إسلام ويب

الأمة الوسطللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من فضل الله تعالى أن جعل أمة الإسلام هي الأمة الوسط، فكانت أمة عدل وخيرية، وكان من نماذج هذه العدالة أن هذه الأمة تربت على يد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرها الله تعالى أن تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم لتصل إلى أعلى مراتب الخيرية، وهذا ما حدث في جيل الصحابة، ثم ما لبثت الأمة أن تركت عقيدته بسبب مؤامرات الأعداء فانحطت وأصبحت مقودة لا قائدة، ولن ترجع إلى سالف عهدها إلا بالتمسك بعقيدتها.

    1.   

    معنى الوسط والوسطية

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة.

    من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    فقد اختار الأبناء عنواناً لكلمتنا هذه وهو: (الأمة الوسط) وكأنهم ينظرون إلى قول الله تبارك وتعالى من سورة البقرة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    فمن هي الأمة الوسط؟ وما معنى الوسط؟ أهل التفسير يقولون في هذه الوسطية: إنهم خيار عدول، هذا معنى الأمة الوسط، أي هي التي أفرادها خيار بين الناس، عدول فيهم.

    نعم، هذه الأمة إبان نشأتها وفي أطوارها الأولى كانت حقاً الأمة الوسط، إذ الخير فاض عنها وتجاوز ديارها، فعم أقطار المعمورة كلها، والعدل تجلى فيها وظهر بصورة لم تعرف في الوجود قط.

    حقاً كانت أمة الإسلام الأمة الوسط، وذلك في عصورها الذهبية المشرقة التي عرفت الدنيا أيامها من الخير والكمال ما لم تعرفها في غيرها.

    1.   

    نماذج من وسطية وعدل أمة الإسلام

    نذكر نماذج لذلك الخير، وتلك العدالة التي تجلت في هذه الأمة، أمة الإسلام، أمة محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

    أولاً: نشّأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورباها وجعلها نموذجاً للكمال البشري، ومن ذلك أنه أخذ ينميها ويربيها، ويحيطها بسياج من المناعة حتى أصبحت المثل الأعلى بين الأمم والشعوب، وكانت بذلك القائدة الرائدة الهادية.

    من مظاهر ذلك: أنه منعها من أن تتشبه بغيرها، فلم يأذن لأفرادها أن يتشبهوا بغيرهم من أهل الدنيا، حتى في العبادة كره لهم أن يصوموا يوماً يصومه أعداؤنا، وكره لهم أن يتشبهوا بغيرهم؛ لأنهم المثل الذي شاء الله عز وجل أن يهدي به بلايين البشر، فتجلت فيهم الخيرية، وتجلت فيهم العدالة، وحسبنا شهادة الله لنا بذلك، إذ هو القائل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    فلا تقبل شهادة غير العدول، فشهادة غير العدل مرفوضة، ولا تقوم بها حجة، ولا يعطى بها حق، وهذا طابع هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة.

    فالذي لم يكن عدلاً لا تصح شهادته، ولا يقبل قوله؛ لأنه خرج عن دائرة الكمال التي وضعت في هذه الأمة، فما أصبح أهلاً لأن يشهد شهادة تؤخذ بها الحقوق.

    وحقيقة هذه العدالة المنشودة والمطلوبة أن على الفرد منا ألا يفرط في واجب أوجبه الله عليه، وألا يهمل فريضة افترضها الله، فلا يظهر في مظهر العاصي الخارج عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بترك الواجب، ولا بفعل الحرام، فذلكم هو العدل الذي لم ينحرف يميناً ولا شمالاً، بل يقف مستقيماً على منهج الله، فلا يتهاون بفرائض افترضها الله، ولا يغشى محارم وذنوباً حرمها الله، هكذا عرف المسلمون أنفسهم عدولاً.

    وبذلك تأهلوا لأن يشهدوا على الناس، وتقبل شهادتهم، لكن إن سقطت عدالتهم لم يصبحوا أهلاً لهذا الموقف المشرف.

    1.   

    حال أمة الإسلام اليوم

    لنا يا معاشر الأبناء! أن نبكي بالدموع وبالدماء! حيث سقطنا من علياء كرامتنا، ونزلنا إلى مستويات كانت لأعدائنا، فأصبحنا دونهم وأمسوا فوقنا، فماذا نذكر من عدالة هذه الأمة ووسطيتها؟!

    كانت الأمة الوسط -والله الذي هيأها لهذه الخيرية- أيام كانت تلتزم وتتقيد بدينها، وأيام كانت تعتز بوجودها، وتفاخر بكمالاتها، واليوم أصبحنا نجري وراء أعدائنا، ونجتهد في أن نكون مثلهم، هذا هو الطابع العام لأمة الإسلام اليوم وفي كل ديارها.

    أصبحت الأمة الهادية، الأمة الإمامة القائدة، التي أثنى الله تعالى عليها في غير ما آية في كتابه، ضائعة بين الأمم، نسيت الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ضرب لها مثلاً، ووضع لها أسوة تأتسي بحياته، وتقتدي به، وأصبحت تقتدي وتأتسي بشرار الخلق، بأفسد الناس، من فعل بنا هذه الفعلة الشنعاء؟ كيف انتقلنا من حال إلى أخرى؟ كيف هبطنا من الإمامة السامية، والقيادة الحكيمة الهادية إلى أن أصبحنا نجري وراء الغرب، ونجد ونجتهد في أن نكون مثلهم، وأصبحنا كما يعلم الله حالنا، وكما نعرف نحن من أمرنا وواقعنا؟ أين عزة هذه الأمة القعساء التي كانت تناطح الجوزاء؟ أين هذه العزة؟

    يذكر التاريخ أن امرأة أوذيت في ديار الروم، فصرخت مستنجدة بإمام المسلمين يومئذ: وامعتصماه! وبلغ هذا الصوت إمام المسلمين، فجهز جيشه وغزا ذلك البلد إنقاذاً لمؤمنة أوذيت بين أعداء الإيمان والإسلام!

    هذه العزة ذابت، رحلت من ديارنا، ما سبب هذا؟

    1.   

    أسباب ضعف وهوان أمة الإسلام اليوم

    ضعف الإيمان والتوحيد

    هيا نبحث عن الأسباب! نبدأ بالعقيدة التي هي الطاقة الدافعة، والقوة المحركة، بل والحياة الكاملة، عقيدة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، هذه الكلمة ماذا تعني من قائلها وسامعها؟

    إنها تعني: أن المسلم ذكراً كان أو أنثى لا يرهب إلا الله، ولا يرغب إلا في الله، ولا يحيا ولا يموت إلا طلباً لرضا الله، فسما فوق جاذبية هذه الأرض والحياة، وأصبح بذلك موصولاً بالله!

    ومن شهد هذه الشهادة بصدق تأبى عليه حياته أن يجعل همه في غير مرضاة الله، فتتلاشى كل مظاهر الأهواء والشهوات، ويصبح عبد الله حقاً عبداً صادقاً لله، ما ناداه إلا وقال: لبيك يا ألله! إن أمره أطاع ففعل ما أمر به، وإن نهاه أطاع وانصاع، فاجتنب ما نهاه ربه عنه، وأصبح حقاً عبداً لله، فقوته مستمدة من قوة الله، وعلمه مستمد من علم الله، وبذلك صح أن يكون حقاً عبد الله.

    (محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي عبد يشهد هذه الشهادة، لم يبق له أسوة في الناس يأتسي بها سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يبق من يقلد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه رسول الله إليه، فلا يزال يقتفي أثره ويمشي وراءه، حتى يكمل بكماله، ويصبح نسخة -إن شئت أن تقول- من رسول الله في إيمانه، وصدقه، ووفائه، وعفته، وطهره، وشجاعته، وعدله وتصميمه، وإرادته، وكل الكمالات المحمدية!

    لما ضاعت العقيدة ماتت هذه الأمة وهبطت، ولصقت بالأرض، وداسها الشرق والغرب، وها نحن إلى الآن نتجرع الغصص، ونتذوق مرارة الحياة، مما حل بهذه الأمة من الدون والهون، كيف نزلت من ذلك الكمال إلى هذا الانحطاط، حتى أصبح مفكرونا بلهاً، وعلماؤنا يبذلون الجهد الكبير في أن يسووا بيننا وبين أعدائنا، لنصبح كاليهود والنصارى في تفكيرنا، في معاشنا، في زينا، في كل منعطف من منعطفات حياتنا، وبدل أن نريد ذلك الاستقلال، وبدل أن نريد ذلك الكمال، أصبح الهم أن نكون كالشرق والغرب، نغني كما يغنون، ونلهو كما يلهون، ونلعب كما يعلبون، وننسى الله ولا نذكره كما ينسون ولا يذكرون، وننظر فقط إلى بطوننا وفروجنا، كأننا البهائم التي لا هم لها إلا بطنها وفرجها.

    هكذا تقاد أمة الإسلام الأمة الوسط، أصبحت الأمة تجري بسرعة لأن تصل إلى مستوى أعدائها، في الفجور، في العهر، في الباطل، في الشر، في الفساد، في الكذب، في كل مظاهر الباطل والشر، أما تذكرون هذا وتشعرون؟ أين أمة الوسط؟

    كان أول ما فعل أعداء الأمة أن زعزعوا عقيدتها وزلزلوها، وذوبوها، وتركوها بلا عقيدة.

    وإذا مرضت العقيدة أو تزلزلت أو تخلخلت، كيف يصح لهذا الجسم أن يقوى على العمل؟

    دور الثالوث الأسود في إضعاف عقيدة المسلمين وأسباب ذلك

    هذه الطعنات والضربات ليست حديثة العهد، بل قديمة الزمان، تجمع علينا ثلاثة أعداء، نسميهم بالثالوث الأسود: المجوس، واليهود، والنصارى.

    المجوس عبدة النار والشمس والظلام، ما إن سقط عرش كسرى على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، حتى تكونت الأحزاب السرية التي تعمل في الظلام؛ لتنتقم من الإسلام، الذي سل عرش مجدها إن كان لها مجد، وأول رصاصة أطلقوها في جسم هذا الإسلام كانت في طعنة عمر بن الخطاب في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعزموا على أن يضربوا الإسلام، بعد أن عرفوا أن عقيدته هي طاقته، فأخذوا يعملون على إفساد العقيدة، وبحثوا عن موتور فعثروا على اليهود، اليهود النازحون إلى الحجاز، المرتقبون المنتظرون للنبوة الجديدة التي كانوا يظنون أن تنقذهم مما حل بهم من الخزي والعار، وما نالهم من أيدي أعدائهم الصليبيين.

    نزلوا هذه الديار يرتقبون طلوع الشمس، وطلعت الشمس فأعشاهم نورها، وعرفوا أنهم إذا دخلوا في الإسلام ذابوا فيه، ولم يبق لهم أمل في عودة مجد بني إسرائيل! أو مملكة بني إسرائيل.

    ومن ثم عزموا على حرب الإسلام، إذ قالوا: لا يمكن أن يكون لنا وجود مع الإسلام، ووجدوا الموتورين من المجوس فصافحوهم على أن يضربوا بيد واحدة الإسلام والمسلمين.

    وما إن وصلت أنوار الإسلام إلى أوروبا في غربها، وأنارت هذا القطر من المدينة إلى الأندلس، حتى رأوا أن هذا النور سوف يغمر أوروبا، وسوف تنتهي الكنيسة والصليب، فبحثوا عن موتور فعثروا على المجوس واليهود، فتحالفوا في الخفاء، على أن يضربوا الإسلام حتى يقضوا عليه، ولم يشأ الله أن يقضوا عليه! ولكن حقاً دوخ هذا الثالوث، فلما عجز عن مقاومة المسلمين بالسنان والرماح والسيوف؛ عدل عن ذلك في عصور متعددة يبحث عن المكيدة، فعثروا على الحقيقة، وهي أن هذه الأمة قوتها في معتقدها.

    فأخذوا يضعون من الترهات والأباطيل والأماني الكاذبة، ويقدمونها لأمة الإسلام وهي غافلة حتى بددوا عقيدة (لا إله إلا الله)، فعبدت فئام من الأمة القبور والأشجار والأحجار، وعادت الوثنية كما كانت قبل نور الإسلام، ومن ثم تمزقت الأمة وتشتتت، وأصبحت عبارة عن كتل هنا وهناك، وكل كتلة تطعن الأخرى وتضرب في جسمها، فذهب ذلك النور، وذهبت تلك الخيرية، وانتهت الوسطية، وحسبنا أيها الأبناء! أن نذكر أن يوماً ما وضعنا الغرب تحت نعاله من أندونيسيا شرقاً إلى الدار البيضاء غرباً.

    ولم تنج إلا هذه البقعة حماها الله، كيف كادتها أوروبا؟ كيف وصلت إلى ديارنا؟ كيف حكمتنا وساستنا وسامتنا أسوأ العذاب؟ يوم أن فقدنا الطاقة الروحية الدافعة العقيدة الإسلامية.

    فمن هنا يجب إذا أردنا أن نعود من جديد، والعود محمود، والأمل منشود، وباب الله مفتوح؛ ينبغي أن نعنى بعقيدتنا الإسلامية.

    هذه العقيدة من أجزاء كيانها التي تتكون منه: أن نرى أنا أفضل من الشرق والغرب، أن نعتقد أن الواحد منا يزن ما في المشرق والمغرب من أهل الكفر والشرك والباطل.

    العقيدة: مجموعة أوامر ومتطلبات فرض الله علينا اعتقادها، ولكن من أجزائها ومكوناتها: الشعور بأن المؤمن يزن الشرق والغرب من بلاد الكفر من المجوس واليهود والنصارى.

    والكل يذكر قولة النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل المؤمن الذي اختبر به أصحابه، فلما قالوا قولتهم فيه، مر الثاني، ثم قال لهم: ( لهذا الذي استضعفتموه أو ازدريتموه أو حقرتموه لخير من ملء الأرض من ذلك المشرك المنافق ).

    ينبغي أن تعود هذه الروح، وبذلك نضع حداً للتقليد الأعمى، والجري وراء الغرب، إنهم أرادوا مسخنا كلية، أرادوا أن ينتهي الحجاب بيننا وبين نسائنا، أرادوا اختلاط النساء بالرجال في كل مكان، وأن تكون الشغالات والعاملات في كل مكان، فماتت بعد ذلك القلوب والضمائر، وأصبحنا تيوساً كتيوس الغرب! لا غيرة، ولا شرف، ولا مروءة، ولا كرامة.

    إنهم يعملون ونجحوا، أرونا أنفسهم أنهم قادة وسادة وأئمة، وعلونا بالفعل، فرغبونا في الائتساء بهم، والاقتداء بحالهم.

    فيا معاشر المسلمين! لو تعرفون وتذكرون الخنا والشر والزنا الذي يجري في العالم الإسلامي، ما كان ليحدث أبداً، لولا أنهم وضعوا له طرقه، ومهدوا له سبله.

    اعلموا أن هذه الحالة من السفور في العالم الإسلامي وهذا الاختلاط من مخططاتهم، ولم تبق إلا هذه البقعة، وهم يعملون -ورب الكعبة- الليل والنهار على أن يسووا بينكم وبين إخوانهم، وتجدون نساءكم وبناتكم في كل مكان، تلبس ما تشاء، وتخرج متى تشاء، ولا سلطان لك عليها، وبذلك نهبط هبوطاً لا يرجى لنا أن نرتفع معه.

    فلاحظوا هذه الأمور لتشاهدوا عدوكم ماذا يصنع بكم، يريد أن يمحو هذه السمة، سمة الخيرية والعدالة التي أكرمنا الله بها، عملوا عليها وما زالوا يعملون أيضاً.

    فمتى نفيق؟ متى نستفيق؟ أنواع الملاهي والملاعب التي أصبحت كأنها دين يديّن بها الغافلون، إنها من مكائد العدو الثالوث.

    1.   

    ضرورة الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان صفات المقتدين به

    أمتنا أمة الوسط، فلا تنام كما ينام الحيوان، ولا تعيش كما يعيش الحيوان، أمة أهدافها أسمى من أن تتمثل اللهو في الأباطيل، أو الالتفات إلى الشهوات والجري وراء الأهواء والمتطلبات، هذه الأمة أمة الوسط، انظروا إليها من خلال رسولها صلى الله عليه وسلم، وقد جعله الله الأسوة والقدوة الصالحة، يقتدي به المؤمنون في كل كمالاته، وليس له إلا الكمال؛ ليكونوا حقاً أمة الوسط، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلهو ويلعب؟ يقضي نصف الليل، وثلث الليل في اللهو والباطل؟! هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم يتكلم بغير المعروف والحق؟! هل كان يسجل عليه كلمة لا تنفع؟! هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش على نحو من هذه الحياة الهابطة الساقطة؟! كأننا لا نذكر الدار الآخرة، ولا نرجو ما عند الله فيها.

    حقاً الذين يأتسون برسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم الله بثلاث صفات، لعلنا ما اتصفنا بها، فلذا ما وجدنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوتنا، إذ قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، فرجاء الله هو: أن تعلم أنك مقبل على الله، وأن ساعة اللقاء حتمية مع الله، وأنك لا تدري متى تستدعى إلى الله، وتقف بين يدي الله، فأنت ترجو لقاءه كما ترجو إنعامه وإفضاله، فأنت لا تفارق الله ساعة من يومك ولا من ليلتك، دائماً نصب عينيك طلب مرضاة ربك.

    الرجاء يتناسب مع الضياع، والنسيان يتناسب مع الغفلة؟ فرجاء الله في انتظار الساعة التي يستدعيك فتقف بين يديه.

    أما رجاء الدار الآخرة فهو أن تراك وقد نصبتها بين عينيك، فتعمل لها ليلك كنهارك، تحول إليها وتدخل إليها من دنياك، تستعد للوقوف والمثول في ساحتها.

    الذي يرجو الله والدار الآخرة لا ينسى أبداً ربه ليلاً أو نهاراً، ويعيش على الأضاحيك والأباطيل.

    الذي يرجو الدار الآخرة لا تراه إلا عاملاً لله، ولا تراه يومه أبداً ولا ليله إلا عاملاً لتلك الدار.

    وثالث الصفات: ذكر الله، فالذين يرجون الله واليوم الآخر ويذكرون الله الذكر الذي لا يفارق ألسنتهم وقلوبهم هم الذين يجدون في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة.

    وقد عرفتم والحمد لله أن الذين سلكوا هذا الطريق لا يكادون ينسون رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبتة؛ لأنه إذا أراد أن يتكلم أحدهم يذكر تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقول: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، وإذا أراد أن يبيع أو يشتري، يأخذ ويعطي، لا يقدم يده ولا يأخذ إلا وقد ذكر ما أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم، وما سن وما شرع.

    هل يستطيع أحدنا أن يأكل ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي علمنا كيف نتناول الطعام، ولهذا يقول: بسم الله ذاكراً أن الرسول صلى الله عليه وسلم سن وشرع، ويأكل مما يليه، ويغض الطرف عن مؤاكليه. هذه كلها ذكريات لا ينسى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن أحدنا لا يدخل حتى المرحاض ولا يخرج إلا وقد ذكر الله ورسوله.

    رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوتنا، فإن نظرنا إلى شجاعته وجدنا هذه الشجاعة هي محط قدوتنا وأسوتنا، فمن شجاعته نأخذ شجاعتنا، فلا ننهار ونذوب هذا الذوبان، وإن شئتم ذكرت لكم ناراً تتأجج في ديارنا تمضي عليها السنون العديدة، ما استطاع المسلمون أن يطفئوها، أين المسلمون؟

    إخواننا وأبناؤنا يقتلون ويعذبون، ويصب عليهم أنواع العذاب كل يوم، وألف مليون مسلم يفتحون أفواههم، أو يرفعون أكفهم متحسرين! أين شجاعة الإسلام؟ أين القدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في شجاعته؟ ونحن نعرف أن أبطال الأصحاب كانوا يقولون: ( إذا حمي الوطيس كنا نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم ) أين الكرم النفسي الذي كان يتمتع به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ضاع هذا الكرم منا وفينا، وأصبحنا أشبه بماديين لا نرى ولا ننظر ولا نفكر إلا في القرش والفلس، مادية بحتة.

    1.   

    عوامل عودة الأمة إلى الوسطية والعزة والتمكين

    معاشر المسلمين ما هو الخلاص من هذه الفتنة؟ أنصح فأبدأ:

    أولاً: أقول: يا أبنائي! صححوا عقيدتكم، انظروا إليها من خلال حياة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: اعلموا أن مكانتكم فوق كل مكانة، وأن الواحد منكم إذا آمن بالله وأقام الصلاة وثبت على منهج الله فإنه يعدل من على الأرض، وبذلك يجب ألا نجري وراء الفاسقين والمجرمين، والكافرين والمشركين، ولا نريد أن نتمثل حياتهم، فنعطيهم ما ليس لهم، بل يجب أن تكون لنا الذات المميزة والشخصية البارزة، هم الذين ينبغي أن يجروا وراءنا! ولعلكم تعرفون هذا في أننا نتزيا بزيهم، ونستهين ونكره زي الإسلام والمسلمين، هذا طابع عام قل من سلم منه من المسلمين.

    قبل جماعة الدعوة ما كان العربي المسلم يدخل باريس أو لندن وعليه مسحته الإسلامية، وعليه ثيابه الإيمانية، حتى ينسلخ من كل مظاهر إسلامه، ليتمكن من الدخول إلى لندن، البرنيطة على رءوسهم! وهم يعايشوننا بالأعوام ولا يلبسون لباسنا، ونحن نتملقهم بزيهم، ونجري وراءهم لنكون مثلهم، أهذه هي الأمة الوسط؟ كيف تكون أمة خياراً عدولاً وهي ترغب في الكفر والكافرين، وتتمثل حياتهم، وتريد أن تدخلها في بيوتنا؟

    يا معاشر المسلمين! قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] هذه الوسطية خيرية، والخيرية تتنافى مع الخبث، وتتنافى مع الغش، وتتنافى مع الكذب، وتتنافى مع الشح والبخل، وتتنافى مع الهبوط والسقوط في التفكير والآراء، وتتنافى مع الانحراف عن منهج الله.

    الخيرية! كالعدالة، العدل فينا من هو؟ قالت الفقهاء: من يتقي الكبائر، ويجتنب في غالب حياته الصغائر، فالعدول لا يميلون ولا ينحرفون، يقولون الحق وبه يعدلون، أعزاء شرفاء كرماء؛ لأنهم موصولون بالسماء، لا يذلون ولا يهونون من أجل الجوع والعطش، يجوعون ويعطشون ويعرون، ويقاسون الحر والبرد وهم أكمل الناس وأعلى الناس شرفاً وكرامة.

    والطريق إلى هذا معاشر الأبناء! هو أن نعود من حيث بدأنا، كيف بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته لإنشاء أمة وتكوينها؟ بدأها بالمساجد، ما إن أوحي إليه والتزم بمبدأ التبليغ حتى اتخذ دار الأرقم بن أبي الأرقم -وهي ليست بعيدة منا- اتخذها مقراً لأصحابه، فكان يزكيهم ويعلمهم فيها، ولما هاجر ما إن وصل ديار بني مالك بن عوف في قباء حتى اختط مسجد قباء، وبناه في أقلِّ من خمسة أيام، وجمع فيه المؤمنين والمؤمنات، وتركهم فيه يتعلمون الهدى.

    مشت راحلته -ناقته القصواء- فما إن نزلت بقرب ديار أخواله حتى قال: هنا يبنى المسجد، فبنى مسجداً، ومن المسجد انطلقت تلك الجماعات تنشر الهدى في الشرق والغرب.

    حتى لا يضيع الموضوع، والكلام ينسي بعضه بعضاً هيا نعود!

    لما نجلس هذه الجلسة في المسجد تكون قلوبنا مشرقة صافية، لأنها موصولة بالله، فيصير ذلك رحمة بيننا، فنحقق الإخاء الإيماني الإسلامي بيننا، فلا كبرياء، ولا احتقار ولا ازدراء، ولا حسد، ولا بغضاء، ولا ظلم، وإنما رحمة، وصدق ووفاء، وطهر ظاهراً وباطناً، وصفاء، نبكي بين يدي الله وندعوه، فيستجيب لنا، إذا سمعنا الهدى آمنا به، وأسرعنا إلى الالتزام به، فلا نزال نسمع ونهتدي حتى تتجلى حقيقة الوسطية فينا، ونصبح حقاً عدولاً خياراً، ما فينا من شر أبداً، كلنا خير، ما منا إلا خير يطير بالخير، لا يظهر منه الشر أبداً، ولا يلصق به، على الصراط المستقيم لا يعرف انحرافاً ولا الاعوجاج ولا السقوط.

    وبذلك نعاود التاريخ من جديد، وعلى الأقل ننجو مما يريدون أن يوقعونا فيه.

    معاشر المستمعين! الوسطية في هذه الأمة ليست أمنية، وليست حلماً، ونستحي أن نقول: إننا الأمة الوسطية اليوم، فلن نكون الأمة الوسط على الحقيقة إلا إذا رأينا أنفسنا خياراً عدولاً، ونساؤنا خيرات طاهرات صالحات.

    إننا نرى أنفسنا كل يوم ننحدر ونهبط، والعدو يدفع بنا حتى أنسانا وجودنا، والذي يحز في النفس ويؤلم أن بين المسلمين من يعمل على ردّنا إلى الوراء، وأن يرجع بنا إلى أن نكون كأعدائنا، ويسمي رغبتنا في الله وعودتنا إلى دينه: رجعية! ويسميها تزمتاً، ويسميها: تنطعاً، والحق أن الله يقول: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ [الأعراف:170]، فأين التمسك؟ نحن لم نتمسك بالعشر ولا بعشر العشر، وهم يخافون من هذا؛ لأنهم يريدون أن نكون غربيين، سواء بسواء، هذه هي أمنية الثالوث الأسود، ألّا تبقى لنا خاصية، حتى في الزي واللباس، يريدون أن يكشفوا عورات نسائنا وبناتنا! يريدون أن يزيلوا عمائمنا وثيابنا عن ظهورنا، يريدون حتى اللغة أن ننطق بغير لغة القرآن، يريدون ألا نجتمع في بيوت الله، وإنما نجتمع في المقاهي والمسابح والليالي الحمراء، يريدون ألا نذكر الله، هذا شأن العدو، فلا يلام فيما يريد منا، ولكن نحن الذين نلام.

    1.   

    خلاصة ما ينبغي فعله للعودة بالأمة إلى الوسطية والرفعة والعزة

    معاشر المسلمين! أحرر هذه الكلمة، وهي خلاصة لما ذكرناه سابقاً: إن أمة الإسلام هي الأمة الوسط، قطعاً ليس في ذلك شك، والله هو الذي جعلها كذلك إذ قال بنفسه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ [البقرة:143] جعلهم بما شرع لهم وما هداهم إليه، ووفقهم للقيام به، فطابوا وطهروا، واستقاموا على منهج الله، بالصورة التي ما عرفتها دنيا الناس، فكان ذلك اليوم هو اليوم الذي أراد الله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] لما رأى العدو ذلك الكمال احتال علينا وأخذ يمسخنا وينزل بنا، حتى وصلنا إلى مستواه، فأصبحنا لا نبعد عن الوثنيين في معتقداتنا وسلوكنا، ومن ثم أدبنا الله، فسلط علينا الشرق والغرب، ثم أراد أن يرفع هذه المحنة عنا، فهيأ رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات، فصاحوا وبكوا، وتحرك الإيمان في القلوب، ووجدت جماعات في الشرق والغرب تقاتل العدو النصراني الصليبي وتحرروا، لكن العدو أن تعود لنا دولة الإسلام، وأن تعود لنا العدالة والخيرية، فماذا يصنع؟ أخذ يحتال من جديد، فاحتالوا سابقاً بالطرق الصوفية، والجمعيات والزوايا والمذاهب حتى مزقونا مزقاً، والآن لا يعيدون الكرة من جديد، فلا صوفية ولا طريق، ولكن دخلوا علينا من طريق أنهم بلغوا الكمال، وأننا ما زلنا ناقصين؛ وطلبوا منا أن نجري وراءهم ونقلدهم لنصل إلى مستوى العالم المتقدم.

    فلهذا كما قلت لكم: لا يريدون أن تستقلوا لا في لباس ولا في فكر ولا في عمل، بل لا بد أن نكون ذليلين تابعين، وبذلك فقدنا الأمل، وما استطعنا أن نفكر في أن نعود من جديد.

    هذا هو تفكيرهم، فأقول: كل دعوة إلى التخلي عن الدين الإسلامي لنسائنا ورجالنا وشبابنا هي دعوة تريد منا الهبوط.

    كل دعوة إلى تحرير المرأة -كما يكذبون ويدجلون- وإلى الخروج بها من بيت الستر والعفاف إلى السوق، وإلى الملاهي والملاعب، فهي تريد منا أن نعود إلى التقليد.

    كل دعوة ترغبنا في أنواع الباطل واللهو وأنواع المجون فهي دعوة تريد منا ألا نرفع لغتنا من جديد.

    كل دعوة تهون من شأن العبادة والطاعة والاستقامة، كل دعوة تهون من شأن التمسك بدين الله بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسمها بسمات التنطع والتزمت والرجعية، فهي تريد منا أن نتخلى عن طريق العودة.

    معاشر المسلمين! هذه الكلمات اذكروها: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] فنحن استيقظنا بعد نوم طويل، فلنجتمع في بيوت ربنا، نبكي ساعة نتعلم الهدى، نقوي طاقات الإيمان وأنوار الإيمان في قلوبنا، حتى يعصمنا الله من كيد الكائدين، ويحمينا من مكر الماكرين، ويهيئ لنا الفرصة لأن يجعلنا كما كنا خياراً عدولاً، وهو على ذلك قدير.

    هذا والله تعالى أسأل ألا يخيبنا، وألا يحرمنا فيما أملناه فيه، وهو أن يرد هذه الأمة إلى ما كانت عليه من الخيرية والعدالة؛ ليرحم بها البشرية، وينقذ بها الأمة الإسلامية، التي تأكلها النار في كل يوم، ومآلها والعياذ بالله إلى عالم الشقاء، حيث لا سعادة أبداً.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    معنى حديث: (ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)

    السؤال: ما معنى قول السيدة عائشة رضي الله عنها: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخير من الأمور أيسرها ما لم يكن إثماً ) هل يعني هذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الحكم الأسهل والأيسر على الناس، أياً كان؟

    الجواب: نعم، فرح صلى الله عليه وسلم بسورة الأعلى لما نزلت عليه، حتى كان يقرأ بها في اليوم مرتين ثلاثاً، لأن فيها قول الله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8]، فلهذا ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، نعم. هذا في أمور المعاملات، يختار الأيسر على الأصعب والأعسر، لو خير بين أمرين في الطاعة والعبادة أيضاً يختار الأيسر، ولا يختار الأشق الأعسر، لكن لا نفهم من اختيار الأيسر أننا نصلي صلاة على خلاف صلاته، فنسرع فيها ونخففها، ونختار الأيسر؛ فالصلاة باطلة.

    كذلك ليس من اليسر والسهولة ألا نحجب نساءنا وبناتنا، ونتركهن في الشوارع، فهذا إثم وقطيعة وحرام.

    ما خُيرت يا عبد الله! بين أمرين إلا اخترت الأيسر منهما ما لم يكن إثماً وذنباً وقطيعة، هذا الذي تدل عليه هذه السنة.

    الوسطية الحقة

    السؤال: كيف نحد للوسطية حداً بحيث لا يستغلها أصحاب الأهواء والدعوات، خاصة من أبناء المسلمين، لا سيما ونحن نعاني من هذا في عصرنا الحاضر، وممن يتصدر عن سوء نية لفرض المفاهيم الخاطئة في أبناء المسلمين؟

    الجواب: هذا الذي نشكوه، كتّاب يكتبون، وقَوَلَةٌ يقولون، يريدون قلب الحقائق، وأعدوا لذلك وجهزوا له، فحسبنا الله تعالى فيهم.

    فالوسطية يا معاشر المسلمين! فسرت بالخير والعدل، فيوم أن نكون خياراً عدولاً نكون أمة وسطاً، أما والشر يفيض من أفواهنا، ومن قلوبنا، ومن أيدينا وأرجلنا، وفي سلوكنا الخاص والعام، فأين الخيرية؟! الظلم والجور والاعتداء، والتلصص والجريمة السائدة بيننا، نفجر بنساء بعضنا البعض، وبنات بعضنا البعض، نأكل أموالنا، نضرب رقابنا، ونسفك دماءنا، أين العدل؟!

    كيف يمكنهم أن يستغلوا ذلك ويقولون: إننا الآن أمة وسط، أمة الخير والعدالة؟! إن هذا غير متحقق، إننا الآن نحاول أن نعود إلى أن نكون خياراً عدولاً، فإذا تحقق لنا هذا الوصف، كنا أمة وسطاً.

    أما أن يستغل المغرضون كلمة الخير والعدالة فنحن نحلف أننا لسنا من أهل الخير والعدالة بعد! وإذا وجدوا فينا خيّراً فمثله مائة واحد لا خير فيهم ولا عدالة.

    معنى حديث: (يا آدم أخرج بعث النار)

    السؤال: أخبرنا عن هذا الحديث: ( يا آدم! أخرج بعث الجنة وبعث النار ) ؟

    الجواب: في هذا الحديث الشريف يقول الرب تبارك وتعالى، في عرصات القيامة لآدم أبي البشر: يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول آدم: من كم يا رب؟! يقول الله: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة.

    بعث النار من أهل الموقف من الإنس والجن، كل ألف ينجو منهم واحد، والآن الواقع يشهد، فمن البشر لا تجد في الألف واحداً من أهل الأرض يستحق دار السلام، فهذا هو اليوم الذي تفزع فيه القلوب والأرواح، هذه هي ساعة الحسرة، من هو هذا الواحد من ألف؟! والحديث صحيح، ويشهد له الواقع أيضاً، فمنذ أن كانت البشرية تجد أكثر الناس لا يؤمنون، وأكثر الناس لا يشكرون، وأكثر الناس كافرون، وهكذا من عهد البشر الأول.

    الحض على التمسك بالحجاب وعدم تمكين العدو من إسقاط راية التوحيد

    السؤال: إنني أرمق وألمس في موعظة فضيلتكم قلباً مكلوماً، ونفساً مكدرة من واقع المسلمين اليوم، ولأنني لا أريد أن أنكأ جرحك، ولا أن أزيد نفسك كدراً بهذا السؤال، وإنما أريد من فضيلتكم التركيز على ظاهرة سفور النساء في هذا البلد، في السوق والشارع، وحتى في السيارة، سواء مع السائق أو مع الزوج ذي الشخصية الضعيفة، والحس المتبلد، وجزاكم الله خيراً؟!

    الجواب: ما قلته يا بني فيه الكفاية، أنا قلت لكم: إن عوامل الشر تعمل على مسخ هذه الأمة، وقد هبطت المرأة المسلمة في العالم الإسلامي، وأصبحت من أحلاس المقاهي والمطاعم والدكاكين والمعامل.

    وجعلوا منها شرطية فمسخوها مسخاً كاملاً، ووجدوا منا الطيعين اللينين، وأصبحنا نستجيب لندائهم وحنينهم قطع الله أنفاسهم، فنحن نحث المسلمين والمسلمات على ألا نحقق أهدافهم فينا، إذا بقي الحجاب بقيت راية القرآن، ودولة القرآن، وإذا بقي الامتناع عن الجرائم والمعاصي والموبقات بقي رضوان الله وحماية الله وكلاءة الله، هم يعرفون هذا، فيريدون أن يمسحوا هذه الفضائل، أو هذه الكمالات، واحدة بعد واحدة حتى نسقط، ونصبح كغيرنا.

    الله أسأل ألا يقدرهم على هذا! اللهم أحيي هذه القلوب، وانفخ فيها روح الحياة الحقة، فنحمي راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله في ديار الله.

    هم لا يريدون أن ترفع هذه الراية في العالم، وإن شككتم فكم راية في الدنيا تحمل لا إله إلا الله؟ هم يقولون: لم هذه فقط؟ يجب أن تحمل راية كراياتنا، هل نمكنهم نحن؟ نحن نقول: وإن فعلوا ما فعلوا فصمودنا، وثباتنا، واستعصامنا،وتمسكنا بشريعة الله يدفع كل هذه المحاولات.

    نصيحة لمن يضيع وقته بلعب الورق.. وغير ذلك من الملهيات والمحرمات

    السؤال: يوجد لدينا صديق يظهر لنا أنه ملتزم، ولكن يظهر أحياناً- وخصوصاً ليلة الخميس والجمعة- في لعبة الورقة (البالوه)، وقد نصحته ولكنه لم يستجب، أرجو من فضيلتكم نصحه؟

    الجواب: نصحي لمثله أن يعلم أننا أمة ليست أمة اللهو واللعب، فهذا الذي يسهر في أشرف الليالي وأطيبها على معصية الله، لأن لعب الكيرم أو الورق.. أو غير ذلك.

    خدعونا وقالوا: هذا مما يرفه عن النفس، وليس فيه ما يجعله من قسم الحرام؛ لأنه بدون مقابل ودون عوض، فتاوى علماء السوء الذين ورطونا في كل مصيبة، فهذا التدخين لولا أن علماء السوء أباحوه، وأذنوا فيه، وتجوزوا فيه ودخنوا؛ لما أقبلت عليه أمة الإسلام، ولا يشيع هذا الباطل في أبناء القرى.

    حلق الوجوه، تخنيث الفحول، وتحويلهم إلى شبه نساء لولا علماء السوء ما كان هذا، والآن السفور، نحلف بالله لولا علماء السوء والدعاة إليه ما كان أيضاً، فمن جملة ذلك هذه الملاهي، في حين أن الله عز وجل ما ذكر في الميسر كلمة (المال) أبداً، قال: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [المائدة:91] أولاً وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المائدة:91] ثانياً وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91]، لم يذكر المال، وليس عندنا ساعة نقضيها في غير تعلم آية أو حفظ حكمة أو سنة، أو نستريح ساعة لنقوى على العمل غداً ساعات! في بداية الحديث قلنا: مظاهر اللهو ليست في هذه الأمة، الأمة الوسط القائدة الرائدة لا تلعب، وليس من شأنها اللعب.

    فلهذا يا بني! لازم صديقك وحاول أن تأخذ بيده وائت به المساجد، واجلس معه في بيوت الله؛ لعل الله يفتح قلبه وينجو.

    الرد على من يخالف السنة وينصح فيقول: الإيمان في القلوب

    السؤال: كثيراً ما نذكر العامة بأن يقتدوا بالرسول صلى الله عليه وسلم في إعفاء لحيته، وتقصير الثياب، أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون لنا: إن الإيمان والدين في القلوب، وإن كثيراً من أصحاب اللحى يعملون المعاصي والفجور، فماذا نقول لهم ونرد عليهم؟

    الجواب: أولاً: كلمة الإيمان في القلوب حق، ولكن إذا وجد الإيمان في القلوب ظهرت آثاره في الأعضاء والسلوك، فإن انعدم الإيمان انعدمت الاستقامة، إذ الإيمان حياة روح، به الكمال، فهذا من باب أن الرجل يدفع عن نفسه المعرة، لما تعيره بثوبه الطويل أو بانحرافه فيدفع عن نفسه، ولا يجد أكثر من أن يقول: الإيمان في القلوب! نحن لم ننف عنك الإيمان حتى تقول: إيماني في قلبي.

    ثانياً: قوله: أصحاب اللحى يفعلون كذا، والمصلون يفعلون كذا، هذا أيضاً من هذا الجنس، مما يدفع به الإنسان عن نفسه، والمفروض فينا أننا نذكر إخواننا باحترام وإجلال، لا نذكرهم بغلظة ولا بشدة، ولا نظهر أننا خير منهم، فقد يكونون عند الله خيراً منا، ولكن نذكرهم بالكلمة الطيبة والوجه الباسم.

    وعلينا نحن أصحاب الدرس ألا نكشر عن أنيابنا ولا نغضب، ولكن نقول: اللهم اهدنا، نستغفر الله، نحن مقصرون، ادع الله لنا، هذا هو الذي يجب أن نعيش عليه؛ لأننا إخوان لسنا بأعداء، ولأننا نعرف أن هذه الذنوب لها عوامل، قد قلت لكم: علماء السوء ورثوا فينا هذا، فلهذا لا بد من التجوز والتسامح واللطف والرأفة والرحمة؛ ليساعد بعضنا بعضاً، وإياك أن تفهم أنك بتقصير الثوب تكون أفضل من ذاك، فالعلم لله، ولا تدري العاقبة ما هي، فلا بد من التواضع، والشعور بالنقص فينا، وبالكمال في غيرنا، هذا هو الهدي المحمدي.

    كيفية مراقبة المسلم نفسه

    السؤال: كيف يراقب المسلم نفسه في مثل هذا الزمن المتقلب؟

    الجواب: كيف يراقب المسلم نفسه في هذا الزمن المتقلب؟ يعني: زمن الملاهي والملاعب والمطاعم والمشارب والأموال، يراقب نفسه بأن يقرأ كتاب الله ويستعرض حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعرف نفسه ناقصة أو كاملة، أما من حيث تأديب هذه النفس، فذكر الله هو السبب القوي، ومن أقوى ذلك أمران: أن يشهد الصلاة ويقيمها إقامة كاملة، فلا يصلي صلاة اللاهين والغافلين، ويلازم ذكر الله عز وجل، وبهذا يتمكن من تهذيب نفسه، ولا بأس أن يقول لأحد إخوانه: يا فلان! أسألك بالله إذا رأيت اعوجاجاً نبهني، وإذا رأيت فيَّ نقصاً دلني عليه، لو أخذنا هذا المبدأ وكل واحد ينصح للثاني استقمنا، ومن ثم لن نتألم من النقد إذا نقدنا، فإذا قلت لك: لوجه الله إذا رأيت في عيباً دلني عليه! أصبح قابلاً للتوجيه والإصغاء.

    فراقب نفسك يا عبد الله! بقراءة كتاب الله واستعراض آياته، وأقم الصلاة، ولا بأس أن تؤاخي مؤمناً وتقول: يا أخي! يا زميلي! إذا رأيت فيَّ نقصاً دلني عليه، في سلوكي في تفكيري في عملي.

    حكم ركوب المرأة مع سائق التكسي لوحدها أو مع غيرها من النساء داخل البلد أو خارجه

    السؤال: ما نظرة الإسلام لسائق التكسي عندما تستوقفه امرأة أو أكثر، فينقلها دون محرم بكامل الأدب والخلق، حيث إن السيارة هي مصدر عيشنا، أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أقول: إذا كان يسافر بامرأة أو بنساء بلا محرم فهو آثم عاص! ولا يحل له ذلك، فإن كان داخل البلد وآنس من نفسه الأمانة والوفاء والعصمة، فلا يتكلم بكلمة ولا ينظر نظرة، ولا يعيد قولاً، وهو في كامل الشعور بأنه آمن على نفسه من هذه الفتنة، وحمل اثنتين أو ثلاثاً في سيارته، يصل بهن إلى مكانهن ويعود لا بأس.

    أما إذا عرف من نفسه الضعف فلا يحل أن يحمل معه نساء، فيفسد حياته ومستقبله مع ربه.

    أما المرأة الواحدة فلا يحملها؛ لأنها خلوة: ( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ) هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هذا المرأة من أي جنس أيهودية أم نصرانية؟ هذه إن كانت في مكة فهي مكية، وكيف تخرج هذه المكية في الشوارع وتركب السيارات؟ من أذن لها؟ آلله أذن لها؟! هل سمح بهذا زوجها؟ كيف يترك هذه المرأة تركب مع أجنبي في السيارة، قد يفسد عليها حياتها؟

    هناك من يقول: شجعوهن، ما هذا التزمت؟ أي شيء يحدث إذا ركبت السيارة؟ هذا الكلام القاتل المسموم هو الذي سخرهن هذا التسخير، حسبنا الله ونعم الوكيل!

    حقيقة البدوي المدفون في طنطا بمصر

    السؤال: عرفونا على السيد البدوي الذي له مقام في طنطا في مصر، هل هو صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم هو ولي من أوليائه؟

    الجواب: الذي عند أهل مصر ما هو إلا درويش من الدراويش، جاء من المغرب في القرن الثامن أو التاسع، ليس بصحابي ولا عبد صالح، ولكن في أيام وضع التماثيل والأصنام لأمة الإسلام، وهم يمسحون عقيدة لا إله إلا الله جعلوا منه قطباً من الأقطاب، وعبدوه بالذبائح والنذور، كما عبدوا آلاف القباب في الشرق والغرب.

    حكم من ترك صلوات ثم تاب بعد ذلك وحافظ على الصلوات

    السؤال: أنا شاب كنت متهاوناً بالصلاة، أي: كنت أصلي صلاة ولا أصلي أخرى، ولكن والحمد لله رب العالمين الآن أنا مستقيم أصلي الخمس الفروض مع الجماعة، ما حكم الفروض التي تركتها؟

    الجواب: إن شئت أن تقضي الفوائت في أوقات فراغك وتخشع فيها وتطمئن فإنك تستفيد من ذلك، وتعوض ما فاتك، وهذا الذي عليه الأئمة الأربعة، وإن قلت: كنت كافراً؛ لأن تارك الصلاة كافر، وتاب الله علي وأسلمت، وها أنا أقيم الصلاة، ولم تقض؛ فلا شيء عليك توبتك تكفيك، وأكثر من النوافل لتعوض ما فاتك.

    حكم تصدق الشخص وعليه دين

    السؤال: هل يجوز لي أن أتصدق تطوعاً وأنا علي ديون لم أسددها؟ وهل تجوز الصدقة إذا كان الدين مؤجلاً شهرياً؟ ومن تصدق هل يكون مأجوراً أو آثماً، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الصدقة القليلة كالدرهم والدرهمين هذه لا تضر ودينه ألف أو ألفان، أما أن تتصدق بمائة ريال، وعليك مائة ريال دين؛ فلا يجوز، لأن هذا المال ليس مالك فعليك أن تسدد أولاً مال غيرك.

    إذاً: إذا كان الدين كثيراً والصدقة قليلة، كأن تتصدق برغيف من خبز، أو ريال فلا يضر؛ لأنه لا يقضي دينه، ولا ينقطع عن الإحسان والصدقة، أما إذا كانت الصدقة ذات قيمة فبدل أن يتصدق يسدد ديونه، ولا تصح الصدقة وهو مطالب بالدين.