إسلام ويب

خطبة الوداعللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً ومبشراً ونذيراً، فجاهد في الله حق جهاده، وصبر حتى أعز الله دينه ودخل الناس فيه أفواجاً، ودخلت مكة في دين الله، فاجتمع الناس معه صلى الله عليه وسلم في موسم الحج في مشهد ليس له نظير، فخطب صلى الله عليه وسلم بين الجموع المحتشدة خطبة الوداع، وبلغ الله القاصي والداني تلك الخطبة التي تحتوي على حرمات وحقوق وواجبات في الشرع، تكفي لتنظيم حياة الناس.

    1.   

    فضل خطبة حجة الوداع ومكانتها وبيان ما فيها من الأحكام العظيمة

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ففي مثل هذا اليوم، وبعد أسبوعين من العام الهجري الذي صعد فيه النبي صلى الله عليه وسلم منبر مسجد نمرة؛ ليعظ أمته موعظة بليغة، ويدلها على الطريق المستقيم في آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم؛ ليحدد في هذه الخطبة العصماء معالم هذه الأمة، وأمارات هذه الشريعة، فقال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم من حديث جابر : (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، فإنه موضوع كله، والربا موضوع، وإن أول رباً أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله، ألا فاستوصوا بالنساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح).

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله، وإنكم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته إلى السماء ينكتها إلى الناس، وهو يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد).

    انتهت خطبته عليه الصلاة والسلام، وهو الذي أوتي جوامع الكلم، وجوامع الكلم: هي قلة في المباني وكثرة في المعاني، ولعمري إن هذه الخطبة لتصلح أن تكون ديناً كاملاً ينزل من السماء لا يحتاج الناس في حياتهم ولا معادهم إلى غير هذه الخطبة.

    ولا غرو حين قال الشافعي رحمه الله في حق سورة العصر: لو لم ينزل من القرآن إلا هذه السورة لكفتهم. أي: لكفت المسلمين، وكذلك لو لم يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذه الخطبة لكفت.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام قاس ما يمكن أن يكون مجهولاً لدى البعض على ما كان معلوماً يقيناً لدى الكل؛ ولذلك سألهم في فتح مكة: (في أي بلد أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. في أي يوم أنتم؟ الله ورسوله أعلم).

    أدب بين يدي المعلم، ونسبة العلم إلى الله ورسوله ما دام حياً، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا سأل الصحابة عن شيء ردوا العلم إلى الله ورسوله، وهو الذي سأل معاذاً : (أتدري ما حق الله على العبيد؟ قال: الله ورسوله أعلم). ومعاذ يقيناً يعرف ذلك، ولكنه الأدب بين يدي المعلم.

    فقال عليه الصلاة والسلام: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)، فلما كان أمراً معلوماً لديهم ويقيناً أن البلد حرام، وأن الشهر حرام، وأن اليوم حرام قاس عليه ما يمكن أن يجهله بعض السامعين، قال: وكذلك دماؤكم وأموالكم حرام عليكم كما أنكم تعلمون حرمة هذا اليوم، وحرمة هذا الشهر، وحرمة هذا البلد، صلى الله على نبينا محمد.

    حرمة الدماء والأموال في الإسلام

    إذا تكلمنا عن حرمة الدماء فإننا نقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أول ما يقضى بين الناس في الدماء)، هذا القضاء العام بين الخلائق.

    وهناك قضاء خاص فيما يتعلق بالعبد مع ربه: (إن أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة صلاته، فإن صحت صح ما بعدها، وإن فسدت فسد ما بعدها) ولا تعارض بين الحديثين.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (اجتنبوا السبع الموبقات) فذكر من هذه السبع المهلكات: (قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق).

    فقتل النفس حرام بالكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر : (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق).

    وراوي هذا الحديث عبد الله بن عمر يفهم هذا جيداً، ويقول: إن من فظائع الأمور التي إذا دخل فيها العبد ربما لا يجد منها مخرجاً قتل امرئ بغير حق.

    وقال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الشيخان: (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).

    كأن النبي عليه الصلاة والسلام يضيق الحلقة جداً على إنسان سولت له نفسه أن يقتل إنساناً بغير حق؛ ولذلك كلمة الإسلام تعصم المرء في دمه وماله إلا بحقها.

    والحق جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه).

    أي: من بدل دين الإسلام؛ لأنه الدين الحق، وهذا بخلاف ما قد فهم بعض أهل العلم، ونطق بذلك، بل وصدر بذلك في بعض الرسائل. قال: (من بدل دينه) أياً كان دينه، هكذا قال.

    وهذا ضلال مبين؛ لأن العالم أجمع مطالبٌ أن يتخلى عن ديانته وعن شريعته، ويدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته.

    وما ينبغي لموسى لو كان حياً إلا أن يكون تابعاً لنبينا عليه الصلاة والسلام.

    والأنبياء جميعاً أتوا برسالة الإسلام والإيمان والتوحيد.

    الدماء فظيعة يقبل عليها الناس بكل استهتار، فنرى في كل يوم وليلة فلاناً قتل أباه، وزوجة قتلت زوجها، وزوجاً قتل ابنه أو ابنته أو زوجته، وكأن الدماء ما أرخصها! وهي غالية، وأيما غلاء لهذه الدماء التي صانها الله عز وجل من فوق سبع سماوات، حتى دماء المعاهدين من الكفار ما داموا قد التزموا بالعهد والميثاق، كما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) أي: لا يشم رائحة الجنة، كما يحرم على الإنسان أن يقتل نفسه، ولا يجوز أن يقول: هذا بدني وهذه نفسي، وأنا فيها حر، بل أنت عبد لله تعالى لا تصدر إلا عن قال الله وقال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فسمه في يده يتجرعه يوم القيامة خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً).

    وهكذا يحرم على المرء أن يصيب نفسه بأذى، وأنت مسئول عن بدنك هذا فيما عملت فيه.

    لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن هذا السؤال، وحتى يجيب بإجابة مرضية مبنية على أصول الشريعة الغراء، هذه الدماء تراق في الداخل والخارج، دماء المسلمين ما أرخصها هنا وهناك؛ وذلك لأن المسلمين تخلوا عن دينهم، فكان لابد أن يتسلط عليهم أبناء القردة والخنازير من هنا ومن هناك سلباً وأسراً وتقتيلاً وبقراً للبطون، وإراقة لدماء الأطفال والنساء والأبرياء والمدنيين؛ لأنهم تخلوا عن دينهم، ولو استمسكوا به وأرسلوا رسالة إلى زعماء العالم: نحن قادمون، لانتحروا في بيوتهم، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر).

    وصدق الخلفاء رحمهم الله، فقد كانوا يرسلون الرسائل إلى هذا وذاك، ويقولون: الجواب ما ترون لا ما تسمعون، وسأرسل إليكم جيشاً أوله عندكم وآخره عندي.

    هذه مواقف العزة إذ كان يستمسك بها الولاة والأمراء والخلفاء، فما بال المسلمين اليوم في الحضيض وفي الذل والهوان؟! السبب في ذلك هو ترك الكتاب، وترك العمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولو أن المسلمين رجعوا إلى دينهم، ورفعوا راية الجهاد، وتركوا البيع بالعينة، ولم يتبعوا أذناب البقر إلا رجع إليهم دينهم، ورجعت إليهم عزتهم، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) هذا المال إن تكسبته من حرام فهو حرام، وإن تكسبته من حلال وأنفقته في حرام فهو حرام، وإن تكسبته من حلال وأنفقته في حرام فهو حرام، وكل أموالك حرام إلا ما اكتسبته من حلال، وأنفقته في حلال، وأنت مسئول عن مالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته؟ ولا تزول قدمك يوم القيامة حتى تجيب إجابة مرضية عن هذا السؤال.

    لا يغنيك يوم القيامة أنك اكتسبته من حرام، من رباً أو خمر أو تجارة في خنزير .. أو غير ذلك، وأنك سددت به ديون فلان، أو تصدقت به على فلان، أو بنيت به مسجداً أو جمعية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    فأموالكم حرام عليكم إلا ما كان حلالاً بنص الكتاب والسنة؛ ولذلك شرع الله عز وجل إقامة حد السرقة، حتى تكف أيدي الأشرار عن أموال الأبرياء الأحرار، ولو أن يداً قطعت لكفت بقية الأيدي عن امتدادها للأموال الحرام، وشرع الله خير كله ورحمة كله، ولكن من يدري؟ ومن يسمع هذا؟ ومن يعتقد ذلك؟ وإن لم يبدُ لك في بعض النصوص رحمة، فإنك لا تعاين الرحمة إلا إذا عاينت البلية التي تعالجها المصلحة.

    والأصل أنك تعتقد أن شرع الله كله مصلحة، وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله عز وجل.

    وضع كل أمور الجاهلية وتركها دلالة على عزة الإسلام وتمكينه

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع).

    وانظروا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (تحت قدمي موضوع) أي: باطل مردود لا يحل لصاحبه أن يطالب به بعد الإسلام.

    وقوله: (تحت قدمي) يدل على العزة، ويدل على السؤدد والرئاسة، ويدل على النصرة والتأييد من الله عز وجل لنبيه ورسوله.

    وانظروا إلى التوقيت الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام قوله هذا، إنه في العام التاسع الهجري، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً من تاريخ الدعوة المحمدية، وبعد بناء دولة الإسلام، وكثرة أتباع محمد عليه الصلاة والسلام.

    قال ذلك من منطلق القوة والعزة، ولم يقل ذلك في أول العهد المكي؛ لأن الوقت غير مناسب، والبلد غير مناسبة، لكنه قال ذلك في مكة بعد فتحها، والرجوع إليها مرة أخرى للحج في العام التاسع، وفي هذا الموقف الرهيب الذي شهده (114000) من المسلمين يعلن هذا صراحة: أن أخلاق الجاهلية موضوعة، وأن عادات الجاهلية موضوعة، وأن آداب الجاهلية ما دامت ليست موافقة لآداب وأخلاق الإسلام فإنها موضوعة كلها؛ ولذلك أخرج أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -أي: أخلاق الجاهلية وآداب الجاهلية- وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي).

    الناس قسمان: مؤمن تقي، وفاجر شقي: (وليدعن أقوام فخرهم بآبائهم؛ إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها).

    فهذا أمر مردود وباطل أن يتخلق بعض المسلمين ببعض أخلاق الجاهلية؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من ضلل أعمى عن الطريق) أي: أن ذلك من أفعال الجاهلية.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها) أي: أفسدها على زوجها؛ لتتحول إليه.

    ليس منا هذا الخلق، إنما هذا من أخلاق الجاهلية، وآدابها وأعرافها، فلابد من التخلص تماماً من أخلاق الجاهلية؛ ولذلك بوب البخاري عليه رحمة الله في كتاب الإيمان قال: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ثم ذكر تحت هذا الباب: حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه حين عير بلالاً وقال له: (يا ابن السوداء! فلما رفع الأمر إليه عليه الصلاة والسلام قال: يا أبا ذر ! إنك امرؤ فيك جاهلية. قال: يا رسول الله! أو على ساعتي هذه؟ - أي: بعد هذه المدة الطويلة في الإيمان والإسلام-؟ قال: نعم) فقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: فيك خلق من أخلاق الجاهلية.

    وهذا لا يعني: الكفر والخروج من الملة، إنما هو الاتصاف بصفات أهل الجاهلية، والتخلق بأخلاق أهل الجاهلية .. وغير ذلك مما قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ليس منا، ليس منا، ليس منا، كلها أخلاق الجاهلية، ويجب الحذر منها.

    قال عليه الصلاة والسلام: (أربع من أمر الجاهلية في أمتي لا يدعونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وإن المرأة النائحة إذا لم تتب قبل يوم القيامة أتت وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب) .. وغير ذلك من أخلاق الجاهلية.

    قال الله عز وجل: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] قال عطاء وقتادة : تبرج الجاهلية الأولى: أن المرأة كانت تضرب بخمارها على رأسها، وتغطي بدنها، ولكنها تخرج إلى الشوارع والطرقات فتزاحم الرجال، ولعمري إن هذا هو النقاب الآن، وهذا هو الالتزام الآن، هذا كان من أخلاق الجاهلية، وتبرج الجاهلية.

    قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    أعظم الجاهلية ترك الكتاب والسنة، والعمل بالقوانين الوضعية والحكم بها والتحاكم إليها، كل ذلك من أخلاق الجاهلية.

    بدء النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وأهله في تنفيذ أحكام الله تعالى لتحقيق الأسوة

    قال: (ودماء الجاهلية موضوعة)، وبدأ بنفسه عليه الصلاة والسلام؛ ليحقق القدوة والأسوة، لأنه القائل - كما في مسلم -: (أما لكم في أسوة).

    وعند أحمد : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من اقتدى بي فإنه مني) أي: من هديي وسنتي وطريقتي.

    قال عليه الصلاة والسلام: (وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث) وهو إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقصته: أنه كان طفلاً رضيعاً، وعلى عادة العرب حملته قريش إلى بني سعد ليرضع هناك، فإذا أتم مدة الرضاعة رجع إلى قومه وأهله، فقتلته هذيل، فقامت قريش بأسرها تطالب بدم هذا الطفل الرضيع قتل قبيلة هذيل بأسرها، فهل هذا دين؟ وهل هذه أخلاق؟ رجل أو طفل أو امرأة قتل على سبيل الخطأ ليس له إلا الدية، وديته على العاقلة، وليست على القاتل؛ لأنه قتله على سبيل الخطأ.

    وهكذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الجو الملبد بالمعاصي والأعراق البالية، وقد قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فوجد حروباً بين الأوس والخزرج؛ بسبب ناقة نزلت أرض الغير فأكلت منها، فقامت بين القبيلتين حروب طاحنة على مدار أربعين عاماً، ربما ذهب فيها العشرات، أو المئات، أو الألوف.

    وفي الصحيح: (أن رجلاً من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! واصطف الفريقان للقتال، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ومشى بين المهاجرين والأنصار، ثم قال: دعوها فإنها منتنة). أي: هذه الدعوة دعوة الجاهلية دعوها فإنها منتنة، فقد كان الناس يجتمعون للقتال بسبب ناقة، ولا يدري الناس الذين اجتمعوا لماذا الحرب، وعلى ماذا الحرب والقتال وإراقة الدماء؟ فكانوا في الجاهلية يقولون بظاهر النص: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً).

    فلما جاء الإسلام بين النبي عليه الصلاة والسلام أن نصر الظالم كفه عن الظلم، نعم هذا هو الدين الذي نزل من السماء دين الحق والعدل، دين المحبة والسلام؛ ولذلك قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179].

    ومع أنه موت، وإراقة للدماء، وإقامة للحدود؛ لكن من قتل يقتل دون سواه، ولا تزال بعض الأعراف الفاسدة قائمة في بلاد الإسلام، خاصة في صعيد مصر، أن من قتل واحداً من قبيلة أخرى أو من عائلة أخرى يطالبون بأغلى الدماء في عائلة القاتل، ولا يطالبون بقتل القاتل، فيختارون ويمتازون من أسرة القاتل أفضل الناس، فهل هذا دين؟ وهل هذا عدل؟ ومنهم من يقول: قتيلي بعشرة، قتيلي بمائة، قتيلي بألف، وهذه الكلمات محفوظات ومسموعات في الصعيد .. وغيره، وهذا كله تحاكم إلى أخلاق الجاهلية، وعادات الجاهلية. فاحذروا أيها الإخوان! بارك الله فيكم.

    ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وإن كل رباً موضوع، وإن أول رباً أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب).

    فانظروا كيف يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه أولاً قبل أن يقول الناس: لم حرم علينا كذا، وأحل لأهله وأحل لقومه وعشيرته وقبيلته؟

    فالأسوة أن يبدأ المرء بنفسه.

    والقدوة أن يدعو الإنسان الناس بعمله، لا بقوله فحسب، فلابد أن يرى الناس منك الخير والصلاح والاقتداء والأسوة.

    فيا معشر الطلاب! ويا معشر الدعاة إلى الله! ويا معشر طلاب العلم! ادعوا الناس بأعمالكم وأخلاقكم، فإنكم لا تدعونهم بأموالكم ولا بألسنتكم، إنما تدعونهم بأعمالكم، فلأن تدعو الناس بعملك خير بألف مرة من أن تدعوهم بقولك، وتخالفهم بعملك.

    ولذلك في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار في الرحى، ويجتمع عليه الناس فيقولون: يا فلان! ما بالك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى. كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة). ولو سكت النبي عند هذا القول لقلنا: إن هؤلاء هم أصحاب الكبائر الموبقات المهلكات، ولكن المفاجأة أن النبي عليه الصلاة والسلام يحذر ثلاث فئات من الخلق أنهم أعظم الناس على الإطلاق، فقال عليه الصلاة والسلام: (العالم، والمجاهد، والجواد) ثم بين سر ذلك في بقية الحديث: أن العالم تعلم العلم لغير الله، ودعا الناس ليقال: عالم، وهذا جاهد ليقال: مجاهد، وذاك أنفق ليقال: جواد (فيسحبون على وجوههم) سبحانك ربي! رأينا السحب على الظهر والبطن والجنب، أما الوجه فما رأيناه!.

    (فيسحبون على وجوههم حتى يلقوا جميعاً في النار)، فيكونون وقودها لأول وهلة.

    فيا أيها الإخوان! عليكم بالالتزام والاقتداء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، والإخلاص لله تعالى في القول والعمل، وليراجع كل واحد منا نفسه قبل أن يندم في يوم لا ينفع فيه الندم، في يوم لا ينفع نفساً إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.

    قال عليه الصلاة والسلام: (وإن أول رباً أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله).

    ربا العباس هو الربا الذي حرمه الله عز وجل في القرآن، وهو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فعمدته قوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والورق بالورق، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح يداً بيد، مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى).

    فمن زاد في هذه الأصناف، أو زاد في مثليتها فقد أربى، أي: فقد وقع في الربا، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا واشتروا حيث شئتم .. وغير ذلك مما ورد تفصيله في كتب الفقه وكتب التفاسير في شرح آيات الربا، وأحاديث الربا، وليس هذا مقام تفصيل ذلك، وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الربا اثنان وسبعون باباً، أقربه وأدناه كالذي يأتي أمه في الإسلام).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (الربا اثنان وسبعون حوباً -أي: إثماً- أيسره كالذي ينكح أمه بعد الإسلام).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم -أي: وهو يعلم أنه رباً محرم- أشد عند الله من ست وثلاثين زنية).

    وهكذا شدد المعصوم عليه الصلاة والسلام في أمر الربا، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام مبيناً الفساد والهلاك الذي يلحق الأمم كلها إذا تعاملت أمة بالربا والزنا، وذلك مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: (ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا عمهم الله بعذاب) أي: شملهم جميعاً مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، يشملهم جميعاً ويبعثون على نيتهم بعد ذلك، والربا حرب مع الله عز وجل، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:279] أي: فإن لم تتوبوا من الربا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279].

    والذي يدخل مع الله في حرب ومع رسوله فلابد أنه الخاسر ولا نزاع في ذلك؛ لأن الله تعالى هو القوي الملك الجبار المتكبر سبحانه وتعالى.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد.

    وصية النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع بالنساء

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: (استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله).

    قال النووي: الراجح في (كلمة الله) قوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3].

    وقال غيره: (كلمة الله) هي الإيجاب والقبول.

    وقال غيرهم: (كلمة الله) هي الإسلام والتوحيد؛ لأنه لا يحل لكافر أن يتزوج مسلمة؛ كما لا يحل لمسلمة أن تقبل الزواج من كافر خلافاً لمن فقد عقله في هذا الزمان، وأجاز أن يتزوج الكافر بالمسلمة في بلاد أمريكا وأوروبا، هذا إنسان قد فقد عقله تماماً، وقد تواترت عنه النقول في مخالفات في أصل الاعتقاد، وفي أصل الأحكام التي أجمع عليها العلماء. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    قال: (فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه).

    يفهم بعض الناس أنه لا يحل للزوجة أن تدخل رجلاً أجنبياً، ويستندون إلى هذا الحديث، وهذا لعمري فهم خاطئ للنص، وإنما لا يجوز للمرأة أن تدخل بيتها أحداً من محارمها رجلاً كان أو امرأة، ما دامت تعلم أن زوجها يكرهه ويبغضه، وما دامت تعلم المرأة أن الزوج لم يأذن بذلك، لا إذناً صريحاً، ولا إذناً ضمنياً، فذلك لا يحل لامرأة أن تدخل في بيتها رجلاً من أهلها، ولا امرأة من أهلها ما دامت تعلم أن في نفس زوجها منه شيئاً، أو غلب على ظنها، فيحرم عليها دخول أحد من محارمها والحالة هذه.

    ولا يجوز لكل زوج أن يضيق الخناق على امرأته، وأن يمنعها من صلة أرحامها ومن دخول محارمها، بل ينبغي أن يعقد حبه وبغضه في الله عز وجل، فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، كل أقوالك وأعمالك صادرة عن الله عز وجل، وعن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22].

    إن كثيراً من الشباب إذا تزوج بعد الزواج بأسبوع أو أسبوعين، وربما في ليلة الزفاف يصدر قراراً لامرأته لا يقبل النقاش، وهو ألا تدخل أحداً من أهلها، وألا يأتيها أحد من أهلها، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    هذه أخلاق يقيناً لم تكن موجودة في الجاهلية، فما بال الشباب قد تخلقوا بأخلاق هي من أسافل الأخلاق وأردئها؟! ما بالهم قد فعلوا ذلك؟! ألا يحكمهم دين؟! ألا يحكمهم شرع؟! إنا لله وإنا إليه راجعون.

    فلا يحل لرجل أن يمنع دخول محارم الزوجة في بيته خاصة في غيابه، إلا إذا خشي الفتنة على امرأته، أو على أولاده، وعرف من هؤلاء المحارم فجورهم، وتعديهم لشرب الخمر والقتل والاستهتار بالشرع .. وغير ذلك؛ حينئذ من حق الرجل أن يحافظ على امرأته، وأن يحافظ على أولاده، ويمنعهم من دخول البيت، ولو كان هذا الممنوع أبا الزوجة أو أخاها أو حتى ابنها من زوج آخر.

    واجب عليه أن يحافظ على بيته، ولا يحل له أن يمنع صلة الأرحام إلا إذا كان الأمر على هذا النحو، أما دون ذلك فتعدٍ لا يصح، بل يأثم به؛ لأنه من أعظم الإفساد في الأرض كما قال الله عز وجل.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، ولهن عليكم طعامهن، وكسوتهن بالمعروف).

    دخل معاوية بن حيدة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها مما تطعم، وأن تكسوها مما تلبس، ولا تضرب الوجه ولا تقبح) أي: لا تقل: هذا الوجه وجه قبيح، أو وجهكِ قبيح، أو قبحك الله .. أو غير ذلك. هذا ممتنع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم على صورته)، وفي رواية: (على صورة الرحمن).

    فكما أن لآدم صورة فكذلك الله تعالى له صورة، وكما أن لله صورة، فإن آدم له صورة، وبينهما من الفروق ما بين الخالق والمخلوق.

    إنما المماثلة في اسم الصورة فقط، فالله له صورة، وآدم له صورة، وهذا المضروب على صورة آدم، فمن ضرب أخاه على وجهه فكأنما ضرب أباه آدم. هذا بعض حقوق الزوجة؛ ولذلك أمر الله عز وجل بتبادل العشرة، فقال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، وقال: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] أي: عرفاً، هذه امرأة غنية، وهذه امرأة فقيرة، فهذه لها من الحقوق ما تعارف عليها أهلها ووسطها، وكذلك الجانب الآخر.

    إذاً: حقوق المرأة لا ينبغي لأحد أن يخرمها، ولا ينبغي لزوج أن يبخل أو أن يضن بمال الله إذا كان في سعة على زوجته وأولاده، إذا وسع الله عليك فوسع على عيالك، وإذا ضاقت الأمور شيئاً فعش على قدر ما معك، وإياك والحرام، فلأن تأكل من الطين والوحل من تحت قدمك خير لك من أن تتغذى بالحرام، وتغذي أولادك بالحرام فتكونوا من أهل النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به) والحديث حسن.

    وصية النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع بالتمسك بالكتاب والسنة وإشهاده بتبليغ رسالة ربه

    تأتي النصيحة الجامعة: (وإني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله).

    وانظروا إلى قوله: (ما إن) أي: إذا تمسكتم به لن تضلوا أبداً، فمفهوم المخالفة أنه إذا لم يتمسك بهذا الكتاب لابد أن يقع الضلال، وتقع الحيرة في شرق الأرض وغربها، ولابد أن تكون نعال الأسافل فوق هامات الأماجد، هذه نتيجة طبيعية يراها كل ذي عينين، وواقع الأمة لا يخفى على أحد.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (كتاب الله هو حبله المتين، طرفه بيد الله، والطرف الآخر بأيديكم فتمسكوا به).

    وقال في رواية عند مالك : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض).

    والنبي عليه الصلاة والسلام يشير في نهاية هذه الوصية الجامعة بقوله: (وإنكم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: يا رسول الله! نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فأشار بسبابته إلى السماء -حيث الله تعالى- ينكتها إلى الناس في الأرض وهو يقول ثلاثاً: اللهم اشهد).

    أخرج البخاري في صحيحه: (أنه يجاء بنوح يوم القيامة بين يدي الله عز وجل فيقول الله: يا نوح! هل بلغت؟ فيقول: نعم. يا رب! ويؤتى بأمته: هل بلغكم نوح؟ فيقولون: لا، يا رب! ما جاءنا من بشير وما جاءنا من نذير) هذه أخلاق اليهود، يقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولا أعني بذلك: أن أتباع نوح هم يهود، فاليهود لا يعرفون إلا بعد موسى عليه السلام، ولكن هذه هي الأخلاق المعروفة عن المكذبين حتى بين يدي الله عز وجل، يوم يطمس على الأفواه، وتنطق الجوارح، ويكون لكل إنسان من نفسه شاهد. قال: (هل بلغكم نوح؟ فيقولون: لا. يا رب! ما جاءنا من بشير وما جاءنا من نذير، فيقول الله عز وجل لنوح: من يشهد معك؟ فيقول: محمد وأمته).

    فنحن أمة الوسط وأمة العدل وأمة الشهادة. قال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41].

    هذا مصداق الشهادة يوم القيامة لجميع الأنبياء والمرسلين أنهم قد بلغوا وأدوا الأمانة ونصحوا أممهم، حتى تقوم الحجة على جميع الخلائق بشهادة أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وبشهادة الحبيب عليه الصلاة والسلام.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا، وصلى الله على نبينا محمد.