إسلام ويب

أصول أهل السنة والجماعة - عصمة الأنبياءللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قضت نصوص الكتاب والسنة بالعصمة للأنبياء فيما يتعلق بالرسالة والتبليغ، ومقارفة المعاصي والكبائر، وهم كذلك يقع منهم من الهفوات واللمم ما لا يؤثر على نبوتهم ورسالتهم، ومع ذلك يسارعون في التوبة والاستغفار.

    1.   

    عصمة الأنبياء في منهج أهل السنة والجماعة

    إن الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قَلَّ وكفى خير مما كَثُر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    أما بعد:

    فقد تكلمنا فيما مضى عن خصائص أهل السنة والجماعة، وبينا أن الخاصية الأولى هي: أنهم يعتمدون على النقل لا العقل عند تعارض العقل مع النقل، وأنه لا يمكن أن يكون ثمة تعارض بين العقل والنقل إلا أن يكون مرد ذلك إلى أمرين لا ثالث لهما: إما أن النقل لم يثبت، وإما أن العقل قاصر عن أن يفهم النقل، وليس معنى هذا أننا نلغي العقل. لا فهو مناط التكليف؛ لما ورد في كتاب الله عز وجل، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام من مخاطبة العقل بالتدبر والتعقل والتفكر في ملكوت الله عز وجل، وفي مخلوقاته.

    والخاصية الثانية لأهل السنة والجماعة: أنهم يختصون دون غيرهم من فرق الضلالة بأنهم لا يأخذون قول أحد بعينه كله، ولا يأتمرون بأمر أحد على الإطلاق، ولا ينتهون بنهي أحد على الإطلاق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دون النبي عليه الصلاة والسلام فهو يصيب ويخطئ، يقول الحق والباطل، يغفل ويسهى وينسى، بخلاف النبي عليه الصلاة والسلام، بل بخلاف الأنبياء جميعاً؛ فإن الله تعالى قد ميزهم عن غيرهم من بقية الخلق بما عرف في الشرع بالعصمة.

    هذه العصمة التي ميز الله تعالى بها أنبياءه ورسله إنما هي منجية لهم أن يزيدوا في أحكام الله عز وجل، أو ينقصوا منها شيئاً من عندياتهم؛ لأن ذلك شأن من أتى بعدهم كائناً من كان إذا ضل عن أصول أهل السنة والجماعة، وهذا في حق كل نبي على حدة، وفي نبينا عليه الصلاة والسلام على جهة الخصوص، فالنبي عليه الصلاة والسلام أفضل البشر على الإطلاق، وهو أفضل الأنبياء، وهو أفضل من الملائكة بلا خلاف بين أهل العلم المعتبرين، ولذلك أجمع أهل السنة والجماعة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، بل إن صالحي البشر أفضل من الملائكة مجتمعين، كيف لا وهم يدخلون عليهم من كل باب يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24]، فهنا بيان أن صالحي البشر الذين قد دخلوا الجنة أفضل من الملائكة على الإطلاق، بخلاف العصاة فقد وقع الخلاف بين أهل السنة والجماعة أيهما أفضل: عصاة الموحدين أم الملائكة، والذي يترجح لي أن الملائكة أفضل من عصاة الموحدين، كما أنهم أفضل من المنافقين والكافرين بإجماع المسلمين، ليس هذا هو المبحث، إنما المبحث إثبات أن النبي عليه الصلاة والسلام هو أفضل الخلق قاطبة، وقد ميزه الله عز وجل بما لم يميز به أحداً من البشر ولا حتى الأنبياء، لكن لا يجوز تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على إخوانه من الأنبياء على سبيل احتقار هؤلاء الأنبياء، فكلهم أنبياء مرسلون أرسلهم الله عز وجل واختارهم واصطفاهم على الخلق أجمعين، ونبينا عليه الصلاة والسلام أرسل إلى الإنس والجن، بخلاف غيره من الأنبياء فإن كل واحد منهم كان يرسل إلى قومه خاصة، والله عز وجل اصطفى واختار نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام في وقت لوحده نبيناً رسولاً، وطالب العالمين أجمعين بالإيمان به، فمن تنكب الإيمان به فهو من أكفر الكافرين، وهو من المخلدين في النار أبد الآباد، كما أن الله عز وجل كان قد أرسل الرسل من قبله، لكن أرسل كل رسول إلى قومه خاصة، وربما أرسل النبيين أو الرسولين في وقت واحد والثلاثة والأربعة حتى أرسل اثني عشر رسولاً في وقت واحد، وهم يوسف عليه السلام وإخوته وهم الأسباط.

    1.   

    ما يعصم فيه الأنبياء

    اتصف نبينا عليه الصلاة والسلام بالعصمة، والعصمة هي المأمن من الزلل والخطأ، والمأمن من أن يقر النبي عليه الصلاة والسلام على خطأ أو نسيان يصدر عنه، وغير ذلك مما يعتري البشر، ولا يؤثر ذلك في رسالته أو نبوته عليه الصلاة والسلام.

    والعصمة تكون في ثلاثة أمور: الأول: العصمة فيما يتعلق بالوحي تلقياً وتبليغاً، الثاني: العصمة فيما يتعلق بالوقوع في الكبائر، الثالث: العصمة فيما يتعلق بالوقوع في الصغائر، فهذه ثلاثة أبواب هي أبواب العصمة التي ميز الله تعالى بها أنبياءه ورسله.

    عصمة الأنبياء في تلقي الوحي

    أما العصمة فيما يتعلق بالتبليغ أو بتلقي الوحي عن الله عز وجل فإنه لا خلاف بين أهل السنة والجماعة أن الأنبياء والمرسلين معصومون في هذا الباب، كما أنهم معصومون بعد بعثتهم من اقتراف الكبائر، ووقع نزاع فيما يتعلق بارتكابهم الكبائر قبل بعثتهم، والراجح: أنهم لم يرتكبوا كبيرة قبل البعثة، فهذان بابان نثبت فيهما العصمة المطلقة للأنبياء والمرسلين فيما يتعلق بتلقي الوحي عن الله عز وجل، وأنهم لا يخطئون شيئاً منه، ولا ينسون شيئاً من الوحي إلا أن يشاء الله عز وجل أن ينسي أحد أنبيائه شيئاً قد أوحى به إليه، وهو الذي يعبر عنه أهل العلم بالنسخ، أي: لا يعمل به، وإنما يستعيض الله عز وجل عنه لأمة نبيه بشيء قد أراده لهم آنفاً، وليس في هذا أن الله تعالى قد بدا له ما لم يكن قد علم آنفاً، وإنما هي مشيئته سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64].

    إذاً: الأنبياء والمرسلون معصومون في باب التلقي عن الله عز وجل، كما أنهم معصومون في التبليغ عن الله عز وجل إلى الخلق، فهم يتلقون الوحي بغير زيادة ولا نقصان، ويبلغون الوحي إلى أممهم بغير زيادة ولا نقصان، وهذا باب عظيم جداً لا ينبغي الخطأ فيه؛ لأن الخطأ فيه ينافي مقصود الرسالات والنبوات، وهذه عقيدة مسلمة عند الناس كافة إلا ما كان من أمر اليهود والنصارى عليهم لعنة الله عز وجل، وسيأتي ذكر موقفهم من أنبياء الله ورسله.

    اسمع إلى ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتابه العظيم مجموع الفتاوى حيث قال: إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالته باتفاق الأمة. أي: هذا أمر مجمع عليه ولا خلاف فيه، ولهذا وجب الإيمان بكل ما جاء به الأنبياء والمرسلون.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك: النبي صلى الله عليه وسلم معصوم، فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان في الحقيقة، ولا أمران متناقضان في الحقيقة إلا وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ، والله هو الذي تولى حفظ الذكر؛ لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة هو هدى الله الذي أنزله على رسوله، وبه يعرف سبيله، وهو حجته على عباده، فلو وقع فيه ضلال لم يبين لسقطت حجة الله في ذلك، وذهب هداه، وعمي السبيل؛ إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه، بل هذا هو رسول آخر الزمان وأمته خير الأمم، ولذا لا يزال فيها طائفة قائمة على الحق بإذن الله، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة، وربما وقع الخلاف بين هذه الطائفة، لكن الحق في عمومه لا يخفى على عموم الأمة في وقت من الأوقات ولا في زمن من الأزمنة.

    فبعد أن اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، فلا ينسون شيئاً مما أوحاه الله تعالى إليهم إلا شيئاً قد نسخ، وقد تكفل الله لرسوله بأن يقرئه القرآن فلا ينسى منه شيئاً، كما في قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى:6-7]، وتكفل له كذلك بأن يجمعه في صدره؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حين تلقي الوحي عن جبريل كان يردد الوحي قبل أن ينصرف جبريل مخافة أن ينسى منه شيئاً، فطمأنه الله عز وجل بأنه لن يضيع منه شيء، وأنه سيثبته في قلبه، قال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:16-18]، أي: فاتبع قراءته وتلاوته.

    كذلك الأنبياء والرسل معصومون في باب التبليغ، فهم لا يكتمون شيئاً مما أوحاه الله إليهم؛ لأن الكتمان خيانة، والخيانة نقص بشري تنزه عنه الأنبياء والمرسلون، ولذلك عاتب الله تعالى كثيراً من أنبيائه على بعض اللمم الذي صدر منهم، ومع هذا ما أخفى الله تعالى وما أخفى نبيه عليه الصلاة والسلام ذلك اللوم وذلك العتاب، بل ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وبلغه عن ربه بكل أمانة؛ لأنه الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]، وقال كذلك: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:44-46]، فلما لم يأخذ منه باليمين، ولم يقطع منه الوتين -أي: الحلقوم- تبين أنه عليه الصلاة والسلام لم يتقول على الله عز وجل بقول قط لا كبير ولا صغير، وإنما بلغ عن ربه بمنتهى الأمانة، حتى الذي عاتبه فيه ربه إنما نقله إلينا على صورة العتاب الذي عاتبه الله تعالى فيها ولامه.

    العصمة فيما يتعلق بالصغائر والنسيان

    هناك أمور لازمة لجميع البشر لم ينج منها أحد حتى الأنبياء والمرسلون؛ كالغضب والرضا والسخط والخوف وغير ذلك، لكن هل هذا يؤثر على نبوتهم ورسالتهم، أو عصمتهم؟

    الجواب بإجماع أهل السنة: لا. فإن الأعراض البشرية الجبلية لا تنافي العصمة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام أوجس في نفسه خيفة من الملائكة، وهو لا يعلم أنهم ملائكة؛ لأنهم تصوروا في صورة رجال، فلما قدم إليهم طعاماً ووجد أن أيديهم لا تمتد إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة حتى طمأنوه بأنهم رسل الله تعالى إلى لوط: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70].

    وموسى عليه السلام وعد الخضر ألا يتكلم معه، وألا يتعجل أمره، وأن يصبر على كل ما يرى منه، مع أن موسى أفضل من الخضر، ولكن انظر إلى عجلة موسى عليه السلام وتركه الصبر أحياناً، ولو صبر لنقل إلينا علماً كثيراً كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما اعترض في ثلاث مرات كانت الأولى نسياناً، والثانية والثالثة -لبشاعتها فيما يرى الرائي- وعده بالفراق إن حصلت، وفي كل يقول له الخضر: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:75]، ولما تبين لموسى عليه السلام صحة ما صدر من الخضر، وأن ذلك كان بوحي السماء، قال له الخضر: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:82]، يعني: أنت يا موسى لم يكن عندك من القدرة على الصبر فيما أنكرته ظاهراً أن تلتزم بوعدك السابق، ولكنك تعجلت الأمر، وهذه هفوة لا تؤثر، ولمم لا يعكر على صفاء رسالة موسى وعلى نبوته.

    وكذلك غضب موسى غضباً شديداً على بني إسرائيل، لما عبر بهم البحر ثم ترك معهم هارون وذهب إلى ميقات ربه في أرض سيناء عند جبل الطور، فأخبره الله عز وجل أن قومه اتخذوا العجل الذي صنعه لهم السامري ، وهو رجل مشرك جمع من بني إسرائيل الذهب، وصنع لهم عجلاً جسداً له خوار، أي: له صوت وهو صوت الريح يصدر منه إذا مر الهواء في جوف العجل، فحينئذ يجتمع عنده بنو إسرائيل فيعبدونه، فأخبر الله عز وجل موسى أن يقدم على قومه لأنهم قد صنعوا عجلاً وعبدوه من دون الله عز وجل، لكن الأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس الخبر كالمعاينة)، لما أخبر موسى بذلك غضب، ولكنه لم يكن كغضبه لما أتى إلى قومه وعاين البلاء بنفسه، حينها غضب غضباً شديداً، وألقى الألواح التي كانت بيده وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى [الأعراف:154]، أي: كلام الله عز وجل منسوخ ومكتوب فيها، فلما رأى ذلك ألقى الألواح من يده في الأرض أو في وجه أخيه هارون، ثم أخذ بلحية أخيه يجره إليه، حتى قال هارون عليه السلام: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف:150]. هذه هفوة عظيمة صدرت من موسى عليه السلام أن يلقي الألواح، لكنه ما ألقاها إلا بعد أن غضب غضباً شديداً أفقده شيئاً من وعيه حتى يلقي كتاب الله في الأرض، ومثل هذا يعفى عنه لفرط غضبه عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك نسيان آدم، وما ترتب عليه من مخالفة أمر الله، والوقوع فيما نصحه به إبليس اللعين بزعمه، فسمى الله تعالى ذلك عصياناً، وقال: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121].

    ومن نسيان آدم أيضاً: ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لما خلق الله آدم مسح ظهره، فخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل منهم وبيصاً -أي: ضوءاً من نور- ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، قال: فرأى رجلاً منهم فأعجبه ما بين عينيه، فقال آدم: أي رب من هذا؟ قال: هذا رجل من ذريتك يقال له داود، قال: رب كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال آدم لملك الموت: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود، قال: فجحد آدم - أنكر ذلك- فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته)، وآدم باتفاق أهل العلم نبي من الأنبياء، فوقع في مثل هذا نسياناً، ولذلك لم يؤاخذه الله تعالى به، وبمجرد أن تاب تاب الله عز وجل عليه.

    وكذلك نبي من الأنبياء يحرق قرية من النمل بأسرها لأجل نملة قرصته، ففي الصحيح: (أن نبياً من الأنبياء لدغته نملة، فأمر بالقرية فأحرقت بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة؟) أي: كل هذا لأجل نملة واحدة، والحديث أخرجه البخاري .

    ونبينا عليه الصلاة والسلام قد حصل له مثل هذا من النسيان والخطأ، لكنه لا يؤثر على نبوته، كما أنه لم يقر على هذا، بل بان له شرع الله عز وجل لأول وهلة: (كان النبي يصلي بالناس إماماً، فاستعجم عليه القرآن -وفي هذا بيان أنه بشر ينسى كما ننسى، وإن كان نسيانه معدوداً- فقال بعد فراغه من الصلاة: أفيكم أبي بن كعب ؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: ما منعك أن تفتح علي).

    وفي البخاري : (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في بيت عائشة ، فسمع عباد بن بشر يقرأ آيات من كتاب الله في المسجد، فقال -وعائشة تسمعه-: يرحم الله عباداً ! قد أذكرني آية كنت قد أنسيتها).

    و(صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر ركعتين، ثم قام مسرعاً إلى سارية من سواري المسجد، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه الأيسر بعد أن قبض بكفيه، فهاب الناس أن يخبروه بما كان منه، حتى قام إليه رجل يلقب بـذي اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ -وهذا إقرار من الصحابي أن النبي ينسى، وأن نسيانه لا يؤثر على نبوته- فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام قائلاً: ما قصرت وما نسيت -أي: لم ينزل وحي يأمرني بقصرها، وما أظن في نفسي أني نسيت- قال: يا رسول الله! بل نسيت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أحقاً ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فقام وكبر وصلى ركعتين وسلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم منهما) كما في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين. وهذا يدل على أن النبي ينسى، وأن النسيان لا يؤثر في النبوة، وكذلك لا يؤثر في عصمته عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك: (أقيمت الصلاة، فصف النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام في الصف، ثم تذكر أنه جنب، فقال: كما أنتم، فدخل بيته فاغتسل وخرج، ولحيته ورأسه يقطران ماء، فكبر وصلى بأصحابه)، ولكنه أولاً نسي أنه كان جنباً حتى إذا دخل المسجد ووقف فيه تذكر فدخل واغتسل، ثم رجع وصلى بأصحابه عليه الصلاة والسلام.

    وقد صرح الرسول عليه الصلاة والسلام بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما أنا بشر من البشر -وفي رواية: ولكن إنما أنا بشر- أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)، قال هذا بعد نسيانه في إحدى صلواته صلى الله عليه وسلم.

    أيضاً: الأنبياء والمرسلون يحق لهم الاجتهاد بغير وحي، وهذه مسألة أصولية خلافية، الراجح فيها: أن للنبي أن يجتهد في حادثة تنزل بغير وحي، وهذا الاجتهاد يصيب أحياناً ويخطئ أحياناً، كما أفتى النبي عليه الصلاة والسلام اجتهاداً بعدم تأبير النخل، فلم يتلقح في ذلك العام، وخرج الثمر بسراً، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: (أنتم أعلم بشئون دنياكم)، فتبين أن النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد في هذا الموطن فلم يوافق الصواب، وهذا لا يؤثر كذلك في رسالته ولا نبوته؛ لأن ذلك أمر متعلق بالدنيا لا بالدين.

    كذلك: (اختصم رجلان عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ليختصم إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه، فأقضي له على حسب ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها)، وفي هذا إثبات الخطأ والصواب فيما يتعلق باجتهاد الأنبياء والمرسلين فيما لم ينزل به وحي.

    1.   

    موقف الشيعة والصوفية من عصمة الأنبياء في الصغائر

    الشيعة الرافضة والإسماعيلية والصوفية وغيرهم من فرق الضلالة وقفوا موقفاً فيما يتعلق بوقوع الصغائر من الأنبياء يناقض موقف أهل السنة والجماعة، ويناقض مذهب جماهير العلماء من المحدثين والمفسرين، بل والمتكلمين كذلك، وقالوا: بأن الأنبياء معصومون من النسيان والخطأ والسهو، فضلاً عن عصمتهم من وقوعهم في الصغائر، فخالفوا بذلك النصوص الثابتة في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، بل وأولوها تأويلاً غير سائغ، بل هو تحريف للكلم عن مواضعه، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وإنما نقل القول بالعصمة المطلقة في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين، قال: وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين -أي: أن الأنبياء غير معصومين على الإقرار على الصغائر- ولا يقرون عليها -يعني: لو وقع نبي منهم في شيء من هذا عاتبه ربه على الفور- فبان الحق، وفي هذا إثبات أن الخطأ إذا وقع من نبي بقول أو فعل فإن الله تعالى يصححه على الفور، مما يبين وجوب الأسوة والقدوة بهم، وأن ذلك لا يؤثر على الاقتداء والتأسي بهم؛ لأن خطأهم مصحح بخلاف خطأ غيرهم.

    ويقولون: إنها لا تقع بحال -أي: الجمهور- وأول من نقل عنه من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً وأعظمهم قولاً لذلك الرافضة، مع أن الرافضة أبعد الناس عن الأنبياء والمرسلين، وأعدى الأعداء للنبي عليه الصلاة والسلام ولأهل بيته، ويزعمون أنهم أولياء للنبي وأهل بيته، فإنهم يقولون بالعصمة على ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل، وينقلون ذلك إلى من يعتقدون إمامته كـعلي بن أبي طالب والحسن والحسين .. إلى آخر الأئمة الاثني عشر وقالوا: بعصمة علي ، ومثلهم الإسماعيلية الذين كانوا ملوك القاهرة، وكانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون، وهم في الحقيقة باطنيون ملاحدة، ولذلك صنف الغزالي كتاباً يرد على الفاطميين يقول فيه: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض، وهؤلاء هم الفاطميون الذين حكموا مصر ردحاً من الزمان، ولا تزال مصر ترزح تحت نيرانهم في باب العقيدة والسلوك، أما في باب العقيدة فإنهم لا يعتقدون معتقد أهل السنة والجماعة، وإنما يعتقدون معتقد الأشعرية والماتريدية، وهم في باب السلوك صوفية قبورية مشركون بالله عز وجل، وقد صنف كذلك القاضي أبو يعلى في الرد عليهم، والكلام في أمرهم يطول، وليس هذا معتقد أهل السنة والجماعة.

    وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية سؤالاً آخر عن رجل قال: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون الصغائر، فقال: هو كافر. أي: المسئول لما سئل عن رجل يقول: إن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، قال ذاك المستفتى: إن من قال هذا فهو كافر، فهل هذا الكلام صواب أم خطأ؟

    فقال شيخ الإسلام : الحمد لله رب العالمين. ليس هو كافراً باتفاق أهل الدين، وهذا من مسائل السب المتنازع في استتابة قائله بلا نزاع، كما صرح بذلك القاضي عياض وأمثاله من المتشددين في باب العصمة، فضلاً أن يكون قائل ذلك كافراً، ولا حتى فاسقاً، فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر ذلك أبو الحسن الآمدي عليه رحمة الله؛ أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول، بخلاف غير الأنبياء، فإنهم ليسوا معصومين لا عن الكبائر ولا عن الصغائر كما عصم الأنبياء، ولو كانوا أولياء لله، -أي: غير الأنبياء- لأن الصحابة أولياء، ومع هذا وقع بعضهم في الزنا، ووقع بعضهم في السرقة، ولكنه سرعان ما بادر بالتوبة وأقيم عليه الحد، فتاب إلى الله توبة كانت أفضل لحاله من حاله قبل ارتكاب هذه الكبيرة، ولهذا من سب نبياً من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء، ومن سب غيرهم لم يقتل، وإنما يعزر ويؤدب، وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة.

    1.   

    موقف اليهود والنصارى من عصمة الأنبياء

    هذا موقف أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بعصمتهم في تلقي الوحي، وعصمتهم في تبليغ الوحي، وأنهم لا يكتمون منه شيئاً، كما أنهم معصومون من الكبائر كذلك، وخالف في ذلك اليهود والنصارى، حيث نسب اليهود إلى الأنبياء والمرسلين أعمالاً قبيحة، فقالوا: إن نبي الله هارون هو الذي صنع العجل، والسامري كان رجلاً صالحاً، ولم يصنع العجل، فانظر إلى هذا! أيرتد نبي بعد إيمانه وبعثته؟! لا يمكن هذا بحال، لا نقلاً ولا عقلاً. قالوا: إن نبي الله هارون صنع عجلاً وعبده مع بني إسرائيل، وهذا قد جاء في الإصحاح الثاني والثلاثين العدد الأول من سفر الخروج. وقد بين هذا الضلال القرآن الكريم عندما حدثنا أن الذي صنع العجل إنما هو السامري.

    وقالوا كذلك: إن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قدم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال منها الخير، أي: حتى يزني بها، فلما بلغه أن فرعون زنى بها سكت على ذلك ولم يتكلم! معاذ الله أن يكون ذلك من إبراهيم أو من سارة، ولكن إبراهيم لما سئل عليه السلام: من هذه؟ قال: هي أختي، يعني: أخته في الإسلام، ومع صدق هذا الخبر إلا أن إبراهيم عد هذا كذبة استغفر منها ربه وأناب.

    ومن ذلك قول اليهود عن لوط عليه السلام: إن لوطاً شرب خمراً حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنى بهما الواحدة بعد الأخرى! وهذا أيضاً في سفر التكوين الإصحاح التاسع عشر العدد الثلاثين، ومعاذ الله أن يفعل لوط ذلك، فقد دعا إلى الفضيلة وحارب الرذيلة قبل أن يبعث، فلما بعث اجتمع عليه قومه وأردوا منه أن يدخل في ملتهم بعد أن هداه الله وأنجاه منهم، أو أن يخرج من بينهم، وكانت قضيته أنه رجل طهره الله عز وجل: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56]، فقضيتهم أنهم طاهرون مطهرون، فلا بقاء لأمثال هؤلاء في وسط مجتمع يرزح تحت نير الرذيلة، الفساد في كل شارع، وفي كل بيت، وعلى كل قارعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولذلك هذه الطائفة المؤمنة لا بقاء لها في هذا المجتمع الفاسد إلا أن تعلو بإيمانها على هذا الواقع الباطل، ويدعون إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة.

    وقال اليهود: إن يعقوب عليه السلام سرق مواشي من حميه، وخرج بأهله خلسة دون أن يعلم حميه، وقالوا: إن راوبين -وشتان ما بين رابين اليهودي وراوبين الذي هو نبي من الأنبياء، وهو من الأسباط وأخو يوسف عليه السلام- زنى بزوجة رجل من قواد جيشه، ثم دبر حيلة لقتل الرجل، ثم أخذ داود الزوجة وضمها إلى نسائه، فولدت له سليمان!

    وقالوا: إن سليمان ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى لها المعابد، كما ورد في سفر الملوك الأول الإصحاح الحادي عشر العدد الخامس.

    وقالوا: إن يوسف عليه السلام حل السراويل وقعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من امرأته! معاذ الله، وهو الذي آثر السجن على ما يدعونه إليه من الفاحشة.

    والنصارى ليسوا بأفضل حالاً من اليهود، فإنهم أبناؤهم، ومن عباءتهم خرجوا، فقالوا كما ورد في إنجيل متى: إن عيسى من نسل سليمان بن داود، وإن جد سليمان هو فارض، الذي هو من نسل الزنا من يهوذا بن يعقوب عليه السلام، وهذا في إصحاح متى الأول العدد العاشر، وفي إنجيل يوحنا الإصحاح الثاني العدد الرابع: أن يسوع- وهو عيسى عليه السلام- أهان أمه في وسط جمع من الناس! فأين هذا مما وصفه به القرآن: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي [مريم:32]، وقالوا: إن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سراق ولصوص! وهذا في إنجيل يوحنا الإصحاح العاشر العدد الثاني.

    وهذا قليل من كثير مما تكلم به اليهود والنصارى عليهم لعنة الله في حق الأنبياء والمرسلين، حتى تعلموا صدق ما جاء في الكتاب العزيز: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، وحتى تعلموا صدق ما جاء في الكتاب العزيز: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].

    لا يمكن أيها الموحدون أن يرضى عنكم اليهود والنصارى إلا أن تكفروا وتنخلعوا من إيمانكم وتنغمسوا معهم في الكفر البواح حتى تخلدوا معهم في نار جهنم.

    اليهود هم اليهود، وهم قوم بهت وسوء وضلال وانحراف، والله عز وجل أخبر في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام أن اليهود قتلوا الأنبياء بغير حق، مع أن المعلوم قطعاً أن اليهود في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقتلوا نبياً من الأنبياء؛ لأنهم لم يبعث لهم نبي، فكان هذا مفيداً بأن من رضي بالفعل كمن فعل، ومن أقر العمل كمن عمل، وهؤلاء اليهود تعرضوا لنبينا عليه الصلاة والسلام بالقتل تارة فلم يفلحوا، وأنجاه وحي السماء من غدر اليهود، ومن غدر المشركين، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يثبت عنه قط مرة واحدة في تاريخ دعوته الطويلة التي بلغت ثلاثاً وعشرين عاماً، وخاصة العشر الأواخر منها في المدينة معقل اليهود.. لم يثبت عنه قط أنه سامح اليهود مرة كما سمح وأذن للمشركين غير مرة؛ لعلمه عليه الصلاة والسلام أن اليهود أهل غدر، وهذه شهادة أحدهم عبد الله بن سلام ، وكان حبراً من أحبار اليهود في المدينة، آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل المدينة، وقال: (يا رسول الله! ادع اليهود فسلهم عني قبل أن تخبرهم بإيماني وإسلامي، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام اليهود وقال: ما تقولون في عبد الله بن سلام ؟ قالوا: هو إمامنا وابن إمامنا، وزعيمنا وابن زعيمنا، وقائدنا وابن قائدنا، فخرج عبد الله بن سلام وقال: أشهدوا أني آمنت بالله ورسوله، قالوا: أنت سفيهنا وابن سفيهنا، وحقيرنا وابن حقيرنا)، سبوه ولعنوه، فاليهود يغيرون موقفهم مرات متعددة في مجلس واحد، والله عز وجل أخبرنا في كتابه كما أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام في صحيح سنته أن اليهود لا عهد لهم ولا ميثاق، كم لهم من الأعوام وهم يدندنون بالسلام الشامل العادل، وليس من نتيجة إلا القتل والتدمير والحرق لمقدساتنا وأصول ديننا، وقتل علمائنا وشبابنا الموحد في شرق الأرض وغربها، لا أقول: إن ذلك تم لأجل سواد عيون بني إسرائيل ولا لأجل سواد عيون اليهود على جهة الخصوص، وإنما أقول: إن ما تم سواء كان على أيدي اليهود أو النصارى أو حكام المسلمين للأسف الشديد من العرب وغيرهم، إنما تم للحفاظ على كراسيهم ومناصبهم وأموالهم لا لمصلحة الدين، وإنما لمصالح شخصية، وأهواء مضلة، وتم إيثاراً للدنيا على الآخرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    وأعتقد أن اليهود لا يخرجون من أرضنا إلا بالجهاد، تلك الطريقة الغائبة التي ضيعها حكام العرب والمسلمين، إن اليهود لا يخرجون إلا بتجنيد هؤلاء الشباب الضائع الذي يتسكع في الطرقات شرقاً وغرباً لا هوية له، لا يعرف دينه، ولا يعرف لماذا خلق، لابد من تجنيد هذا الشباب وتجنيد الأمة بأسرها في محاربة اليهود والنصارى لإعزاز دين الله عز وجل، ورفع راية التوحيد، وإهراق هذه الدماء في سبيل الله أولى من إهراقها في المخدرات والفساد والنساء والعربدة والسكر.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال.

    1.   

    توبة الأنبياء من الصغائر

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    إذا كان بعض الأنبياء نسي أو خرج عن حد الاعتدال بسبب فرط غضبه؛ فإن ذلك لا يؤثر في نبوته ولا رسالته، فإن المرء إذا وقع في ذنب تاب منه توبة نصوحاً، واجتهد على نفسه بالدعاء والاستغفار وسائر القربات ما لم يكن قد اجتهد قبل وقوعه في الذنب، إذا كان هذا في عامة البشر، فهو في حق الأنبياء أحرى وأولى، ولذلك قال تعالى في حق آدم: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:120-121].

    أو في نوح عليه السلام: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45]، فلامه ربه على مقالته هذه، وأعلمه أنه ليس من أهله، وأن هذا منه عمل غير صالح: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46]، حينئذ استغفر نوح ربه من ذنبه وتاب وأناب: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47].

    وموسى عليه السلام أراد نصرة الذي من شيعته فوكز الذي من عدوه ولم يقصد قتله، إنما ضربه بمجمع كفه: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:15-16].

    وداود عليه السلام تسرع في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني، وهم أصحاب الغنم، لما أتوا إلى داود عليه السلام ليحكم بينهم، تسرع داود لما سمع من أحد الخصمين ولم يسمع من الآخر، فكان قضاؤه مخالفاً للحق باجتهاد منه، ولما عاتبه الله عز وجل، استغفر ربه وخر راكعاً وأناب فغفر الله له ذلك.

    كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما حرم على نفسه العسل، وهي قصة طويلة مشهورة في أوائل سورة التحريم عاتبه الله عز وجل وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:1]، لو كان النبي عليه الصلاة والسلام غير معصوم في التبليغ لأخفى وكتم هذه الآية، ولكنه ذكرها بأمانة صلى الله عليه وسلم، وكذلك عاتبه الله عز وجل بقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى [عبس:1-5] أي: من صناديد الكفر والشرك: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس:6] فأنت له تصدى يا محمد، ولذلك قال الله تعالى: وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28] عن بلال وصهيب وغيرهما تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28]. ولقد هم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلي الجنازة على أحد المنافقين فقال عمر رضي الله عنه: لا تصل عليه يا رسول الله، فأنزل الله تعالى قوله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]، وقال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر:97] وكل هذه أعراض بشرية وغيرها لا تؤثر في الرسالة والنبوة. وإنما دعا من دعا إلى العصمة المطلقة في الكبائر والصغائر بسبب شبهتين:

    الشبهة الأولى: قالوا: إن الله أمر باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، والتأسي به والاقتداء، ولو أننا اتبعناه فيما أخطأ فيه لكان هذا أمراً منافياً للتأسي والاقتداء؛ لأننا لم نؤمر بالباطل واتباع ما خالف الصواب.

    والرد عليهم: أن ذلك في حال ما إذا لم يظهر هذا الخطأ الذي وقع فيه النبي، الله تعالى ما أقر نبياً على خطأ في قول ولا فعل، بل ينزل الوحي بتصحيح الخطأ، أو يقيض له من أصحابه من يذكره الذي قد نسيه، فبقيت الأسوة والقدوة بغير خدش فزالت هذه الشبهة.

    الشبهة الثانية: أنهم قالوا: إن الذنوب تتنافى مع الكمال، وإن الأنبياء موصوفون بالكمال البشري، والذنوب تؤثر على هذا الكمال البشري؟

    والرد عليهم: أن الذنوب تؤثر على الكمال البشري إذا لم يلحقها توبة، أما وقد سارع الأنبياء والمرسلون بالتوبة -كما سمعتم في هذه الآيات وغيرها- مما بدر منهم من هفوات ولمم، فإن ذلك يعود بالأنبياء إلى أفضل مما كانوا عليه قبل اقتراف هذا الذنب، وقبل الوقوع في هذا اللمم، ولذلك قال الله عز وجل مبيناً مثوبة التائبين: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70].

    ثم سار شيخ الإسلام ابن تيمية مسيرة طويلة ليثبت فيها أن المرء الذي تاب من الذنب ربما يعود إلى حال أحسن مما كان عليه قبل الذنب، يعتمد في ذلك على قول سعيد بن جبير رحمه الله تعالى حيث قال: رب معصية أدخلت صاحبها الجنة. أي: لما شعر بعدها بندم وحسرة وتوبة قام على الخشية، وقام على العلم لله عز وجل، واجتهد في العبادة، وأدى من طاعات الاستغفار وفروض التوبة ما لم يكن قد صدر منه قبل الذنب، ورب طاعة أودت صاحبها عجباً وفخراً وخيلاء، فكانت سبباً في دخوله النار، إذا كان هذا هو حال عامة الناس، فبلا شك حال الأنبياء أعلى وأعظم من ذلك بكثير، ولذلك حكى الله تعالى شيئاً من ذلك عن الأنبياء، وما ذكره إلا مقروناً بالتوبة والاستغفار، كقول آدم وزوجته: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وقال نوح: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47]، وقال الخليل: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41]، وقال: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، وقال موسى: أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:155-156]، وقال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16]، وقال: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143]، أما يوسف فلم يذكر الله عز وجل عنه ذنباً، ولهذا لم يذكر الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار، كما ذكر في حق الأنبياء، بل قال: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوء ولا فحشاء، والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاعتصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن غيره من الأنبياء، فلو كان يوسف قد أذنب ذنباً، لكان هذا الذنب إما على الإصرار وهذا محال، وإما على التوبة وهو كإخوانه من الأنبياء، فلما لم يكن هذا ولا ذاك تبين أنه لم يكن منه شيء ولا حتى مجرد الهم الذي يستقر في قلب العبد.

    واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض، كلاهما مخالف لكتاب الله عز وجل، فبعضهم قال: بعصمتهم عن الوقوع في الذنوب كبيرها وصغيرها، حتى حرفوا نصوص القرآن عن ظاهرها، وقوم أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دل القرآن على براءتهم منه كاليهود والنصارى وقد سبق ذلك، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)، وقد ثبت في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن)، وفي حديث آخر: (لتأخذن أمتي معقد الأمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا هؤلاء)، وغير ذلك مما ورد ونقرؤه في كل كل وقت وحين من ذكر توبة الأنبياء واستغفارهم. ثبت في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولابد له منه).

    ومعلوم أن الأنبياء أفضل من الأولياء، وإذا كان هذا في حق الأولياء، فهو من باب أولى في حق الأنبياء، وغير ذلك من الأحاديث.

    ومعلوم أن المحبة والمودة التي بين المؤمنين إنما تكون تابعة لمحبتهم لله تعالى، فإن الحب في الله والبغض في الله، والعطاء في الله والمنع في الله، كل ذلك من أوثق عرى الإيمان، والأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون ويسابقون فيها، بل هم معصومون من تأخير التوبة، ومن أخر ذلك زمناً قليلاً كفر الله عنه ذلك بما يبتليه، كما فعل بذي النون صلوات ربي وسلامه عليه من إلقائه في اليم وفي بطن الحوت، وكان ذلك بعد النبوة على المشهور، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولذلك قال الله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26]، وقال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:13-14]. إذا عرفت هذا فاعلم أن الاعتبار بكمال النهاية لا بالبداية، والأعمال بالخواتيم كما قال الله عز وجل.

    بعض ما جاء عن النبي من التوبة والاستغفار

    لقد أخبر الله تعالى بتوبة جميع الأنبياء حتى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار والتوبة في آخر حياته، كما جاء في قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، وفي الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت: (كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، وقد أنزل الله عليه قبل ذلك: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:117]. وفي صحيح البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وعند مسلم عن الأغر المزني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، وفي السنن عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: (كنا نعد لرسول الله عليه الصلاة والسلام في المجلس الواحد، يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة)، وفي الصحيحين عن أبي موسى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير)، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: (يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة -أي: في الصلاة- ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، وفي صحيح مسلم وغيره أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول نحو هذا إذا رفع رأسه من الركوع، كما عند مسلم من حديث علي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في دعاء الاستفتاح: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي وعملت سوءاً، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت)، وعند مسلم كذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في سجوده: (اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، علانيته وسره، أوله وآخره)، وفي السنن عن علي : (أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بدابة ليركبها، وأنه حمد الله وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا إلى لمنقلبون، ثم كبر الله وحمده، ثم قال: سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، وقال: إن الرب يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يقول: -أي: الله عز وجل- علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا)، وقد قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، أي: يا محمد: وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19]، وقال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2]، وفي الصحيحين في حديث الشفاعة: (أن المسيح عليه السلام قال لمن طلبوا منه الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).

    وفي الصحيح: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم الليل حتى ترم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً).

    إن نصوص الكتاب والسنة قاضية بأن الأنبياء والمرسلين وقعوا في الهفوات وفي اللمم الذي لا يؤثر على نبوتهم ورسالتهم، ومع ذلك عدوا ما وقعوا فيه ذنباً، فاستغفروا الله تعالى منه وتابوا إليه، فتقبل الله تعالى منهم تلك التوبة وغفر لهم ذنوبهم، وليس معنى أنهم وقعوا في الذنب أنهم كسائر البشر يقعون في العظائم من الأمور والملمات والخطوب، وإنما وقعوا في هفوات، ولعل الأمر كما قال بعض الصالحين: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. اللهم تقبل منا عملنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك. اللهم عليك بأعدائك من اليهود والنصارى، اللهم فأحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.

    اللهم كن لإخواننا في فلسطين والشيشان وغيرها من سائر بلدان المسلمين، اللهم وفقهم بتوفيقك، وانصرهم بنصرك المؤزر، اللهم أرسل عليهم ملائكة من عندك إذ خذلهم حكام العرب والمسلمين.

    اللهم أيدهم بملائكتك ملائكة السماء، اللهم إن من ملائكتك من يقبض الجبال ويقبض الأرض في قبضته، ويقلب الجبال على رءوس اليهود والنصارى، اللهم مكن لإخواننا، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم سلط الوباء والأمراض والفساد على اليهود والنصارى، اللهم استأصل شأفتهم، اللهم خلصنا منهم.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تهيئ لهذه الأمة من يأخذ بنواصيها وأيديها إليك، اللهم هيئ لنا أمر رشد نعز فيه، اللهم احفظ الموحدين، اللهم احفظ الموحدين، اللهم احفظ الموحدين في شرق الأرض وغربها.

    وصلى الله على نبينا محمد.