إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحمن صالح المحمود
  4. معالم الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلم

معالم الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلمللشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يقبل الله من عبدٍ صرفاً ولا عدلاً حتى يؤمن به وفق ما جاءت به النصوص، وللإيمان به معالم منها: الإدراك الجازم بأن الله عز وجل حكم عدل لا يظلم أحداً، والاعتقاد الجازم بأنه سبحانه قد علم كل شيء أزلاً، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وبهذا يصل العبد إلى كمال الراحة والطمأنينة فيما قدره الله تعالى له، فلا يجزع من مصيبة، ولا يضرب نصوص الشرع بعضها ببعض.

    1.   

    الإيمان بالقدر وأهميته

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فسنقف -بإذن الله تعالى- مع قضية من قضايا العقيدة الكبرى؛ لأن أثرها في حياة الإنسان وفي حياة البشرية كبير جدا، ومستمر مع الإنسان منذ ولادته إلى أن يلقى ربه تبارك وتعالى، ومن ثم كان عرض مثل هذا الموضوع وبيانه على منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى مما ينبغي أن تربى عليه الأمة ويعنى به الدعاة والمصلحون؛ لأن أثر الإيمان بالقضاء والقدر على حياة الإنسان والأمة كبير جدا، وأي إشراك فيه قد يؤدي إلى انحراف أو انحرافات في حياة الإنسان الحر، أو في حياة الأمة جمعاء. ولهذا فسأعرض هذه القضية من خلال القضايا التالية بعد المقدمة. أولاها: أحوال بعض الصالحين مع القضاء والقدر. وثانيها: المعالم الكبرى في مسألة القضاء والقدر. وثالثها: أهم مسألة في قضية القدر وأخطرها. ورابعها: أثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة الإنسان وحياة الأمة. وأقول فيما يتعلق بالمقدمة: إن هذا الموضوع كثر البحث فيه، حتى ألفت فيه كتب عديدة، وقد عني سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى بذلك عناية كبيرة، حتى بوب له الأئمة أئمة الحديث في كتبهم كـالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم. كما أن بعض العلماء ألفوا فيه كتباً مستقلة، كـالكلابي والبيهقي وغيرهما من الأئمة رحمهم الله تعالى، ثم توالت بعد ذلك المؤلفات في هذا الموضوع لعلماء الإسلام قديماً وإلى عصرنا الحاضر، ومن ثم فلا يزال في الساحة كتب كثيرة في هذا الموضوع، وإن كان بعضها مما ينبغي أن يقرأه الإنسان بحذر؛ لأن أصحابها ربما تأثروا بمناهج الفلاسفة أو المتكلمين أو غيرهم، فلم تصبح دراستهم لهذا الموضوع المهم دراسة قائمة على منهاج سليم في جميع الوجوه. وقد سبق أن ألقيت في هذا الموضوع محاضرات، ومن ثم فسأحرص -إن شاء الله تعالى- على عرض هذه القضية من خلال قضايا مجملة أحس أن كثيراً من الناس بحاجة إليها. أما تفاصيل ما يتعلق بالقضاء والقدر وأدلته وقضاياه المتعددة فتلك موجودة في بطون الكتب، ويمكن أن نحيل على بعضها، وأقول: أيها الأخ في الله! إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ولقد كانت الأمة الإسلامية عبر القرون مؤمنة بالقضاء والقدر، ولم تكن تشكو من هذه القضية، وإنما الذي كان يشكو منها نزرٌ يسير من الناس استهواهم الشيطان أو استهواهم أصحاب البدع فانحرفوا في هذا المجال. أما بقية الأمة فقد عاشت قروناً تؤمن بالقضاء والقدر وتعبد ربها وليس عندها مشكلة من هذه القضية، ونحن -والحمد لله- نشاهد أمثال ذلك فيما بيننا، فهل رأيت أباك أو أمك أو أحد أقربائك يوماً من الأيام يشكو من هذه المشلكة التي يشكو منها بعض الشباب؟ أم أنهم -والحمد لله- كانوا مؤمنين بالله مسلمين لقضائه وقدره عابدين لربهم تبارك وتعالى، إن أصابتهم مصائب تذكروا أنها بقضاء الله وقدره فصبروا، وإن وقعوا في معايب وذنوب عرفوا أنهم أخطئوا فلم يحتجوا بقدر وإنما رفعوا أكف الضراعة إلى المولى القدير ليتوب عليهم ويعفو عنهم، ثم أبدلوا سيئاتهم بحسنات يرجون بها محو تلك السيئات السابقات، والحمد لله أننا ما زلنا نشاهد نماذج عديدة ومتعددة وكثيرة من هذه الأنواع المؤمنة المسلمة، وهذا يدل على أن قضية الإيمان بالقضاء والقدر هي قضية إيمانية حقة لا لبس فيها ولا غموض. وإنما يحيط اللبس والشك والشبه حين ينحرف الإنسان عن منهج ربه سبحانه وتعالى.

    1.   

    منهج السلف الصالح تجاه القدر

    لقد كانت أحوال الصالحين -وهذه هي القضية الأولى- مع الإيمان بالقضاء والقدر أحوالاً تبنى على منهج سليم، مؤمنين بقضاء الله وقدره، يفعلون الأسباب ويتوكلون على رب الأرباب، ثم إنهم بعد ذلك يؤمنون بالله تبارك وتعالى ويعبرون هذا الكون. وتأمل تأملاً مجملاً في حياة الهادي البشير صلى الله عليه وسلم وحياة صحابته من بعده فستجدها حياة مستقرة مؤمنة، حياة فيها الإيمان وفيها العمل، فيها الشجاعة وفيها الإقدام، فيها التقوى وفيها الإحسان، حياة مستقرة ليس فيها أمراض عصية ولا تعب ولا أحزان إلا ما يصيب الإنسان مما يبتلي الله سبحانه وتعالى به عباده، ومن ثم آمنوا بالله أولا، ودعوا إلى دين الله ثانيا، وفتحوا الفتوحات في مشارق الأرض ومغاربها ينشرون هذا الإيمان وهذا الدين بين الناس، وتلك حياة عاشوها رضي الله عنهم جميعاً تمثل تطبيقاً عملياً صحيحاً للإسلام عموما ولهذه القضية التي نتحدث عنها خصوصا. وتوالت على ذلك أحوال السلف رحمهم الله تعالى، فكانوا مؤمنين ومسلمين رادين على أهل البدع جميعاً ومنها بدع أهل القدر وغيرهم، ولقد كانت حياتهم رحمهم الله تعالى حياة رضا وتسليم وإيمان وعمل جاد. فهذا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يقول عن نفسه: ما أصبح لي هوىً في شيء سوى ما قضى الله عز وجل. وهذا هو الإيمان والتسليم. وكان رحمه الله تعالى يدعو ويقول: اللهم! رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير شيء عجلته. ورحم الله عمر بن عبد العزيز ، فتلك -والله- صفات المؤمنين الذين لا يفرحون بما آتاهم الله ولا يحزنون على ما فاتهم من أمور، وإنما يسلمون للقدر المكتوب. يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: يصبح المؤمن حزيناً ويمسي حزيناً ويتقلب في النوم -أي: يتقلب في النوم مما فيه من أحزان وأكدار- ويكفيه ما يكفي العنيزة. أي: يكفيه من البلاغ والطعام ما يكفي العنيزة. فلماذا الأحزان والأكدار؟ هذا معنى كلام الحسن رحمه الله تعالى. ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيرا؛ فإنما له ما قدر له، ولا يأت أحدكم فيمدحه فيقطع ظهره. أي: لا يأتي إليه ليمدحه ويقطع ظهره حتى يعطيه أو يقضي له حاجته، بل إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيرا، فإن كان قد قدر فسيكون. هذه أحوال المؤمنين. ومن ثم قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: يا ابن آدم! لا تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. كلمات فيها عبرة، إذا فاتك شيء لا تحزن، وكيف تحزن على شيء قد فاتك وهو لن يأتيك أبدا؟ ثم بعد ذلك لا تفرح بشيء موجود؛ لأن الموت أمامك، فإنه لن يتركه بين يديك، فكم من صاحب سلطان وجاه كان له في العالمين ذكر ثم إذا به يرحل؛ لأن الله كتب الموت على الجميع. فلا تفرح بما عندك ولا تحزن على ما فاتك، ولقد روي أن رجلاً كان يمتدح رجلاً مثله بشعره لينال العطاء والمكانة، ثم ابتلاه الله عز وجل بمرض أقعده، فهجره الممدوح وقلاه، فقال عن نفسه يصور حاله معه: أبعين مفتقر إليك نظرتني فرميتني من فوق أعلى شاهق لست الملوم أنا الملوم لأنني أنزلت حاجاتي بغير الخالق. ويقول جنيد بن أحمد الطبري رحمه الله تعالى وهو يصور أحوال العباد: العبد ذو ضجر والرب ذو قدرٍ والدهر ذو دولٍ والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللؤم والشوم وصدق رحمه الله تعالى. فإن الإنسان يؤمن بالقدر المقدور والأرزاق المقسومة، فإذا آمن بذلك استراح، أما إذا فكر فيه واعترض على قدره شقي ولن يأتيه إلا ما قدر له، والعاقل البصير هو الذي يعرف ذلك.

    1.   

    المعالم الكبرى في الإيمان بالقدر

    اليقين بعدل الله تعالى

    ثانياً: المعالم الكبرى في مسألة الإيمان بالقضاء والقدر. إن هذه المسألة لابد من ضبطها بتلك المعالم حتى يستقيم فهم الإنسان لهذه القضية وإيمانه بهذا الركن على الوجه الصحيح؛ لأن كثيراً ممن انحرف في هذا الباب إنما انحرف لاختلال معلم من هذه المعالم التي سأذكرها، وهذه المعالم هي ما يلي: أولاً: اليقين التام بعدل الله تبارك وتعالى وأن الله تعالى لا يظلم أحدا، وهذه قضية كبرى يجب على العبد أن يؤمن بها إيماناً عميقا من غير شك ولا ريب، فالله سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم الناس شيئاً، ويبنى هذا على عدد من الأسس. أولاها: كمال صفات الله سبحانه وتعالى، فهو العزيز الحكيم، وهو الغفور الرحيم، وهو العليم القدير، وهو سبحانه وتعالى الحكم العدل، ومن ثم فالإيمان بهذه الأسماء والصفات يجعل قلب المؤمن يقر بأن الله كامل، ويقر بأن الله لا يمكن أن يظلم أحدا. والأساس الثاني في قضية عدل الله أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يظلم أحداً من الناس، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، ويقول الله تبارك وتعالى عن نفسه: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، قضية يقينية لابد أن تكون مستقرة في قلب الإنسان، أن الله لا يظلمك، بل إنه تعالى حرم على نفسه الظلم فقال تعالى -كما في الحديث القدسي الصحيح- : (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، والذي يحتج بالقدر ويعترض على ربه سبحانه وتعالى هو بلسان حاله أو بلسان مقاله متهم لربه سبحانه وتعالى بهذا؛ لأنه يعترض على ربه، فهو يزعم أن التقدير ظلم من الله تبارك وتعالى. والثالث من قضايا هذا العدل أنه تعالى غني عن العالمين، فهو سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى عباده، ليس بحاجة إليهم حتى يظلمهم، ولو تأملنا أحوال العباد لوجدنا بعضهم يظلم بعضاً لأمور: إما لحب العلو في الأرض، أو لأجل أن يأخذ أموالهم، أو ليتسلط عليهم، أو لغير ذلك من الأسباب، أما ربنا سبحانه وتعالى فهو غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة المطيعين ولا تضره معصية العاصين، ومن ثم قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا). إذاً فربنا سبحانه وتعالى غير محتاج إلى أحد، ومن ثم فهو ليس بحاجة إلى أن يظلم أحداً من الخلق، وبهذه القضية وبهذا المعلم وهذا الميزان يستريح الإنسان؛ لأن قلبه في هذه الحالة يستقر على يقين تام أن الله تبارك وتعالى في عليائه بأسمائه وصفاته غني عن العالمين، فهو غير محتاج إليهم، وأنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يظلمك أبدا، فإذا وقعت في معصية فتب إلى الله، وإذا أصابتك مصيبة أو رأيت الناس قد اختلفوا في أرزاقهم أو أحوالهم فلا تعترض على الله أبدا، وإنما أيقن يقيناً تاماً أن الله حكم عدل لا يظلم أحدا. وهذه القضية -أيها المسلم- وهذا المعلم من المعالم المهمة التي يجب على كل واحد منا أن يذكر بها نفسه وأن يربي عليها من حوله؛ لأن القلب إذا استقر على ذلك استراح، ومن ثم كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يقررون هذه القضية مع أنها مقررة في الكتاب والسنة، لكن كانوا يقررونها ويعلمونها من حولهم. روى أبو داود وابن ماجه وابن أبي عاصم والإمام أحمد رحمهم الله تعالى بإسناد حسن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني لعل الله جل ثناؤه أن يذهبه من قلبي. فقال: -أي: قال له أبي بن كعب - : (لو أن الله جل ثناؤه عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما تقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار). فتأمل هذا التعليم، لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، قضية إيمانية؛ لأن الله غير محتاج إلى الخلق: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:6]. لهذا فإن الإنسان إذا استقر عنده هذا لا يكون في قلبه شيء، بل يؤمن بالقدر ولا يصبح في قلبه أي اعتراض على ما قدره الله سبحانه وتعالى وكتبه، وليس هذا منهج أبي بن كعب فقط، بل إن ابن الديلمي ذهب إلى مجموعة من الصحابة فقالوا له مثل ذلك، ذهب إلى عبد الله بن مسعود فقال له مثل ما قال أبي ، وذهب إلى زيد بن ثابت فقال له مثل ذلك، وذهب إلى حذيفة بن اليمان فقال له مثل ذلك، فدل هذا على أن هذه الحقيقة مستقرة في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى مسلم عن أبي الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى قال: قال لي عمران بن حصينعمران بن حصين هو الصحابي الجليل المعروف-: أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون أشيء قضي عليهم من قدر قد سبق أو مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ يقول أبي الأسود : قلت لا. بل شيء قضي عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً وقلت: ليس شيءٌ إلا وهو خلق الله وملكه لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]. فانظر إلى تسليم هذا التابعي لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] بعد أن فزع من هذا الكلام، يقول: فقال لي عمران بن حصين: يرحمك الله! ني -والله- ما سألتك إلا لأحزر عقلك. أي: لأختبر عقلك. رجلاً من مزينة أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أرأيت ما يعمل ويكدح الناس فيه اليوم أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقدمون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ قال: لا. بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال: ففيم العمل إذاً؟ قال: من كان خلقه الله لواحدة من المنزلتين فسييسره، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8]). إذاً هل هذا ظلم؟ لا. وهل يترك الإنسان العمل؟ لا. وإنما يعمل، وكل ميسر لما خلق له، فإذا عمل فكيف يعمل هذا الإنسان والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، كيف يعمل الإنسان وهو يجهل قدر الله؟ والجواب: يعمل الإنسان على مقتضى شرع الله سبحانه وتعالى، فيعمل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي، والله سبحانه وتعال ييسر الجميع لما خلقوا له. هذا هو المعلم الأول من معالم الإيمان بالقضاء والقدر، وأهميته -أيها الأخ- تنبع من أن الإيمان به والتصديق يعين الإنسان على الرضا بالقضاء وعدم الاعتراض.

    الإيمان بعلم الله تعالى السابق المحيط بكل شيء

    المعلم الثاني: هو علم الله تبارك وتعالى الأزلي المحيط بكل شيء، وهذه قضية؛ لأن من كماله سبحانه وتعالى أنه العليم، وأنه متصف بصفة العلم أزلاً قبل أن يخلقنا وقبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق العرش والكرسي وغير ذلك من المخلوقات؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، فمن صفات كماله تبارك وتعالى أنه قد أحاط بكل شيء علماً منذ الأزل. وعلمه تبارك وتعالى كامل بما كان وما سيكون، بل إنه سبحانه وتعالى علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وهذا الكمال لله سبحانه وتعالى خاصة، أما الخلق فمهما بلغوا فإنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله سبحانه وتعالى، وعلم الله سبحانه وتعالى المحيط بكل شيء وبما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون يجعل الإنسان يسلم بالقدر الصادق؛ لأن الله علم ما الخلق عاملون. ولهذا فإن الله تبارك وتعالى علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال تعالى عن الكفار الذين يطلبون العودة إلى الدنيا إذا وقفوا بين يدي ربهم سبحانه وتعالى ورأوا حقائق الأمور، فرأوا انقسام الناس إلى أهل الجنة وأهل النار -أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة وأن يعيذني وإياكم من النار- إذا رأوا هذه الحقيقة قالوا: يا ربنا! أعدنا إلى الدنيا، فلو أعدتنا إلى الدنيا بعدما عرفنا الحقائق ورأيناها بأم أعيننا لرجعنا وتبنا وعبدناك حق عبادتك. فماذا قال الله سبحانه وتعالى وهو العليم بهم؟ قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، فهذا ليس تقديراً، وإنما هو خبر وعلم حقيقي بأن هؤلاء لو أعيدوا إلى الدنيا مرة ثانية لعادوا لما نهوا عنه ولعادوا إلى الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى. لأن الواحد منهم قد يتسلط عليه شيطانه فيما لو عاد إلى الدنيا، فيقول: انظروا! لقد قلنا لكم: إن البعث كذب، ها نحن قد عدنا إلى الدنيا مرة ثانية! ثم يعود إلى كفره وضلاله. لكن قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28] حقيقة لا شك فيها. إذاً علم الله سبحانه وتعال قد أحاط بكل شيء، فما تصنعه أنت -أيها الإنسان- وما تفعله وما يعمله الناس جميعاً وما يقع من أي شيء من شجرة تنبت أو بحر يموج أو سمكة تغوص أو حشرة تمشي أو غير ذلك كل هذا في علم الله تبارك وتعالى الأزلي وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا [الأنعام:59]، فأي ورقة في شجرة في أي مكان من الدنيا في جزيرة أو جبل أو شعب أو فضاء أو غير ذلك إذا سقطت هذه الورقة فإن الله سبحانه وتعالى يعلمها، فكيف لا يعلم بحالك أنت أيها المخلوق المكلف؟! إذاً علم الله الأزلي أحاط بكل شيء، وعلم الله الأزلي يقتضي بقية المراتب الأربع التي هي أسس الإيمان بالقضاء والقدر. فمراتب القدر أربع: الأولى: العلم. الثانية: الكتابة. أي أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة على مقتضى علمه. الثالثة: المشيئة. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. الرابعة: الخلق. أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء. ومن هنا يتبين ضلال من أراد أن يخرج من قضية القدر مثل المعتزلة وغيرهم بقولهم: إن الإنسان له قدرة مستقلة وله إرادة مستقلة عن الله. هكذا زعموا أنهم يحلون مشكلة القدر بأن يقولوا: إن الإنسان له إرادة مستقلة، فإذا أراد الله أمراً وأراد المخلوق أمراً فالذي يقع إرادة المخلوق؛ لأن المخلوق هو الذي يريد الطاعات والمعاصي. ويقولون أيضاً: إن الله لا يخلق أفعال العباد، وإنما الذي يخلق أفعال العباد هم العباد أنفسهم. فنقول لهم: ماذا تقولون في علم الله؟ فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال كلمة مهمة جداً في هذا الباب، وهي قوله: ناظروا القدرية -يعني المعتزلة- بالعلم، فإن أنكروه كفروا وإن أقروا به خصموا. هذه العبارة هي التي أردت أن أوضحها هنا في قضية أهمية علم الله سبحانه وتعالى والإيمان به كمعلم بارز من المعالم. فإننا نقول للقدري المعتزلي الذي يقول: إن الإنسان حر وله إرادة مستقلة نقول له: ماذا تقول في علم الله الأزلي الكامل؟ هل تؤمن به أو لا؟ فماذا سيقول؟ إن أنكره وقال: لا أؤمن بعلم الله الأزلي كفر؛ لأن هذا مذهب الغلاة من القدرية الذين أنكروا العلم فكفرهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وكفرهم أئمة السلف، فهم الذين يقولون: الأمر بالنسبة لله أنُفٌ، أي: لا يعلمه إلا بعد وجوده. فالمعتزلي إن أنكر العلم كفر، وإن أقر به -وهو أصلاً يقر به؛ لأنَّه يؤمن بالعلم ويؤمن بالكتابة- إن أقر بالعلم خصم، فنقول له: أنت قلت: إن الإنسان له إرادة مستقلة عن إرادة الله، فله أن يفعل هذا أو يفعل هذا. فنقول لك: علم الله بما سيفعله العبد واحد أو متعدد؟ فسيقول: علم الله واحد. فهل سيخرج العبد عن علم الله؟ هل سيفعل العبد فعلاً يخالف علم الله؟ فسيقول: لا يفعل العبد فعلاً يخالفه ما في علم الله. فنقول له: إذاً ما فائدة الحرية التي أعطيتها إياه إذا كان علم الله الأزلي السابق قد أحاط بكل شيء، وإذا كان العبد لم يخرج عما في علم الله سبحانه وتعالى. لهذا فلا مخرج في قضية القضاء والقدر إلا بالإيمان به على منهج السلف الصالح وإثبات علم الله الأزلي المحيط بكل شيء، إذاً عندنا معلمان بارزان: أولهما: عدل الله وأن الله لا يظلم. والثاني: علم الله المحيط بكل شيء، وأن كل ما يجري فإنما يجري على وفق علم الله الأزلي.

    الإيمان بقيام حجة الله سبحانه وتعالى على عباده

    المعلم الثالث: هو قيام حجة الله سبحانه وتعالى على عباده. فالإنسان لو تأمل حاله لوجد نفسه يفعل بإرادته وقدرته، ولوجد نفسه غير مكره، ولو أكره على أمر لم يحاسب عليه، وقيام حجة الله على عباده جاءت بأمور أربعة: أولها: أن العبد قد أعطاه الله قدرة بها يفعل، ولذلك يفعل العبد أفعاله بقدرته، فهو الذي يذهب ويصلي ويصوم، وهو الذي -أيضاً- يفعل المعاصي بقدرته. الثالث: أن له مشيئة لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:28]، وهذه المشيئة أعطاه الله إياها، وهي خاضعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، لكن العبد له مشيئة بها يفعل، فلو فعل فعلاً بغير مشيئة فإنه لا يحاسب. الرابع: أن الله سبحانه وتعالى لا يكلفه إلا بعد البلوغ ووجود العقل، أي أن التكليف مربوط بالعقل والبلوغ، فغير العاقل لا يكلف، وغير البالغ أيضاً لا يكلف، فانتبه لمعالم قيام الحجة. الرابع من معالم قيام الحجة: أن الله سبحانه وتعالى بين لك الطريق، فأرسل إليك الرسل وأنزل عليهم الكتب، فبينوا لك الطريق بياناً واضحاً مثل الشمس، ومن ثم فإن رسل الله سبحانه وتعالى قامت بهم حجة الله تبارك وتعالى على عباده، فإذا تأملت هذا الإنسان وجدته عنده قدرة، وله إرادة، وهو بالغ عاقل، وقد بينت له الطريق والمحجة فقيل له: افعل هذا ولا تفعل هذا، إن فعلت ما أمرت به فلك الأجر، وإن عصيت وتركت أو فعلت ما نهيت عنه فعليك الوزر. بيان واضح أقام الله به الحجة على عباده، ومن ثم فهذا الإنسان لو تأملت أحواله في هذه الحياة لوجدتها تنقسم إلى قسمين: قسم يجري على الإنسان في هذه الحياة لا إرادة له فيه، فهذا لا يحاسب عليه، مثل كون الإنسان وجد وولد في يوم كذا من أبوين هما فلان وفلان، وعمره كذا، وطوله كذا، وشكله ولون بشرته كذا، فلا يحاسب الإنسان على هذه الأشياء فيؤتى به يوم القيامة فيقال له: لماذا أنت قصير؟ أو: لماذا أنت طويل؟ كذلك أيضاً ما يجري على الإنسان بغير إرادة منه، فإذا مرض وما استطاع أن يذهب إلى المسجد، أو إذا أصابته مصيبة أو غير ذلك من الأمور هل يحاسب الإنسان عليها؟ لا؛ لأنها أمور جرت عليه بغير إرادة منه فلا يحاسب عليها. فمن وقعت عليه مصيبة يؤمر بالصبر؛ لأنَّه يؤجر على ذلك، لكن لا يقال له: لماذا وقعت عليك المصيبة؟ فهذا هو القسم الأول من أقسام ما يجري عليك أنت أيها الإنسان، فهذا قسم لا تحاسب عليه؛ لأنه لا إرادة لك فيه، وإنما جرى عليك بغير إرادة. القسم الثاني: هو ما يفعله العبد بإرادته، أي: ما يقدم عليه الإنسان بإرادته وقدرته فيفعله، فهو يتكلم بإرادته، ويمد يده بإرادته، ويمشي برجله بإرادته، ويفعل بجسمه بإرادته، فهذه الأشياء التي تقع بإرادته هي موطن التكليف والحساب. إذاً فهنا يتبين أن الإنسان الذي يحتج بالقدر ثم يأتي ليقول: أنا مكره وأنا ملزم نقول له: لا. يأتي وقد فعل المعصية فنقول له: هل فعلت المعصية بإكراه؟ هل أكرهك أحد عليها وأنت فعلتها؟ فيقول: قطعاً أنا الذي ذهبت إلى المعصية. إذاً لا تلومن إلا نفسك، ولا حجة لك على ربك سبحانه وتعالى في هذا، وهكذا بقية أمور الدين.

    حكم الله تعالى في القدر

    المعلم الرابع من معالم الإيمان بالقضاء والقدر هو: هل لله في القدر حكمة وسر؟ نحن نقول: يجب التسليم بالقضاء والقدر، والنبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه النهي عن الخوض في القضاء والقدر فقال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا). لكن هذا النهي لا ينصب على الإيمان بالقضاء والقدر ومعرفته بأنه ركن من أركان الإيمان مذكور في القرآن وفي السنة، فالإيمان به وتوضيحه على منهاج صحيح هذا أمر واجب؛ لأن القضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في القدر على وجه الباطل، مثل أن يحتج به على المعاصي ولا حجة له، ومثل أن يتمادى في القدر ويقول: هذا مجبور، هذا مخير. أو يعترض على القدر وعلى ما قدره الله سبحانه وتعالى، فالخوض في القدر على منهاج أهل الأهواء أو على طريقة الاعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى هو الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه قضية. القضية الثانية: هي أن الله سبحانه وتعالى له حكمة في خلق عباده وابتلائهم وامتحانهم. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي أراد أن يوجد العباد على هذه الحالة، أن يكون منهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، وإلا فلو شاء الله سبحانه وتعالى لجعل الناس كلهم مهتدين، قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35]، ولو شاء لجعل الناس مثل الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. إذاً لماذا جعلهم هكذا؟ لله في ذلك حكمة قد ندرك بعضها وقد لا ندرك كثيراً منها، فهو سبحانه وتعالى له حكمة في أن يوجد هذا الصراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، حتى يبتلي عباده فيبتلي بعضهم ببعض. ومعرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في هذا تجعل الإنسان يؤمن بقدر الله الأزلي، ومن ثم فإن الإنسان لا يعترض على سر الله في القدر، فما هو سر الله في القدر؟ يقول الأئمة رحمهم الله تعالى: سر الله في القدر كونه أمات وأحيا، وأفقر وأغنى، وأذل وأعز. أي: كونه سبحانه وتعالى أراد بحكمته أن يوجد الناس على هذه الحال، فكما أن الإنسان لا يعترض ويقول: لماذا فلان مات وعمره عشر سنوات بينما فلان مات وعمره تسعين سنة؟ وذلك لأن الموت والحياة لله، فكذلك كونه أفقر وأغنى، فهذا غني وهذا فقير، فهذا لله سبحانه وتعالى، وكذلك كونه سبحانه وتعالى أضل وهدى، وجعل الناس هكذا هذا لله سبحانه وتعالى فلا تعترض عليه، فلا يجوز لإنسان أن يقول: لماذا لم يجعل الله الناس كلهم أغنياء؟ ولماذا لم يجعلهم كلهم يعيشون ألف سنة مهتدين؟ فهذه أسئلة فيها اعتراض على أصل حكمة الله سبحانه وتعالى في المقدورات، ومن ثم فإن المؤمن هو الذي يسلم بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.

    1.   

    توهم التعارض بين الشرع والقدر ودفعه

    بعد تلك المعالم الأربعة ننتقل إلى الأمر الثالث، وهو أهم قضية في مسألة القضاء والقدر، وهذه القضية هي توهم التعارض بين الشرع والقدر، فكل من انحرف في باب القضاء والقدر انحرف لأجل ما خطر بباله من وهم التعارض بين شرع الله وقدره. فتجد الإنسان -مثلاً- يقول: لماذا يأمرني الله وقد قدر علي؟ أليس هذا هو السؤال الذي يسأله كثيرٌ من الناس؟ نقول: هذا قائم على الظن بأن هناك تنازعاً بين الشرع والقدر، والمؤمن هو الذي يسلم، فالقدر من الله والشرع من الله، قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فالخلق هو القدر، والأمر هو الشرع، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون ما صدر من الله متعارضاً أو متناقضا، فالله هو الذي قدر الأقدار، وهو الذي شرع الشرائع، فهل يكون بينهما تعارض؟ نقول: لا. ومن ثم -والحمد لله- تجد المؤمن بالله سبحانه وتعالى مؤمناً بالقضاء والقدر مسلماً به، يعلم أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، ثم -أيضاً- تجده في نفس اللحظة مؤمناً بالشرائع، فيفعل ما أمره الله به ويشكر الله على توفيقه، ويجتنب ما نهى الله عنه، ويتوب إلى الله إذا وقعت المخالفة. هذه حال كل المؤمنين لا نزاع بينهم، والدليل على هذا أن الإنسان في حياته مأمور باتباع الشرع، أما القدر فلا علاقة له به، القدر أمر غيبي يسلم به، لكنَّه مأمور باتباع الشرع، ودعني أضرب لك مثالاً: حين يؤذن لصلاة فريضة ما نحن صانعون؟ وأولئك الذين سيسمعون الأذان هل يعلمون ما في قدر الله أو لا يعلمون؟ الحقيقة أنهم لا يعلمون، إذاً ماذا سيصنعون؟ فلو جاء أحد مسرف على نفسه وقال: يمكن في قدر الله أني لا أصلي، ثم ذهب ونام وما صلى، فهذا إنسان لا شك أنه مخطئ؛ لأنه ما الذي يدريك أنك في قدر الله وفي علم الله تصلي أو لا تصلي؟ لماذا لا يكون في علم الله أنك تصلي؟ ولهذا تجد الإنسان دائماً يستقبل أيامه بأحداث جديدة هو يجهلها، والواجب عليه أن يسير عليها على منهاج ربه، فإذاً أمرنا الله بالصلاة فنصلي، ونهانا الله عن ترك الصلاة أو عن فعل المعاصي فنجتنبها. وهكذا في حياة الإنسان، فهو في كل لحظة وفي كل ساعة يستقبل أمراً مجهولاً، وإذا كان يستقبل هذا الأمر المجهول فالواجب عليه أن ينظر إلى الشرع فينفذ.

    طوائف المتوهمين

    إذاً هل هناك صراع بين القضاء والقدر وبين الشرع؟ الجواب: لا صراع. ولهذا تجد أن الذين انحرفوا في هذه القضية -قضية التعارض بين الشرع والقدر- انحرفوا وانقسموا إلى أقسام، فقسم منهم مال إلى القول بحرية الإنسان حتى يقول: إن الشرع والأمر به صحيح، كما ذهب إليه المعتزلة وقالوا: الإنسان حر. ومثلهم أصحاب مذاهب الحرية في العصر الحديث وغيرهم الذين يقولون: إن الإنسان حر تماماً. وأخطر ما في هذا المذهب أنه يؤدي بالإنسان إلى الانسلاخ من الشريعة؛ لأن الإنسان إذا كان حراً عن قدر الله سبحانه وتعالى فهو أيضاً حر عن شرع الله، وإذا آمن الإنسان بقضاء الله وقدره وربوبيته على الخلق أجمعين آمن بأن الذي يملك هذا هو الذي شرع، فتجب طاعته في الشريعة. ومن هنا تجاوز هذا الانحراف في فهم هذه القضية إلى أن قالت طائفة بالحرية المطلقة للإنس، وقابلتهم طائفة أخرى فقالت بالجبر، أي أن الإنسان مجبور، وهؤلاء الذين قالوا بالجبر قوم قالوا به وأضافوا إليه القول في الإرجاء في مسألة الإيمان، فأدى بهم هذا إلى الانسلاخ من الشريعة. لأنه يقول لك: إنَّه مجبور. كما يصنع أولئك الذين يحتجون بالقضاء والقدر، فإذا وقع في معصية قال: يا أخي! هذا مكتوب علي. نقول له: هي مكتوبة عليك لكن أنت فعلتها. فالاحتجاج بالجبر احتجاج باطل؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يحتج به في جميع أحواله، ولهذا تجد الإنسان مع الناس قدري لا يؤمن بالقدر ومع الله جبري، هذا الإنسان المنحرف إذا اعتدى أحد على ماله أو ضربه أو اعتدى على عرضه وقيل له: هذا بقضاء الله وقدره أبى وقال: لا. بل هذا مجرم، هذا فعل كذا وكذا فيستحق العقوبة، ويجب أن يعاقب. أليس الإنسان يقول هذا؟ بلى. فإذا قيل له: هذا بقضاء الله وقدره قال: لا. ما علي من قضاء الله وقدره، هذا الذي فعل هذه الخطيئة أو هذا الذنب فأخذ مالي أو ضربني أو اعتدى على ولدي أو أهلي أو غير هذا يستحق العقوبة. فانظر إليه لا يحتج بالقدر مع أن الذي جرى هو بقضاء وقدر! فإذا ما جاءت القضية بينه وبين ربه سبحانه وتعالى اعترض وقال: قدر الله علي، فكيف يعذبني. فلماذا فيما بينك وبين الله تكون جبرياً معترضاً على قضاء الله وقدره وفيما بينك وبين الخلق تأبى، ولو قيل لك: إن هذا بقضاء الله وقدره ما رضيت، وإنما تقول: يجب أن يعاقب هذا المجرم. نقول أيضاً: أنت تستحق العقوبة؛ لأنك فعلت ما فعلت بإرادة منك وبقدرتك، ومن ثم أدت هذه المقالة -وهي قضية الانحراف في مسألة التعارض بين الشرع والقدر التي يظنها بعض الناس- أدت ببعض الطوائف مثل الصوفية إلى أن صاروا مع القدر حيث صار، أدى بهم الجبر -نسأل الله السلامة والعافية- إلى أن صاروا مع القدر حيث صار، حتى إنه إذا انتصر المسلمون قالوا: رضينا بانتصارهم لأن هذا من قدر الله. وإذا انتصر الكفار قالوا: رضينا بانتصارهم لأن هذا من قدر الله. وإذا وقع الكفر والفواحش قالوا: رضينا بها لأنها من قدر الله. فتأمل هذا الإلحاد والخروج عن شريعة الله سبحانه وتعالى ما الذي سببه؟ سببه الميل إلى الجبر الذي أدى بهم إلى إنكار الشريعة. ومن ثم فإننا نجد توهم التصادم بين الشرع والقدر هو الذي أدى بالكثير إلى نوع من الاضطرابات النفسية التي نراها ممن تسلط عليهم الشيطان فاحتجوا بالقدر على معاصيهم ولا حجة لهم، إذاً هذا الاعتراض في قضية علاقة الشرع بالقدر هذا الاعتراض هو الذي قد يؤدي ببعض الناس إلى الاحتجاج بالقدر، ونحن نقول: إن الذي يحتج بالقدر على المعاصي لا حجة له لأمور: أولها: أن الإنسان فعل ما فعل بإرادته ومشيئته، فهو غير مكره، والله قد أقام عليه الحجة. الثاني: أننا نقول لهذا الإنسان الذي فعل المعصية واحتج بالقدر عليها نقول له: هل تحتج بالقدر في جميع أمورك؟ فلو جاء أحد واعتدى على مالك المفترض أن تقول له: هذا بقضاء الله وقدره. فهل تصنع هذا؟ هو لا يصنع هذا. ثم نقول: لو أتانا وقال: إنني فعلت المعصية وهي مكتوبة علي فهي مقدرة نقول له: وماذا أنت صانع بعد الآن؟ هل تعلم ماذا في قدر الله؟ أليس من الممكن أن يكون في قدر الله أنك تتوب إلى الله وتعود إليه وتعمل الصالحات وتكون من المؤمنين؟ افعل هذا فستجد أن في قدر الله أنك من المؤمنين المتقين، لكن إذا اعترض وقال: تبين أن الله ما يريد لي الهداية. ثم أسرف على نفسه ومشى في العصيان نقول له: لا حجة لك.

    1.   

    منهج السلف رحمهم الله تعالى في التعامل مع الأقدار

    منهاج السلف رحمهم الله تعالى أنهم ينازعون القدر بالقدر، وهذه حياة الإنسان، كل قدر نازعه بقدر، فقدر الجوع تنازعه بالأكل والشرب، وقدر العطش تنازعه بالذهاب لأن تشرب الماء، وقدر حاجات الإنسان ينازعها بقدر آخر، وقدر المعصية ينازعه بقدر آخر وهو التوبة، وقدر الطاعة ينازعه بقدر آخر وهو طاعة مثلها، وهكذا، فلو تأملت حياة الإنسان لوجدته لا يمكن أن يتوقف لحظة عن القدر، فهو في قدر دائم، والمؤمن الموفق هو الذي ينازع الأقدار بالأقدار على منهاج الحق، أي: على وفق شريعة الله سبحانه وتعالى. فالإنسان في كل لحظة في قدر، ثم يستقبل اللحظات الأخرى وهي بقدر على وفق منهاج الله سبحانه وتعالى، فلو جاءنا عاصٍ وقال: هي بقدر نقول: نعم. ولا حجة لك، لكن نازع هذا القدر بقدر آخر وهو التوبة، فلو قال: تبين لي أن الله قدر علي أن أكون من العصاة وذهب إلى المعصية نقول: لا تلومن إلا نفسك؛ لأنه لا حجة لك، فلماذا تذهب إلى المعصية؟ لماذا لا تذهب إلى الطاعة؟ المؤذن يدعوك إلى الخير ولا تدري ماذا في قدر الله، ربك يناديك للصلاة فاذهب إلى الصلاة ستجد أن الله يعينك، وأن الصلاة التي تقوم بها طاعة لله هي بقضاء وقدر. وهكذا يتبين أنه لا حجة للعبد أبدا.

    1.   

    أثر الإيمان بالقدر في حياة المسلم

    زيادة الإيمان وقوته

    الأمر الرابع: أثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة المسلم. الحقيقة أن أثر هذا عظيم جدا في حياة الإنسان وفي حياة الأمة جميعاً، وسأجمل هذه الآثار، لكن ينبغي أن تعلم أن قضية الإيمان بالقضاء والقدر قضية تربية وقضية أعمال قلوب، فالإنسان الذي يعبد الله ويتبع شرعه يعمر الله قلبه بالإيمان فيصبح مؤمناً بالله سبحانه وتعالى وبقضائه وقدره فيستريح في حياته. لهذا فهذه الأثار التي سأشير إليها ما هي إلا أثار سأذكرها بإجمال تبين لنا أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في الحياة. فمنها أولاً: زيادة الإيمان وقوته؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، وكل ركن من أركان الإيمان إذا آمن به الإنسان وعمر قلبه به تصديقاً وإيماناً وعمل قلب زاد إيمانه وقوي قلبه.

    دفع المؤمن نحو العلم والإنتاج

    ثانياً: أن الإيمان بالقضاء والقدر يدفع الإنسان ويدفع الأمة إلى العمل، وليس كما يظن الناس أن الإيمان بالقضاء والقدر يدفع الإنسان إلى الكسل، لا، بل الحاصل هو العكس تماماً، فالعمل والسعي مأمور به، والمؤمن هو الذي يعلم أنه لابد أن ينازع الأقدار بالأقدار، فهو يسعى ويعمل، لكنه يختلف عن غيره بأنه يسعى ويعمل وهو مرتاح الضمير، فلا يحزن ولا يغضب إذا فاته شيء، بخلاف غير المؤمن فإنه يتحسر على كل شيء يفوته وهو يطلب رزقه مثلاً. فإذاً الإيمان بالقضاء والقدر يجعل الأمة تعمل وهي تعلم أنها إنما تعمل على وفق قضاء الله وقدره، فهي تعمل مع الإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا تجد النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه وهو في صحيح مسلم : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا. قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان). فهل تأملت كيف أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله؟ إنَّ المؤمن القوي هو القوي في إيمانه، القوي في الخير، القوي في نفع الناس، القوي في العمل، يعمر الأرض ويعمر الكون، وهو مؤمن مصدق بقضاء الله وقدره، لكنه لا يحزن إذا فاته شيء أو لم يقع هذا الشيء الذي أراده، لا يحزن ولا يكون كبعض الناس يقول: لو أني فعلت كذا كان كذا ويتحسر؛ لأن (لو) تفتح عمل الشيطان.

    إراحة المؤمن من أكدار الدنيا

    ثالثاً: الحياة أحزان وأكدار، والله يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]، فهو قد يفرح أياماً لكنه يحزن أياماً أخرى، وهذا عام لجميع الناس أعلاهم منزلة دنيوية وأقلهم منزلة دنيوية، فتش عن أحوالهم تجدها متشابهة، فالملوك والأغنياء والرؤساء المشهورون والأثرياء والفقراء المرضى كلهم فتش عن حالهم تجد أحوالهم متشابهة، يحزنون أياماً ويفرحون أياما. إذاً فمن هو الذي يستريح؟ لا يستريح إلا المؤمن الصابر على أقدار الله تبارك وتعالى.

    الرضا بقضاء الله وقدره في المصائب

    رابعاً: الرضا بقضاء الله تعالى وقدره في المصائب، وهذا الرضا هو من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان ومن أشدها أثراً على استقراره النفسي، فالحياة مصائب، والإنسان دائماً معرض لها؛ لأنها أقدار وأحكام قائمة. فالمؤمن بقضاء الله وقدره هو الذي يرضى ويسلم ويؤمن بأن هذا قضاه الله سبحانه وتعالى وقدره، ولهذا لو فتشت عن أولئك الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر تجدهم أمام هذه المصائب على أحوال عجيبة، فمنهم -كما هو الحال في كثير من بلاد الغرب- من ينتحر، يؤدي به حاله إلى الانتحار وإزهاق نفسه، نسأل الله السلامة والعافية. ومنهم من تتحول حياته إلى حياة بائسة، ينظر إلى الدنيا وإلى الحياة نظرة مظلمة، ومنهم من يتحول وتتحول حياته إلى مرض نفسي لوجود مصيبة، لكن المؤمن بالقضاء والقدر ليس هذا حاله، ومنهم من يتحول وتتحول حياته إلى النقمة من الآخرين. إذاً هذه الأحوال من يسلم منها؟ يسلم منها ذلك الذي يؤمن بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره ويسلم، فإذا سلم ورضي حول الله تبارك وتعالى تلك المصيبة إلى خير وإلى نعمة وإلى رضاً وإلى استراحة نفس واستراحة قلب، حتى إن الإنسان ربما لو خير بين وقوع المصيبة وبين ما أعطاه الله من الخير على صبره عليها فلربما اختار الثانية، وهذا هو الغاية، وليس ذلك إلا للمؤمن.

    القضاء على داء الحسد في القلوب

    خامساً: والإيمان بالقضاء والقدر يقضي على داء من أخطر الأدواء في المجتمعات، ألا وهو داء الحسد الذي هو داء عضال يأكل صاحبه ويولد الضغائن بين الناس، لكن المؤمن بالقضاء والقدر يعلم أن ما يراه على الآخرين وحرمه هو من جاه أو مال أو غير ذلك إنما هو بقضاء الله وقدره، فهو ابتلاء لهم، كما أن حرمانه ابتلاء له وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]. وإذا كان كذلك فيسلم الأمر لله، فهو الذي يمن على عباده بما يشاء، وهو سبحانه وتعالى الذي أعطى هذا ومنع هذا بقضاء وقدر، وكل ذلك امتحان وتسليم، فلماذا تحسد الناس؟ ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، هذه هي القاعدة، ومن ثم فإيمان الإنسان بقضاء الله وقدره يجعله ينظر إلى ما يجري في الكون وإلى ما يجري على الخلق وإلى تفاوت أحوالهم وأرزاقهم ومراتبهم الدنيوية ينظر إلى ذلك نظرة إيمانية قدرية ربانية تجعله يسلم الأمر لربه سبحانه وتعالى ويعلم أنه تكييف. أما إذا اختل هذا عنده صار مسكيناً قلبه يتحسر، ينظر إلى هذا الرجل الغني فيتحسر حسداً له يود لو تلف ماله هذه اللحظة، وتحسره هذا كما قال الشاعر: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله تحسر الحسود لا يضر به إلا نفسه؛ لأن ذلك الذي أعطي هذا المال لن يزول عنه بحسده، ولأنك أيضاً لن تبلغ درجته، ولن يأتيك هذا المال بحسدك، فما الفائدة؟ لا فائدة. إذاً الإيمان بالقضاء والقدر يقضي على هذا الداء العضال.

    تربية المؤمن على الشجاعة

    سادساً: الشجاعة، فللمؤمن بالقضاء والقدر شجاعة في ساحات الجهاد وعند كلمة الحق، ولقد كانت هذه سمة المسلمين على مدار تاريخهم الطويل، كانوا أهل جهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى يخوضون المعارك لا يخافون؛ لأنهم يوقنون أن الأمر مقدر وأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، دخلت المعركة أو لم تدخلها، جاهدت في سبيل الله أو لم تجاهد، فأجلك محدد، فإذا جاء يأتيك سواءٌ أكنت في معركة، أم على فراشك، أم بين يدي الأطباء، أم بين يدي أحب الناس إليك فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]. فإذا تكرر هذا عند المؤمن تحول إلى إنسان مقدام لا يخاف؛ لأنه يعلم أن الأجل مقدر، ولأنه يوقن أن الرزق مكتوب، ولأنه أيضاً يؤمن إيماناً تاماً أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام وجفت الصحف، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوصي عبد الله بن عباس . ولهذا تجد مواقف المؤمنين أمام الطغاة وأمام الظلمة يواجهونهم بالحق لا يخافون في الله لومة لائم؛ لأنهم يعلمون أن هؤلاء لا يملكون من أنفسهم شيئاً فضلاً عن أن يملكوا من غيرهم شيئاً. فهذا موسى عليه الصلاة والسلام واجه فرعون الطاغية الذي كان يقول: (أنا ربكم الأعلى). وكان معه الجنود المجندة بالألوف المؤلفة، ومع ذلك نصره الله سبحانه وتعالى ونجاه، وأغرق الله فرعون وقومه وهو ينظر. ففي ميزان الماديات موسى ضعيف وفرعون ذو سلطان قاهر، لكن في ميزان الله سبحانه وتعالى نصر الله موسى وقومه وأذل فرعون وقومه. وهذا خالد بن الوليد البطل الشجاع الذي خاض المعارك كلها كيف كانت وفاته؟ كانت وفاته على فراشه، وقال كلمته المشهورة: خضت أكثر من مائة معركة، وما في جسمي موضع أربعة أصابع إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر، يؤتي الإنسان شجاعة في الحق، ويجعله لا يخاف.

    تعليق رجاء العبد وخوفه بالله تعالى وحده

    والإيمان بالقضاء والقدر -وهذا هو الأثر السابع- يجعل العبد لا يخاف إلا الله ولا يرجو سواه، كيف هذا؟ لو تأملت في حياة الناس اليوم -مثلاً- لوجدت أن الأم تخاف على ولدها، والأب يخاف، والإنسان يخاف، وكذلك أيضاً يرجو غيره. لكن الإيمان بالقضاء والقدر يجعل خوفه ورجاءه لله سبحانه وتعالى، وهذا هو الاعتدال الصحيح في حياة المؤمن، فلا يخاف الإنسان -مثلاً- من شيطان أو جني أو ساحر أو ولي يزعم أن له كرامات أو غير ذلك؛ لأنه يعلم أن هؤلاء لا يملكون شيئاً إلا بأمر الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضاً لا يرجو المخلوقين في رزق ولا في غيره، وإنما يرجو ربه سبحانه وتعالى، وهذا أثر عظيم في حياة الإنسان.

    الشكر على النعمة والصبر على البلية وعدم التحسر على الفائت

    الثامن: أن المؤمن إذا أصابته سراء شكر وإذا أصابته ضراء صبر، وهذا لا يكون إلا للمؤمن بقضاء الله وقدره. التاسع: عدم التحسر على ما مضى، بل ينظر الإنسان دائماً إلى أمامه فيعمل، وهذه حياة المؤمن بالقضاء والقدر، فالإنسان قد يفكر أحياناً فيما مضى، يقول: لو أنني فعلت كذا، لو أنني اشتريت الأرض الفلانية ... إلى آخره، فلا يتحسر على ذلك؛ لأنه يعلم أنَّ هذا أمر مقدر، وإنما ينظر إلى ما هو أمامه فيفعل. ومن ثم فإن الإنسان يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي استأثر بعلم الغيب، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو رسول الله- يأمره الله تعالى أن يقول: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188]. العاشر: أن الإنسان قد يبتلى في هذه الحياة بمرض أو بولد معاق، أو يكون ممن لا يولد له إلا بنات، أو يكون عقيماً ممن لا يولد له، أو غير ذلك من أمور الحياة التي قد تبقى مع الإنسان طول حياته، فهذا كله بقضاء الله وقدره، لكن من هو الذي يستريح؟ لا يستريح إلا من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا ورضي بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره فسلم؛ لأن هذه الأشياء تعيش مع الإنسان ليل نهار، فهل تحسره واعتراضه على قدر الله يغير من واقع الأمر شيئاً؟ لا يغير. لكن المؤمن هوالذي يرضى بقضاء الله وقدره، يقول: آمنا بقضاء الله وقدره، الحمد لله، اللهم! اؤجرني على مصيبتي. فإذا آمن بذلك استراح وتحولت حياته إلى حياة عمل وطاعة وبذل للخير بأي شيء ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، حتى يجد ذلك يوم السعادة العظمى يوم القيامة. إذاً فنظام الدنيا عنده ليس كل شيء، وإنما ينظر إلى ميزان العقيدة، فمتى نظر ذلك الإنسان الذي لا يولد له لا يعترض حينما يرى الناس لهم أولاد، وإنما يعلم أن الدنيا فانية والآجال محددة، وهذه الدنيا كلها هباء، فيعمل الطاعات ويحسن إلى الآخرين؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى إن رضي عنه وأدخله الجنة فإنه سيجد هناك من النعيم والحبور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. إذاً فالإيمان بالقضاء والقدر هو عماد الحياة المستقرة. أسال الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم للإيمان بقضائه وقدره على الوجه الصحيح، وأن يعيذني وإياكم من الفتن ومن المخالفات جميعاً.

    1.   

    الأسئلة

    القدر والسبب في الحوادث

    السؤال: عندما يتكلم الناس عن الحوادث التي تقع ويحصل فيها وفاة وغير ذلك يقول بعض الناس: هذا حصل بقضاء الله وقدره فيأتي من يقول: إن هذا حصل لأسباب أخرى كعدم الانتباه وغير ذلك. فما القول الحق في هذه القضية؟ الجواب: القول الحق فيها أن ما كان منها مصيبة فهو بقضاء الله وقدره، ولا شك أن هذه الحوادث بقضاء الله وقدره، لكن هل يعني ذلك أن نغفل عن مسبباتها؟ لا. لا نغفل عن مسبباتها، فنحن نعلم أن الإنسان إذا كان مفرطاً ومسرعاً وحدث الحادث فإننا نقول: لا شك أن الحادث هو بقضاء الله وقدره، لكنَّه أخطأ في السرعة، فلابد أن يحاسب عليها. ولهذا لو توفي معه أحد في مثل هذا الحادث وجبت عليه الكفارة، أليس كذلك؟ بينما لو كان ليس له دخل في ذلك أصلاً لقلنا: لا تجب عليه الكفارة. إذاً تبين هنا أن هذه المصيبة التي وقعت على من وقعت عليه هي بقضاء الله وقدره، لكن المسببات نبحث عنها ولا مانع من ذلك ولا اعتراض.

    أذكار الصباح والمساء ومدى حمايتها من المصائب

    السؤال: هل الحرص على أذكار الصباح والمساء مسلم من وقوع الحوادث والمصائب أم لا؟ وهل قولها بعد خروج الوقت ينفع أم لا؟ الجواب: ينفع -إن شاء الله- قولها بعد خروج الوقت، لكن الحرص عليها في أوقاتها أولى، إنما هل تنفع؟ نقول: هي من الأسباب التي أمر الله بها وأمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الأسباب إذا وجدت قد توجد مسبباتها وقد لا توجد، لكنك مأمور، فهي شبيهة بإنسان يقول -مثلاً-: أنا لن أتزوج، إن كان الله كتب لي أولاداً فسأجد الأولاد تزوجت أم لم أتزوج. فهذا نقول له: أنت عقلك فيه شيء؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرك بالنكاح على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا النكاح من الأسباب التي تؤدي إلى وجود الأولاد، فافعل الأسباب، فإذا أعرضت عن السبب بالكلية فأنت مخطئ، لكن إذا فعلت السبب قد يأتيك الولد وقد لا يأتي. كذلك أيضاً نقول في الأذكار، فقد أمرنا الله بها وأخبرنا بأنها حصن تحمي هذا الإنسان، فنسمعه ونمتثل أمر الله بها، وهي عبادة، لكن هل معنى ذلك أن من فعلها لا يأتيه أي حادث أبداً؟ نقول: لا. فقد يتأخر السبب لوجود مانع، فالمؤمن يحرص على الأذكار، وهي -بإذن الله تبارك وتعالى- تحميه، لكن لو وقع عليه شيء لا يعترض، ولا يقول: أنا ذكرت الله، أنا دعوت في هذا الصباح. وإنما قد يدعو الإنسان بقلب غافل، وقد يكون الله أراد لك خيرا. فأنت تريد الخير بهذا الذكر لكن الله أراد لك خيراً بالذكر وبهذه المصيبة، فلا تعترض على ربك سبحانه وتعالى، بل ارض بما قسم الله لك.

    الاكتفاء بالإيمان المجمل بأمور العقيدة

    السؤال: هل يكفي العامة إيمانهم المجمل بأبواب العقيدة؟ فمثلاً: هم يؤمنون بالقدر خيره وشره، ولكن لا يحفظون شيئاً في مهام القضاء والقدر، وكذلك في باب صفة الله وغيره من الأبواب؟ الجواب: نعم. يكفيهم.

    نصيحة لفاقد والديه

    السؤال: ما رأيكم في شاب فقد أحبابه أباه وأمه، بل نشأ وهو لا يعرف أباه ولا أمه، فيرجو أن توصيه بوصية تقع في قلبه موقعاً يستفيد منها في بقية حياته؟ الجواب: أقول لك ولغيرك ممن ابتلاه الله بمثل ما ابتلاك به أو بجزء منه: إنَّ الكثير منهم من فقد أباه ومنهم من فقد أمه، والله سبحانه وتعالى أرحم بهم من الوالدة بولدها، لكنَّه سبحانه وتعالى يبتلي عباده ويمتحنهم ليكون هذا الابتلاء والامتحان خيراً للمؤمنين. والذي أوصيك به -يا أخي- هو ثلاثة أشياء: أولها: الرضى بالقضاء، وأن توقن أن هذا مكتوب عليك قبل أن تخلق فلا تتحسر؛ لأنك لم تعرف أباك أو أمك، بل ارض بما قدر الله سبحانه وتعالى لك، واعلم أن الله رحيم بك قريب منك حينما تكون من أهل الخير والطاعة. الأمر الثاني: أن تعلم أن الدنيا فانية وأن الآخرة هي دار الحيوان، فالدنيا أحزان وأكدار، فمن الناس من ضحكت له الدنيا وازدهرت عنده شرفاً وجاهاً ومالا وإذا بالأقدار تخطفها منه أو تخطفه منها في لحظة عين، هذه هي الحياة، ولو فتشت -يا أخي- عن أحوال الناس لوجدت كل بيت من البيوت فيه ابتلاء وامتحان، فلو خيرت لاخترت ما أنت عليه. فالإنسان قد ينظر أحياناً إلى بعض الناس أو بعض البيوت -مثلاً- فيقول: سبحان الله! ما أسعدهم! ما أحسن أحوالهم! سيارات وأموال. لكن فتش عنهم، وادخل داخل البيت ستجد هذا البيت قد ابتلي ببلية أو بمصيبة لو قيل لك: نعطيك الدنيا كلها وتحمل معك هذه المصيبة لما قبلت ذلك. فأنت أنعم الله عليك بنعم عظيمة جدا لا تعد ولا تحصى، ولهذا دعني استطرد قليلاً وأسألك سؤالاً واحداً وأقول: لو جاء أعمى غير مبصر وقال لك: أنا عندي مليار ريال أو عشرة مليارات أريد أن أعطيك إياها وآخذ إحدى عينيك فهل أحدٌ يقبل هذا العرض؟ إذاً أنت بعينك هذه تملك أكثر من عشرة مليارات، فكيف بنعمة السمع والبصر وغير ذلك؟ إذاً أنت بنعم عظيمة، فلماذا يصبح عندك هذا الحصار في قلبك تنظر إلى الناس بهذه النظرة؟ لهذا سأقول لك: يا أخي! اعلم أن الدنيا أحزان وأكدار، والبيوت أسرار، وهي مملؤة بأحزانها وأكدارها، فارض بما قسم الله لك، فلربما لو قست نفسك على غيرك لوجدت أنك أحسن من كثير من غيرك، لهذا أقول: اعرف قدر الدنيا. ثم أقول لك ثالثاً: انظر إلى الآخرة، واعمل في الدنيا، فكما أنك فقدت أبويك فابحث عن زوجة صالحة، فلعل الله سبحانه وتعالى يجعل فيها خيراً ويرزقك الولد لتعيش حياة ملؤها الرضا، ومن ثم فاجعل طريقك طريق خير تسير فيه على شرع الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى إذا علم منك حسن الإيمان بقضائه وقدره عوضك خيرا في الدنيا وفي الآخرة. لهذا فالتفت إلى الآخرة، فانظر إلى ما بعد الموت، فتلك الحياة الحقيقية والسعادة الحقيقية. هذه هي الأمور الثلاثة التي أحببت أن أذكرك بها. فاعمر حياتك ومستقبل حياتك بطاعة الله، والله يعوضك عما فقدت بزوجة وأولاد صالحين إن شاء الله تعالى تعيش معهم حياة إيمانية رخية. وأمامك أيضاً ما عند الله سبحانه وتعالى وما أعد لأهل النعيم من أهل الخير. أسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياك جميعاً ممن يسعد يوم القيامة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.