إسلام ويب

مقدمة في العقيدةللشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في بداية نشأته كائناً متميزاً مفطوراً على التوحيد، وعلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وقد بقيت هذه الفطرة طيلة عشرة قرون، حتى جاءت الشياطين فاجتالت بني آدم عن عبادة الله إلى عبادة غير الله سبحانه وتعالى، ومن هنا كانت مهمة الرسل والأنبياء دعوة الناس إلى عبادة الله، وتحذيرهم من عقابه ومقته سبحانه إن هم استمروا على العصيان والتمرد، وبهذا تظهر مهمة النبوة والإرسال إلى الخلق، وما زالت الرسل تترى حتى ختمت بحبيبنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم كان الأمر قائماً بعده والحجة مستمرة وباقية على ألسنة ورثة الأنبياء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

    1.   

    قضايا في أبواب العقيدة

    لماذا النبوة

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن هذه الدروس ستكون في قضايا العقيدة المختلفة، وقد ترددت بين أمرين بالنسبة لمنهج الدرس: أحدهما: أن أجعله درساً يقوم على دراسة كتاب من كتب العقيدة وشرحه، كما كان في دروس شرح لمعة الاعتقاد لـابن قدامة رحمه الله تعالى. الأمر الثاني: أن نجعل هذه الدروس نظراً لقصر الوقت دروساً متفرقة حول قضايا مهمة في أبواب العقيدة، وقد رجحت أن يكون منهجنا في هذه الدروس هو المنهج الثاني، أي أننا سنعرض في كل درس إن شاء الله لقضية من قضايا العقيدة القديمة أو المعاصرة. وسأفتتح هذه الدروس بمقدمة حول العقيدة ومنهاج السلف؛ لأن هناك قضايا مهمة ومسلمة يجب أن يعيها المسلمون جميعاً والدارسون للعقيدة الإسلامية بشكل أخص، وكثيراً ما وقع الاختلاف والتفرق بين المسلمين بسبب أنه ليست لهم قواعد ولا أصول ثابتة ينطلقون منها جميعاً، فحينما تختلف بهم المناهج والقواعد سرعان ما يتمايزون يميناً وشمالاً: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، ومن رحمته بهم أن أرسل لهم الرسل، وأنزل لهم الكتب، وبين لهم المحجة، حتى ترك كل رسول أمته على مثل البيضاء -الشمس- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وإذا كان الأمر كذلك فإن الخطأ إنما يقع من جانب الناس في تعاملهم مع النصوص. أما النصوص من كتاب وسنة فهي وحي من الله سبحانه وتعالى: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، وقد حفظ الله القرآن العظيم، فلم يترك حفظه لأحد، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً هي وحي يوحى، كما قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]. إذاً الكتاب والسنة مصدران أصيلان من تمسك بهما لا يمكن أن يزل ولا أن يطغى، ولا أن ينحرف يميناً أو شمالاً، ولقد شهدنا هذا وسمعناه وقرأناه من خلال تجربة عملية قوية غيرت مجرى تاريخ البشرية، حين تمسك أولئك الصحب الكرام بذينك المصدرين وعملوا بهما، فكان لهم من الشأن ما هو معلوم ومعروف، ومن ثم فإن أي عودة للأمة الإسلامية، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي تكالب فيه أعداء الإسلام مشرقاً ومغرباً، بل ومن داخل بلاد المسلمين تكالبوا فيه جميعاً على الإسلام وعلى المنهج الحق الذي يعتمد منهاج السلف الصالح رحمهم الله تبارك وتعالى، وإذا كانت الحال كما نشاهد مما يحز في كل نفس مؤمن فإن العودة إلى العزة والكرامة وإلى الرفعة والتميز عن باقي الأمم جميعاً لن يكون إلا بالعودة إلى تلك الأصول الصحيحة، والله سبحانه وتعالى يقول -وهذا الخطاب يشمل الفرد ويشمل الأمة-: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، أما من اتبع ذكر الله والتزمه فإن له الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة، لهذا فنحن في هذه المقدمات سنعرض لقضايا تتعلق بالعقيدة وبمنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

    خلق الإنسان من بداية نشأته كائناً متميزاً

    القضية الأولى: لماذا النبوة؟ ولماذا احتاجت البشرية إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدار التاريخ؟ نحن نعلم ونوقن أن نشأة الإنسان على هذه الأرض نشأة متميزة، وهذا خلاف لتلك النظريات الغربية وغيرها التي تزعم أن الإنسان كائن متطور، كنظرية دارون وغيرها من النظريات التابعة لها، ففي منهاج الإسلام وفي عقيدة الإسلام ونصوصه الصريحة أن هذا الإنسان كائن متميز خلقه الله سبحانه وتعالى بيده، خلق آدم أبا البشر بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، ثم إنه تعالى خلق حواء زوجه منه، وابتلاه وامتحنه، فلما عصى آدم وزوجه أهبطهما الله سبحانه وتعالى إلى الأرض، وجعل حياتهم في هذه الأرض حياة تكليف، تلك قصة نشأة البشرية، فلا قرود ولا تطور، ولا ما يذكره هؤلاء جميعاً، وهذه قضية بديهية تماماً في عقيدة الإسلام، وتعقبها قضية بديهية أخرى، ألا وهي أن آدم وزوجه لما أهبطهما الله سبحانه وتعالى إلى الأرض أهبطهما وهما على عقيدة التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له والتزام ما أمرهما الله سبحانه وتعالى بشرعه، وهكذا نمت ذريتهما من بعده. إذاً هنا قضيةً أخرى، ألا وهي أن آدم لما أهبطه الله من الجنة كان على المعرفة والتوحيد الخالص، قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.. [البقرة:213] إلى آخر الآية، وقد روى البخاري عن ابن عباس موقوفاً عليه قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) فآدم وذريته من بعده كانوا على المعرفة الحقيقية اليقينية العلمية العبادية الصحيحة على منهج التوحيد الخالص، وهذا مقطوع به.

    الإنسان نشأ عالماً عارفاً بالله

    وبذلك أيضاً تبطل نظرية أخرى عند كثير من دارسي الأديان الذين يزعمون أن الإنسان في معرفته بالله تطور، يقولون: إن الإنسان أول ما نشأ على هذه الأرض -بصرف النظر عن كيفية نشأته- نشأ بدائياً لا يعرف شيئاً -أي: جاهلاً- ثم بدأ يتحرك في هذه الأرض، فنظر فبدأت تنشأ عنده عقيدة، رأى جبلاً ضخماً أمامه فخافه فعبده، رأى شمساً أو قمراً فنظر إلى عظمته وتكرره عليه فخافه وعبده، ثم لم يزل به هذا، أي أنه ابتداء قام على الشرك بالله وعبادة غير الله، ثم لم يزل به عقله ونموه يتطور حتى انتهى به إلى تكامل العقل البشري، وذلك من خلال العقيدة الصحيحة التي هي عقيدة التوحيد. هذا المنهاج خاطئ من أوله إلى آخره، فالقول بتطور الإنسان كالقول بتطور الأديان أو تطور الدين عند الإنسان، فهنا قضيتان: القضية الأولى: أن الإنسان كائن متميز. القضية الثانية: أن الإنسان أول ما نشأ على هذه الأرض نشأ عالماً عارفاً عابداً لله على وجه الحقيقة، أي أن عقيدته كانت على التوحيد الخالص. ومن ثم نجد أن الله سبحانه وتعالى لما أخبر الملائكة بقوله: إني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]. قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31] أي: علم آدم أسماء كل شيء. ثم اختبر الملائكة، فلما لم يكن للملائكة علم إلا ما علمهم الله ما عرفوا هذه الأسماء، فلما أنبأهم آدم بهذه الأسماء تبين فضل آدم عليه الصلاة والسلام. وهذه القضية التي تتعلق بنشأة اللغات أيضاً، وهي قضية عقدية فكرية طالما تكلم عنها الباحثون وخاصةً رواد الدنيوية وغيرها، هذه القضية المتعلقة باللغات نجدها قضية إيمانية موجودة في القرآن العظيم أن الله: عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ [البقرة:31] ومن ثم فلو فكرنا قليلاً فمن أعظم نعم الله علينا في هذه الحياة تعليم الأسماء واللغات، أرأيت لو لم يكن في نظام الحياة البشرية هذه الأسماء كيف ستكون حياتنا؟ لن نستطيع أن نتفاهم إلا بحقائق الأشياء، فحين أخبرك بقولي: فلان صنع كذا لا يمكن أن يفهم عني من هو فلان هذا إلا إذا أتيت لك به، وعندما أقول: فعل كذا لا بد أن أفعل نفس الفعل حتى يفهم الذي أمامي، وعندما أقول: اشتريت سيارة لا يمكن أن يفهم مني معنى سيارة إلا حين آتي بنفس السيارة، وعندما أقول: صنعت خبزاً لا يفقه معنى الخبز إلا لما آتي بالخبز، فمن الله على عباده بتعليم اللغات، هذا التعليم اللغوي منذ آدم عليه الصلاة والسلام به تستقيم حياة الناس، ولو لم يكن كذلك لأصبحت حياة الناس في غاية التعقيد والعناد، ولهذا كان تعليم اللغات يفتح آفاقاً من العلم والمعرفة في جميع جوانبها، سواء أكانت معرفةً بالله وأسمائه وصفاته وخلق السماوات ونشأة الكون وغير ذلك، أم فيما يتعلق برسل الله وتاريخهم، أم فيما يتعلق بالتاريخ عموماً، أم فيما يتعلق بالحياة كلها ماديةً وغير مادية. إذاً هنا قضية أخرى، وهي أن الله سبحانه وتعالى لما أهبط آدم إلى الجنة مكث وذريته -كما في أثر ابن عباس- عشرة قرون على التوحيد، ثم نشأ فيهم الشرك، كيف نشأ الشرك فيهم؟ نشأ عن طريق الصور وتعظيم غير الله سبحانه وتعالى، ولا نطيل في ذكر قصة نشأة هذا الشرك، لكن كانت كما أخبر الله سبحانه وتعالى عن قوم نوح الذين أرسل فيهم نوح، فهو أول الرسل، أما الأمم من قبله فقد كانوا على التوحيد، فنوح أرسل في قومه لما نشأ فيهم الشرك الأكبر الذي هو عبادة غير الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا فإن رسالة نوح عليه الصلاة والسلام هي بداية الرسالات التي تعود بالأمة كلها إلى مسارها الصحيح من خلال العقيدة الصافية عبادة الله وحده لا شريك له.

    لماذا كانت حاجة البشرية إلى الأنبياء؟

    وهنا تأتي عندنا قضية، وهي: ما هي مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ ولماذا كانت حاجة البشرية ماسةً إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ أظن أن الجواب وضح، ومن ثم فإنني يمكن أن أختصره في أمرين: أحدهما: تصحيح المسار، فكلما انحرفت الأمة عن منهاج ربها سبحانه وتعالى كان من رحمته تعالى أن يرسل إليهم رسولاً يصحح لهم هذا المسار، حتى تكون الأمة سائرة على منهاج واحد. الأمر الثاني: هو تربية هذه الأمة، بحيث تكون حياتها على منهاج حق في عبادة الله وحده لا شريك له، سواء أكان هذا عبادة محضة، أم كان في قضايا من قضايا الحياة المختلفة سياسيةً أو اقتصاديةً أو اجتماعيةً أو غير ذلك، ومن ثم فإن البشرية لا تستطيع أن تستغني عن منهاج الأنبياء؛ لأن التعرف على الله وعلى كيفية عبوديته مما لا يدخل تحت قدرة البشر، ولهذا لما وجدت فئات من الناس تكبرت على الأنبياء ولم تسمع لكلامهم، وأرادت أن تتخذ لها منهاجاً خاصاً بها تصل به إلى الحقائق الكونية حقائق نشأة هذا الوجود، وحقائق وجود الله سبحانه وتعالى وعلاقته بخلقه... إلى آخر القضايا العقدية وغير العقدية، هذه الفئة لما أرادت أن تنهج هذا النهج بعيداً عن منهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ضلت وانحرفت، وأصابت أصحابها ومن سار على منهاجهم بالحيرة والاضطراب طول حياتهم، وهذا هو المنهج الفلسفي الذي أدى بأصحابه إلى ما تعرف من مناهج الفلاسفة. إذاً عقول البشر ومناهج البشر مهما بلغت لا يمكن أن تستغني عن المنهاج الذي جاء به أنبياء الله سبحانه وتعالى، ومن ثم فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي امتن على عباده بإرسال الأنبياء، وهو الذي اختارهم، أي أنه لا اختيار للعباد في الرسل والرسالات، وإنما ربنا سبحانه وتعالى هو الذي أرسل، وهو الذي أنزل مع هؤلاء الكتب والشرائع ليكون سبباً في قيام الحجة على عباد الله تبارك وتعالى، ومن ثم يتبين لنا أن النبوة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم ضرورة بالنسبة للبشرية أشد من ضرورتهم إلى الطعام والشراب وما سوى ذلك.

    1.   

    مدلول ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم

    وهنا ننتقل إلى القضية الثانية، ألا وهي ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم ومدلولاتها، والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قاطعة بذلك، والأدلة معروفة لا نعرض لها هنا، لكن ما مدلول ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ لها عدد من المدلولات نحب أن نقف عندها ونحن ندرس في هذه العقيدة. أولها: عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وهذه القضية قد تجد في عصرنا الحاضر من يجادل فيها، وما الدعوة إلى الحوار بين الأديان التي نجدها في السنوات الأخيرة، ونجد لها صدىً إعلامياً واسعاً أحياناً إلا رسم لهذه القضية الكبرى، وهي قضية ختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته إلى الناس كافة. ثانياً -وهي قضية كبرى أيضاً-: أن هذه الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي شريعة كاملة لا تحتاج إلى تكميل ولا إتمام، لا من شرائع سابقة ولو كانت تنتسب إلى الأنبياء ولا من مناهج شرقية أو غربية، وكمال الشريعة مقتضاه صلاحية هذا الدين الإسلامي للتطبيق في كل زمان ومكان، فأولئك الذين يتحدثون -مثلاً- هذه الأيام عن أن الإسلام تعداه الزمن، وأنه لا يمكن تطبيق الإسلام أولئك يطعنون في الإسلام، ويطعنون في ختم النبوة، ويطعنون في كمال شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإن الدعاة إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في مشارق الأرض ومغاربها يجب أن تكون هذه عندهم قضية يقينية، يجب أن يدركوا إدراكاً تاماً أن مسألة كمال الشريعة وصلاحيتها للتطبيق هي قضية ربانية ثابتة لا تتغير أبداً، وعلى هذا: فيجب عليهم أن لا ييأسوا، ويجب عليهم أن لا يفتروا، وأن لا تخدعهم نظريات الغرب أو الشرق، ولا هجوم الغرب أو الشرق على الإسلام، ولا هجوم العلمانيين وغيرهم من داخل بلاد الإسلام على الإسلام؛ لأن من أخطر الأشياء على الداعية إلى الله سبحانه وتعالى الذي يحمل عقيدةً ومنهجاً أن تهتز قناعته بما يدعو إليه، ومن ثم فإن التصميم الجاد القوي لا يكون إلا من إنسان لديه القناعة التامة الكاملة بما يدعو إليه من منهاج، ونحن حينما نعرض لهذه القضية التي تتعلق بختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو لبيان أنه لا خيار لنا بين شيئين: إما أن نتهم هذه الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها ناقصة لا تصلح للتطبيق، ومن ثم فمدلول ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم ما هو إلا مدلول نظري وليس عملياً. وإما أن يكون رفضنا لهذه الشريعة بشكل مباشر، ونأخذ ممن جاء من الغرب أو الشرق أو غيرهما مناهجهم ولو ناقضت منهاج الإسلام، لهذا فإن ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم له مدلول في كل وقت، وله مدلول عظيم في زماننا هذا، هذا المدلول يتلخص في أنه ليس هناك منهج يمكن أن نبحث عنه إلا أحد منهجين: إما منهج الإسلام الذي جاء به الرسول، وإما مناهج أخرى غربية أو شرقية، فلا خيار للتدليس ولا للتلبيس ولا للترقيع ولا لغير ذلك من المناهج، وعلى هذا فإن الشيء الذي تيقنا به كمال هذه الشريعة ودوامها إلى أن تقوم الساعة هو حفظ الله تبارك وتعالى لهذا القرآن العظيم وحفظه لسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وهما وحي من الله، وهما مصدر التشريع في هذه الحياة، ولذا فإن منطلقنا ونحن ندعو إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هو منطلق واضح ممتد، يكون على ذلك المنهاج السليم الذي طبقه سلفنا الصالح، وسار عليه من تبعهم إلى عصرنا هذا، والقافلة سائرة إلى أن تقوم الساعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أخباره عن الطائفة المنصورة أنها قائمة بأمر الله مجاهدة، (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى).

    1.   

    قضايا مهمة حول منهج السلف

    بعد عرض تلك القضيتين المتعلقتين بنشأة الدين وبدء النبوات وختم النبوات بمحمد صلى الله عليه وسلم ننتقل إلى الأمر الثالث، ألا وهو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ونظرة في بعض قضاياه، وهنا أشير إلى هذه القضية، وقد سبق أن ألقيت في ذلك وفي تفاصيله محاضرات متعددة، كما ألفت فيه عدداً من الكتب، لكني سأذكر هنا عدداً من القضايا التي أرى أن من المهم أن نقف عندها.

    الزعم بأن الدعوة إلى منهج السلف رجعية

    يظن بعض الناس أن الدعوة إلى منهاج السلف الصالح ما هو إلا نوع نكوص إلى الماضي، وخروج من الواقع الصعب الذي تعيشه الأمة الإسلامية، فيأتي بعض هؤلاء ليقول: إن هؤلاء الذين يدعون إلى منهاج السلف الصالح يريدوننا أن نعود إلى القرون الماضية، ويريدون منا أن نتخلى عن حياتنا المعاصرة، ثم هم أيضاً لديهم ناحية نفسية خلاصتها أنه حين يعيش في أزمته الحاضرة يحاول أن ينكص إلى الماضي ويرجع إليه ليتسلى بالماضي فقط. هذه الفكرة خطأ جسيم إن كانت من إنسان صادق، وإلا فهي ضلال وإضلال من أولئك الدعاة إلى محاربة منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولهذا فإننا نقول: إن المطالبة بالعودة إلى منهاج السلف الصالح إنما هو عودة إلى تأصيل المنهج العقدي للأمة، وهذا لا خيار فيه لها، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سلف الأمة، وقبل ذلك أمر الله بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والرسول يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، وهذا الأمر بالتزام سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ليس نكوصاً إلى الماضي، وإنما هو عودة إلى ثوابت وأصول وجذور هذا الدين وهذه العقيدة التي لا تتغير مهما اختلف الزمان والمكان، وهذا هو الدعوة إلى منهاج السلف الصالح. إذاً الدعوة إلى منهاج السلف الصالح تقوم على الدعوة على تلك الأصول الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فعندما ندعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له إنما ندعو إلى منهج لا يتغير مهما اختلفت الظروف والأحوال، فالذي يطير في الطائرة أو في الصاروخ يجوب الفضاء أو يتعامل مع أدق الإلكترونيات والمخترعات العلمية وغيرها هذا هو نفسه مثل ذاك الذي يحلب الإبل ويشرب من ألبانها ويركبها، فالعبادة لله وحده لا شريك له لا تتغير مهما تغيرت الظروف والأحوال، فالدعوة إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ليست دعوةً إلى أن نرجع إلى الماضي، وإنما هي دعوة تأصيلية لأن تكون تلك الثوابت العقدية والتشريعية وغيرها كما عاش بها سلفنا الصالح نعيش بها نحن أيضاً، ومن ثم فإن التقدم الحضاري المادي مطلوب بشرط أن يضبط وأن لا يتعارض مع تلك الثوابت، وهذا الذي فعله المسلمون من خلال تعاملهم مع مستجدات عصورهم لما اتسعت فتوحاتهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا فإن هذه القضية التي نطرحها هي قضية فكرية طالما طرحها دعاة الفكر الغربي والعلماني والقومي وغيرهم حينما يفسرون العودة إلى الأصول وإلى منهاج السلف الصالح بأنه نكوص، وأحياناً يسمونها رجعية، لكن أظن أن الحقيقة قد وضحت، فالعودة إلى منهاج السلف الصالح هي عودة تأصيلية لثوابت، أما متغيرات الحياة فلا، فإن متغيرات الحياة مطلوبة، بل ربنا سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين وهو يبني فيهم روح الجهاد: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] (قوة) نكرة مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60]، وعليه فواجب على الأمة أن تتقوى من جميع الجوانب، والقول بأن الدين يعارض العلم والتقدم العلمي هذه المقالة أظنها أصبحت مقالة قديمة كما يعبرون أحياناً، ولا أظن أن أحداً الآن يناقش في هذه القضية، منذ السنين الطويلة لما هجم الاستعمار الغربي والتبشيري النصراني على العالم الإسلامي -وهو لا يزال- كان في أول هجومه يتهم الإسلام بأنه عدو العلم والتقدم وغير ذلك، لكن قتلت هذه القضية بحثاً فأصبحت هذه القضية مما لا يحتاج إلى نقاش، فهذا الإسلام لا يتعارض مع العلم أبداً؛ لأن الكل من عند الله سبحانه وتعالى، لكن هذا الإسلام وهذه العقيدة والشريعة تضبط العلم، والحضارة الغربية لما تقدمت بدون ضابط صارت حالتها إلى ما نحن نشاهده هذه الأيام، ونحن ما تقدمنا علمياً ولا تقدمنا في مناهجنا وأصولنا وثوابتنا، فأصبحنا على هذه الحالة التي هي حالة أقل ما يقال فيها أنها حالة يرثى لها، والله المستعان!

    التلازم بين العقيدة والشريعة وموقف الطوائف الأخرى منه

    ومن القضايا في منهاج السلف الصالح التي يجب أن نقف عندها ويقف عندها الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى قضية التلازم بين العقيدة والشريعة، ومن المؤسف حقاً أن هذه القضية لا تزال مجال أخذ ورد من بعض من لم يفقه منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والتلازم بين العقيدة والشريعة قضية كبرى من اختلت عنده اختل عنده النظر الصحيح إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومقتضى هذا التلازم أن عقيدة الإسلام بتوحيدها وأركان إيمانها تنبثق منها شريعة كاملة لازمة له، وأن الإنسان الذي يؤمن بتلك العقيدة لا بد أن يلتزم بتلك الشريعة، وأنه لا انفصام بينهما، لكن لو تأملت في هذه القضية لوجدت أن المناهج قديماً وحديثاً ضلت في هذا الباب. دعني أضرب لك مثالاً بالنسبة للزمان القديم حول هذه القضية: إن أئمة الإسلام منذ القرن الأول الهجري ردوا على طائفتين ضالتين من الطوائف التي تذكر في كتب الفرق الإسلامية، الطائفة الأولى: الخوارج، ومعهم المعتزلة، والطائفة الثانية: المرجئة، فما علاقة ردود أئمة الإسلام على هاتين الطائفتين بهذه القضية التي معنا، وهي قضية التلازم بين العقيدة والشريعة؟! الطائفة الأولى وهم الخوارج والمعتزلة جعلوا هذا التلازم تلازماً تاماً يؤدي إلى تكفير كل من خالف وعصى ربه تبارك وتعالى، ومن ثم فمن وقع في كبيرة أخرجوه من دائرة الإسلام، وهو ما يسمى بقضية (كفر مرتكب الكبيرة)، هذا الفهم للتلازم بين العقيدة والشريعة لا يتوافق مع طبيعة البشر؛ فإن كل بني آدم خطاء، فإذا ما قال أحد بهذا القول أن كل مرتكب لكبيرة فإنه خارج عن دائرة الإسلام فمعنى ذلك أن هذا الإسلام الحق سينحصر في فئة قليلة جداً هي فئة هذه الطائفة التي تزعم نفسها جماعة المسلمين، وعلى هذا فإن هؤلاء أخطئوا في فهم منهاج الإسلام وتلازم عقيدته وشريعته من الناحية النظرية في تعريف الإيمان، وجعلهم للأعمال جميعها شرطاً فيه، ومن الناحية العملية حينما انحازوا بأنفسهم وظنوا أنهم هم جماعة المسلمين، ومن لم يدخل في جماعتهم فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام، ومن ثم أدى هذا المعتقد إلى منهجية غريبة في التعامل مع النصوص تحولت إلى منهجية أغرب في التعامل مع الناس، ومنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى يختلف عن منهاج الخوارج. إذاً عندنا نوعية من الطوائف كانت موجودة قديماً ولا تزال إلى الآن تفهم التلازم بين العقيدة والشريعة على أنه تلازم كلي، وأي خلل فيه سواء أكان خللاً في باب التكذيب أم خللاً في باب العمل مهما كان فإنه يؤدي إلى الخروج عن دائرة الإسلام، بينما في منهاج الإسلام ومنهاج السلف الصالح لا يوجد هذا، ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون بكل كبيرة من الكبائر، كما قال الطحاوي رحمه الله: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله] أي: لا نكفرهم بكل الذنوب. فميزوا بين ذنب وذنب، ومن ثم تجد الواقعية في المنهاج الإسلامي وفي فهمه، فالمجتمع المسلم وهو يطبق هذا الإسلام لا يتحول إلى مجتمع ملائكة: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، وإنما مجتمع مضبوطة أموره، وقضاياه مميزة، فإذا وجد من يعصي وتاب تاب الله عليه، وإذا وجد من يعصي وأقيم عليه الحد كان كفارة له، فجاءت أحكام الإسلام وحدوده لتبين كمال هذه الشريعة. وقد يقول قائل: إذا كانت الشريعة كاملة فلماذا حد السرقة وحد الزنا وحد القتل؟ نقول: هذا فهم خاطئ، من كمال هذه الشريعة وجود هذه الحدود؛ لأن طبيعة الإنسان أنه يخطئ ويصيب، وطبيعة التكليف الرباني للإنسان في هذه الحياة أن الله يبلوه بالحسنات والسيئات، ويبلوه بالخير والشر فتنة إلى أن يرجع، فلما كان الأمر كذلك تبين أن من كمال هذه الشريعة أن شرع الله سبحانه وتعالى هذه الحدود لتضبط مسار المجتمع. إذاً الطائفة الأولى أخطأت في فهم الإيمان وفهم التلازم بين العقيدة والشريعة. والطائفة الثانية: المرجئة، وهؤلاء أمرهم عجيب أيضاً، فصل بين اعتقاد القلب وبين عمل القلب والجوارح، فصار الإيمان عندهم مجرد التصديق القلبي الخالي عن العمل، بل أحياناً يقولون: إنه مجرد المعرفة، وإن هذا كافٍ في وجود الإيمان وتحقيق الإسلام ومقتضى هذا المذهب أن الشريعة والعمل لا علاقة لهما بالعقيدة، فكل من صدق بالله بقلبه فهذا هو المسلم وإن رفض شريعة الإسلام، وإن رفض أحكام الله سبحانه وتعالى، ولهذا تجد أن هذا المذهب الإرجائي الذي وجد في زمن قديم انتشر في الأزمنة المتأخرة انتشاراً عظيماً، فتجد الكثير من الناس يقول لك: ما دام أنه انتسب إلى هذا الدين فهو مسلم، ولو كذبه، ولو انتسب إلى مبادئ علمانية إلحادية، ولو رفض شريعة الله، ولو أنه شرع من دون الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا الفهم نجد عند هؤلاء لا علاقة للشريعة بالإيمان، سواء علاقة نظرية أو علاقة تؤثر في مدلول الإيمان وفي قضيته واعتقاده، وهذا أمر عجيب وغريب وخطير، ولهذا لما انتشر المذهب الإرجائي في الأمة الإسلامية في عصورها المتأخرة وجدنا من يكتفي بالهوية لينتسب إلى الإسلام فقط، وإذا فتشت عن حاله وعن خلقه .. عن سلوكه وعن قضاياه الأخرى كلها لا تجد فرقاً بينه وبين غيره من الكفار. وأقول: عن طريق هذا المنهاج تسلل الغرب إلينا في العصور المتأخرة ليفرض علينا حياة غربية، ومناهج غربية، وقوانين جاهلية، ولا مانع مع ذلك بالبقاء على الانتساب إلى الإسلام، ومن ثم ترتب على هذا الفهم وعلى هذا الواقع العملي الذي عاشته الأمة الإسلامية أن تلك الفئة التي عرفت بمصطلح (العلمانية) وجدت في الغرب، ولكن الغريب جداً أن تنتقل إلى العالم الإسلامي؛ لأن العلمانية مقتضاها فصل العقيدة عن الحياة، ويسمونها أحياناً (فصل الدين عن الدولة)، ويسمونها أحياناً (فصل الدين عن الحياة)، وهي في الحقيقة فصل بين انتسابك إلى الإسلام وبين حياتك، وأن تكون على أي منهج، والأخطر من ذلك أن يكون لهذه العلمانية دعاة ومدارس تتبنى مبادئ قومية، أو مناهج أدبية، أو غيرها من المناهج لتركب عليها وتقود الأمة إلى هذا المنهج العلماني. إذن لما نتحدث في منهاج السلف الصالح عن التلازم بين الشريعة والعقيدة لا نتحدث عن قضية جزئية، ولا نعرض لمسألة جانبية، وإنما نعرض لقضية كبرى تميز بها السلف الصالح رحمهم الله تعالى من خلال منهج مؤصل في هذا الباب. وبهذا ينقض قول الخوارج وغلوهم وضلالهم، وبه ينقض قول المرجئة وتساهلهم وبدعتهم، وبه أيضاً تنقض العلمانية المعاصرة التي تريد أن تفصل بين عقيدة الإسلام وبين شريعة الإسلام، ومن هنا فإن الدعوة إلى منهاج السلف الصالح لا بد أن ينتبه إليها.

    التمييز بين البدع والمصالح المرسلة

    الأمر الآخر قضية البدعة والتمييز بين ما هو بدعة في الدين وبين ما هو مصلحة مرسلة جائزة، وهذه القضية أيضاً تعتبر من الأصول في منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فقد أخطأ فيها طائفتان: إحداهما جعلت كل ما هو جديد بدعةً، فحكمت على كل جديد بذلك، وأعرضت عنه ودعت إلى رفضه، فلما رفضته دخل في ذلك ما هو بدعة حقاً -وأصابت في ذلك- لكنها أدخلت ما ليس ببدعة مما هو من الأمور المباحة في باب البدع وهذه قضية -أي: التعامل مع الحياة المعاصرة- استجدت حتى في حياة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما انتقلوا من جزيرة العرب إلى بلاد الشام والعراق وما وراء ذلك، استجدت لهم أشياء مادية وغير مادية. كذلك أيضاً نحن في عصرنا الحاضر استجدت للحياة المعاصرة أشياء كثيرة، فما هي طبيعة التعامل معها؟ الطائفة الأولى ترفض كل ما هو جديد مسميةً له بالبدعة. فلما كان رأي هذه الطائفة بهذا العرض قابلتها الطائفة الثانية التي فتحت الباب على مصراعيه، فقبلت كل ما وجد، وأدخلت في ذلك كل ما هو مستجد من بدع مختلفة، وهكذا تميع الإسلام عند هؤلاء -أعني الطائفة الثانية- حتى أصبح الإنسان لا يميز في منهج هؤلاء بين الإسلام وبين الكفر. أما منهاج السلف الصالح في ذلك فقد كان منهاجاً علمياً وسطاً مبنياً على الأدلة الصحيحة واستقرائها، ومن ثم فقد ميزوا بين البدع في باب العقائد التي هي عندهم ثوابت وبين غيرها مما استحدث وابتدع، فأنكروا بدع العقائد كلها، وبينوا منهاج الكتاب والسنة في ذلك، ومنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في تصفيتها، وعلى ذلك تجد المنهاج السلفي واضحاً, فهو الذي رفض فلسفة أرسطو لما ترجمت في القرن الثالث الهجري، وهو الذي يرفض في عصرنا الحاضر الفلسفات الوجودية والعبثية والوضعية وغيرها من الفلسفات الإلحادية؛ لأن العقيدة ثابتة، ومصدرها واحد، ولا حاجة بنا إلى عقائد أخرى. ثانياً: ميزوا أيضاً بين ما هو من أصول الشريعة العبادية الثابتة سواء أكانت عبادات أم كانت أصول معاملات، ومن ثم جعلوا أي إحداث فيه تغيير أو ظن أنه يكمل ما يعتقد أنه ناقص جعلوه بدعة مرفوضة، ولهذا نجد أن التعريف الصحيح للبدعة أنها إحداث في الدين على وجه القربة. فهو يريد أن يبتدع عبادة أو يتبع أصولاً تناقض أصولاً شرعية فتتحول القضية هذه إلى قضية بدعة، ولذلك تجد -مثلاً- أن من أراد أن يبتدع للأمة عبادة -ولو كانت نيته طيبة- جديدة من صلاة أو ذكر أو غير ذلك فإن فعله هذا بدعة مرفوضة، لأن البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة إضافية، وبدعة حقيقية، حسب التقسيم المعروف. أقول: بدعته هذه بدعة مرفوضة؛ لأنه أراد أن يكمل هذا الدين بمكمل من عنده يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا يخالف القضية الكبرى التي ذكرناها سابقاً، وهي كمال هذا الدين، ومثله لو أراد أن يبتدع بدعةً ينقض فيها أصلاً من أصول الإسلام، وأضرب مثالاً على الوجه الثاني: الآن توجد دعوة في عالمنا الإسلامي تزعم أن الربا قضية عصرية ضرورية، ومن ثم فلا بد من أن نبحث في أدلة الإسلام عمَّا يدل على أنها جائزة، لماذا؟ قالوا: لأنها ضرورة عصرية، فهنا في هذا الحالة هل يساوم المؤمن على أصل من الأصول؟ لا يساوم، بل إن المتأمل اليوم لمشكلة العالم كله في عصره الحديث -بصرف النظر عن انحرافاته العقدية والفكرية والأخلاقية وغيرها- إذا نظرنا إليها من الناحية الاقتصادية فإنه يجد أن أكبر مشكلة هي مشكلة الربا، فالأزمات العالمية للدول الصناعية والدول الفقيرة إذا فتشنا عنها نجد أن سببها الربا، إذاً هذا أصل، فمن أراد أن يستبدل بهذا الأصل أصلاً آخر فإن هذا الاستبدال مرفوض. ثالثاً: أن ما عدا ذلك من أمور الحياة مما يستجد من أشكالها وأنماطها فإن هذا يؤخذ به بشرط أن يتلاءم مع أصول العقيدة وقواعد الشريعة، وهذه أيضاً قضية في عصرنا القديم والحديث، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما أتوا إلى أمور استجدت في البلاد التي فتحوها أخذوا بها. أقول: الصحابة رضوان الله عليهم تعاملوا مع ما استجد مما واجهوه في البلاد التي فتحوها تعاملاً مبنياً على منهاج صحيح، فرفضوا ما يصادم أصول العقيدة، وأخذوا بمستجدات الحياة بما يتلاءم معها. وإذا انتقلنا إلى عصرنا الحديث وجدنا أيضاً أن المنهاج السليم منهاج العقيدة لا يتعارض مع الحضارة، لقد مضى قبل خمسين سنة أو أربعين سنة ذلك الزمان الذي كان يقول فيه القائل: إن الإسلام يرفض الحضارة، ويرفض الاختراعات والسيارات والطائرات وغيرها. مضى هذا الزمن، بل ومن نعمة الله سبحانه وتعالى أننا نجد أن كثيراً من شباب الصحوة -وفقنا الله وإياهم، وثبتنا وإياهم جميعاً- يتخصصون بتخصصات علمية دقيقة، وتجد الواحد من هؤلاء يحمل منهاجاً سلفياً صحيحاً، وفي نفس الوقت أيضاً يحمل أعلى التخصصات العالمية، ولا تعارض بين القضيتين، وهذه ما هي إلا نماذج عملية نشاهدها على مستوى الفرد، ويجب أن تكون على مستوى الأمة، بحيث يكون منهاجها في التعامل مع ما هو جديد منهاجاً مضبوطاً بمنهاج الكتاب والسنة على قضية ما سبق أن ذكرناه في مسألة البدعة. فما هو من البدعة فإنه يتجنب، وما ليس ببدعة فلا يتجنب وإنما يستفاد منه، وهذه القضية تحتاج إلى مواقف عملية؛ لأن دعاة التغريب والعلمانية في بلاد الإسلام يصفون الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بأنهم إنما يريدون طمس الحضارة والقضاء على الحضارة، ويصفونهم أحياناً بصفات بشعة، منها أنهم ظلاميون، وأنهم متوحشون .. إلى آخر الصفات التي تسمع، ولا يزال الإعلام في كل حين يأتي بمصطلحات جديدة، فهذه العبارات الموجهة ضد الصحوة المعاصرة إنما هي موجهة إلى المنهاج الحق منهاج السلف الصالح رحمهم الله، لكن لا بد من شماعات يعلقون عليها تهمهم وهجومهم على الإسلام والسلفية. أما الغرب فإنه يريد إسلاماً غير مطبق، يريد للعالم الإسلامي أن يبقى على هويته الإسلامية في الشكل فقط، أما حياته ونظمه وعلاقاته وولاؤه وبراؤه وأحكامه وتشريعاته وغير ذلك فهي تبقى على ما هي عليه من علمنة وبعد عن الله، هذا الذي يريده الغرب، ومن هنا فإن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى الذي يدعو إلى منهاج السلف الصالح عليه أن يبصر هذه القضايا ويتدبرها، وأن يعلم ويوقن أن هذه القضايا المعاصرة التي يكثر الحديث عنها في هذه الأيام وتوجه فيها السهام إلى الإسلام أن هذا الأمر إنما يدل على عظمة هذا الدين وصحة ذلك المنهاج، المسلمون اليوم ضعفاء ومتفرقون، وحالهم يرثى لها كما يشاهد، ومع هذا فلا تزال السهام ترسل قوية جداً إلى المسلمين، أرأيت لو عدنا إلى منهاج صحيح، وعدنا إلى ديننا وإلى عقيدتنا وإلى شريعتنا وطبقناها من خلال فهم صحيح مؤصل كيف ستكون الحال؟ لا شك أن الحالة ستتغير: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]. إذاً العودة إلى منهاج السلف الصالح لا خيار للأمة الإسلامية فيها، والأمة الإسلامية إن ظنت أنها تستطيع أن تلحق بالغرب في تقدمه المادي فأظن أن مفكريها يدركون أن الغرب قد سبقهم إلى ذلك أشواطاً بعيدة، وأن الغرب حتى هذه اللحظة لا يسمح بنقل تلك الحضارة المادية وأصولها إلى المسلمين، لا يزال يحتفظ بمفاتيح مخترعاته على مختلف أنواعها وأشكالها، فمن ظن أنه يمكن بهذه الطريقة أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها فهو مخطئ، لكن ما هي الطريقة الصحيحة التي تجمع بين الأمرين؟ هي العودة أولاً إلى هذا الدين وإلى هذا المنهاج، والعودة إلى هذا المنهاج ستكون أول سبب من أسباب الاستقلال والتميز لهذه الأمة عن مشرق أو مغرب، ومن ثم فإن هذه الحقيقة الناصعة يجب أن يدركها الجميع.

    1.   

    الأسئلة

    التلازم بين العقيدة والشريعة عند أهل السنة وغيرهم من الفرق

    السؤال: الخوارج يرون التلازم التام بين الشريعة والعقيدة، والمرجئة ينفون التلازم، ومنهاج السلف وسط بينهما، فكيف يرون التلازم بين العقيدة والشريعة؟ هل هو تلازم ناقص؟ الجواب: السلف يرون التلازم التام بين الشريعة والعقيدة، فمن الناحية النظرية قد يقرب منهاج الخوارج من منهاج السلف، ولذا تجد في كتب العقيدة الإيمان عند أهل السنة هو قولٌ واعتقاد وعمل. وعند الخوارج: الإيمان هو قول واعتقاد وعمل. فتعريفهم في الظاهر واحد، لكن اختلف في مقدار مدى نقض هذا التلازم للعقيدة، تجد الخوارج ينقضون العقيدة بمجرد ارتكاب الكبيرة، والسلف يخالفونهم في هذا، لهذا فالتلازم بين العقيدة والشريعة أصل من أصول الإسلام، فما هناك تلازم ناقص بالنسبة لأهل السنة والجماعة، لكن فهمهم لهذا التلازم ثم تطبيقهم العملي له يختلف عن منهاج الخوارج، كما أنه يختلف عن منهاج المرجئة.

    الاستفادة الجائزة والممنوعة من التعليم الغربي

    السؤال: ما حكم من يستفيد من الحياة الغربية من سلوك وأفكار تربوية واجتماعية لا تعارض العقيدة والشريعة كنظام التعليم وغيره؟ الجواب: القضية سهلة، كل شيء يرجع إلى أصوله، ومن ثم فأنت حينما تأتي بنظام التعليم من عند الغرب لتستفيد منه نقول: نظام التعليم القائم على جهة من نظام التعليم الغربي، يقوم إما على الإلحاد، أو على مبدأ دين النصرانية، أو على الفلسفة الإغريقيه أو غيرها، فحينئذ سواء أكان هذا علماً أم منهاج تعليم فإنه حين يعلمك منهجية التعليم بتلك المناهج الغربية تكون مرفوضة في منهاج الإسلام، هذا القسم الأول. القسم الثاني: منهاج ترتيبي تنظيمي يمكن أن يستفيد منه الإنسان، كأن يستفيد في ترتيبه المكتبة أو ترتيب بعض القضايا الإدارية التي تتعلق بالتدريس أو التعليم أو غير ذلك، سواء أكان الإنسان يجلس على البسط -على ركبتيه- للتعلم، أو يجلس على الماسة، أو يستخدم الكمبيوتر، أو يستخدم الكتابة اليدوية أو غيرها، كل هذه من الأشكال يستفيد منها المسلمون ما استطاعوا، لكن يفرق بين الحالة الأولى والثانية.

    الفرق بين العقيدة والشريعة

    السؤال: ما الفرق بين الاصطلاحين: العقيدة والشريعة؟ وهل يشمل أحدهما الآخر؟ الجواب: العقيدة: هي ما اعتقده الإنسان، والشريعة: هي عبادات الإنسان ومعاملاته في هذه الحياة، هذا عندما نجمع بينهما، فإذا قلنا: العقيدة والشريعة صار للعقيدة معنى وللشريعة معنى آخر، لكن عند إطلاق أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر، فإذا قلت: العقيدة الإسلامية فالشريعة الإسلامية داخلة فيها، وإذا قلت: الشريعة الإسلامية فالشريعة الإسلامية داخلة فيها العقيدة؛ لأنها لا بد أن تقوم على أساس عقدي.

    معنى قول عمر: (نعمت البدعة)

    السؤال: كيف نوفق بين كون الشريعة الإسلامية كاملة وقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هي) عندما سئل عنها؟ الجواب: أبداً ليس فيه تعارض؛ لأن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما قال: (نعمت البدعة) قالها رداً لمن ظن أنها بدعة، فقال: (نعمت البدعة) وعمر رضي الله عنه أراد بقوله: (نعمت البدعة تلك) ما يدل على أن عمر متيقن منها ومن صحتها، ودليل يقينه أن أصل التراويح شرعه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ما أم الصحابة خوفاً من أن تفرض عليهم، فلما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى زال ذلك الخوف، فبقيت هذه الشرعة، فأعادها عمر رضي الله عنه وأرضاه، وجمع الناس على قارئ واحد، فلما اعترض معترض بأن هذا ما كان موجوداً قال عمر : (نعمت البدعة تلك)، إذاً تسميتها بالبدعة سواءٌ أكانت تسمية لفظية أم تسمية من باب المشاكلة فإنها ليست بدعة؛ لأنها لها أصل في الشريعة.

    متى يحكم على المفرط في الشرع أنه مرجىء

    السؤال: هل يمكن أن نقول عن بعض الشباب الذين يؤمنون بالله ولكنهم لا يصلون ولا يتمسكون بالشريعة: إنهم مرجئة؟ الجواب: كونهم لا يصلون هذا يأتي في الخلاف في حكم تارك الصلاة، ولا نصفهم بالإرجاء فحسب، بل قد يوصفون بالخروج من الإسلام، وهذا على القول الراجح في أن تارك الصلاة بالكلية يكفر، أما إذا كان عن كونهم لا يتمسكون بالشريعة فهذه بحسبها، لكن ما منبع عدم تمسكهم بالشريعة في شئون حياتهم؟ نقول: إن كثيراً من الناس تقول له: يا أخي! اعمل. فيقول لك: يا أخي! التقوى ها هنا، تقول له: يا أخي! افعل الخير. يقول لك: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، فهذه عقيدة ومذهب المرجئة، فإذا كان يحتج بهذا المنهاج فهو متأثر بمذهب المرجئة، أما إذا كان لا يحتج وإنما تغلبه نفسه وهواه فيفرط في بعض الواجبات ونحو ذلك فالأمر -والحالة هذه- قد يكون مبنياً على نوع من الفسق لا على اتباع لمذهب المرجئة.

    قضية إبراهيم في سورة الأنعام كانت على سبيل المناظرة لا البحث

    السؤال: كيف نرد على ما اشتهر من قصة إبراهيم عليه السلام مع القمر والشمس، حيث قال: هَذَا رَبِّي.. [الأنعام:76] إلى آخره، فهل الناس مروا بفترة انقطع فيها الدين عن الحياة، أم أنه فقط أسلوب من أساليب الدعوة؟ الجواب: قول الله تعالى عن إبراهيم: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:75-79]. هذه الآيات اختلف فيها المفسرون على قولين: القول الأول: إن هذا فهم وتدرج من إبراهيم نفسه. أي أن إبراهيم نفسه ظن أن هذا الكوكب ربه، فلما غاب قال: (لا أحب الآفلين)، ثم لما رأى القمر قال كذلك، ثم لما رأى الشمس إلى أن تبين لإبراهيم نفسه أن هذه لا تستحق العبادة من دون الله، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض. القول الثاني للمفسرين: إن هذا من إبراهيم من باب المناظرة والرد على قومه الذين كانوا يعبدون الكواكب والشمس والقمر، فإبراهيم أراد أن يبين لهم أن هذه لا تستحق العبادة من دون الله، فلما رأى الكوكب قال وقومه يسمعون: (هذا ربي)، فلما غاب الكوكب قال: (لا أحب الآفلين) كيف يكون ربي ويغيب؟! وهكذا علمهم إلى أن قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)، فهذه الكواكب لا يجوز أن تعبد من دون الله. والقول الثاني هو الصحيح، أما القول الأول وإن أورده بعض المفسرين فهو قول ضعيف؛ لأن إبراهيم مفطور على فطرة الإسلام، ولأن رؤية إبراهيم للكواكب والشمس والقمر لم تكن في يوم من الأيام حدثت له ولم تكن قبل ذلك، فإبراهيم كان يرى القمر ويرى الكواكب في كل يوم، فلماذا في هذا اليوم ينتقل وهو يعلم أن الكوكب سيغيب، ويعلم أن الشمس ستغيب، ويعلم أن القمر سيغيب؟! إذاً القول الصحيح أن هذا من باب المناظرة بالنسبة لإبراهيم مع قومه، وعليه فلا تدرج في الأديان ولا في غيرها، وهو شبيه بموقف إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما كسر الأصنام وجعل الفأس معلقاً على رقبة كبيرهم، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء:58]، فلما رجعوا من عيدهم وجدوا أصنامهم مكسرة، فقالوا: من فعل هذا؟! تداولوا الرأي والأمر فقالوا: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:60]، فقالوا: ائتوا به على أعين الناس حتى نفضحه أمام العالمين، ونبين كيف أنه فعل جريمته الشنعاء حين كسر الأصنام، وجمعوا الناس جميعاً حينما أراد الله خزيهم وفضيحتهم، وأتوا بإبراهيم عليه الصلاة والسلام للمحاكمة. والقضية شبيهة بقصة الغلام والساحر، فلما اجتمعوا قيل لإبراهيم: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا [الأنبياء:62] هل أنت الذي كسرت الأصنام؟ وهنا جاء الجواب: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63]، وهنا وقعوا في المأزق، ولذلك قال تعالى: فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [الأنبياء:64] أنتم الذين جمعتم الناس وأوقعتم أنفسكم في هذا المأزق فافتضحتم. فهذا منهاج دعوي لإبراهيم عليه الصلاة والسلام. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.