إسلام ويب

قبل أن تغرق السفينةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان المجتمع، وضمان أكيد لبقاء أمن وسلامة الأمة أن تصاب بعذاب، وقد اعتبره البعض الركن السادس من أركان الإسلام، وهو واجب على كل المسلمين، وشامل لكل طبقات المجتمع، وداخل في أصول الشرع وفروعه. ويشترط في الآمر والناهي أن يكون عالماً بالأمر والنهي، حكيماً في اختيار الوقت، ناصحاً لله ولرسوله، لا ينتقم لنفسه، ولا يسعى لحظوظه الدنيوية، جريئاً في قول الحق لا يخاف في الله لومة لائم.

    1.   

    وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمة أفراداً وجماعات

    إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أخرج البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مثل القائم في حدود الله عز وجل والتارك لذلك، كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلو أنهم تركوهم لهلكوا جميعاً، وإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً).

    هذا الحديث أصل في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإننا لنعتقد اعتقاداً جازماً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب تجمع الأمة بعد تفرقها، وعزها بعد ذلها، وكرامتها بعد إهانتها، بل لا يحصل للأمة الأمن من جميع المخاوف إلا إذا قام كل فرد من أفرادها بهذا الواجب العظيم، واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يأمر بما عرفه الشرع وأقره وشرعه، وأن ينهى عما نهى عنه الشرع وحرمه أو كرهه.

    ولما كانت الأمة لا تبلغ مأمنها إلا بهذا الواجب العظيم قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    قال غير واحد: ومن الظلم: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ولم تلبس إيمانها بهذا الظلم، أي: بالتفريط في هذا الواجب العظيم.

    1.   

    أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقديمه على الإيمان

    وردت آيات وأحاديث تفيد بإطلاقها وظاهرها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل أحد حتى وإن كان جاهلاً.

    قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، فذكر الإيمان بالله بعد هذا الواجب العظيم، لا لأن الله تعالى قد فرضه علينا قبل الإيمان، ولكن لأهميته في حفظ الإيمان؛ فإن الإيمان لا يحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    أما قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110] فهو يفيد حصر جميع أفراد الأمة رجالاً ونساءً، وهذا يعني أن ذلك واجب على كل مكلف، وهذا احتراز من المجنون، أو السفيه، أو الطفل الذي لم يبلغ، أما الرجال والنساء فإن الجميع مكلف بهذا الواجب العظيم.

    وفي آية أخرى يبين الله تبارك وتعالى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وإذا تخلف عنه الجميع أثموا، قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] أي: طائفة يا معشر المسلمين، يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران:104] والخير: هو الإسلام، أو الدين، أو الإحسان، أو كل ما شرعه الله تعالى ورسوله من الحلال والحرام.. وغير ذلك. وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]. فإذا فعلوا ذلك فقد رتب الله تبارك وتعالى على حسن صنيعهم الفلاح في الدنيا والآخرة، ولذلك قال في نهاية الآية: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

    وقال الله تعالى لنبيه آمراً إياه أن يصدع بالحق الذي جاء به، فقال: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر:94] وهذه الآية آية مكية، والنبي عليه الصلاة والسلام أُمر بإعلان الدعوة قبل الهجرة إلى المدينة النبوية المشرفة.

    وقال الله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]. بعض الناس يظن أن الأمر للتخيير، وهو للتهديد والوعيد! فمن شاء منكم أن يؤمن فله الجزاء الأوفى، ومن شاء منكم أن يكفر فله العقاب.

    فقوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: ما عليك إلا أن تقول بالحق يا محمد أنت ومن تبعك.. أنت ومن سار على نهجك.. أنت ومن آمن بك، فمن شاء بعد ذلك من الناس أن يؤمن، ومن شاء منهم بعد ذلك أن يكفر، والله تبارك وتعالى قد أعد لكلا الفريقين جزاءه، إما جنة وإما ناراً.

    1.   

    مراتب تغيير المنكر وعاقبة من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    نعى الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل ولعنهم لتركهم هذا الأمر، فقال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    والنبي عليه الصلاة والسلام يفسر هذه الآية فيقول: (إن علماء بني إسرائيل كانوا يمرون بأقوامهم وهم على المعاصي، فيأمرونهم وينهونهم، ثم ينصرفون عنهم، فإذا أتوا عليهم من غد لم يكن عليهم حرج -أي: لم ير أحد منهم عليه حرجاً- أن يكون أكيله وجليسه وشريبه، فضرب الله تبارك وتعالى قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم عليهما السلام).

    وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره)، وهذا أمر يفيد الوجوب، ويفيد أن من ترك ذلك مع القدرة عليه فهو آثم؛ لأنه قد فرط في واجب عظيم من واجبات الشرع.

    ولعلكم تعلمون أن بعض أهل العلم قد عدوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الإسلام، ولكن جمهور أهل العلم قالوا: ليس بفرض على الحقيقة، أي: لا يساوي الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، ولكنه يقصر عن ذلك قليلاً، وهذا يعني أنه عندهم واجب محتم من واجبات الشرع، قد وردت به الأوامر في الكتاب والسنة.

    قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)، ثم بين أن الإنكار بالقلب هو أضعف الإيمان فقال: (وذلك أضعف الإيمان)، وفي رواية: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

    يعني: أقل درجات الإنكار أن تنكر بقلبك، وأن تغضب لله عز وجل، وأن يتمعر وجهك لانتهاك حرمة من حرماته سبحانه وتعالى.

    أما التغيير باليد فهو مكفول لكل أحد كان بإمكانه أن يغير بهذه الوسيلة، لكن لهذا التغيير ضوابط سنذكرها -بإذن الله تعالى- فإن عجز أن يغير باليد، وجب عليه أن ينتقل بعد ذلك للمرحلة الوسطى، وهي: التغيير باللسان إن كان من أهل البيان والفصاحة والعلم؛ فإن لم يكن كفؤاً لذلك وجب عليه وجوباً وقبل أن ينتقل إلى المرحلة الدون: وهي الإنكار بالقلب، أن يترك مكان المعصية، وينصرف بعد أن يعلن النكير بوجهه أو بحركاته.. أو غير ذلك.

    المهم ألا يترك أصحاب المعصية إلا وقد أخبرهم بلسان حاله أنه غير راض عن ذلك.

    عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره) أي: في وقت نشاطنا، وفي وقت كرهنا، والمراد في كل أحوالنا: (وفي العسر واليسر) أي: في وقت المال، وفي وقت عدمه، (وعلى ألا ننازع الأمر أهله، إلا أن نجد كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان) أي: لنا فيه من الله بيان ساطع لا يختلف عليه اثنان، ثم قال: (وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم) أي: أن نصدع بالحق لا نخاف أحداً لا كبيراً ولا صغيراً، لا حاكماً ولا محكوماً، لا طاغية ولا مؤمناً، وأن نقول به أينما كنا، حتى وإن كنا في أحلك الظروف وأسوئها، لابد أن نصدع بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم. أي: إذا لامنا أحد فإننا لا نخاف إلا أن نكون قد ارتكبنا معصية تغضب الله تبارك وتعالى.

    وما الذي يجعل المرء منا يتقهقر ويتقاعس عن الدعوة إلى الله عز وجل، وعن الإيمان بالله عز وجل، وعن الصدع بالحق أينما كان؟ لماذا يخشى الناس والله تبارك وتعالى أشد بأساً وأشد تنكيلاً؟! فإذا كان عذاب الله تبارك وتعالى هو أشد وأبقى من عذاب جميع المخلوقين، فلماذا الخوف من المخلوقين إذاً؟!

    إن المخلوق مهما بلغت قوته لا يملك سلطاناً إلا على بدنك، أما سلطان القلب فإنه لا يقوى عليه، ولذلك يقول أهل العلم: الإنكار بالقلب في مقدور كل إنسان.

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث زينب بنت جحش لما قام من الليل فزعاً- : (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بالإبهام والتي تليها)، ويأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى، وإذا كان ذلك الفتح من الردم في زمانه عليه الصلاة والسلام وقد فزع فكم قد بلغ هذا الفتح الآن؟ والله أعلم إذا كان يتسع أو لا، أو أنه يفتح مرة واحدة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ويل للعرب) وخص العرب بالذكر؛ لأن دين الإسلام بدأ فيهم، وهم نواة الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بالإبهام والتي تليها، قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث).

    وما أكثر الخبث في زماننا في البر والبحر والجو، الخبث في كل موقع من مواقع الدنيا، خاصة في بلاد المسلمين.

    أتدرون أن الخبث في بعض بلاد المسلمين أعظم منه في بلاد الكفر! وإنما الذي يخيفنا من الهجرة إليها أنها فقط بلاد كفر، أما من جهة المعاصي فإن المعاصي في بعض بلاد المسلمين أكثر وأعظم وأشنع من تلك البلاد.

    يقول: (ويل للعرب) وويل واد في جهنم تستعيذ جهنم منه بالله عز وجل.

    لو نظرت في أي كتاب من كتب الكبائر والعظائم، ثم تصفحت الكبائر كبيرة كبيرة، لوجدت أن هذه الكبائر ولا أقول: إنها موجودة في المجتمع المسلم، بل صارت مألوفة في المجتمع المسلم، وإلف المعصية أعظم من ظهورها وارتكابها؛ لأن أنظار وقلوب الناس تتبلد بكثرة النظر إليها، فيرون أن التبرج والزنا والفجور والخنا والقتل والسرقة والغش، والرشوة والغيبة والنميمة، وسائر أنواع الكبائر يرون أنها أمور طبيعية، فما الذي يغضبكم إذاً؟ وما الذي يسيء حفيظتكم والمجتمع كله فاسد؟ وإن لم يرجع المجتمع إلى الله عز وجل، ويتوب إلى ربه وخالقه أنزل الله تبارك وتعالى عليه عقوبة قدرية من السماء استأصلته بما فيهم الصالحون، ثم يبعث الله تبارك وتعالى الكل على نيته، كما قالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يغزوا جيش الكعبة - أي: في آخر الزمان - فإذا كانوا ببيداء من الأرض - أي: قبل بلوغ الكعبة - خسف الله تبارك وتعالى بهم. قالت عائشة: يا رسول الله، أيهلك الجيش وفيه أسواقهم ومن ليس منهم؟) أي: فيه من مضى معهم في الطريق؛ لأجل البيع والشراء وتسويق بضاعتهم؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم، ويبعثون على نياتهم).

    انظر إلى هذا الوعيد، فلعله يصيبك أيها الموحد قبل العاصي؛ لأنك لم يتمعر وجهك، ولم تغضب، ولم تنكر لا باليد ولا باللسان، بل ولا حتى بالقلب، إنما استمرأت المعاصي، فلما كانت العقوبة نازلة من السماء عمتك.

    لا بد أن يقوم الشباب وطلاب العلم بالدعوة إلى الله عز وجل، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي ثمرة وجودكم في هذا المسجد، وإلا لو تأخر وتقاعس كل واحد فما فائدة وجودكم في هذا المكان، وأنتم في نعمة وعافية من الله عز وجل، بخلاف هذه الأمم المترامية، والملايين المتكاثرة الذين يهرولون ويبولون على أعقابهم في الشوارع لا يدرون أن الله تبارك وتعالى خلقهم لعبادته وتقواه، واتباع الأمر والعمل به، واجتناب النهي، وتحذير الأمة منه.

    ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنه ليستعمل عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون) يعني: يأتي منهم المعروف أحياناً، ويأتي منهم المنكر أحياناً. (فمن أنكر فقد سلم إلا من رضي وتابع)، أي: فإنه عاصٍ، شريك لهم في الإثم.

    1.   

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الطرقات

    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة نهى أصحابه عن الجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد) أي: لابد أن نجلس فيها، ونتحادث فيها، ونتسامر، ويقضي أحدنا حاجة أخيه، وذلك لا يكون إلا من خلال هذه الأماكن، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا لم يكن لكم منها بد فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: رد السلام، وكف الأذى، وغض البصر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

    أمر الله تبارك وتعالى الذين يجلسون على المقاهي بهذه الأوامر، مع العلم أنه قل أن تجد رجلاً على المقهى أو في الطرقات إلا وقد جلس خصيصاً لتصويب النظر، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما أذن لهم في ذلك بشرط غض البصر، ورد السلام؛ لأن رده واجب، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مَن مِن الناس يفعل ذلك؟ فهذا حق الطريق، وإلا فالجلوس على قارعة الطريق ممنوع إلا بهذه الشروط.

    حتى قال أبو حامد الغزالي : لا يحل للرجل في مجلسه أن ينظر إلى ما في يد أخيه.

    ولذلك قال غير واحد من أهل العلم كـابن الجوزي، وابن رجب : وإن الرجل لينظر إلى أخيه وفي يده حاجات بيته، فيقول وهو جالس في المجلس: إن فلاناً أتى لأهله بلحم أو خبز، قال ابن رجب : هذا عين الحرام. أي: أن تنظر إلى كيس في يد أخيك، فضلاً عن أن تنظر إلى امرأة.

    1.   

    الإنكار على من لبس الحرير والذهب من الرجال

    نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن لبس الرجال للذهب والحرير، وأخذ حريراً بيد، وأخذ ذهباً باليد الأخرى وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها)، والرجل لا يحتاج مطلقاً إلى أن يتحلى بالذهب؛ لأن الله تعالى حرمه عليه، والرسول عليه الصلاة والسلام حرمه، ولذلك لما وجد النبي عليه الصلاة والسلام في إصبع رجل ذهباً نزعه منه نزعاً ثم ألقاه على الأرض، وقال: (أتحب أن تختم بخاتم من نار يوم القيامة؟، ثم تركه النبي عليه الصلاة والسلام وانصرف، فقال له بعض القوم: خذ خاتمك فانتفع به، فقال: والله ما كنت لآخذ شيئاً طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم). طرحه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يرضه لي، ولم يقل كما نقول: بإمكاني أن أذهب به فأبيعه للتاجر، أو لنصراني أو يهودي، أو أعطيه امرأتي تنتفع به.. أو غير ذلك، بل قال: (والله ما كنت لآخذ شيئاً طرحه النبي عليه الصلاة والسلام) وهذا مثال المؤمن الحق الصادق مع الله تبارك وتعالى، ومع رسوله ومع نفسه.

    1.   

    التحذير الشديد والوعيد من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    قال حذيفة رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).

    يعني: إما أن تقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإما أن يضرب الله تبارك وتعالى قلوب بعضكم ببعض، وينزل عليكم من السماء عقوبة جازمة حاسمة، ثم تدعونه أن يرفع عنكم هذه العقوبة فلا يستجيب الله تبارك وتعالى لكم؛ لأنه ما أنزلها إلا لتفريطكم في واجب أوجبه عليكم.

    1.   

    فضل الإنكار على السلاطين والأمراء العصاة الظلمة ووجوبه

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أفضل الجهاد كلمة حق). وفي رواية: (كلمة عدل عند سلطان جائر).

    أفضل الجهاد كلمة عدل وحق في وجه سلطان جائر، ليس بعيداً عنه، وإنما في وجهه مباشرة، حتى يعلم أنه جائر وظالم، فإما أن يغير، وإما كما في حديث عبادة : (إلا أن نرى كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان).

    وهذا النبي عليه الصلاة والسلام جعل مواجهة الحاكم، وذكر عيوبه في وجهه مباشرة إذا كان معانداً أو مصراً، جعل ذلك من أفضل مراتب الجهاد عند الله، قال: (أفضل الجهاد عند الله كلمة عدل) أي: يقوم بها رجل عالم مخلص في وجه سلطان جائر، ووصفه بالجور والظلم والخيانة.

    قال الحسن البصري : دخل عائذ بن عمرو على عبيد الله وهو أمير فقال عائذ لـعبيد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن شر الرعاء الحطمة) الرعاء جمع: راع، والراعي: هو الحاكم والسلطان والأمير والرئيس والقائد والملك.. وغير ذلك من هذه التسميات، فقال: (إن شر الرعاء الحطمة) أي: الذين يحطمون شعوبهم حطماً، ويهلكونهم إهلاكاً، ويفسدونهم إفساداً، ولا يجدون باباً من أبواب الشر إلا وسعوا فيه، ولا باباً من أبواب الخير إلا وأغلقوه أمامهم.

    قال: وإياك أن تكون منهم فقال عبيد الله لـعائذ رضي الله عنه: اجلس. فإنك من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال له: ليس في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نخالة، وإنما النخالة فيمن أتى بعدهم.

    عائذ صحابي، ولكن عبيد الله أمير بإمكانه أن يبطش به، كما بطش سلفه الحجاج بن يوسف الثقفي بكثير من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه ما خشي بطش عبيد الله ، وإنما قال له: (ليس في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نخالة، إنما النخالة فيمن أتى بعدهم). أي: النخالة فيكم أنتم معشر الحكام والأمراء والسلاطين الذين أتيتم بعد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، قطعت ألسنتكم وفسدت قلوبكم أن تتكلموا في صاحب من أصحابه عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحابه أجمعين. انظروا إلى هذا العملاق من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يدافع عن أمر يعتقد أن الشرع قد أوجبه عليه!

    فلا تستهزئوا بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وبأهل العلم وبالدعاة إلى الله، وبطلاب العلم، وتصفونهم بشتى أنواع الدعاوى.

    ولنا في رسول الله عليه الصلاة والسلام الأسوة والقدوة، وقد قالوا عنه: مجنون وساحر، فليصبر الدعاة وطلاب العلم والعلماء صبراً جميلاً، فإن الله تبارك وتعالى أعد للصابرين جزاء صبرهم، ولقاء جلدهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في جنة عرضها السماوات والأرض.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما تلا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]. كثير من الناس يقرأ هذه الآية ويقول: إذا فسد المجتمع فلا علاقة لي به، علي بنفسي كما هو ظاهر الآية، فأنا رجل مهتد، وهؤلاء القوم قد ضلوا، فلا علاقة لي بهم عليَّ بنفسي، وربما يكون هذا هو ظاهر الآية، فبين النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكر المعنى فقال: (يا معشر الناس! إنكم تقرءون هذه الآية فتفهمونها على غير وجهها -أي: تفهمونها فهماً مغلوطاً غير صحيح- وإني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده). هذا معنى الآية.

    ومعنى الهداية: أن تأخذ على يد الظالم أو الباغي أو المنحرف إما باليد، أو اللسان، أو القلب، وإلا فإن الله تعالى يعمك معه بعذاب بئيس من السماء، وهذا واجب عظيم من واجبات الشرع كلفنا الله تبارك وتعالى به.

    ولا يمكن لهؤلاء الذين يهيمون على وجوههم أن يدخلوا هذا المسجد إلا بجهدي وجهدك، وقولي وقولك، ورغبتي وإياك له، وإن كان صاحب معصية فإياك أن تظن أنه من أهل النار وأنت من أهل الجنة؛ لكونك تصوم وتصلي، وتحج وتعتمر، وتؤدي الزكاة المفروضة، احذر من هذا، فإن دين الله تبارك وتعالى ليس هذا فحسب، فالله تبارك وتعالى لما قال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، أراد بالدين العقيدة الصحيحة التي تبعث على إتيان جميع الشرائع، وتحليل الحلال، وتحريم الحرام، والانتهاء عنه، وإتيان الأمر.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.

    1.   

    شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    وبعد:

    فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يشترط فيه شروط:

    الشرط الأول: أن يكون عالماً بالمعروف، عالماً بالمنكر، لا يدعو بجهل وعلى جهل فيفسد أكثر مما يصلح، فربما ظن أن المعروف منكراً، أو أن المنكر معروفاً، فذهب يأمر بالمعروف وهو في حقيقته منكر، فيكون قد أمر بالإفساد في الأرض من حيث لا يدري.

    أو يذهب لينهى عن المنكر في ظنه وزعمه، وهو في حقيقة أمره معروف، فيكون قد عطل شرع الله، ظناً منه أنه ليس من دين الله ولا من شرعه.

    ولما كان الآمر والناهي لابد أن يكون عالماً بما يأمر وينهى كان هذا الواجب العظيم لا يقوم به إلا طالب العلم.

    الشرط الثاني: أن يبلغك العلم الجازم أن فلاناً قد فرط في المعروف، أو أنه قد اقترف المنكر، ولا يكفي في ذلك الظن؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، والله تبارك وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12].

    فلا يكفي أن تعتقد أن هذا الرجل يركب سيارة مع امرأة، فتذهب تشنع عليه أنه قد ركب مع امرأة أجنبية، فربما كانت أمه، أو زوجه، أو أخته أو محرماً له، ولابد أن تتأكد أنها امرأة أجنبية إذا دعت الحاجة لبحث ذلك والتفحص عنه، وأنت غير مطالب بأن تذهب وتسأله: من التي كانت معك في يوم كذا في سيارة كذا؟ ومن هي التي كانت تجلس معك على الطريق الفلاني في المكان الفلاني؟ ولكن إذا وقع لك ذلك اتفاقاً فحينئذ يجب عليك أن تنهاه عن هذا المنكر.

    وإذا لم تر فلاناً يصلي معك في المسجد فلا يعني بالضرورة أنه تارك للصلاة، فربما يصلي في مسجد آخر، أو يصلي في بيته، أو له عذر يمنعه، لابد أن تتيقن أنه تارك للصلاة حتى يتسنى لك أن تنهاه عن هذا المنكر.

    أما أن يغلب على ظنك، أو أن تظن فيه ظن السوء، ثم تذهب فتنكر عليه وربما تغلظ له في الإنكار بأن تسب أو تضرب أو تشتم، أو تلعن، ثم يتبين لك بعد ذلك أنه أحسن منك خلقاً، وأنه يصلي أكثر منك، وأنه يقوم الليل، وما منعه عن جماعة المسجد إلا العذر، فماذا يكون موقفك؟ لابد من معرفة أن المنكَر عليه قد أتى المنكر حقاً، أو فرط في المعروف حقاً.

    الشرط الثالث: ألا يُحدث تغييرك للمنكر منكراً أعظم منه.

    هذا هو المدرج في قواعد الفقهاء: أن دفع أكبر المفسدتين بأصغرهما من أوجب واجبات الفقه.

    رجل يشرب الخمر، ولكنه تركها وترك أهلها وصحبتها، ثم أقبل على التدخين وكله محرم، ولكن حرمة التدخين بالقياس، وحرمة الخمر بالنص، وما كان حراماً بالنص يقدم على ما كان حراماً بالقياس.

    ولذلك النظر إلى المرأة الأجنبية حرام، والزنا بها أشد حرمة، لكن شتان ما بين هذا وذاك، ولذلك دفع أكبر المفسدتين بأقلهما لا يعلمه إلا العالمون وأصحاب العقول السليمة، ولذلك قال الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108].

    فالله تبارك وتعالى ما حرم سب المشركين مطلقاً، وإنما حرم سب المشركين في وجوههم مخافة أن يسبوا الله عز وجل عدواً بغير علم؛ فترك مسبتهم وشتمهم ولعنهم في وجوههم هو من باب المحافظة على جناب الله، وعلى جلاله وكماله من أن ينتهكها هؤلاء المشركون.

    لو أن رجلاً ترك الخمر، وأقبل على التدخين، فنهرته كما كنت تنهر شارب الخمر، ثم أنت تعلم أنه لو ترك الدخان سيذهب إلى هذه الخمارات وإلى صحبته الأولى، فهل يجوز لك حينئذ أن تنهاه عن الدخان؟ الجواب: لا يجوز بإجماع العلماء؛ لأنه يغلب على الظن، أو على اليقين أنه يتركني والحالة هذه، ثم يذهب إلى المعصية الكبرى وهي شرب الخمر.

    ولذلك يروض العاصي برفق وبحنان، خصوصاً إذا كان من النوع الذي إذا نصحته: يا فلان لم تغضب؟ ولم تسب؟ ولم تلعن؟ ولم قلت كذا وكذا؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس المسلم بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء)، ثم أتيت له بأدلة من الكتاب والسنة، اعتدى عليك وعلى الكتاب والسنة، وعلى رسولك وعلى دينك وشرعك، دعه حتى تهدأ ثورته، ثم تخير الوقت المناسب وانصحه فيه.

    وهذا فقه عظيم جداً ينبغي أن يتمثله جميع المسلمين وخاصة طلاب العلم.

    الشرط الرابع: هل يشترط في الآمر والناهي أن يكون عاملاً بما يأمر منتهياً عما ينهى؟

    هذا شرط محل خلاف بين أهل العلم، الراجح: أنه لا يلزم ذلك، ولا يشترط، ولذلك قيل للحسن البصري وهو من هو في العلم والورع والإمامة والعدالة، قيل له: يا إمام أكل ما تأمرنا به تعمله؟ قال الحسن البصري : ومن يطيق ذلك.

    و(ذهب أبو الدرداء إلى عائشة رضي الله عنهما وقال لها: يا أم المؤمنين! هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في كيت وكيت بشيء؟ فقالت: يا أبا الدرداء ! أعملت بما علمت؟ قال: لا، قال: فماذا تفعل بازدياد حجة الله عز وجل عليك!).

    ولست بذلك أدعو للجهل، وإنما أدعو إلى الجد وحث الهمم، وأحفز النفوس للعلم والعمل جميعاً، وهذا شرط ليس بلازم في المحتسب.

    المحتسب: هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.

    الشرط الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل الرجال والنساء، ولكن النساء فيما يتعلق بهن، والرجال فيما يتعلق بهم وبالنساء، فدعوة الرجل للرجال والنساء، إلا أن يخاف على نفسه فتنة أو مفسدة، فطلاب الجامعة الذين يتصدرون لدعوة الفتيات ثم يفتنون، إنما جرهم إلى ذلك أنهم لم يتأهلوا تأهلاً علمياً، ولم يتحصنوا بالعلم، فجرهم ذلك إلى الوقوع في الفتنة من أول نظرة، وإنما سول لهم شيطانهم أنهم يدعون إلى الله عز وجل، وهم في حقيقة الأمر أصحاب هوى قد فتنهم الجمال والبغاء الذي انتشر في الجامعات.. وغيرها.

    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للرجال والنساء على حد سواء، ولكن إذا وقف مع امرأة، أو مع مجموعة من النسوة، وهو يعلم من نفسه الضعف والعجز فليكف عن دعوة النساء، ولا حرج عليه، والله تعالى لن يحاسبه؛ لأنها في مقابل فتنته في دينه.

    والله تبارك وتعالى يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، فشملت الرجال والنساء، فالمرأة يجب عليها أن تعظ النساء، وأن تأمر النساء بالمعروف، وأن تنهاهن عن المنكر ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وكثير من النساء، بل من طالبات العلم تغفل عن هذا الواجب، فلذلك يخفى على كثير من الرجال ما عند النساء من فتن ومعاص، ولكن الواحد منا لا يستطيع أن يخمن ذلك تخميناً حتى يأمر وينهى، وإنما يعلم ذلك من أنفسهن، ولكن الواحدة منهن تقصر في هذا الواجب، فيستشري البلاء، وينتشر الفساد في هذه الطائفة من الخلق؛ لأنهن تركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وكل مسجد على جهة الخصوص يحتاج إلى نساء مخلصات تقيات عالمات حافظات للغيب بما حفظ الله، تقوم برفق ولين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وسط النساء، ويأمرن المتبرجات، ويأمرن من مرت في الطريق فدخلت بيتاً من بيوت الله عز وجل برفق، وأنا أعلم أن هذا المسجد كغيره من المساجد حتى المسجد الحرام والمسجد النبوي فيهما من المتبرجات ما فيهن، فهذه المرأة مسكينة، ربما ظنت أن ما تفعله حق، أو أنه ليس فيه إثم ولا معصية، فيجب أن ترفق الداعية بها، وأن يرفقن بها بقية النساء اللاتي مَنَّ الله تبارك وتعالى عليهن بالعلم النافع والعمل الصالح.

    أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل الحاكم والمحكوم، حتى لا يظن الحاكم أنه إنما يكفيه أن يعين أناساً من حملة الشهادات الشرعية، أو في وزارة الأوقاف، أو في الأزهر الشريف.. أو غير ذلك، ويظن أن هذا يكفيه أمام الله عز وجل، كلا وألف كلا، بل يجب عليه هو أولاً أن يكون حامياً للدين، حامياً للديار، آخذاً بزمام الأمة إلى ربها لا إلى النار، وقد جاء عن عثمان : إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. أي: بسطوته وجبروته وما يملك من قوة يملك التغيير، فيا ويل من ملك التغيير ولم يغير، ويا ويل من كان بإمكانه أن يطبق شرع الله على رءوس الناس -وإن رغمت أنوفهم- ثم لم يغير.

    الحاصل أن المسلمين يحملون حملاً على أن يتحاكموا إلى غير شرع الله، وعلى أن يدينوا بغير دين الله عز وجل، وهذا بلاء عظيم، بل هو أمر قد تعدى حتى حدَ العقل السليم، كيف يحمل الناس على غير معتقدهم؟! وأن يكون الإنسان المنحاز هو الإنسان الصادق في المجتمع، والمرغوب المطلوب، وأن يكون أصحاب الديانة، وأصحاب المنهج السليم هم الذين يجب التخلص منهم، وهم الأصوليين بزعمهم!

    الشرط السادس: أن يكون رفيقاً بالمدعو، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، ويقول: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).

    فلابد أن يكون رفيقاً لين العبارة، سهل الأسلوب: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125]، ولم يقل: الموعظة الخشنة وإنما قال: وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ؛ لأنها هي التي تؤتي ثمارها.

    أما الغلظة والحدة والشدة فلربما حملت المأمور والمنهي على أن يرتكب أعظم من ذلك، وعلى أن تأخذه العزة بالإثم فيرفض كلام الله عز وجل، ويقع فيما هو شر منه.

    الشرط السابع: أن يقصد إصلاح الخلق، والدعوة إلى الله عز وجل، وأن يقيم دين الله وشرعه ولا يقصد أن ينتقم لنفسه، وذلك هو بمثابة المحتسب الذي عينه الحاكم.

    فلابد أن يكون رفيقاً حليماً ليناً هيناً يقوم على مصالح الناس، ولابد أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى اصطفاه واختاره في هذا المكان؛ لأجل إصلاح الناس.

    ما أنت إلا عبد مسكين هزيل لو دخلت في أنفك ذبابة لقتلك، بل ربما جعلتك تأكل من تحت قدمك، أنت لست بشيء، أنت فقير إلى الله عز وجل، لو أن الله سلط عليك أهون المخلوقات لكنت أقل منها هواناً، فاتق الله في نفسك، واتق الله في دينك، وعملك، وفيما كلفت به، فمهما بلغت قوتك فأنت ضعيف يأخذك الله ولا يبالي. (إن الله يمهل الظالم فإذا أخذه لم يفلته)، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أحمد.. وغيره.

    إياك أن تظن أنك بعيد عن عذاب الله وعن عقابه، فلابد أن تقصد بدعوتك وبعملك وجه الله عز وجل.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.

    وصلى الله على نبينا محمد.