص وأحكام وآداب، فنقرأ القرآن ونحن على ثقة مطلقة به، نقرؤه على أنه موجه إلينا، كما أنه موجه إلى من قبلنا وإلى من سيأتي بعدنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أيها الأخ المسلم! إن من أكثر الأخطاء التي نقع فيها أحياناً ونحن نتعامل مع القرآن شعورنا بأن هذا القرآن خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقط؛ حيث نزل عليه القرآن مفرقاً حسب الأحوال والحوادث والمناسبات، ثم لما جمع القرآن صار وكأنه يحكي تاريخاً سابقاً وحوادث ماضية، وليس لنا من ذلك إلا مجرد أخذ العبرة من الحادثة وملابستها والآيات التي نزلت فيها كما نأخذ العبر من بعض حوادث التاريخ. إن هذا من أكبر أخطائنا ونحن نتعامل مع القرآن العظيم، نتعامل معه على أنه قرآن نزل في حوادث خاصة، وانتهت تلك الحوادث والأحوال والمناسبات، أما نحن فنحن في عهد جديد وعصر جديد، ولا نتلو القرآن، ولا نتعلم القرآن على أنه يعالج أحوالنا ومشاكلنا نحن أيضاً. ومع أن معرفة أسباب النزول والمناسبات التي نزلت فيها بعض الآيات من صلب وقواعد التفسير وفهم كتاب الله تعالى على الوجه الحق إلا أن الاقتصار على هذا -إذ العبرة بعموم اللفظ كما تعلم- بل حصر القرآن كله في أنه نزل على قوم آخرين سابقين أوجد فجوة كبرى بيننا وبين القرآن والتعامل مع القرآن والحياة بالقرآن بكل صوره وآياته وقصصه ومواعظه وأوامره وأحكامه. إن هذه قضية يجب أن نقف معها طويلاً؛ لأن من الواجب أن نقرأ القرآن وأن نتلقاه كما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم، وكما كان يتلقاه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، نتلقاه أفراداً، ونتلقاه أمةً، ونتلقاه من خلال الأحداث التي نمر بها في كل يوم، وفي كل فترة، وفي كل مرحلة زمنية تمر بها أمة الإسلام. نتلقاه ونحن نواجه كل يوم أنواع الشهوات والشبهات، نتلقاه ونحن نربي نفوسنا الجامحة المائلة إلى الدنيا وشهواتها وملذاتها، نتلقاه ونحن نعبد الله تعالى كما يحب ويرضى في عباداتنا وأذكارنا وفرائضنا ونوافلنا. نتلقاه ونحن نجاهد النفس الأمارة بالسوء التي تقعد بنا في كل يوم عن طاعة الله والدعوة إلى دينه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. نتلقاه ونحن نواجه شياطين الجن والإنس الذين يسعون جاهدين بشتى الوسائل في غوايتنا وإضلالنا، نتلقاه ونحن نواجه الأعداء من المشركين واليهود والنصارى وأذنابهم وغيرهم من الكفار وهم يشنون حرباً على الإسلام على مختلف الأصعدة، وبأنواع الأساليب. نتلقاه ونحن نعاني من النفاق المتسلل داخل صفوف المسلمين، يظهر الإسلام ويبطن الكفر والزندقة، ويبطن حرب الله ورسوله وعباده المؤمنين، نتلقاه في مجاهدة النفس من الداخل، وفي مجاهدة الأعداء من الخارج، نتلقاه في زمن الغربة والفتن التي أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمنا كيف نخرج منها. نتلقاه والمسلمون في المشارق والمغارب يواجهون الأذى والابتلاء على مختلف صنوفه وأشكاله، نتلقاه والمسلمون تتقلب بهم الأحوال بين القوة والضعف، والقلة والكثرة، والأمن والخوف في المشارق والمغارب، نتلقاه ونحن نعبد الله تعالى في أماكن وأزمنة نعبد الله سبحانه وتعالى بمختلف درجاتها الفاضلة. نتلقاه ونحن نربي الأسرة داخل البيت المسلم، ونحصنها من وسائل التدمير والفساد، نتلقاه في حلق التعليم رسمية وخيرية، ابتدائية وجامعية، على مستوى الأمية والمتعلمين، نتلقاه في مجالات تطبيق أحكام القرآن لا نخاف في الله لومة لائم ولا اعتراض معترض في أحكام القرآن، وفي الحدود، وفي العلاقات الاجتماعية والأسرية، وفي القضايا السياسية والعسكرية، وفي أمورنا الاقتصادية وغيرها. نتلقاه في جميع شئون الحياة؛ لأنه كتاب ربنا أنزله الله علينا رحمة وهدى للعالمين، نتلقاه ونحن نطلب الشفاء به على الوجه المشروع لجميع أمراضنا النفسية والعضوية والاجتماعية. نتلقى هذا القرآن ونحن أمة إسلامية لا تعرف مصدراً غير القرآن في التربية والأحكام والآداب والأخلاق والتوجيهات وغيرها، لا تعرف لها مصدراً إلا هذا القرآن العظيم، نتلقاه بعزة المؤمنين وهم يحملون هذا القرآن فوق أيديهم ليقولوا للعالمين جميعاً مشرقاً ومغرباً: إن معنا ما يكفينا ويحيينا. نتلقاه في كل شأن من شئون الحياة، وكأننا اليوم مخاطبون به كما خوطب به من قبلنا، ونتلقاه كما تلقوه بنفس المشاعر والإيمان، وأعمال القلوب وخشوعها وخضوعها لمن تكلم بالقرآن وأنزله رحمة للعالمين. إن هذا بيت القصيد في قضيتنا الكبرى (كيف نحيا بالقرآن)، لن نحيا بالقرآن ونحن إنما نقدس أوراقه كقرابين، لا نحيا بالقرآن ونحن نتخذه قراطيس كما اتخذه اليهود قراطيس: قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام:91]. لن نحيا بالقرآن ونحن ننشغل ونعتمد في أمور حياتنا على غير القرآن العظيم، إن حياتنا بالقرآن مرهونة بأن نرجع إلى هذا القرآن في آياته وسوره وأحكامه، وكأنه يتنزل علينا هذه اللحظة، نتلقاه نعالج به مشاكلنا في كل وقتٍ وآن، في كل حادثة ووقعة، نتلقى هذا القرآن على أنه كلام رب العالمين وكفى. نتلقاه على أنه أحكام قاطعة من عند العليم الخبير وكفى، نتلقاه على أنه لا حياة لنا ولا عزة ولا رفعة إلا بهذا القرآن العظيم، نتلقاه على أنه توجيهات حاضرة تعالج أوضاعنا ومشاكلنا، ونبني عليه خطط مستقبلنا، نتلقاه وكأننا نخاطب به أول مرة، وكلنا ثقة وتعظيم وتصديق بهذا القرآن المبين. يتلقاه المؤمن في خاصة نفسه وشجونه وأحزانه ورضاه وفرحه، وزيادة إيمانه ونقصه، وفي مشاكله الصغيرة المحدودة، وفي مجاهدته لنفسه وهواه، وتتلقاه الأمة الإسلامية كلها بمواقفها وجهادها وأحكامها وعلاقتها، كلهم يتلقونه بتلك الروح والإيمان العظيم الذي به تلقى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرآن، فكان من أمرهم ما كان. إن هذه الأمة قد أكرمها الله تعالى بحفظ هذا القرآن وبقائه، وتلك نعمة ومنة كبرى، فما علينا إلا أن نتوكل على ربنا، وأن نعود إلى هذا القرآن عودة حقيقية لا شكلية، عودة جادة لا تردد فيها، عودة عملية تنبثق من كل واحد منا في خاصة نفسه، ومن ولاه الله تبارك وتعالى ولاية من أهل أو ولد أو غير ذلك. نعود إلى هذا القرآن عودة عملية، نعود لنشبع منه، ولنتزود منه، ولنرجع إليه، ولنعالج به شتى أمراضنا وأكدارنا وأحزاننا، لنعالج به شتى الأمراض الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الأمراض. نعود إلى هذا القرآن بخلاصة شديدة هي أن نعود إليه كما عاد إليه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، فكانوا أمة ظاهرة في العالمين.

    1.   

    جهود أعداء الله في محاربة القرآن وإبعاده عن المجتمعات الإسلامية

    لقد أدرك أعداء الإسلام هذه الحقيقة المتمثلة في أن هذه الأمة لديها موطن عزها ورفعتها ونهوضها، وذلك باعتصامها بالقرآن وبسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن ثم عمل هؤلاء الأعداء على صرف المسلمين عن هذا القرآن حتى لا يتلقوه كما ينبغي ويجب، وحتى يعرضوا عنه ويهجروه وينشغلوا بغيره. وتأمل قول الله تبارك وتعالى بعد ذكره لصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم في قومه أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:30-33]. فجهود المجرمين من الأعداء متواصلة لصد المؤمنين عن هذا القرآن الذي هو منار هداية ومصدر قوة، ولقد صدوا عن هذا القرآن لما نزل، وهاهم اليوم وفي كل وقت يبذلون الجهود لصد هذه الأمة عن كتابها، ولإشغالها بمختلف وسائل اللهو والعبث، حتى لا تجد لقلوبها، بل ولا لأوقاتها، بل ولا لمشاعرها وعواطفها مكاناً لهذا القرآن الذي يقول الله فيه: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:32-33]. ومهما حاول الأعداء فسيبقى هذا القرآن مصدر قوة لهذه الأمة، ومتى؟ حين تتلقاه على أنه منهج كامل للحياة، وسيبقى هذا القرآن أيضاً مصدر قلق للأعداء مهما نجحوا في مخططاتهم وصرف هذه الأمة عن هذا القرآن، سيبقى مصدر عزة وقوة لهذه الأمة، وسيبقى في مقابل ذلك مصدر قلق لأعداء الله في المشارق والمغارب، مهما حاولوا، ومهما ظنوا أن مخططاتهم نجحت لصرف هذه الأمة عن القرآن العظيم. ويقول الله تبارك وتعالى عن هذا القرآن: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:50-52] (وجاهدهم به) أي: بالقرآن. تأمل في هذه الآيات نهي الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن أن يطيع الكافرين، وأمره أن يجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً، فلا تطع الكافرين الذين يسعون لصرفك عن هذا لقرآن بشتى أساليب الصرف، ولقد كان كبراء قريش يقولون للناس: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]. وإن هذا ليدل على مبلغ الخوف والذعر الذي به تضطرب نفوسهم ونفوس بقية الناس من تأثير هذا القرآن العظيم، وكيف لا وهم يرون الناس في كل يوم وليلة منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى عصرنا الحاضر يؤخذون بعظمة وبلاغة هذا القرآن وعظمة تشريعه، فيدخلون في دين الله تعالى زرافات ووحداناً، حتى في وسط عواصم الكفر والشرك.

    معرفة الأعداء قدر القرآن والإسلام

    إن الإنسان ليعجب من تأثير هذا القرآن حتى على كبار الأعداء، ولولا أنهم أحسوا بعظمة هذا القرآن وروعته وعظيم أثره لما حذروا منه هذا التحذير الذي يدل على مبلغ معرفتهم بأثر هذا القرآن في النفوس، وإنها والله لمفارقة عجيبة أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن ما لا ندرك، وأن يعملوا جاهدين على طمس ومحو آثاره في العباد والبلاد؛ لأنهم يخافون من هذا القرآن، ولأنهم يعرفون عظيم أثره في الأمة حين تعود إليه وتحيا به. إنها لمفارقة عجيبة أن يعرفنا أعداؤنا قدر القرآن والإسلام، ونحن في مقابل ذلك لا ندرك من ذلك إلا قليلاً، وتأمل هذه القصة في السيرة النبوية، فقد روى ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا؛ فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفوسهم شيئاً ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثلما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود. وتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة ! والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، وما عرفت ما يراد بها. قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ! ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه وحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نطيعه. لقد كان هؤلاء الصناديد في وقت الشرك -ومنهم من مات على الشرك بعد ذلك، ومنهم من هداه الله إلى الإسلام- يغالبون أنفسهم أن تهفوا إلى هذا القرآن، فتغلبهم إلا أن يتعاهدوا على عدم العودة إليه مرة أخرى، لقد أدركوا وسحروا، لقد أدركوا عظمة هذا القرآن، فصاروا يتعاهدون ويرجعون وهم قادة قريش وقادة الكفر والجاهلية في ذلك الوقت، فيجتمعون على سماع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا كفار الأمس أدركوا حقيقة القرآن، فعملوا على صرف الناس عن القرآن، وكفار اليوم -أيضاً- أدركوا هذه الحقيقة العظيمة. فهل تعلم أن من الكفار اليوم من يحفظ القرآن عن ظهر قلب وهو كافر؟! وهل تعلمون أن من الكفار من يفني عمره في دراسات عن القرآن؟ هل تعلم أن من الكفار من يعلمون حقيقة عظمة هذا القرآن وأثره في نفوس الناس وفي نفوس المسلمين؟! ومن ثم فهم يحذرون من هذا القرآن، ويعملون جاهدين على صرف أمة الإسلام عن هذا القرآن، لقد صرحوا بذلك في عدد من المناسبات، وقال بعضهم: مادام هذا القرآن والكعبة منصوبة في بلاد المسلمين لا نستطيع القضاء عليهم، ولن يقر لنا قرار. هكذا قال أعداء الإسلام. أيها الأخ الحبيب! إنها مفارقة عجيبة أن يعلم أعداؤنا عن عظمة ديننا وقرآننا ما لا نعلمه، وأن يدركوا ما لا ندركه، إنها مفارقة عجيبة ينبغي أن نتأمل فيها، ونحن نحاول أن نحيا بالقرآن مرة أخرى. إنه -كما قلنا ونقول وسنقول- لا خيار لهذه الأمة وهي اليوم على مفترق الطرق، فإما أن تعود إلى ربها وقرآنها ودينها وإلا كانت الأخرى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38]. اللهم! اجعلنا ممن يحيا بالقرآن، اللهم! اعمر قلوبنا بالقرآن، اللهم! املأ قلوبنا وقلوب أسرنا وأولادنا بالقرآن، وأفرغها من الأغاني واللهو العبث، واجعل مكانها قرآناً يتلى ويحفظ ويعمل به يا رب العالمين. اللهم! أبرم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمر رشد تعود فيه إلى دينها وإلى كتابها. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المؤمنين المجاهدين في كل مكان. اللهم! دمر أعداء الدين؛ اللهم! دمر أعداء الدين. اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم! اشغله بنفسه، اللهم! اشغله بنفسه، اللهم! اجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء. اللهم! إنا نسألك أن تكفي المسلمين جميعاً شر أعدائهم مشرقاً ومغرباً. اللهم! اكف المسلمين في البوسنة والهرسك وفي كل مكان شر أعدائهم يا رب العالمين. اللهم! دمر اليهود وأعوانهم، والنصارى وأشياعهم، والمنافقين والعلمانيين، وكل ملحد لا يؤمن بالقرآن ولا بيوم الحساب. اللهم! إنا نسألك أن تقر أعيننا وأعين المسلمين جميعاً بنصرة الإسلام يا رب العالمين، وخذلان أعدائه يا قوي يا عزيز. اللهم! إنا نسألك أن تصلي على نبينا محمد، اللهم! صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء، والعشرة المبشرين، وأزواجه وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. اللهم! واحشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.