إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الباعث الحثيث
  5. شرح كتاب الباعث الحثيث - الحديث المرفوع والموقوف

شرح كتاب الباعث الحثيث - الحديث المرفوع والموقوفللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أنواع الحديث من حيث الحكم عليه الحديث الضعيف، وضعفه بسبب إسناده، وهو أنواع كثيرة، كما أن من أنواع الحديث من حيث وصفه الحديث المسند والمرفوع والمقطوع والموقوف، وغير ذلك من الأنواع.

    1.   

    الحديث الضعيف

    الضعيف: هو ما لم يتوفر فيه شروط الحديث الصحيح ولا الحسن.

    لأن الضعيف في المعنى ضد القوي.

    فالحديث الضعيف هو ما فقد أحد شروط الحديث الصحيح والحديث الحسن، وقد انتقد هذا التعريف، وأن الصواب: هو ما فقد فيه شرط أو أكثر من شروط الحديث الحسن فقط؛ لأنه إذا فقد منه شرط الحديث الحسن فمن باب أولى أن يفقد شرط الصحيح، يعني: أنهم عرفوا بالأدنى ليدل على ما هو أعلى من ذلك.

    فالحديث الضعيف هو ما لم يجتمع فيه شروط الحديث الصحيح ولا الحديث الحسن، ويجوز أن نقول: هو ما لم يجتمع فيه شروط الحديث الحسن، ويكون من باب أولى أنه لم يجتمع فيه شروط الحديث الصحيح.

    1.   

    الفرق بين ما روي على شرط الشيخين وما روي على شرط البخاري

    وهذه المسألة لا تقاس على السؤال الذي أتى في الدرس الماضي الذي يقول فيه السائل: في مراتب الحديث الصحيح المرتبة الرابعة: ما روي على شرطهما ولم يخرجاه، والمرتبة الخامسة: ما روي على شرط البخاري ولم يخرجاه، فما الفارق بين المرتبتين؟

    والجواب: أن الفارق بين المرتبتين متعلق بشرط الرواية عند البخاري وشرط الرواية عند مسلم ، والبخاري يشترط المعاصرة وثبوت اللقاء، ومسلم يشترط المعاصرة مع إمكانية اللقاء.

    فمن هنا قدم البخاري على مسلم في المرتبة من هذه الحيثية ومن غيرها، لكن هذه إحدى حيثيات تقدم البخاري على مسلم.

    ثم إذا قدم البخاري على مسلم من هذه الحيثية فينسحب هذا أيضاً على الشرط، فما روي على شرط البخاري ولم يخرجه مقدم على ما يروى على شرط مسلم ولم يخرجه، فهي مسألة حسابية، إذا كان الحديث في البخاري وليس في مسلم فلا شك أنه مقدم؛ لأنه انفرد به البخاري ، وإذا كان الحديث في مسلم يأتي في مرتبة بعد مرتبة إخراجه في البخاري، وإذا لم يكن فيهما ولكنه على شرطهما فيكون في مرتبة تالية، وإذا كان على شرط البخاري فقط فيكون أعلى منه إذا كان على شرط مسلم فقط.

    وهنا سؤال من أخ يقول: فإن شرط البخاري المعاصرة وثبوت اللقاء وهو شامل لشرط مسلم ، فليس هناك فارق بين ما روي على شرطهما وما روي على شرط البخاري ؛ لأنه إذا كان حديثه على شرط البخاري فمن باب أولى أن يكون على شرط مسلم ، فما رأيكم في هذا الكلام؟

    وكأنه يريد أن يقول: إن شرط مسلم يدخل تحت شرط البخاري ، فإذا كان الحديث على شرط البخاري يغني ذلك عن قولنا: على شرطهما، فما رأيكم في هذا الكلام؟ هل هذا الكلام صحيح أم خطأ؟

    وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن مسلماً اكتفى باشتراط المعاصرة مع إمكان اللقاء، بينما اشترط البخاري أنه لابد من ثبوت اللقاء.

    والخطأ الذي يحصل هو أن المحقق عندما يخرج الإسناد أو يحكم عليه الذي يفعله أنه يذهب إلى كتاب تقريب التقريب للحافظ ابن حجر فينظر من روى لهذا الرجل، فإذا وجد أنه روى عنه البخاري ومسلم يقول في هذه الحالة: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، فإذا سئل قال: لأن رجال هذا الإسناد أخرج لهم البخاري ومسلم .

    فهناك فرق بين قول المحقق: رجاله رجال الصحيحين، أو هو على شرط الصحيحين، هناك فرق كبير، والفرق أنه إذا كان هذا الإسناد الذي بين يدي كل رجاله أخرج لهم البخاري ومسلم فينظر في النقطة التالية وهي: هل هذا الإسناد على شرطهما، أم على شرط أحدهما أم ليس على شرطهما ألبتة؟

    وهل يمكن أن يكون هناك إسناد كل رواته أخرج لهم البخاري ومسلم أو البخاري فقط أو مسلم فقط ويكون في المحصلة ليس على شرط واحد منهما؟

    الجواب: نعم؛ لصفة الرواية نفسها، فيمكن أن يكون هناك إسناد ملفق من رجال البخاري ورجال مسلم ، لكن صفة الرواية نفسها لا تكون على شرط البخاري ولا على شرط مسلم ، كـسماك عن عكرمة عن ابن عباس ، فـسماك على شرط مسلم فقط، وعكرمة انفرد به البخاري ، لكني لا أستطيع أن أقول: هو على شرط البخاري ، ولكن أقول: هو من رجال البخاري، فهناك فرق بين كلمة: على شرط البخاري، وكلمة: من رجال البخاري ؛ لأنه يمكن أن يكون سماك من رجال مسلم ، ولكن مسلماً لا يخرج له إلا عن عكرمة ، فإذا روى سماك عن غير عكرمة فـمسلم لا يصحح حديثه، أو لا يعتمد حديثه في هذه الحالة؛ لأنه ليس على شرطه، أما شرط مسلم فهو أن يروي سماك حديثه عن عكرمة على وجه الخصوص، فإذا روى سماك عن غير عكرمة ولو من رجال الصحيحين، فليس على شرط مسلم .

    يعني: سماك عن عكرمة عن ابن عباس ، عكرمة عن ابن عباس من رجال البخاري وعلى شرط البخاري ، فـعكرمة عن ابن عباس على شرط البخاري ، لكن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ليس على شرط البخاري ؛ لأن البخاري لا يعتمد رواية عكرمة عن ابن عباس إذا جاءت من طريق سماك ، والذي يعتمدها هو مسلم ، ففي هذه الحالة أقول: سماك عن عكرمة عن ابن عباس ليس على شرط مسلم لأن مسلماً لا يعتمد رواية سماك إذا كانت عن عكرمة ، وليس على شرط البخاري ؛ لأن البخاري لا يعتمد رواية عكرمة إذا كانت من طريق سماك .

    فـسماك على شرط مسلم ، وعكرمة انفرد به البخاري ، وسماك عن عكرمة ليس على شرط واحد منهما؛ لأن عكرمة على شرط البخاري وسماك على شرط مسلم ، فإذا جاء إسناد مثل هذا ملفق من رجال البخاري تارة ومن رجال مسلم تارة أخرى، فأقول في هذه الحالة: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، ولكن ليس على شرط واحد منهما؛ لأن سماكاً على شرط مسلم وعكرمة انفرد به البخاري ، لكن في هذه الحالة يجوز لي أن أقول: رواة هذا الإسناد هم رواة الصحيح.

    وأيضاً أقول: هذا الإسناد فيه علة، ولذلك الحديث المعلول هو: أن يظهر الحديث في الظاهر بأنه صحيح 100% لا مطعن فيه، ثم نفاجأ بأن فيه علة خفية، وهذه العلة هي: أن رواية سماك عن عكرمة على وجه الخصوص ضعيفة.

    ولذلك أقول: إن شرط الإمام البخاري غير رجال الإمام البخاري ، وشرط مسلم غير رجال مسلم .

    هذا هو الجواب على السؤال الذي وجه في الدرس الماضي، فالأخ يقول: ما دام شرط البخاري أشد وأدق من شرط مسلم، إذاً: شرط مسلم يدخل ضمن شرط البخاري ، فما كان على شرط البخاري من باب أولى أن يكون على شرط مسلم ، وهذا الكلام غلط؛ لأننا نقول: إن هناك فرقاً بين قول: هذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، وبين قول: هذا الإسناد على شرط الصحيح، فهناك فرق بين المسألتين، فيمكن أن يوجد إسناد يروى برجال الصحيح أو برجال الصحيحين، كـسماك عن عكرمة عن ابن عباس ، لكن في هذه الحالة سأقول: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح لكن فيه علة، مع أن ظاهره السلامة من العلل؛ لأن سماكاً من رواة مسلم ، وعكرمة من رواة البخاري ، فربما يقول شخص: أيروي البخاري ومسلم لرجال هذا الإسناد ويكون فيه علة؟!

    نقول: نعم، فيه علة.

    فإذا قال: فما علته؟

    نقول: ليس بلازم أن يكون الإسناد صحيحاً إذا كان رجاله رجال الصحيح؛ بل اللازم أن تكون الرواية على شرط الصحيح، فما هو الفرق؟

    الفرق: أن سماكاً إذا روى له مسلم فإنما يعتمد روايته عن رجل بعينه؛ لأنه ثقة في هذا الرجل، أما في غير هذا الرجل فضعيف، فلا يصح أنني أقول: سماك روى له مسلم ، وعكرمة روى له البخاري ؛ إذاً: هذا الإسناد على شرط البخاري ومسلم ، فهذا خطأ؛ لأن مسلماً لا يعتمد رواية سماك عن عكرمة ، والبخاري لا يعتمد رواية عكرمة إذا جاءت من طريق سماك ؛ لأن سماكاً ليس على شرطه، إنما على شرطه عكرمة فقط إذا جاء من غير طريق سماك ، فيمكن أن يكون الإسناد ملفقاً من رجال الصحيحين، وفي الحقيقة أنه ليس على شرط الصحيحين، بل ليس على شرط واحد منهما؛ لأن صفة الرواية نفسها مختلفة، فالعبرة -إذاً- في التصحيح ليست برواة الصحيحين، إنما العبرة في كيفية الرواية وصفة الرواية نفسها.

    فيقول هنا: كـسماك عن عكرمة عن ابن عباس ، فـسماك على شرط مسلم ، وعكرمة انفرد به البخاري .

    والحق أن هذا ليس على شرط واحد منهما، وأدق من هذا أن يرويا - البخاري ومسلم - عن أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضعفوا فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق من ضعفوا فيه برجال كلهم في الكتابين أو أحدهما، فنسبته أنه على شرط من خرج له غلط، كأن يقال: هشيم عن الزهري ، فـهشيم أخرج له البخاري ومسلم ، والزهري أخرج له البخاري ومسلم ، لكن النقطة الثانية التي هي بيت القصيد أو مربط الفرس هي أن رواية هشيم على وجه الخصوص عن الزهري ضعيفة.

    فـهشيم ثقة في كل روايته إلا روايته عن الزهري ، في حين أن الزهري على انفراد روى له البخاري ومسلم ، وهشيم على انفراد روى له البخاري ومسلم ، فإذا أتى إسناد فيه هشيم عن الزهري فهل يكون على شرطهما؟ الجواب: لا؛ لأن هشيماً ضعيف في الزهري على وجه الخصوص، فرواية هشيم عن غير الزهري صحيحة، ورواية الزهري إذا أتت من غير طريق هشيم صحيحة، إنما رواية هشيم عن الزهري على وجه الخصوص ضعيفة؛ لأنه مخصوص بالضعف فيه، والمشكلة في رواية هشيم عن الزهري أن كتبه أحرقت أو أغرقت، فحصل له ضعف، فكان الحق أن تضعف رواية هشيم على وجه الخصوص في الزهري ، وهشيم هذا كان مدلساً كبيراً جداً، كان يدلس تدليس العطف.

    فـهشيم من رواة البخاري ومسلم ، والزهري من رواية البخاري ومسلم ، ففي هذه الحالة يجوز أن أقول: رواته رواة الصحيحين، لكن ليس على شرطهما.

    فما هو الفارق بين قولنا: رجاله رجال الصحيحين، وقولنا: على شرطهما؟

    الجواب: على شرطهما يستلزم الصحة، أما رجاله رجال الصحيحين أو الصحيح فلا يستلزم الصحة؛ لأنه يمكن أن يكون فيه علة خفية، وهذا يدخل في الحديث المعلول، وهو أن يكون الإسناد من حيث الظاهر سليماً من العيوب، لكن فيه علة، فعندما تعرض علي إسناداً أقول لك: هذا الحديث رواته كلهم أخرج لهم البخاري ومسلم ، فتأخذ مني هذا الكلام مباشرة وتنصرف على اعتبار أنه في قوة ما روي في داخل البخاري ومسلم ، ولكن ربما يكون فيه علة خفية، مثل علة هشيم عن الزهري ، ومثل علة سماك عن عكرمة ، فـسماك عن عكرمة ليس على شرط البخاري ولا شرط مسلم ، وإن كان هؤلاء الرواة هم من رجال الصحيح، فـهشيم والزهري من رجال الصحيحين، لكن على وجه الخصوص هشيم ضعيف في الزهري ، وهو ثقة في كل ما رواه عن غير الزهري .

    إذاً: يثبت لدينا أن الحديث إذا كان على شرط البخاري لا يلزم أن يكون على شرط مسلم ؛ فبعض الناس يتصور أنه ما دام على شرط البخاري فمعلوم أن مسلماً هو من طلاب البخاري ، فيظن أنه لابد أن يكون الحديث على شرط مسلم أيضاً، وهو ليس كذلك؛ لاختلاف صفة الرواية.

    تعريف الحديث المعلول: هو حديث في ظاهره السلامة من العيوب، ولكنه عند التحقيق يثبت أن فيه علة خفية تقدح فيه.

    يقول: كل من هشيم والزهري أخرجا له، فهو على شرطيهما، فيقال: بل ليس على شرط واحد منهما؛ لأنهما إنما أخرجا عن هشيم من غير طريق الزهري ، فإنه ضعف فيه على وجه الخصوص؛ لأنه كان دخل إليه فأخذ عنه عشرين حديثاً، فلقيه صاحب له وهو راجع فسأله رؤيتها، وكانت ثَمَّ ريح شديدة، فأخرجها من جيبه فذهبت هذه الأوراق مع الريح، فأخذ هشيم يحدث بما علق منها بذهنه، ولم يكن أتقن حفظها، فوهم في أشياء منها؛ فضعف في الزهري بسببها.

    وكذا همام ضعيف في ابن جريج ، مع أن كلاً منهما أخرجا له، لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئاً، يعني: همام على وجه الخصوص ضعيف في ابن جريج .

    دل ذلك على أن شرط البخاري لا يستلزم أن يستوفي شرط مسلم؛ للخلاف في الرواية نفسها.

    1.   

    معنى قول المحدثين: (حديث جيد)

    وسأل أخ سؤالاً قال فيه: نقرأ في بعض التخريجات والتحقيقات للحديث يقول: إسناده جيد، فتحت أي قسم يدخل الجيد: تحت الصحيح لذاته أم الحسن لذاته، أم الصحيح لغيره أم الحسن لغيره، وجزاكم الله خيراً؟

    والجواب: هناك فرق بين قول المحقق أو قول العالم: جيد، وإسناده جيد، فإن قوله: إسناده جيد، إنما هذا حكم ينصب على ذات الإسناد الذي بين يديه، ويحمل على الحديث الواحد، بمعنى أن قوله هنا: إسناده جيد، يساوي قوله: إسناده حسن، لأن قول أيضاً: إسناده حسن بخلاف قول (حسن)؛ لأن قول (حسن) يمكن أن يكون حسناً لذاته أو حسناً لغيره، ويمكن أن يكون قولي: (حسن) ينصب على المتن دون السند، فكذلك قولي: جيد، فجيد ينطبق على الحسن لغيره والحسن لذاته، كما ينطبق على المتن أيضاً، بخلاف قولي: إسناد جيد، فإنما هذا حكم على إسناد بعينه.

    1.   

    أنواع الحديث الضعيف

    نرجع مرة أخرى إلى الحديث الضعيف، فالضعيف: هو ما لم يجتمع فيه شروط الصحيح ولا الحسن، وهذا الكلام ذكرنا بالسؤال الذي وجه في الأسبوع الماضي الذي يقول: إن الضعيف يكتفى في تعريفه بأنه لم يجتمع فيه شروط الحديث الحسن، فمن باب أولى ألا يجتمع فيه شروط الحديث الصحيح.

    ثم تكلم الشيخ على تعداده وتنوعه باعتبار فقده واحدة من صفات الصحة أو أكثر أو جميعها.

    فينقسم جنسه إلى: الموضوع، والمقلوب، والشاذ، والمعلل، والمضطرب، والمرسل، والمنقطع، والمعضل.. وغير ذلك، حتى عدوا أكثر من ستين نوعاً من أنواع الضعيف، ويمكن أن تراجعها في مقدمة الكتاب مع تعليق الشيخ أحمد شاكر .

    وعلى أي حال الضعيف أنواع كثيرة، وكان ينبغي أن يورد هذه التعريفات في غير هذا الموطن؛ لأنه هنا ذكر المسند والمرفوع والموقوف والمنقطع.. وغير ذلك ضمن الضعيف، وليس هذا التقسيم بجيد؛ لأن هذا كله ليس من باب الضعيف، وإنما هو من باب التعريفات المبدئية لهذا العلم.

    فكونه يضعها في قسم الضعيف فهذا مما لا توفيق فيه.

    1.   

    الحديث المسند

    ثم ذكر المسند وهو نسبة القول إلى قائله سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً.

    و أبو عبد الله الحاكم يقول: المسند: هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء اختلفوا في كلمة المسنَد، فالمسنَد: هو ما اتصل إسناده مرفوعاً، فهل هناك فرق بين المرفوع وبين المسند من وجهة نظر الحاكم ؟

    الفرق: أن المسند لابد وأن يكون فيه شرط الاتصال إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أما المرفوع فممكن أن يكون مرفوعاً ويكون فيه انقطاع، فهو يريد أن يقول: كل مسند مرفوع وليس كل مرفوع مسنداً.

    مداخلة: هل يمكن أن يكون مرفوعاً وفي إسناده الانقطاع؟

    الشيخ: نعم طبعاً.

    مداخلة: كيف يكون مرفوعاً؟

    الشيخ: فكيف يكون مرفوعاً؟ فما هو المرفوع أولاً، نعرف المرفوع لأجل أن نعرف إذا كان مرفوعاً أم لا.

    المرفوع: هو ما كان من قول النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا أتاني قول عن النبي عليه الصلاة والسلام بإسناد فيه انقطاع؛ فهذا الكلام نسميه مرفوعاً مع أنه ضعيف للانقطاع.

    لكنه في نظر الحاكم ليس مسنداً؛ لأن المسند عند الحاكم يعني الاتصال مع الرفع.

    و الخطيب البغدادي يقول: المسند: هو ما اتصل إلى منتهاه، ومنتهاه يمكن أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون المرفوع عند الخطيب يساوي المرسل، ويمكن أن يكون منتهاه هو الصحابي؛ فيكون الموقوف يساوي المرسل عند الخطيب البغدادي، ويمكن أن يكون إلى التابعي؛ فيكون المسند عند الخطيب يساوي المقطوع على التابعي، ويمكن أن يكون التابعي ومن دونه.

    فالإمام الخطيب يقول: المسند هو ما روي بالسند المتصل إلى قائله، وقائله يمكن أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن يكون الصحابي رضي الله عنه، ويمكن أن يكون التابعي ومن دونه.

    فهو يريد أن يقول: إن كل ما روي بإسناد متصل إلى قائله أياً كان هذا القائل فهذا الكلام يعد مسنداً.

    ثم لـابن عبد البر كلام يقول فيه: إنه المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان متصلاً أو منقطعاً.

    وهذا الكلام يمكن أن يخالف كلام الحاكم ويمكن أن يخالف كلام الخطيب .

    يخالف كلام الحاكم لأن الحاكم يشترط الاتصال، وابن عبد البر لم يشترط الاتصال، إذاً: ابن عبد البر التقى مع الحاكم في أنه لابد أن يكون الحديث مرفوعاً، وافترقا في أن الحاكم اشترط الاتصال وابن عبد البر لم يشترط الاتصال.

    وأطمئنكم بأن هذه الاختلافات بين أهل العلم معارك تدور بينهم لا تضر في وقت العمل؛ لأن في وقت العمل كل هذه الخلافات تزول، فنحن إذا تركنا التعريفات والحدود التي وضعها أهل العلم لكل مصطلح على حدة وجئنا إلى واقع العمل نجد أن كل واحد من العلماء يستخدم مصطلح صاحبه.

    خذ على ذلك مثالاً: أبو داود عن سريج عن قتيبة عن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال..

    في هذا الإسناد كل راوٍ من هؤلاء أدرك شيخه وأخذ عنه، ففي هذه الحالة سنقول: على مذهب الحاكم هذا هو ما يطلق عليه المسند؛ لأنه متصل لا يوجد فيه انقطاع، بمعنى أن كل تلميذ وكل راوٍ أخذ عن شيخه، وهذا الكلام من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والحاكم يشترط في المسند شرطين:

    الشرط الأول: عدم الانقطاع.

    والشرط الثاني: أن يكون القائل هو النبي عليه الصلاة والسلام.

    أما الخطيب فيقول: أنا أتفق مع الحاكم في جزئية، وأختلف معه في جزئية، أوافقه في شرط وأخالفه في الشرط الآخر، أوافقه في الاتصال، فالاتصال شرط في المسند، وأخالفه في القائل، فليس بلازم أن يكون القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم، بل يمكن أن يكون أبو هريرة أو أبو سلمة ، أليس عندنا في السند السابق: أبو سلمة عن أبي هريرة ؟ ولذلك قال فيه: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، ومنتهاه يمكن أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن يكون أبا هريرة ، ويمكن أن يكون أبا سلمة ، في حين أن التعريفات السابقة لأهل العلم تقول: إن ما كان من قول النبي عليه الصلاة والسلام فهو المرفوع، وما كان من قول الصحابي فهو الموقوف، وما كان من قول التابعي فيكون هو المقطوع.

    فـالخطيب قال: كل هذا يطلق عليه المسند إذا روي بإسناد متصل.

    إذاً: هو يوافق الحاكم في شرط، ويخالفه في الشرط الثاني.

    و ابن عبد البر أتى برأي جديد، وافق الحاكم في شرط وخالفه في شرط، الشرط الذي وافق فيه الحاكم خالف فيه الخطيب ، والذي خالف فيه الحاكم وافق فيه الخطيب .

    قال: المسند هو المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا وافق الحاكم وخالف الخطيب ؛ لأن الخطيب لم يشترط الرفع، وهذا قال: لابد أن يكون مرفوعاً، فبهذا وافق الحاكم وخالف الخطيب .

    ثم قال بعد ذلك: سواء كان متصلاً أو منقطعاً، فهو لم يشترط الاتصال، وإنما جعله متصلاً أو منقطعاً على حد سواء، فهذه أقوال ثلاثة.

    ويقال له: الموصول أيضاً، وقد قلت لكم: إن الموصول بخلاف الواصل، فالواصل شيء آخر ومذهب آخر، فنحن إنما نتكلم عن علم مصطلح الحديث، وليس عن علم التصوف.

    فالمتصل والموصول كلاهما مصطلح حديثي.

    يقول: الموصول هو المتصل، وهو ينفي الإرسال والانقطاع، ويشمل المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والموقوف على الصحابي، أو من دونه.

    وهذا يوافق كلام الخطيب ؛ لأن الخطيب قال: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، سواء كان منتهاه هو النبي عليه الصلاة والسلام أو من دونه من الصحابي أو التابعي.

    عندما أقول لك: الشيخ فلان قال عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فتقول: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول لك: لا، إن الذي بلغنا عنه فلان، فتقول: وفلان هذا أرأى النبي؟ فيقال: نعم رآه.

    إذاً: في الحالة الأولى الكلام غير متصل، وأنا عندما أقول لك: روي الشيخ فلان، تقول له: أسمعت؟ فسيقول لك: لا، فتقول: إذاً فمن الذي سمع؟ فيقول: فلان، ففي الحالة الأولى غير متصل، وفي الحالة الثانية متصل، فما معنى متصل وغير متصل؟

    الكلام المتصل: هو الذي ليس فيه انقطاع ولا إرسال، أنا أروي كلاماً عمن سمعته مباشرة، فلا يوجد انقطاع، أما حين أروي كلاماً عمن لم أسمع عنه فهذا فيه إرسال وانقطاع؛ لأني أسقطت راوياً بيني وبين القائل.

    1.   

    الحديث المرفوع

    والمرفوع: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً عنه، وسواء كان متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً.

    يقول: إن المرفوع هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أو سنة خَلْقية أو خُلُقية، سواء كان هذا متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً.

    وهذا يساوي عند ابن عبد البر المسند؛ لأنا قلنا: ابن عبد البر يشترط أن يكون المسند من قول النبي عليه الصلاة والسلام.

    ثم يقول: ونفى الخطيب أن يكون مرسلاً.

    الإرسال أن التابعي كـالحسن البصري أو قيس بن أبي حازم أو الحارث الأعور أو غيرهم من التابعين يقول: قال رسول الله، فهو ما أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع هذا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسمي هذا: إرسالاً، والإرسال بمعنى الإطلاق بلا قيد، وكأن التابعي أطلق الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقيده بالصحابي الذي روى هذا الحديث.

    قال: ونفي الخطيب أن يكون مرسلاً، يريد أن يقول: إن شرط المرفوع ألا يكون مرسلاً، وهذا كلام خطأ؛ لأن الحق نسبة القول إلى قائله، وإن كانت هناك علل.

    فالتابعي يقول: قال رسول الله، ففي هذه الحالة لا نستطيع أن نقول: إن هذا الكلام ليس مرفوعاً؛ لأن التابعي رفعه، فكيف أنزله عن درجة الرفع؟ لا ينفع ذلك أبداً، فلا يصح أن أقول: إن هذا الكلام من كلام الصحابي؛ لأن الذي أرسله هو أعلم به قد رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    فكيف إذا كان السند به علة من العلل أنزله عن درجة المرفوع إلى درجة الموقوف أو المقطوع؟

    هذا الكلام لم يقل به أحد إلا الخطيب .

    قال الخطيب في تعريف المرفوع: هو ما أخبر فيه الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا كلام مرجوح غير راجح، وليس عليه العمل.

    والمسند هو ما روي بالسند إلى قائله، سواء كان هذا الإسناد صحيحاً أو ضعيفاً.

    1.   

    الفرق بين الحديث المرفوع والموقوف والمنقطع

    ثم يقول: النوع الثاني وهو الموقوف:

    ولنبدأ بجزئية مبدئية، وهي أن المصطلحات الأربعة لابد أن تحفظها، وإن اختلف فيها أهل العلم إلا أن العمل عليها:

    المرفوع: هو ما قاله النبي، والموقوف هو ما قاله الصحابي، والمقطوع هو ما قاله التابعي.

    وهناك فرق بين المقطوع والمنقطع:

    فالمقطوع: هو ما قاله التابعي.

    وأما المنقطع فهو ما كان في سنده انقطاع، سواء كان مقطوعاً أو موقوفاً أو مرفوعاً.

    ونعيد للمراجعة والفائدة:

    المرفوع: هو ما كان من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وسمي مرفوعاً لرفعته أو لرفعة نسبته إلى قائله، فإن الكلام يستمد شرفه وقيمته من قائله، فإذا كان القائل هو النبي عليه الصلاة والسلام استحق أن يكون كلامه من أرفع الكلام وأحسن الكلام، وأنا بهذا أعطيك أمارة، فعندما تسمع أنه مرفوع تعلم أنه قول النبي عليه الصلاة والسلام.

    والموقوف: هو ما كان من قول الصحابي.

    والمقطوع: هو ما كان من قول التابعي.

    أما المنقطع فهو علة من العلل، وهي سقوط راوٍ أو أكثر في الإسناد ليس على التوالي، سواء كان هذا الإسناد مقطوعاً على التابعي أو موقوفاً على الصحابي أو مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    فالفرق بين المقطوع والمنقطع: أن المقطوع هو ما كان من قول التابعي، والمنقطع هو علة تلحق الإسناد بسقط، سواء كان هذا الإسناد مقطوعاً على التابعي أو موقوفاً على الصحابي أو مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    وانتبه إلى أن العلماء أدخلوا مسألتين في بعض:

    أحياناً يطلقون الموقوف على المقطوع والمقطوع على الموقوف، ولكن في هذه الحالة أليس هذا يخالف القاعدة؟ وما كان بخلاف القاعدة يلزم فيه التقييد.

    والقاعدة عندي: أن كل ما صدر عن الصحابي موقوف عليه، مثلاً: أقول: هذا كلام أبي سعيد الخدري، فهو موقوف على أبي سعيد.

    وإذا كان هذا الكلام من كلام الزهري فممكن أقول: إنه موقوف، ولكن لابد أن أقول: موقوف على الزهري، إذاً: هنا تقييد؛ لأنني لو قلت: موقوف وسكتُّ أوهمت أن القائل صحابي، ويمكن أن أقول عن كلام أبي سعيد الخدري : كلام مقطوع؛ وفي هذا إيهام بأن أبا سعيد تابعي، والحقيقة أنه صحابي، ولكني لو قلت: مقطوع على أبي سعيد، لكان هناك تقييد وخروج بـأبي سعيد عن حد التابعي إلى حد الصحابي، يعني: الأصل فيما قاله النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرفوع، وما قاله الصحابي موقوف إلا إذا قيد، وما قاله التابعي مقطوع إلا إذا قيد بقولنا: موقوف على فلان، ومقطوع على فلان، وهذا الكلام الذي قلناه هو الأصل، وليس هناك كلام آخر في المسائل الثلاث هذه.

    1.   

    الحديث الموقوف

    يقول: الموقوف: ومطلقه يختص بالصحابي، وكلمة (مطلقه) المراد بها: أنني إذا قلت: (موقوف) فقط وأطلقت هذه الكلمة دون تقييد فهذا يدل على أن القائل صحابي، إلا إذا قيد، والتقييد إنما يقيد الإطلاق، فإذا قلت: ومطلقه يختص بالصحابي معنى ذلك: أن قيده وتقييده يختص بغير الصحابي.

    ولا يستعمل فيمن دونه إلا مقيداً، أي: مصطلح الموقوف لا يستعمل فيمن دون الصحابي إلا مقيداً، فيقال: موقوف على الزهري، فإذا قلت: موقوف وأطلقت ولم أقيد فلابد أن يكون هذا القائل صحابياً.

    لكن لو قلت: موقوف على فلان، فهل يلزم من ذلك أن يكون القائل صحابياً؟ الجواب: لا؛ لأنني قيدت، ومعنى قيدت: أنني أخرجته عن أصله وحده المعروف.

    وقد يكون إسناده متصلاً وغير متصل، يعني: وهذا ليس في الموقوف فقط، بل المقطوع والموقوف والمرفوع لا يلزم فيها الاتصال، فلا يعني ذلك أنه إذا أتاني حديث مرفوع ووجدت فيه انقطاعاً أقول: إن هذا الانقطاع يقدح في الرفع، وليس في الرفع فحسب، بل إنه سيقدح في الصحة، إنما لا يقدح في أن هذا الكلام منسوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الانقطاع لا يقدح في كون هذا الكلام موقوفاً على الصحابي، وهذا الانقطاع لا يقدح في نسبة هذا الكلام إلى التابعي.

    يعني: لا يلزم في المرفوع أن يكون متصلاً، والاتصال شرط في الصحة وليس شرطاً في الرفع ولا في الوقف ولا في القطع.

    يقول: وهو الذي يسميه كثير من الفقهاء والمحدثين أيضاً: أثراً.

    إذاً: الأثر عند كثير من الفقهاء والمحدثين: هو ما كان موقوفاً على الصحابي، ومنهم من يعد الأثر في مقابل الخبر، فيسمي راوي الخبر: إخبارياً، ويسمي راوي الأثر: أثرياً، وكأنهم ينزلون المُخبِر على من يتكلم في الأخبار وسير الناس وأيامهم وغزواتهم وحروبهم.. وغير ذلك مما نقول عنها نحن: كتب التاريخ.

    فالمؤرخ يساوي عندهم راوي الخبر، بخلاف الأثري فهو الذي يروي الآثار، هذه الآثار تطلق على المقطوع والمرفوع والموقوف، لكن عند إطلاق لفظ الأثر يكون الكلام موقوفاً على الصحابي، لكن يروى أحياناً الأثر في مقابل البدعة؛ يقال: هذه البدعة لا تستند إلى علم، تستند إلى هوى، أما الأثر فمستنده الاتباع، فالحديث هو الاتباع.

    وأهل الأثر هم أهل الحديث، لا نقول: هم أهل الموقوفات، وإنما هم أهل الحديث، سواء كان هذا الحديث موقوفاً أو مقطوعاً أو مرفوعاً.

    قال: وعزاه ابن الصلاح إلى الخراسانيين أنهم يسمون الموقوف أثراً.

    قال: وبلغنا عن أبي القاسم الفوراني أنه قال: الخبر ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأثر ما كان عن الصحابي.

    وهناك تفصيل آخر: أن الخبر أعم من الأثر، بمعنى: أن الخبر هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن غيره، والأثر هو ما جاء عن الصحابي فقط، فكل خبر أثر وليس كل أثر خبراً.

    واعكس عملياً: الخبر هو ما جاء عن غير النبي عليه الصلاة والسلام، والأثر هو ما جاء عنه وعن غيره، نفس العملية الأولى لكن بالمقلوب.

    فإذا كان أمامنا قول عن أبي هريرة نقول: قد جاء في الخبر عن أبي هريرة ، كقولك تماماً: وقد جاء في الأثر عن أبي هريرة ، بل وقد جاء في الأثر عن داود عليه السلام، ونحن نتكلم عن الأثر والخبر من حيث النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، وأيضاً يقال في المروي عن الأنبياء.

    قال: وبلغنا عن أبي القاسم أنه قال: الخبر ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأثر ما كان عن الصحابي، ومن هذا يسمي كثير من العلماء الكتاب الجامع لهذا وهذا بـ(السنن والآثار)، وتعرفون أن كتابي السنن والآثار للبيهقي والطحاوي من أحسن الكتب وأعظم الكتب التي ألفت في هذا إطلاقاً، وقد جمعت المرفوع والموقوف.

    فالمرفوع هو ما يطلقون عليه السنن، والموقوف هو ما يطلقون عليه الأثر، ولذلك قالوا: السنن والآثار، وهذا صنيع الطحاوي ، والطحاوي نفسه صنف كتاب مشكل الآثار، وشرح معاني الآثار، وعندما ترجع إلى كتاب شرح معاني الآثار أو مشكل الآثار عند الطحاوي تجده يتكلم فيه عن المرفوع.

    وطبعاً إذا كانت المسألة محل اجتهاد فلا يلزم أن أرجح في القول في الحقيقة، بل يمكن أن يكون قوله أرجح من قول غيره، ويمكن أن يكون قول غيره أرجح من قوله، فلا تنكر علي ولا أنكر عليك.

    فهذا من المصطلحات التي لا تؤثر، يعني: الآن أنا وأنت على أن هذا الحديث مثلاً مرفوع حيث إنه من قول النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت تسميه أثراً وأنا أسميه خبراً، فهذا لا يغير في حقيقة سند هذا الحديث الذي أمامي، وسمه كما تحب، لا مشاحة في الاصطلاح، وهذا لا ينفي كونه مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الحديث المقطوع

    المقطوع:

    نحن ذكرنا قبل قليل أن عندنا مصطلحات ثلاثة: المرفوع والموقوف والمقطوع:

    وقلنا: المرفوع هو ما كان من قول النبي عليه الصلاة والسلام.

    والموقوف: هو ما كان من قول الصحابي إلا إذا قيد، بمعنى إذا كان من قول من دون الصحابي وقلنا: موقوف على فلان.

    والمقطوع: هو ما كان من قول التابعي أو فعله إلا قيد بأنه من كلام الصحابي.

    وهو غير المنقطع؛ لأن المقطوع هذا مصطلح لكلام معين، أما المنقطع فهي علة تلحق الإسناد، بمعنى: السقط في الإسناد.

    نحن قلنا: إن العلماء يقولون: إن المقطوع هو ما كان من قول التابعي.

    وقد خالف الطبراني هذا التعريف، فقال: المنقطع يساوي المقطوع، يعني: أن المقطوع والمنقطع هو اصطلاح واحد، فهو عند الطبراني يدل على العلة.

    والذي يأتي عن طريق التابعي قال: نسميه موقوفاً مقيداً.

    يعني: جمهور أهل العلم على أن المنقطع غير المقطوع، فالمقطوع هو ما كان من قول التابعي، والمنقطع هو ما كان مقطوعاً أو موقوفاً أو مرفوعاً ولكن فيه علة سقط في السند؛ فهذا يسمى: سند منقطع.

    لكن الطبراني قال: لا، المقطوع هو نفس مصطلح المنقطع، وهو يدل على العلة، والكلام الذي يأتي من طريق التابعي نسميه موقوفاً مقيداً، فنقول: هذا كلام موقوف على الزهري .. هذا كلام موقوف على أبي سلمة .. على سعيد المقبري .. أو غير ذلك.

    فالمقطوع في نظر الجمهور: هو ما كان من قول التابعي، إلا الشافعي والطبراني فإنهما اعتبرا المنقطع والمقطوع بمعنى واحد، وهو ما كان فيه علة، سواء كان الإسناد موقوفاً أو مقطوعاً أو مرفوعاً، وحملوا كلام التابعي على الموقوف المقيد.

    1.   

    الكلام في قول الصحابي: (كنا نفعل كذا أو نقول كذا)

    وقد تكلم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على قول الصحابي: (كنا نفعل)، أو (نقول كذا)، إن لم يُضفه إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر البرقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي : إنه من قبيل الموقوف، وحكم النيسابوري برفعه؛ لأنه يدل على التقرير، ورجحه ابن الصلاح .

    يعني: عندما يقول الصحابي: كنا نفعل كذا أو نقول كذا، اختلف أهل العلم في هذا الكلام:

    فمن حمله على زمن النبوة حمله على المرفوع، وكان حق الصحابي أن يقول: كنا نفعل كذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يقل فقط: في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومنهم من قال: إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا في زمن النبي، أو كنا نقول كذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنما يحمل على الرفع، ويكون كالحديث التقريري.

    ومنهم من قال: لا، إذا قال: كنا نفعل كذا أو نقول كذا فقط، ولم يقل: في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا يحمل على الرفع؛ لأن الصحابي ممكن أن يرجع إلى الأمصار كما كان عبد الله بن مسعود في الكوفة حين يقول: كنا نفعل كذا، فمنهم من يقول: إن قول ابن مسعود في هذه الحالة يحمل على الرفع، ومنهم من يقول: لا، بل ربما يقصد ابن مسعود : كنا نفعل كذا، أي: في عهد الصحابة أو في اجتماع الصحابة في المدينة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، أو ربما يقول: كنا نفعل كذا أو نقول كذا كالإجماع عندهم، أي: عند الصحابة؛ لأنه لا يصح الإجماع في حياة النبي عليه الصلاة والسلام.

    فيقول: ومن هذا القبيل قول الصحابي: (كنا لا نرى بأساً بكذا)، أو (كانوا يفعلون أو يقولون)، أو (يقال كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم): إنه من قبيل المرفوع، والمسألة فيها خلاف الراجح فيها الرفع؛ لاعتبار ذلك من باب المرفوع لا الموقوف.

    يعني: أن قول الصحابي: كنا نقول كذا أو كنا نفعل كذا، أو كنا لا نرى بأساً بكذا؛ كل ذلك من باب المرفوع، وهذا هو القول الراجح؛ قول الصحابي: (أمرنا بكذا)، أو (نهينا عن كذا)، الآمر أو الناهي عن ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقول الصحابي: كنا لا نرى بأساً بكذا، هذا يحمل على أنه كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فقول الصحابي: نهينا عن كذا أو أمرنا بكذا، المتبادر إلى الذهن أن الآمر والناهي هو النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ألا يمكن أن يكون غيره؟

    يمكن أن يكون غيره، يمكن أن يكون الآمر والناهي أمير المؤمنين، خليفة من الخلفاء الأربعة، وما دام ظهر الاحتمال بطل الاستدلال، ففي هذه الحالة سنقول: إن الراجح من أقوال أهل العلم أن قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا أنه مرفوع.

    يقول: وهو قول أكثر أهل العلم، يعني: حمله على الرفع هو قول أكثر أهل العلم.

    وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي .

    معنى قول الصحابي: (من السنة كذا)

    وكذا الكلام على قوله: (من السنة كذا)؛ لأنه يمكن أن يكون من سنة الخلفاء، لكن جمهور أهل العلم على أن قول الصحابي: من السنة كذا، يحمل على الرفع.

    وكقول أنس : (أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)، فقول أنس بن مالك: أمر بلال، الذي أمر بلالاً هو النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما يكون له حكم المرفوع من تفسير الصحابي

    قال: وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع فإنما ذلك فيما كان سبب نزول.. أو نحو ذلك.

    وهكذا إذا قال الصحابي كلاماً لابد أن يكون مصدره وحياً، والصحابي لا ينزل عليه الوحي.

    بل الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل، وكذلك ينزل على أولياء الشيطان من شياطينهم.

    ذهبت مرة لأناقش شخصاً من جماعة التوقف والتبين في الإسماعيلية، فسألته سؤالاً، فقال: لحظات لو سمحت، فدخل ثم رجع فقال لي: أنت كافر، فقلت له: من قال لك ذلك؟ قال: جبريل، قلت له: متى قال لك ذلك؟ قال: الآن، وإذا لم تصدق فائت لأريك، فذهبت لأرى، فدخلت مجاراة له، فقلت له: أين جبريل؟ فقال: هذا هو، ألا تراه؟ فقلت له: لا، فقال لي: أنت أعمى.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية تكلم عن هذه المسألة بالتفصيل في كتاب الفرقان بين الحق والباطل، فقال: إن الشياطين تتمثل لأوليائها كأنها رجال أو إناث أو ملائكة، ويرونهم ويتعاملون معهم، ولا يراهم أحد إلا من تعامل معهم ووالاهم.

    فأنا قلت له: أنا أصدقك أن هناك شخصاً في هذه الغرفة تراه أنت ولا أراه أنا، وهذا الشخص محل خلاف بيني وبينك، أنا أقول: إنه شيطان، وأنت تقول: إنه جبريل، وما كان لجبريل أن يتمثل لأمثالك، فقال: هذا هو العمى والضلال الذي نهانا عنه شيخنا أن نتحدث مع أمثالكم فيه.

    ولما مات أبوه بسببه تأثر لذلك، وفي الوقت نفسه وافق موت أبيه ضربة ساخنة له من ذلك الولي والعبد الصالح الذي كان يأخذ منه، فرأى أن العملية فيها فقد من ناحيتين: ضرب وموت، فعند أن هداه الله ظل يسأل عني إلى أن وصل، فلما رأيته قلت: أنا رأيت هذا الرجل من قبل، فقلت له: أنت ذلك العبد الصالح؟ فاستحى ونكس رأسه إلى الأرض وقال: ذلك كان في الماضي، وأنا أستغفر الله مما كان، فقلت: عفا الله عما كان، وأسأل الله تعالى أن يعفو عنك، ولكن من الذي كان وراءك؟ فظل يحكي لي ما حصل له من مصائب.

    فالصحابي إذا تكلم في تفسير القرآن الكريم بكلام لا يتفق له نقول: عرف الصحابي هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهو لما يتكلم عن النار ووصف النار والجنة ووصف الجنة ويتكلم عن الحساب والجزاء والصراط.. وغير ذلك، هل هذا الصحابي رأى هذه الأشياء؟

    لم ير شيئاً من ذلك، لكننا نقبل كلام هذا الصحابي؛ لأننا أحياناً نضطر أن نأخذ كلام الصحابي في الغيبيات، ويكون في حكم المرفوع.

    والصحابة أنفسهم اختلفوا في تفسير القرآن الكريم، فتجد الآية الواحدة والكلمة الواحدة اختلف فيها الصحابة اختلافات كثيرة.. واختلافات عدة، فيتعذر أن كل قول من أقوالهم يكون في حكم المرفوع.

    إذاً: هذا الكلام يحتاج إلى تقييد؛ فحتى أعتبر أن كلام الصحابي موقوف في حكم المرفوع يلزم منه شرطان:

    الشرط الأول: أن يكون هذا الكلام فيما لا يعرف إلا بوحي؛ لأن الصحابي لا ينزل عليه الوحي، فما يدريه بوصف عالم الغيب، فلابد وأن يكون هذا الكلام أتاه من قبل الوحي، أي: من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كل ما في هذا: أنه قصر في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الكلام موقوف على الصحابي، ولكنه في حكم المرفوع؛ لأن هذا الكلام لا يمكن أن يجتهد فيه الصحابي؛ لأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه.

    الشرط الثاني: أن هذا الصحابي الذي أتى من طريقه هذا الخبر لم يكن يروي عن أهل الكتاب، وليس له علاقة بالكتب السابقة؛ لأن كثيراً من الصحابة كان يأخذ عن الأحبار والرهبان، وهم يروون من كتبهم ما وافق الكتاب، وما خالف الكتاب أو ليس في الكتاب؛ لأن الإسرائيليات على ثلاثة أنواع:

    منهما ما وافق الكتاب فهو حق.

    ومنها ما خالف الكتاب فهو باطل.

    ومنها ما لم يكن فيه مخالفة ولا موافقة فلا نكذبهم ولا نصدقهم.

    وهذا معنى حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذا كان الصحابي لا يعلم عنه أنه أخذ عن أهل الكتاب، وأن ما رواه لا يمكن أن يقع له إلا من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من أمور الغيب التي لا يعلمها أحد إلا بالوحي؛ ففي هاتين الحالتين أقول: إن كلام الصحابي هذا موقوف عليه، ولكنه في حكم المرفوع.