إسلام ويب

أصول أهل السنة والجماعة - كرامات الأولياءللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كرامات الأولياء ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، فمذهب أهل السنة والجماعة التوسط في إثبات كرامات الأولياء، فلا مغالاة كالصوفية، ولا نفي لإثبات الكرامات كالمعتزلة، وفرق كبير بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وأعمال السحرة والكهنة والعرافين، ومعجزات الأنبياء كثيرة وكرامات الأولياء ثابتة، ولا تتحقق إلا لمن اتقى الله وحسنت متابعته للنبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    كرامات الأولياء بين اعتقاد أهل السنة والجماعة واعتقاد الفرق الأخرى

    اعتقاد المعتزلة في كرامات الأولياء

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ما زال الكلام موصولاً عن وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة فيما يتعلق بكثير من مسائل الاعتقاد.

    من هذه المسائل الاعتقادية كرامات الأولياء، هل هي ثابتة لهم حقاً أم أنها غير ثابتة؟

    أنكرها المعتزلة وغالى فيها المتصوفة، أما المعتزلة فقالوا باستحالة ثبوت الكرامة للولي، واحتجوا لذلك بحجج ظنوها عقلية، فقالوا: إذا أثبتنا الكرامة التي هي خوارق العادات للأولياء، فربما اشتبه الولي بالنبي، وربما اشتبه الولي بالساحر، وربما اشتبه الساحر بالنبي؛ ولذلك نحن نمنع هذا الباب ونغلقه إغلاقاً.

    الرد على المعتزلة في هذا الزعم: أن الولي لا ينال هذه الكرامة ولا تجرى على يديه إلا باتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك يستحيل أن يدعي ولي لله عز وجل أنه نبي، ولو ادعى أنه نبي لا تجرى على يديه هذه الكرامات، فهذا المأمن من هذا الالتباس والاشتباه، أن الولي لا يمكن أن يزعم في يوم أنه نبي، فهذا فارق بين الولاية والنبوة، إذ إن الولي لا ينال من كرامات الله عز وجل إلا بحسن اتباعه واقتدائه بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإن زعم هذا الولي أنه نبي في يوم من الأيام فهو كاذب؛ ولذلك لا يستحق أن يكون ولياً لله عز وجل، وأما نفي الاشتباه والالتباس بين الولي والنبي من جهة وبين الساحر من جهة أخرى: أن الساحر إنما يستعين بأسياده من الشياطين في قضاء الحاجات ومعرفة الأخبار، وهذا كفر بالله عز وجل؛ ولذلك قد ثبت في السنة أن الخبر يكون في السماء حتى ينزل إلى السماء الدنيا؛ فتصعد الشياطين فتسترق السمع، فيأخذون الخبر فيضيفون عليه مائة كذبة من عندهم فيوحون بها إلى أوليائهم من الإنس وهم السحرة والكهان والعرافون؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (حد الساحر ضربة بالسيف)، واختلف أهل العلم في كفر الساحر من عدمه، ومذهب الجماهير أنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.

    إذاً: النبي تأتي الآية على يديه وهي معجزة يتحدى بها الخلائق أجمع خلافاً للساحر وخلافاً للولي كذلك، فلا التباس ولا اشتباه بين كرامة الولي ومعجزة النبي، وما يكون من خوارق العادات على يد السحرة والكهان والعرافين، فهذه الحجج وغيرها ترد على المعتزلة في ردهم لإثبات كرامات الأولياء.

    وإذا كنا نتكلم عن كرامات الأولياء فيحسن بنا أن نعرف الكرامة ابتداء، ثم نعرف الأولياء.

    فالكرامات: جمع كرامة، وهي خوارق العادات التي يجريها الله عز وجل على أيدي بعض خلقه من الأنبياء والصالحين، وقولنا: خوارق العادات احتراز مما اعتاده الناس وتعارفوا عليه، وليس أمراً غريباً على أعرافهم وعاداتهم، أما الأولياء فالأولياء: جمع ولي، والولي: هو القريب، يقال: فلان أولى فلاناً أو ولي فلان، أو يلي فلاناً، أي: هو قريب منه مجاور له، فالأولياء هم أقرب الناس إلى الله عز وجل، وهم أولى الناس بشرع الله عز وجل، فالولي تجرى على يديه خوارق العادات، والنبي تجرى على يديه خوارق العادات، وهذان فضل ومنة من الله عز وجل، أما الساحر والكاهن فتجرى على يديه خوارق العادات كذلك، ولكن أصلها الشيطان، وأصلها إبليس، وبين المعجزة على يد النبي والكرامة على يد الولي، وخوارق العادات على يد السحرة والكهان من الفروق الشيء الكثير التي سنتعرف عليها بإذن الله تعالى. هذا الفريق الأول وهم المعتزلة وبيان موقفهم من إثبات كرامة الأولياء.

    اعتقاد الصوفية في كرامات الأولياء

    الفريق الثاني أثبت كرامة الأولياء، ولكنه غالى فيها جداً فأثبتها وزيادة، وأنتم تعلمون أن البدعة في دين الله عز وجل كما تكون بالنقصان تكون كذلك بالزيادة، وشرع الله عز وجل منزه عن الزيادة والنقصان إلا ما جاء عن الله وعن رسوله وأجمع عليه أهل العلم، وهي أصول التشريع وأصول الديانة الثلاث: كتاب وسنة وإجماع، خاصة ما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ولذلك أجمع الصحابة بغير خلاف بينهم على ثبوت كرامة الأولياء، كما أجمعوا على ثبوت المعجزات لجميع الأنبياء والمرسلين.

    ولكن الخلاف وقع بعد زمن الصحابة رضي الله عنهم على يد المعتزلة، ثم على يد المتصوفة، فالصوفية قالوا: الكرامة ثابتة للأولياء والصالحين، لكن الولي عندهم أحياناً يكون إنساناً مجنوناً أو مخبولاً أو لا عقل له أو سفيهاً أو طريداً أو إنساناً قد ترك الأوامر وارتكب النواهي، أو أنه يفعل الفواحش بحجة أن العامة يرونها فواحش في الظاهر وهي في حقيقة الأمر طاعات. هكذا يظنون، حتى إن أحدهم -كما في طبقات الشعراني - كان ينزو على أنثى الحمير، فإذا أنكر عليه العامة ضحك منهم واستهزأ وسخر؛ وقال: لأنكم ترون ما لم أفعله! فهو فعل طاعة كما يزعم، وإن العامة رأوا بأعينهم فعل الفاحشة مع الدواب رؤية ظاهرة، فهو يسخر منهم باعتبار أن ما قد رأوه لم يفعله حقيقة، فالعامة أهل الظاهر، وهم -أي: الصوفية- أهل الباطن، وهكذا جعلوا للشرع ظاهراً وباطناً، خلافاً لمنهج النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: بأن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليه.

    قال ابن تيمية: وغير واحد من السلف: وهذا كفر بإجماع، وقال ابن القيم : وهذا كفر صريح، وقال ابن قتيبة : وهذا صريح الكفر.. وغير ذلك من أقوالهم التي أجمعوا عليها؛ لأن الإجماع منعقد أن خير الخلق هم الأنبياء والمرسلون، وخير هؤلاء هم أولو العزم من الرسل، وخير أولي العزم هو نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فإذا انعقد إجماع العقلاء -فضلاً عن إجماع الموحدين والمسلمين عامة- على أن خير الخلق قاطبة هو نبينا عليه الصلاة والسلام فكيف يقبل قول المتصوفة: خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء؟ فهذا كلام هو عين الكفر، ومن قال بذلك كفر وخرج من ملة الإسلام.

    ولذلك تجد عند الصوفية كلاماً لا حقيقة له ولا واقع له في كلام أهل السنة والجماعة، تجدهم يقولون: الغوث والقطب والأوتاد والأقطاب، وغير ذلك من هذه الألفاظ الضخمة الفضفاضة، التي تزعج أسماع السامعين، فيضطر الواحد آسفاً أن يحترم هذه الألقاب، ولا يرد على صاحب هذه الأقوال.

    والحقيقة أننا لو بحثنا في القرون الخيرية لما وجدنا شيئاً من هذه الأقطاب في كتبهم ولا في مصنفاتهم إلا على سبيل المدح لمن علم صلاحه وحسن عبادته، لكن من أقطاب هؤلاء الصوفية الآن من كان لا يغتسل إلا في كل أربعين يوماً مرة، ومن يترك الصلاة والصيام والزكاة والحج، ويقول: إنني قد بلغت مرحلة اليقين، التي هي في قول الله عز وجل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، قالوا: واليقين هو: درجة إيمانية في القلب تسقط معها التكاليف، فيكون هذا هو خاتم الأولياء، أو يكون من أكبر مريدي هؤلاء الأولياء، فإذا بلغ هذه المنزلة سقطت عنه التكاليف، وهذا اتهام للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يسقط عنه شيء مما شرعه الله عز وجل عليه وعلى أمته حتى لقي الله عز وجل، وقد طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في الصلاة، فلما أغشي عليه ذكروه بقولهم له: الصلاة يا أمير المؤمنين! قال: لست أميراً للمؤمنين، ثم يقول: نعم. الصلاة الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن لا حظ له في الصلاة، وغير ذلك الكثير والكثير من الآيات والأحاديث التي دلت على عدم سقوط التكاليف مطلقاً حتى يلقى العبد الله عز وجل، فكيف يزعم هؤلاء المهرجون أن التكاليف تسقط عن العبد إذا بلغ مرتبة الإيمان أو اليقين؟ هذا كلام لا يقبله أحد، حتى اليهود والنصارى ومشركو العرب لا يقبلون هذا الكلام، فالصوفية وقعوا فيما لم يقع فيه أهل الجاهلية الأولى عياذاً بالله، فهذه المصطلحات التي يدندنون حولها ويلتفون حولها ويقدسون أشخاصها وأربابها لم تكن معلومة لدى سلف الأمة.

    توسط أهل السنة والجماعة في إثبات كرامات الأولياء بدليل الكتاب والسنة والإجماع

    أهل السنة والجماعة توسطوا بين المعتزلة المنكرين لكرامة الأولياء من جهة، وبين الصوفية المغالين في إثبات الكرامة لغير الأولياء من جهة أخرى، وإنما هي أحوال شيطانية تجري على يد من اتخذوهم أولياء من دون الله عز وجل ودون عباده الصالحين المؤمنين.

    توسط أهل السنة والجماعة بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا بإثبات كرامة الأولياء، ولكنهم وضعوا مسائل وقيوداً وشروطاً لمعرفة ما إذا كانت هذه معجزة أو هذه كرامة، أو هذه خارقة من خوارق العادة تجري على يد السحرة والكهان، فصارت المسألة اعتقادية في غاية الحكمة، محكومة من كل زواياها وفروعها، فلا يمكن الالتباس الذي يزعمه المعتزلة، كما لا يمكن الغلو الذي يزعمه الصوفية.

    قال أهل السنة والجماعة: كرامات الأولياء ثابتة بالقرآن والسنة والواقع والعقل، فهذه مصادر إثبات الكرامة للأولياء؛ أنها ثابتة بالقرآن وسنتعرف عليه، والسنة وسنتعرف عليها، والواقع أننا نرى ذلك واقعاً مشاهداً كل منا يلمسه، فإن الله تبارك وتعالى يجري الكرامة على أيدي كثير من عباده في كل طوائف المجتمع، من صناع وتجار وزراع وحكماء وحكام وغير ذلك من عامة الشعب؛ لأنه قد انطبع في أذهان العامة أن الولي لابد أن يكون عالماً أو فقيهاً، وهذا كلام غير سديد، وإنما أولياء الله عز وجل هم المؤمنون المتقون، كما قال الله عز وجل: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا خوف عليهم في الدنيا، ولا يصيبهم حزن ولا غم ولا كرب يوم القيامة، ثم عرفهم الله عز وجل في نفس الآية. قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، فكل إنسان فيه ولاء لله عز وجل بقدر ما فيه من إيمان وتقوى، ودون ذلك خرط القتاد وكلام فارغ وتهريج، سواء من جهة المعتزلة أو المتصوفة.

    وقوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ يدل على أن الله تعالى اتخذ أولياء من اليهود والنصارى وأصحاب الكتب السابقة مادام النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يبعث، فإذا بعث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فقد انقطعت الولاية عن كل الأمم السابقة، إلا أن يكونوا أتباعاً لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهذه الآيات يدندن حولها اليهود والنصارى إلى يومنا هذا ويقولون: نحن أولياء الله وأحباؤه، قل: فلم يعذبكم؟ لأن الولي لا يعذبه الله عز وجل، وإنما يغفر له ويرحمه ويجري الكرامة على يديه تأييداً وتثبيتاً ونصرة للحق وإعانة له على قضاء مصالحه، فإذا كان هذا هو غرض الكرامة، وإذا كان هذا هو ثمرة الولاية، فكيف تزعمون يا معشر يهود! ويا معشر مشركي العرب! أنكم أولياء لله عز وجل، مع نزول العذاب عليكم بالليل والنهار؟ أنتم كذبة، وإنما أولياؤه الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهذا يدل على انقطاع الولاية في الأمم السابقة، وثبوت هذه الولاية في هذه الأمة المباركة أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    هذه مسألة ينبغي أن تقرر، كما قررت المسألة التي قبلها، أما السنة فإن أعظم حديث في ثبوت كرامة الأولياء هو الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، فأثبت الله تعالى في هذا الجزء من الحديث أن الناس أولياء وأعداء، وغيرما آية في كتاب الله تكلمت عن هذين الصنفين؛ عن أعداء الله وعن أوليائه، عن الذين كفروا وعن الذين آمنوا، عن الصالحين وعن غير الصالحين، آيات في الموازنة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين أهل الصلاح وأهل الفساد، بين أهل الطاعة وأهل المعصية، آيات كثيرة جداً ذكرت الفريقين على سبيل المقابلة؛ لإظهار شأن كل فريق، وبيان خصائص كل فريق منهما.

    قال الله عز وجل: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، وإذا قلنا: إن أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، فالمعلوم أن على قمة هرم الأولياء هم أهل العلم العاملون بعلمهم، المخلصون في دعوة الخلق إلى الحق، هم على قمة هرم الولاية، فكيف يُعَادَون من غيرهم، فلابد أن الذي يعاديهم ويمنعهم من مهمتهم عدو لله عز وجل ولأوليائه الصالحين. قال: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، ولم يقل: فقد بارز أوليائي بالمحاربة، وإنما الحرب بينه وبين الله عز وجل؛ لأنه بارز الله في عباده الصالحين وفي أوليائه المؤمنين المتقين، رفع نار الحرب وشعار الحرب بينه وبين الله عز وجل.

    وما حارب الله تعالى أحد فأفلح وأنجح، بل ما حارب الله تعالى أحد إلا وأهلكه الله تعالى في أي واد ولا يبالي سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يخشى عاقبة الأمور، كما قال: وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس:15]، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    فليعلم هؤلاء الذين يحاربون أولياء الله عز وجل أن حربهم إن لم تكن قائمة فهي قادمة مع الله عز وجل لا محالة.

    قال: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، وعينه التي يبصر بها)، وهذا يعني: أن ولي الله عز وجل الذي حقق الولاية الكاملة التامة لله عز وجل؛ فلا يرى إلا بنور الله عز وجل، ولا يسمع إلا ما يرضي الله عز وجل، ولا يمشي إلا إلى شيء يحقق فيه رضا الله، أي: كل أقواله وأعماله وحركاته وسكناته المراد منها رضا الله عز وجل، هذا هو ولي الله. قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، غير أن ذلك شيء لابد له منه) وهو الموت، وإثبات التردد لله عز وجل إثبات يليق بجلاله وكماله، ونقول فيه كما قلنا من قبل في بقية صفات المولى عز وجل لا نخوض فيها بكيفية، ونثبتها ونمرها كما جاءت، ونفوض كيفية هذه الصفة إلى الله عز وجل، ولا إشكال في ذلك.

    الفوارق بين الكرامة والمعجزة وما يجري على يد السحرة والعرافين

    أما الفوارق بين الكرامة والمعجزة وما يجري على يد السحرة والكهنة والعرافين، ابتداء: أن المعجزة تكون على يد نبي، والكرامة تكون على يد ولي، وهذا اصطلاح المتأخرين من أهل السنة، ومن قبل في العصور الأولى للإسلام كانوا يطلقون لفظ المعجزة على المعجزة والكرامة، لكن المتأخرين فرقوا بين المعجزة التي يأتي بها النبي، وبين الكرامة التي تكون على يد الولي، والمعجزة مصحوبة بالتحدي ولابد، خلافاً للكرامة؛ لأن الولي لا يحل له أن يتحدى بمنة الله عز وجل عليه، وما كانت هذه الكرامة إلا تثبيتاً له على موقفه الإيماني، أو نصرة لدين الله عز وجل في موقف يحتاج إلى نصرة، أو عوناً له على قضاء حاجاته، أو خروجاً له من مأزق وقع فيه، فلا يتحدى بمنة الله تعالى عليه، أما النبي فإنه يأتي ومعه المعجزة أو المعجزات ويتحدى بها الناس أجمعين.

    وأعظم معجزة أتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام هي القرآن الكريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومعجزات نبينا قاربت أو ساوت الألف معجزة، أعظمها القرآن الذي نزل من السماء وهو كلام الله عز وجل.

    وهكذا اعتبر المسلمون أن أعظم معجزة هي القرآن الكريم؛ لأنها نزلت في أبلغ الخلق وهم العرب، فتحداهم الله عز وجل في شيء يحسنونه في لسانهم ولغتهم، فنزل القرآن بلسان عربي مبين لسان قريش ولسان هذيل وغيرها من الألسنة: ائتوني بكتاب مثل هذا فعجزوا، ائتوني بعشر سور من مثله مفتريات -لما قالوا: هذا القرآن مفترى- فعجزوا، تحداهم الله تعالى أن يأتوا بسورة واحدة فعجزوا، وفي كل مرة يتحدى الله عز وجل العرب فيعجزون؛ ولذلك قال الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، أي: مظاهراً له مسانداً ومعاوناً، فتحدى الله تبارك وتعالى بهذه المعجزة -وهي القرآن- الإنس والجن مجتمعين، فما استطاعوا أن يأتوا ولا بآية واحدة، وهذا دليل على أن المعجزة تكون مصحوبة بالتحدي خلافاً للكرامة.

    ثالثاً: أن ما يخبر به الأنبياء لا يكون إلا صدقاً، كما أخبر القرآن والسنة، بل كما سمى العرب النبي عليه الصلاة والسلام بالصادق قبل بعثته، ومن قال: إن النبي ليس صادقاً في خبره، وليس صادقاً في تبليغه الأمر والنهي كفر وخرج من الملة؛ لأنه جوز على الأنبياء كبيرة من الكبائر وهي الكذب، خلافاً لما يخبر به السحرة والكهان وعباد المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع والفجور من المسلمين، فإنه لابد في أخبارهم من وقوع الكذب.

    رابعاً: أن الأنبياء لا تأمر إلا بالعدل ولا تفعل إلا العدل، بخلاف غيرهم، فإنهم يفعلون الظلم والجور والفساد، وأحياناً يفعلون العدل، لكن ديدن الأنبياء واحد في أقوالهم وأفعالهم وتشريعاتهم؛ كلها مبنية على العدل والحكمة التي ليس بعدها عدل ولا حكمة.

    خامساً: آيات الأنبياء إنما هي معجزة من الله عز وجل بحسن عبادة هؤلاء الأنبياء والأولياء، كذلك تجرى الكرامات على أيديهم جزاءً وفاقاً لحسن أعمالهم، والجزاء من جنس العمل، فآيات الأنبياء إنما تنال بحسن عبادة الله وطاعته، وكذا كرامات الأولياء إنما تنال بقوة الإيمان وزيادته وحسن التقوى ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وطريق تحصيل هذا عند النبي والولي الصدق والعدل لا الكذب والخيانة والظلم.

    سادساً: آيات الأنبياء لا يقدر عليها الإنس ولا الجن، بخلاف كرامات الأولياء، وما يأتي على أيدي السحرة والكهان فإنه ليس بمعجزة، بل يمكن أن تتم كرامة على يد محمد، ويكون لزيد كرامة، وكرامة محمد أعظم منها وأقوى، وما قد أتى على يد زيد يأتي مثله أو أعظم منه على يد عمرو، خلافاً للمعجزة فهي ليست من هذا الباب، والذي يأتي به ساحر يقدر ساحر آخر بفعل الشياطين والأبالسة أن يفكه؛ ولذلك يغتر العامة إذا أصابه شيء من الجن أو المس أو الصرع أو ضياع الحاجات أو كتابة الأعمال والأحراز الشيطانية، فيزعم أنه لا يستطيع فك ذلك ولا قضاءه إلا ساحر فيذهب إلى الساحر!، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أتى ساحراً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد برئت منه ذمة الله، وإذا أتى عرافاً أو كاهناً ولم يصدقه فإن الله لا يقبل منه صلاة أربعين يوماً).

    أيها الإخوة! إن هذه من مسائل الإيمان والكفر، ومن مسائل الشرك والتوحيد، ينبغي الدندنة حولها بالليل والنهار؛ لأننا نرى أن قطاعاً عظيماً من الأمة وقعوا في مثل هذا البلاء العظيم، أي: في شعب الشرك كلها، لا أقول السحر فحسب، فينبغي الدندنة والتأكيد من الدعاة إلى الله على إظهار التوحيد وطمس وإخماد الشرك وفروعه وأصوله.

    سابعاً: ما يأتي به السحرة والكهان وكل مخالف للرسل يمكن معارضته بمثله أو بأعظم منه كما قلنا.

    ثامناً: المعجزة مقرونة بدعوى النبوة، يعني: لا يمكن لولي أن يزعم أن هذه الكرامة التي كانت على يديه هي من باب المعجزات، وإلا فلا يكون ولياً، بل يكون كاذباً، خلافاً للكرامة فإنها تظهر على يد عبد صالح ملتزم يتابع النبي صلى الله عليه وسلم، مصحوباً بصحة الاعتقاد والعمل الصالح، ويمكن سلبها عنه في أي وقت إذا أتى من الأعمال ما ينقض ولايته لله عز وجل ولرسوله وللمؤمنين، ويمكن أن تكون خوارق العادات استدراجاً من الشيطان، إذاً: ما الفرق بين هذا وذاك؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة للنجاة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغتر بذلك حتى تنظر إلى عمله وإلى إيمانه وعبادته ومتابعته للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان كذلك فإن ما يكون على يديه فهو كرامة من الله، وإذا كان غير عامل بذلك غير معتقد لذلك غير متبع للنبي عليه الصلاة والسلام فهذا استدراج وليس كرامة، هذا هو الفرق بين ما يجري على يد أولياء الله وما يجري على أيدي أعداء الله مما يكون ظاهره التماثل والتشابه في أن كلاً منهما قد أتى بخارقة من خوارق العادات.

    تاسعاً: أن ما يقع على يد الولي هو من باب التأييد له أو التثبيت أو الإعانة أو نصرة الحق والدين، خلافاً لما يقع على يد السحرة، فكله تمويه وتخييل وكذب وغش وخداع وأخذ بنواصي الأمة إلى أودية الهلاك.

    عاشراً: معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء تتضمن حكماً عظيمة، أعظم هذه الحكم إثبات الدلالة على كمال قدرة الله تعالى ونفوذ مشيئته في خلقه، وأنه فعال لما يريد، وأن الأمر كله بيد الله، وأن التدبير والتيسير كله من عند الله، وأن لله في خلقه سنناً لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.

    فإن قيل: إذا كانت الكرامة من باب التأييد والتثبيت والإعانة والنصرة فإننا نجد أن الكرامات قد كثرت بعد زمن الصحابة وكانت قليلة في زمن الصحابة، فهل هذا يدل على أن الذين بعد الصحابة هم أفضل من الصحابة؟

    الجواب: كلا وألف كلا، ليس هناك من هو أفضل من الصحابة إلا الأنبياء والمرسلين، ولكن قلت الكرامات في زمن الصحابة وكثرت فيمن أتى بعدهم لأن من أتى بعدهم في أمس الحاجة للنصرة والتأييد والإعانة؛ فكثرت الكرامات لهذه الحاجة، وقلت في زمن الصحابة لاستغنائهم بوجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فليسوا في حاجة إلى كرامات تنزل من السماء، بخلاف غيرهم.

    والكرامات باقية إلى قيام الساعة؛ لأن العلة في وجود الكرامات هي ثبوت الولاية، والولاية قائمة في الأرض إلى قبيل قيام الساعة، حتى تأتي ريح من جهة اليمن طيبة تقبض روح كل عبد مؤمن ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله، وهم شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.

    فإذا كانت الكرامة مرتبطة بالولاية، والولاية باقية إلى قيام الساعة فلابد أن تكون الكرامة كذلك باقية إلى قيام الساعة.

    أولياء الله هم المؤمنون المتقون، سواء كانوا فقراء أو فقهاء أو علماء أو تجاراً أو جنوداً أو صناعاً أو زراعاً.. أو غير ذلك من سائر فئات المجتمع، والناس يتفاضلون في هذه الولاية على قدر تفاضلهم إيماناً وتقوى.

    وأصحاب الخوارق لا يخرجون عن الأقسام الثلاثة المذكورين في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:32] السحرة والكهان والكذابون والعرافون والدجالون: وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32]، فهذه الآية قد جمعت أقسام خوارق العادات، فمنه ما يجري على يد أعداء الله، ومنه ما يجري على يد الأنبياء والمرسلين، ومنه ما يجري على يد الأولياء والصالحين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد.

    1.   

    معيار التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى ما يسمى برسالة الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان إثبات الكرامة، وأنها معتقد أهل السنة والجماعة خلافاً للمعتزلة، وكل من تكلم في هذا الباب بكلام مسند في كتب الاعتقاد المسندة أو بكلام مشروح لهذه النصوص -أثبت أن عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات كرامة الأولياء وأنها باقية بقاء الدنيا، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال بالمعيار المعتبر في التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، هذا المعيار هو موافقة ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. حيث قال: فإنه هو الذي فرق الله تعالى به بين أوليائه السعداء وأعدائه الأشقياء، وبين أوليائه أهل الجنة وأعدائه أهل النار، وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد وأعدائه أهل الغي والضلال والفساد، وأعدائه حزب الشيطان وأوليائه الذين كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم الله تعالى بروح منه. قال: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22].. إلى آخر الآية، وقال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12] وهذه كرامة سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12]، وقال الله تعالى في جانب أعدائه: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121]، وقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112]، وقال الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:221-224].. إلى آخر الآيات.

    وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:38-52].

    وقال تعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29] فنزه سبحانه وتعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عمن تقترن به الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين، وبين أن الذي جاءه بالقرآن ملك كريم اصطفاه من بين الملائكة، كما قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:192-193] وهو جبريل عليه السلام عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:194-195]، وقال تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:97]، وقال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]؛ للدلالة على أن الشيطان لا تأثير له على النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير:15-16].. إلى آخر الآيات التي أثبتت أن إبليس لا سلطان له على النبي عليه الصلاة والسلام.

    فأولياء الله هم المتقون المقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أمثلة من معجزات سيد الأنبياء محمد

    إن كرامات الأولياء تحصل ببركة اتباع النبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك جاء في القرآن ذكر كثير من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وقد جاءت السنة بكرامات كثيرة من كرامات أتباع محمد عليه الصلاة والسلام.

    فمن معجزاته عليه الصلاة والسلام: إتيانه بالكتاب العزيز، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام، وإتيان الشجر إليه لما دعاه، وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس، وإخباره بما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة بين يديه عليه الصلاة والسلام، كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص كما في حديث أم سلمة المشهور، وأروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء لم تنقص، وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل لم ينقص وهم نحو ثلاثين ألفاً، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه في غزوة الحديبية، كانوا نحو (1400) أو (1500)، ورد النبي عليه الصلاة والسلام عين أبي قتادة حين سالت على وجنته، فقال: يا رسول الله! ادع الله لي، فأخذها النبي من على وجنته، ووضعها في عينه ومسح عليها، فكانت أحسن عينيه حتى مات، ولما أرسل النبي محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف فوقع وانكسرت رجله، فمسحها النبي وبرئت، وأطعم من شواء مائة وثلاثين رجلاً، كل واحد منهم حز له قطعة أشبعته وفضلت منها فضلة، ولما مات عبد الله والد جابر وترك ديناً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـجابر : (خذ هذا التمر فاقض منه دين غرمائك، فقال: يا رسول الله! وكم يغنيني هذا؟ فوقف النبي عليه الصلاة والسلام على التمر فقسمه أقساماً ووزعه أوزاعاً ودعا في هذه الأقسام، فكان قدر كل قسم يكفي لسداد دين غريم من الغرماء) والأصل فيه أنه بضع تمرات.

    معجزات نبينا فاقت ذلك بكثير، ولكن المقام مقام سرد كرامات الأولياء، لا معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أمثلة من كرامات الأولياء الصالحين

    ومن كرامات الأولياء ما كان من أسيد بن حضير رضي الله عنه لما قرأ سورة الكهف، حيث نزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج على الخيل، وكانت هذه السرج هي الملائكة تنزلت لقراءته، وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين ، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبح ما فيها من طعام.

    و عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السيف، فلما افترقا افترق معهما النور.

    وقصة الصديق في الصحيحين: أنه لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا مكانها لقمتان، وما كان عنده من طعام إلا بعض كسر. هذا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

    و خبيب بن عدي كان أسيراً عند المشركين، فنظرت امرأة الآسر له إليه وهو في أسره يأكل عنباً، وما بمكة عنبة واحدة.

    و عامر بن فهيرة قتل شهيداً فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه، فنظروا إلى السماء، فوجدوا أنه محمول مرفوع قد رفعته الملائكة.

    وأنتم تعلمون قصة حنظلة غسيل الملائكة الذي نودي للجهاد في ليلة زفافه، فخرج ولم يدرك غسل الجنابة، فلما مات قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما غسلته الملائكة) أي: من الجنابة.

    وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وهي صائمة سمعت حساً من فوق رأسها، فرفعته فإذا بدلو معلق، فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها.

    وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، خرج عليه أسد في طريق، فقال سفينة للأسد: يا كلب الله! كيف تؤذيني وأنا رسول رسول الله ومولاه، فصحبه الأسد حتى أبلغه مأمنه، أسد يرعى إنساناً! وذئب يرعى غنماً! أمور عجيبة وخوارق للعادة، ليست في أعراف الناس، ولا في أخلاق الناس، جرت على يد أولياء الله عز وجل؛ إثباتاً لكرامتهم.

    البراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبره، وكانت الحرب إذا اشتدت قال المسلمون للبراء : يا براء ! أقسم على ربك، فيقول: يا رب! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، وأن تجعلني أول الشهداء في هذه المعركة، فمكنهم الله تعالى من أكتاف أعدائهم، وكان البراء أول شهيد في المعركة. رجل مستجاب الدعوة.

    و خالد بن الوليد لما حاصر حصناً منيعاً فأمرهم أن يسلموا أنفسهم، فقالوا: يا خالد ! لا نسلم لك إلا بشرط. قال: هاتوا ما عندكم، قالوا: أن تشرب هذا السم، فشربه خالد ، فلم يضر، فلما رأوا ذلك سلموا وهم يظنون أن السم سيعمل فيه عمله وأنه يموت ويتخلصون من سيف الله المسلول.

    و سعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، وما دعا قط دعوة إلا استجاب الله عز وجل له، وكان عمر يبجله، وكان عبد الله بن مسعود يبجله، وهما أعظم منه إيماناً وعلماً وعملاً وفضلاً، ومع هذا كان عمر بن الخطاب يهابه إذا رفع يديه إلى السماء، وكان له دين عند عبد الله بن مسعود ، فلما ذهب ليتقاضاه قال: أمهلنا. قال: إما أن تدفع وإما دعوت عليك، ورفع يديه إلى السماء، فتعلق بهما عبد الله بن مسعود ؛ لعلمه أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا لـسعد أن يكون مستجاب الدعوة، وهو يقول: يا سعد ! إذا دعوت علينا فلا تلعن، وهذا إثبات لخصيصة سعد بن أبي وقاص أنه كان مستجاب الدعوة، فكان إذا دعا في جيش نصره الله، وإذا دعا على جيش هزمه الله كرامة من الله عز وجل.

    عمر بن الخطاب لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً اسمه سارية ، فلما حاصرهم العدو وكادوا ينهزمون وهم بأرض العراق، وعمر بالمدينة رضي الله عنه يخطب للجمعة -ألهم الله عمر إلهاماً وحدث حديثاً من الله عز وجل، أن سارية هناك بالعراق يكاد يهزم، وكأن الله تعالى أطلع عمر على وضع سارية وجيشه، فصاح عمر من على المنبر: يا سارية ! الجبل الجبل، أي: الزم الجبل، يا سارية ! واجعل الجبل قبل ظهرك، والعدو من أمامك، فلما سمع سارية -وهو بالعراق- صوت عمر رضي الله عنه -وهو بالمدينة- فعل ما سمع فنصره الله عز وجل.

    وجاء رسول عمر إلى سارية ، فقال سارية : لقد سمعنا كذا وكذا، فامتثلنا ذلك وفعلناه، فنصرنا الله عز وجل، قال: أشهد أني كنت مع عمر في المسجد وهو يفعل ذلك، وهو يصيح بأعلى صوته ويقول: يا سارية ! الجبل الجبل، كرامة من الله عز وجل.

    ولما أصيبت الزنيرة في بصرها، فقال المشركون: سخطت عليها اللات والعزى، قالت: كلا والله! إن الله تعالى هو النافع الضار، فرد الله تعالى إليها بصرها، كرامة لتوحيدها ونفيها ما عليه المشركون من إثبات النفع والضر بيد آلهتهم وأصنامهم كاللات والعزى.