إسلام ويب

إنزال الناس منازلهمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينزل الناس منازلهم، وقد أمر صحابته الكرام بذلك فكانوا الأسوة الحسنة في إنزال كل واحد منزلته التي يستحقها، سواء كانت في السبق بالإسلام، أو في القرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، أو غير ذلك من الفضائل.

    1.   

    الإسلام يدعو إلى إنزال الناس منازلهم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فالله نسأل أن يجمع بيننا جميعاً في خير وعلى خير، وأن يديم علينا مجالس العلم، وأن يجعلنا ممن يسارع في طلب العلم ويحثون عليه؛ لأن أرقى الناس وأرفعهم عند الله جل وعلا هم طلبة العلم, فطلبة العلم هم الواسطة بين الخالق وبين المخلوق, وكما قال ابن عيينة: أرفع الناس منزلة: الواسطة بين الخالق وبين المخلوق.

    وينبغي أن يحث بعضنا بعضاً على طلب العلم في مجالس العلم, وعلى المسارعة إلى رفعة هذه الأمة, فإن صلاح هذه الأمة في هذه الحقبة من الزمن لن يكون إلا بما صلحت به مع الرعيل الأول, الزكي النقي، الذي مكن له في مدة وجيزة من الزمن.

    إن الإنسان إذا نظر في الواقع الأليم الذي تمر به الأمم والشعوب منذ سنوات طويلة وقرون عدة يعتصر قلبه ألماً, ويتحسر مما يرى أو مما يعلم بما وقع لهذه الشعوب.

    والمتأمل فيما وقع لهذه الشعوب أو في الأسباب التي أوقعت هذه الشعوب في الهلاك والفناء والقتل والتشريد سيجد سبباً يلوح في الأفق، هذا السبب هو أنهم لم ينزلوا الناس منازلهم, ولم يعرفوا للرسول صلى الله عليه وسلم قدراً، ولم يعظموا له مقاماً, فخابوا وخسروا لأنهم لم يعرفوا لكل رسول قدره وعظم منزلته، ابتدءً بأمة نوح عليه السلام وانتهاءً بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    فقد كان قوم نوح كلما مروا على نوح سخروا منه, والله جل وعلا يبين لنا أن هذا هو دأب الجهلة السفهاء البله, فيقول جل وعلا: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الحجر:11] أي: يسخرون من هذا الرسول، فهذا النبي جاء إلى قوم جهلاء، فأوقع الله عليهم الهلاك وصب عليهم العذاب صباً؛ لأنهم لم ينزلوا الناس منازلهم.

    وما أهلك قريشاً إلا سخريتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم, فلما سخروا منه وقالوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] أذاقهم الله وسامهم سوء العذاب, حتى دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإنزال الناس منازلهم ومعرفة الأسباب التي جعلت هذه الأمة تمكن في مدة وجيزة من الزمن هو الذي يجعلنا نسير على الدرب لعلنا نصل.

    هذه الأمة تمكنت؛ لأنها أولاً: نظرت إلى صفات الله جل وعلا وإلى أفعاله سبحانه، فطبقتها خلقاً واقعاً على هذه الأرض.

    ونظرت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الهدي النبوي فسارت على نهج النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالله جل وعلا بين لنا أن من أوج الأسباب التي ترتفع بها الأمم أن يعرفوا قدر أنفسهم، وقدر أئمتهم, وينزلوا الناس منازلهم, فالله جل وعلا يقول: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3] فيبين الله جل وعلا أن هناك تفاوتاً عظيماً بين الناس, وأن كل صاحب فضل لا بد أن يؤتى فضله, وكل صاحب قدر لا بد أن يؤتى هذا القدر.

    والله جل وعلا من أجل ذلك فاوت بين درجات العباد في الجنة, فمنهم من في الفردوس الأعلى, ومنهم من هو أنزل درجة منها، ومنهم من هو أنزل منه درجة, ومنهم من يكون في آخر درجات الجنة.

    والغرض المقصود أن الله جل وعلا فارق وفاضل بين العباد؛ لأنه سبحانه وتعالى حكم عدل، وله الفضل كل الفضل، فيعرف منزلة كل أحد, ويضع كل واحد في منزلته، كما قال تعالى: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3].

    وقد قررنا في كتاب الأسماء والصفات، وفي كتاب التوحيد أمراً مهماً ألا وهو: أن كل صفة من صفات الله جل وعلا فإن الله يحب أن يرى أثرها في خلق عباده، فإن الله كريم يحب كل كريم, وإن الله جل وعلا رفيق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله رفيق يحب الرفق) ويحب كل رفيق سبحانه وتعالى, والله جميل يحب الجمال، ويحب كل جميل, سواء جميل الأخلاق، أو جميل الثياب، أو حسن المنظر.

    أمر النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أن ينزلوا الناس منازلهم

    إن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يقرر هذا الهدي النبوي، وأنه لا بد لهذه الأمة أن تنزل الناس منازلهم، وتعرف لكل وحد قدره, قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مقدمة صحيح مسلم عن عائشة قالت: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وفوق كل ذي علم عليم)، فقولها: أمرنا هذا أمر، وأثر الأمر الوجوب؛ لأن الآمر هو الله، والناقل لأمره هو الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قصة إيثار أبي بكر لعلي بن أبي طالب في مجلسه بقرب رسول الله

    إن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أمر بإنزال الناس منازلهم قولاً طبقه واقعاً وفعلاً, فقد كان صلى الله عليه وسلم في مجلس التعليم وأبو بكر بجانبه، ودخل علي بن أبي طالب وكان المجلس ممتلئاً بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم يجد مكاناً يجلس فيه, فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً ويساراً لعله يجد من يجلس علياً ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -فإن له من الفضل ما له رضي الله عنه- فقام أبو بكر ليقر عين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هاهنا يا أبا الحسن ، فأفسح له مكانه؛ ليجلس فيه بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مقراً لفعل أبي بكر ، قال: (يا أبا بكر لا يعرف لأهلي فضلهم إلا أهل الفضل), فتعلم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه هذا الدرس ووعاه، وعلم أن الرفعة لن تكون إلا في التطبيق للهدي النبوي, ولما طبق أبو بكر هذا الهدي النبوي تطبيقاً تاماً كان أثر الفتوحات العظيمة الجليلة لهذه الأمة في حصيلته رضي الله عنه وأرضاه.

    ما حدث بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف من خصومة وموقف النبي منها

    جاء في الصحيحين أن خالد بن الوليد حدثت بينه وبين عبد الرحمن بن عوف خصومة، فاشتد خالد بن الوليد على عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن عوف سادس ستة، أو سابع سبعة أسلموا، فهو من السابقين إلى الله جل وعلا وإلى الإسلام, وكان خالد متأخراً في الإسلام، وهو سيف الله المسلول على أعداء الله، رضي الله عنه وأرضاه, وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (واستلم الراية سيف من سيوف الله فتح الله على يديه) ولذلك قال له ملك الروم: أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبدا؟

    هذا خالد بن الوليد الذي قال فيه عمر -هو يبكي بعدما نحاه-: والذي نفسي بيده إن أبا بكر كان أعرف بالرجال مني, لأنه أنزل خالداً من مكانة هو يترقي إليها في عهد عمر ، وأمر أبا عبيدة بن الجراح على المدينة التي فتحها خالد .

    فـخالد بن الوليد له مكانة عند الله جل وعلا، وعند رسول الله، وعند صحابة رسول الله، لكنه اشتد على عبد الرحمن والفضل كل الفضل لـعبد الرحمن؛ لأنه سبقه في الإسلامه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي) مع أن خالداً صاحب، ومن أجل الأصحاب، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد بذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، فقال: (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

    وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليبين الفضل لأهل الفضل، ويؤسس أصلاً لهذه الأمة لتعرف أنها لن تمكن ولن تقود ولن تسود إلا بهذا التطبيق النبوي الشريف الظاهر الجلي, فقال لــخالد كيف تفعل ذلك مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه؟

    ما حدث بين أبي بكر وعمر من خصومة وموقف النبي منها

    إن الفاروق عمر بن الخطاب والذي قال فيه ابن مسعود : لم نعرف العزة إلا بعد إسلام عمر رضي الله عنه وأرضاه، والذي نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا سلك عمر فجاً سلك الشيطان فجاً آخر) والذي كان يسير في الطريق فظهر له شيطان، فتصارعا فصرعه عمر رضي الله عنه وأرضاه، فهو أشد الأمة في الحق وفي الدين، ومع ذلك لما حدث أمر بينه وبين أبي بكر ، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الأمة أن منزلة أبي بكر لا تدانيها منزلة.

    كانت بين أبي بكر وبين عمر مشادة وأغلظ أبو بكر على عمر ، فغضب عمر من أجل شدة أبي بكر ، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه ذهب يستسمحه فلم يسمح له, فذهب أبو بكر إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فرجع عمر بعدما ندم, فذهب إلى بيت أبي بكر فقال: أثم أبو بكر ؟ فقيل له: لا، فعلم عمر أن أبا بكر ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان أبو بكر قد ذهب إلى المسجد، فدخله ورفع ثوبه فظهرت ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وهو ينظر إليه متعجباً-: (أما صاحبكم فقد غامر) فقص على النبي صلى الله عليه وسلم القصة, فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أبي بكر ، ولأنه أمرنا أن ننزل الناس منازلهم, وتطبيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر : (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل) والذي بين فيه مكانة أبي بكر عند العامة والخاصة، فلما جاء عمر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه مغضباً، فعلم أبو بكر أنه سيشتد على عمر لا محالة, فجثا على ركبتيه شفقة عليه وقال: والله يا رسول الله لقد كنت أنا أظلم.

    لكن رسول الله أحب أن يبين لهذه الأمة تأصيلاً لا بد منه، وأن يطبقه واقعاً في هذه الأمة حتى تعيش في مستوى القيادة والريادة والسيادة, هذا التأصيل والهدي النبوي لابد من أن نحذو حذوه, وأن نعرف لكل إنسان قدره, وأن نضع كل إنسان في مكانه المناسب، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعلن للأمة أن خلافتها في أبي بكر فقام النبي صلى الله عليه وسلم مغضباً على عمر وظهر ذلك في وجهه ووجنتيه، وقال: (هل تركتم لي صاحبي) مع أن عمر من أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو وزير للنبي صلى الله عليه وسلم, ولما مات عمر رضي الله عنه وأرضاه قام علي يبكي ويقول: أبشر يا أمير المؤمنين، والله ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويقول: (جئت أنا وأبو بكر وعمر ، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر)، حتى أنه لما ذكر علامات الساعة كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ، قال صلى الله عليه وسلم: (ركب رجل على بقرة) أي: حملته (فنظرت البقرة إليه فقالت: ما خلقت لهذا، إنما خلقت للحرث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وهو ينظر إلى أصحابة متعجبين من تكلم البقرة-: أنا أؤمن بذلك) -يعني: بتكلم البقرة- وأبو بكر وعمر).

    الغرض المقصود أن عمر له منزله كبيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين مكانة أبي بكر وفضله؛ تطبيقاً للهدي النبوي فقال: (هلا تركتم لي صاحبي قلتم: كذب، فصدقني وواساني بأهله وماله) فقال الراوي: والله ما وجد أبو بكر على أحد بعد هذه المقالة, وما تجرأ أحد أنه يقف أمامه رضي الله عنه وأرضاه بعدما بين النبي صلى الله عليه وسلم منزلته بين الناس.

    موقف أبي بكر الصديق مع الأنصاري

    وهذا موقف آخر تراه جلياً ظهر بعد ذلك لما وقع بين أبي بكر وبين بعض الأنصار مشادة، فاشتد أبو بكر على الأنصاري, ثم تراجع أبو بكر وقال: اقتص مني, أي: أنه تراجع عما فعل؛ لأن أفضل الناس -كما بين الناس النبي صلى الله عليه وسلم- من كان سريع الرضا, أي: أنه يرجع ويئوب، لأنه ما من أحد إلا ويخطئ, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، هو خطاء؛ لأنه خلق في ظلمة وجهل, فإذا ترك لنفسه العنان ضاع واتبع الشهوات, والمعصوم من عصمه الله جل وعلا, وليس عيباً على الإنسان أن يخطئ، ولكن العيب كل العيب أن يكابر ولا يرجع.

    ولما قال أبو بكر للأنصاري: اقتص مني, قال الأنصاري: لا أقتص منك، فقال له أبو بكر : اقتص مني وإلا لأستعدين عليك رسول الله, فغضب الأنصار من أبي بكر غضباً شديداً؛ لأنه أغلظ على صاحبهم في القول، ثم قال له: لأستعدين عليك رسول الله، فقال الأنصار لصاحبهم: والله لنذهبن معك ولنستعدين عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ كيف يخطئ في حقك، ويذهب إلى رسول الله؟ فلما قالوا ذلك، قام الأنصاري -وكان فقيهاً- فقال لهم: أتعلمون من هذا؟ إنه أبو بكر، فاسكتوا حتى لا يسمع ما تقولون فيغضب, فيغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لغضب صاحبه, فيغضب الله لغضب رسوله، فيهلك صاحبكم.

    وهذا فقه عال من الرجل؛ لأنه علم منزلة أبي بكر ومكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما قص على النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة قال له: (قل: يغفر الله لك يا أبا بكر)، أي: لا تقتص من أبي بكر ، ولكن قل: (يغفر الله لك يا أبا بكر ).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين فضل كل ذي فضل، وينزل كل واحد منزلته.

    النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفضل لنسائه وينزل كل واحدة منهن منزلتها

    حتى مع نسائه صلى الله عليه وسلم فهو أرفق الأمة بهن, وهو الذي قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وكان يطوف على نسائه، وإذا أعطى إحداهن درهماً أعطى كل امرأة منهن درهماً، وكان يعدل بينهن في المبيت، حتى لو ابتسم لهذه ابتسم للأخرى، فكان أعدل الناس، ومن يعدل إذا لم يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    ولما سئل: (من أفضل النساء عندك؟ قال: عائشة) فبين أن عائشة هي أفضل نساء هذه الأمة، ثم بين بعد ذلك فضل خديجة فقال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من السناء إلا أربع: وذكر مريم وآسيا وفاطمة وخديجة)، فلما ذكر خديجة قال: (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام).

    حكم إنزال الناس منازلهم وأثر تطبيقه في هذه الأمة

    إن النبي صلى الله عليه وسلم بين فضل كل ذي فضل، فهذا فعله صلى الله عليه وسلم، وهذا هديه الذي طبق بعد ذلك، فكان النصر والقيادة والريادة والسيادة في هذه الأمة لمدة وجيزة من الزمن.

    وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه تربى على مائدة رسول الله, وعلم أن هذه الصفات من أفعال الله، وأن الله يحب أن يرى أثر صفاته على أخلاق عباده، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبين فضله للناس، حتى ظهر جلياً أمامهم, فكان يضع كل واحد في موضعه، وينزل كل إنسان في منزلته, ويعرف لكل واحد قدره؛ لأن هذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولكن هذه المسألة قد ضاعت بين الناس، فهم لا يفقهونها ويحسبونها أنها نافلة قول، والحقيقة أنها واجبة؛ لأن عائشة قالت: (أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم)، وجمهرة المحدثين يرون أن هذا من باب المرفوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بأن ينزل الناس منازلهم, فيأثم الإنسان إن لم يفعل ذلك, ولكن الجهلاء والبله في هذه العصور لا يميزون بين أهل الفضل وبين غيرهم.

    فالغرض المطلوب أن أبا بكر طبق هذا الهدي النبوي وهذه الصفة التي تعد من صفات الله جل وعلا، وكان لها أثر في أخلاقه وتعامله مع صحابة رسول الله، فجعل الخير كله على يديه، حتى أن الفتوحات العظيمة التي كانت في عهد عمر كانت في حصيلة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه, لأنه عند موته لما دخل عليه عثمان أمره أن يكتب من يخلفه، فلما أفاق قال له: أكتبت أن تكون الخليفة؟ قال: لا، قال: لو كتبت كنت خليقاً بها، قال: كتبت عمر قال: ونعم ما كتبت.

    فدخل الناس يشتدون على أبي بكر: كيف تستخلف علينا هذا الشديد؟ وماذا تقول لربك إذا سألك من استخلفت عليهم؟ قال: إذا سألني ربي سأقول: استخلفت عليهم أتقاهم وأعلمهم وأفقهم وأورعهم وأشدهم في دين الله جل وعلا. فبين فضل عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    أبو بكر يعرف منزلة أسامة

    إن أبا بكر كان يعرف للناس منازلهم, فلما أمر أسامة من قبل رسول الله على جيش عرمرم كثير، ومات رسول الله، وأصبحت الفتن تأتي على هذه الأمة بعد موته، وظهرت الردة في أنحاء الجزيرة العربية، سوى مكة والمدينة، ومع ذلك فـأبو بكر ينفذ جيش أسامة، بل ويجعل أسامة الذي لم يبلغ العشرين من عمره أميراً على هذا الجيش العرمرم. فجاء عمر بن الخطاب يراجعه في تنحية أسامة من إمارة الجيش، فـقال: والله لا أنحين أميراً أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال فيه صلى الله عليه وسلم: (إنه لخليق بهذه الأمارة) فبين فضل أسامة رضي الله عنه وأرضاه وتمسك به، وعض عليه بالنواجذ.

    وكان لذلك الأثر العظيم في هذه الأمة، فالقبائل التي ارتدت عن الإسلام خافت على نفسها من المسلمين؛ بسبب جيش أسامة.

    وعى عمر بن الخطاب الدرس جيداً بعد أن اختلف مع أبي بكر، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين له أن هذه المنازل لا تتعدى أصحابها الذين خلقهم الله لها.

    عمر بن الخطاب يعرف لأبي عبيدة بن الجراح فضله وقدره

    إن عمر بن الخطاب بعدما تربى على يد رسول الله، وتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل الناس منازلهم، وأن يؤتي كل ذي فضل فضله، طبق هذه القاعدة النبوية العظيمة الجليلة تطبيقاً رائعاً حتى جعل الله الفتح على يديه, فالفتوحات العظيمة كانت على يد عمر بن الخطاب؛ لتطبيقه لهذا الهدي النبوي, فكان يضع كل واحد في مكانه المناسب, حتى أنه ما أنكر عليه تنحية خالد ووضع أبي عبيدة بن الجراح مكانه، وهو من هو في الفضل!

    وعند موت عمر قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته, كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)، رضي الله عنه وأرضاه, فكان عمر أيضاً يعرف أقدار الناس، وينزلهم منازلهم.

    عمر بن الخطاب يعرف قدر أبي بكر وفضله

    وهذا ظهر جلياً في خلافة أبي بكر لما ذهب إلى سقيفة بني ساعدة، فقام أبو بكر فخطب في الناس وبين مكانة المهاجرين ثم مكانة الأنصار، ثم قال: منا الأمير ومنكم الوزير, وقال: ابسط يدك يا عمر، أو قال: أبايع لكم أحد هذين الرجلين، فقال عمر: والله لئن أموت خير لي من أن أبايع وفينا أبو بكر ، وهذه الكلمة قالها لـأبي عبيدة، فـأبو بكر فيكم، وتقول: ابسط يدك، إن أبا بكر أفضل هذه الأمة.

    فكان عمر بن الخطاب يضرب مثلاً واقعاً جلياً في التطبيق النبوي لإنزال الناس منازلهم.

    عمر بن الخطاب يفضل بلالاً على أبي سفيان

    إن أبا سفيان بن حرب الذي كان رأس مكة وواليها وأمير تجارة مكة وأموالها، وكانت له الوجاهة العظمى، والمكانة العلياء في مكة لما منَّ الله عليه بالإسلام مع سهيل بن عمرو، استأذنا عمر للدخول فلم يأذن لهما، وبقيا مدة طويلة خارج الباب،فجاء بلال يستأذن أمير المؤمنين في الدخول، وهو العبد الأسود الحبشي, فقام عمر بن الخطاب متهللاً، وأدخله قبل أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو, فغضب أبو سفيان وقال لـسهيل: العبد الحبشي يتقدم علينا! في الدخول.

    فقال سهيل معلماً لـأبي سفيان بن حرب: سارع إلى ربه، أو تقدم إلى ربه، أو سبقنا إلى ربه، فجعله الله يسبقنا عند العباد. أي: أنه سبق في الآخرة فسبق أيضاً في الدنيا, فبين عمر بن الخطاب أن هذا الدين له هدي وطرق وأصول لا بد أن لا نتعداها. فـبلال سجد لله جل وعلا قبل أن يسجد أي كافر من هؤلاء، بعدما من الله عليهم بالإسلام, ولقي شدة وعذاباً شديداً في الله وهو يقول: أحد أحد، فضرب لنا مثلاً رائعاً في الأخذ بالعزيمة، مع أن عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه أخذ بالرخصة، وتكلم في رسول الله، وأبى بلال على نفسه ذلك، واشتد العذاب عليه، ولم ينثني عن عقيدته رضي الله عنه وأرضاه, فتكلم عمر بن الخطاب بكلمة عظيمة تكتب على الصدور بماء الذهب، وقال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا أي: أعتق بلالاً رضي الله عنه وأرضاه.

    فهؤلاء القوم لما رضخوا لأوامر الله, وطبقوا الهدي النبوي, وأخذوا شريعة الله بحذافيرها نزع الله جل وعلا عنهم الذلة والمهانة، وجعل السيادة والقيادة والريادة في ربوع الأرض .. مشارقها ومغاربها، وفي مدة وجيزة من الزمن في أيدي هذا الرعيل الذكي النقي.

    علي بن أبي طالب يفضل أبا بكر وعمر على الأمة

    إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه كان ابن عم رسول الله، وكان يتربع على مائدة رسول الله، ولم يتخلى عن هذا الخلق الكريم, فكان يبين للناس مكانة الأفاضل الأكارم الأماجد، فبعد أن سمع أهل الكوفة يقولون: أفضل هذه الأمة بعد النبي هو علي بن أبي طالب وهو أحق الناس بالخلافة، وإنما سرق أبو بكر الخلافة وكذلك عمر, قام خطيباً في الناس معلناً بصراحة مكانة هؤلاء الأفاضل الذين قال الله جل وعلا فيهم: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26] ومدح هؤلاء الذين سارعوا إلى الله جل وعلا فأسرع الله بهم إلى كل خير, فقال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ومن فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري, يعني: ثمانين جلدة, فهو كذاب مفتر؛ لأن أبا بكر هو أفضل هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم, وعمر أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    فعرف هؤلاء القوم لكل صاحب فضل فضله، وأنزلوا الناس منازلهم، فأنزلهم الله خير المنازل في الدنيا، وهم في الآخرة رفقاء النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى.

    نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يحذو حذوهم، ويسير على دربهم, حتى نلتقي بهم في الفردوس الأعلى.

    أبو موسى الأشعري ينزل عبد الله بن مسعود منزلته

    إن أبا موسى الأشعري عندما كان في الكوفة وكان أميراً عليها كان معه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)، فجاء أناس وسألوا أبا موسى الأشعري فقالوا: مات رجل عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال أبو موسى الأشعري : للبنت النصف وللأخت الباقي ولا شيء لبنت الابن، فذهبوا إلى ابن مسعود فسألوه عن المسألة، وأخبروه بما قال فيها أبو موسى، فقال -كلمة أشد ما تكون-: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، لو قلت بخلاف السنة. للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وللأخت الباقي.

    فقيل لـأبي موسى ما قاله ابن مسعود، فقال: كيف تسألونني وفيكم هذا الحبر؟ فـأبو موسى يبين في ذلك مكانة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

    أيضاً أبو موسى خرج على قومه فوجدهم يتحلقون حلقاً ويذكرون الله، ويسبحون بالحصى، فيكبرون مائة ويهللون مائة, فأنكر أبو موسى الأشعري عليهم في نفسه، وذهب إلى ابن مسعود فقال: رأيت اليوم أمراً جللاً؟ أو أمراً عظيماً أنكره قلبي, وذكر له ما يفعلون، فذهب ابن مسعود إليهم متصنعاً بثيابه، وجلس في حلقة الذكر، ثم قام من بينهم فقال: أنا ابن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال لهم: عدوا سيئاتكم وأنا أضمن لكم حسناتكم؛ إنكم على ملة أهدى من ملة رسول الله، أو إنكم مفتتحوا باب ضلالة. فنهى الناس أن يجتمعوا للذكر بمثل هذه الحلق، فإنها بدعة مميتة، وبين مكانته وأنه صاحب من أصحاب رسول الله فأنزلوه الناس منزلته, وسمعوا له وأطاعوا.

    نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن ينزل الناس منازلهم ويطبق هذا الهدي النبوي, فالعلماء أيضاً علموا هذا الهدي النبوي، وطبقوه تطبيقاً عظيماً جليلاً ولذلك رفعهم الله.

    هارون الرشيد ينزل مالك بن أنس منزلته

    كان هارون الرشيد من الأمراء والحكام الذين فتح الله على أيديهم كثيراً من البلاد, وعندما كان يدخل عليه مالك بن أنس كان يقوم مرتعداً هيبةً له، وهو أمير المؤمنين له أن يسجنه أو يعذبه، أو أن يفعل به ما يشاء، ومالك عليه السمع والطاعة؛ لأنه ولي أمر.

    تعظيم الإمام مالك للشافعي

    كان مالك يعظم أهل العلم كثيراً, وكان الشافعي وهو في حداثة سنه أول ما جلس مع مالك يستمع منه الحديث, وكانت القراءة على الشيخ عند مالك أولى من قراءة الشيخ على الطلبة -وهذه مسألة حديثية في علم المصطلح- وكان يقرأ عليه الحديث والشافعي يأخذ بأصبعه ويضعه على فيه ثم يضعها على يده, وكان مالك له وقار عظيم، حتى قال عنه المترجمون: إن مالك كان إذا دخل على طلبة العلم فكأن على رءوسهم الطير من هيبته رحمه الله، فالله جل وعلا زرع له في قلوب الطلبة الهيبة؛ لأنه وقر وعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرع الله جل وعلا، فكان يقول: ما مشيت في المدينة إلا حافياً توقيراً واحتراماً لصاحب هذا القبر أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان لا يجلس في مجلس التحديث إلا متعطراً مغتسلاً وقد استاك هيبةً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم, ولذلك زرع الله الهيبة في قلوب طلبة العلم لهذا الشيخ الجليل العالم العظيم.

    ولما نظر إلى الشافعي وهو يعبث بإصبعه غضب منه احتراماً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن مالكاً نفسه قال: فاتني فوق العشرين حديثاً؛ لأنني كنت قائماً فلم أكتب حديثاً واحداً احتراماً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن مجلس التحديث كان مملوءاً بطلبة الحديث، وكان مالك يستمع من الزهري ولم يجد مكاناً يجلس فيه، فبقي قائماً يستمع الحديث وما كتب حديثاً واحداً، ولما سئل في ذلك قال: استحييت أن أكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم قائماً, فلا بد أن أجلس احتراماً وتوقيراً لحديث النبي.

    ولما رأى الشافعي يصنع ذلك بأصبعه غضب غضباً شديداً هيبة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: مالي أراك سيء الأدب؟ فقال الشافعي : يا إمام وما رأيت من سوء أدبي؟ قال: أتلوا عليكم حديث رسول الله وأنت تلعب بأصبعك، فقال: والله ما كنت ألعب، إني أحفظ حديثك وما عندي ورقة وقلم ومحبرة، فكنت أكتب الأحاديث التي ذكرتها بريقي وبإصبعي على يدي، ثم ذكر كل الأحاديث التي ذكرها الإمام مالك ، فأخذه مالك إلى بيته وقال له: كلمته المشهورة: قد رأيت أن الله جعل لك نوراً فلا تطفئه بالمعاصي.

    فالغرض المقصود أنهم كانوا يعرفون لكل صاحب فضل فضله.

    البخاري ينزل ابن المديني منزلته

    ما دمنا في مجلس طلب العلم وفي مجلس التحديث فلا بد أن نذكر من نوادر طلبة العلم، أو من نوادر العلماء الذين كانوا يقدرون بعضهم بعضاً، فالإمام البخاري جبل الحفظ، وأستاذ العلل في علم الحديث, وصاحب الكتاب الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله جل وعلا وهو صحيح البخاري، ولو أن إنساناً حلف على ذلك لم يحنث؛ لمكانة البخاري التي جعلها الله جل وعلا لهذا الرجل الذي فرغ نفسه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعندما عمي رحمه الله حدثت له كرامة، وذلك أن أمه قنتت وسألت الله كثيراً أن يرد على هذا الطفل بصره، فرد الله عليه بصره, فاستخدمه في حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فـالبخاري بجلالة قدره يجلس في مجلس التحديث ويقول: ما استصغرت نفسي مثل ما استصغرت نفسي عند علي بن المديني.

    و علي بن المديني من طبقة أحمد بن حنبل ، فهو من طبقة شيوخ البخاري.

    فقيل لـعلي بن المديني: إن البخاري يقول كذا وكذا، فقال: دعوكم من قوله، فوالله ما رأى مثل نفسه، أي: ما خلق الله مثل البخاري!

    أحمد بن حنبل ينزل البخاري منزلته

    كان البخاري يجلس في مجلس أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة، الذي سئل عنه يحيى بن معين فقال: أو تسألوني عن أحمد بن حنبل، أحمد إمام أهل السنة، وإمام الدنيا بأسرها.

    فكان البخاري يجلس في مجلس أحمد، ولما أراد الرحيل، قال أحمد : يا محمد أترحل وتتركنا وتترك حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟

    فـأحمد رحمه الله يبين مكانة البخاري رحمه الله ومنزلته بينهم.

    الإمام مسلم ينزل الإمام البخاري منزلته

    إن الإمام مسلماً عالم جليل القدر، فهو صاحب الصحيح الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله وبعد صحيح البخاري كتاب مسلم، بل إن المغاربة يقدمون صحيح مسلم ، على صحيح البخاري .

    و مسلم هو من هو في الحفظ والوعي والدقة في ترتيب الأسانيد، كما بينا في أسانيد مسلم ، فكان يجلس في مجلس البخاري فيقول له: دعني أقبل يدك ورجلك يا أستاذ العلل، والله ما يبغضك إلا حاسد.

    فكل عالم من هؤلاء العلماء كان يعرف قدر العالم الآخر

    الإمامان مالك والشافعي يقدران منزلة الإمام أبي حنيفة

    ظهرت شرذمة من الناس يطعنون في أبي حنيفة فيقولون مثلاً: أبو جيفة, أو يتكلمون عليه بكلمات لا يصح لرجل يطلب العلم ويرجو بطلب العلم رضا الله جل وعلا ووجهه أن يقدح في عالم جليل مثل هذا العالم الذي جعل الله له هذا المذهب العظيم الذي عليه كثير من الناس.

    فـأبو حنيفة قال فيه الشافعي : الفقهاء عيال على أبي حنيفة , وقال فيه مالك : أبو حنيفة أنظر الناس، يعني: أقيس الناس وأعقلهم، فلو ناظر أحداً على أن هذا العمود من ذهب لأقنعه بذلك.

    الإمام أحمد بن حنبل يقدر منزلة الإمام الشافعي

    كان الشافعي يعرف قدر مالك حيث قال: إذا ذكر الحديث فـمالك.

    و أحمد بن حنبل أروع ما يكون في التواضع ومعرفة الفضل لأهل الفضل، فكان ينهى الناس عن الشافعي؛ لأنه كان يظن أنه من أصحاب الرأي، فلما سمع عن الشافعي وعرف قوة علمه -بل إنه قد يسمى بناصر السنة- قال: فخرج علينا رجلاً طبيباً صيدلانياً هو الشافعي الناقل للسنة، ثم مشى ذات مرة خلف بغلته، فقالوا له: تنهانا عن الشافعي وتسير خلف البغلة؟! فقال: اسكتوا، والله لو لم يتكلم الشافعي وسرت خلف بغلته لتعلمت منه إما من لسان حاله، وإما من تدبره للمسائل.

    ومن ذلك حديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟)، فقد قضى الشافعي ليلته يفكر في هذا الحديث ويستنبط منه مسائل العلم.

    الغرض المقصود أنهم كانوا يعرفوا للعلماء قدرهم، فلم يرتقوا إلا بهم، وعلموا أن النصر لا يأتي إلا من قبلهم؛ لأن سهم الليل لا يخطئ, والسهام والرماح الأخرى يمكن أن تخطئ، لذلك عرفوا للعلماء قدرهم وأنزلوهم منزلتهم, حتى إن بعض المفسرين قال في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] قال: هم العلماء ثم الأمراء, لأن الأمراء هم أولي الأمر على العامة، والعلماء هم أولي الأمر على الأمراء.

    فلا بد من إنزال الناس منازلهم حتى ترتقي هذه الأمة.

    والكلام عن العلماء كثير, لكني أردت فقط أن أذكر بأن إنزال الناس منازلهم ترتقي به الأمة، وهو الذي يثمر وينبت, وألمح بذلك أن أفضل الناس هم طلبة العلم, وهم على الجادة في الطريق, وقد اصطفاهم الله بفضله من بين الخلق أجمعين؛ لينظروا في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويجعلكم الله جل وعلا بعد ذلك واسطة بين الخالق والمخلوق، فعضوا على ذلك بالنواجذ.

    أسأل الله جل في وعلاه أن يجمعنا جميعاً في رضاه، ويجعلنا ممن يسيرون على درب أهل العلم؛ حتى نصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفوز بهذا الحديث العظيم : (إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.