إسلام ويب

أحكام الصيامللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصيام أحكام كثيرة بينها العلماء بأدلتها من الكتاب والسنة، ومن ذلك: معرفة دخول شهر الصيام، وبيان المفطرات، وحكم الكبير والمريض العاجز عن الصوم، وحكم فطر الحامل والمرضع، وحكم صوم المسافر، وبيان كفارة من جامع أهله في نهار رمضان، وغير ذلك من المسائل التي ينبغي على كل مسلم أن يعلمها.

    1.   

    خصائص شهر رمضان وبركاته

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإن شهر رمضان شهر مبارك كما روى الطبراني بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاكم شهر رمضان, شهر مبارك)، فهو شهر كله بركة، تتنزل فيه الرحمات، وتستجاب فيه الدعوات، وتكثر فيه البركات, وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يدعون الله قبل رمضان بستة أشهر أن يبلغهم رمضان, فإذا اجتهدوا في العبادة وجدوا وتعبدوا لله جل وعلا دعوا ستة أشهر أن يقبل الله منهم هذه العبادة في هذا الشهر الكريم!

    ومن بركات هذا الشهر: أنه تصفد فيه مردة الشياطين، وليس كل الشياطين, وتغلق أبواب النيران, وتفتح أبواب الجنات, وتعتق النسمات, فهو شهر مبارك كريم.

    وهذا الشهر فيه عبادة جليلة جداً وهي: الصوم, وهو: الامتناع من الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    ومن فضل هذه العبادة: أن الله جل وعلا قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فهذه دلالة على فضل هذه العبادة الجليلة, وقد جاء في حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام لا عدل له) أي: لا يعدل الصيام شيء.

    ومن بركة هذا الشهر الكريم: الصوم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، ووفي رواية فيها زيادة: (وما تأخر)، ومن بركة هذا الشهر: أن فيه ليلة هي خير من ألف شهر, والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر, ألا وهي: ليلة القدر, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنب) .

    أيضاً من بركة هذا الشهر: أن العمرة فيه تعدل حجة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عمرة في رمضان كحجة معي) .

    ومن بركة هذا الشهر: كثرة التلاوة والتدبر في كتاب الله جل وعلا، قال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24], وهذا الشهر هو شهر القرآن كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، قال الشافعي: ما نزلت من نازلة في هذه الدنيا إلا وفي كتاب الله حلها, علمها من علمها وجهلها من جهلها, قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، و(كل): لفظ من ألفاظ العموم, يعني: فكل شيء حله موجود في القرآن إما بالإجمال وإما بالتفصيل وإما بالإحالة على من يغوص في معانيه من أهل العلم.

    وهذا الشهر هو شهر تدبر القرآن, وقد كان الشافعي يختم القرآن في هذا الشهر في اليوم مرتين, يعني: فيقرأ ستين ختمة في شهر رمضان, وكثير من السلف كانوا في رمضان يقبلون على القرآن ويتركون مجالس العلم, فقد كان مالك يترك الموطأ ويترك الأحاديث وينشغل في شهر رمضان بالقرآن.

    وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن, فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) .

    وأيضاً من بركات هذا الشهر: كثرة الصدقات في هذا الشهر الكريم, وبعض الأغنياء يؤخرون إخراج الزكاة بعدما يحول على أموالهم الحول إلى رمضان, وهذه إساءة يأثمون عليها، فالواجب إخراجها بعد تمام الحول، ولا يؤخرونها إلى رمضان، وإن كانت الصدقات تعظم عند الله جل وعلا في هذا الشهر الكريم, فينبغي الإكثار فيه من الصدقات النافلة، فهو شهر مبارك, شهر كريم, وعلى كل امرئ أن يستعد له, ويهيئ نفسه أن يعبد الله فيه بالجد والاجتهاد.

    والصوم لغة: الإمساك مطلقاً, قال الله تعالى حاكياً عن مريم رضوان الله عليها قالت: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26]، أي: إمساكاً عن الكلام. وفي الشرع هو: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص, أو بالمعنى الأوضح هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    1.   

    وجوب النية في الصوم

    والصوم عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى نية، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات)، فقبول الأعمال عند الله جل وعلا بالنيات, فيفتقر الصوم إلى النية.

    والكلام على النية من وجهين:

    الوجه الأول: النية بمعنى الإخلاص, فما من عمل يقبل عند الله جل وعلا إلا بالإخلاص، قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

    الوجه الثاني: بمعنى أن العبادة تفتقر إلى نية، فلابد من تبييت النية بالصوم في كل ليلة، على خلاف بين العلماء كما سنبينه.

    جاء في السنن عن ابن عمر وعن حفصة موقوفاً وعن عائشة متصلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له)، والنفي يعود على القبول، لا على الكمال، ولا على الوجود، يعني: أن الصيام غير مقبول عند الله جل وعلا حتى يبيت له النية من الليل على خلاف بين العلماء، فالجمهور من المالكية, والشافعية, والحنابلة, أنه لابد من تبييت النية من الليل، أما الأحناف فقالوا: للمرء أن ينوي الصيام من قبل الزوال, مثلاً: نام رجل من الليل واستيقظ صباحاً قبل الزوال في رمضان، فالأحناف قالوا: يتم صومه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، والرد عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له)، وهذا صريح من قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه لابد من تبييت النية من الليل.

    واختلف الجمهور فيما بينهم: هل تبييت النية بالصيام يلزم في كل ليلة من رمضان، أم تكفي نية واحدة من أول الشهر؟

    فالشافعية والحنابلة قالوا: لابد من تبيبت النية كل ليلة؛ لأن الحديث صريح: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له)، فهو على الإطلاق.

    والمالكية قالوا: نحن نستدل بهذا الحديث أنه على الإطلاق، فتكفي النية مرة واحدة، فإن الأصل في الأمر عدم التكرار إلا أن تأتي قرينة تدل على التكرار.

    والصحيح الراجح والأحوط: أن يبيت النية في كل ليلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبيت النية)، ونظرنا إلى العبادة التي قال فيها ذلك, فوجدناها كل يوم عبادة مستقلة بذاتها, فلابد من تبييت النية لكل يوم.

    إذاً: لابد لكل امرئ أن يبيت النية من الليل, فمن لم يبيت النية من الليل ونام حتى استيقظ بعد طلوع الفجر وصام فلا صيام له, لكن يجب عليه الإمساك وعليه قضاء هذا اليوم.

    1.   

    معرفة دخول شهر رمضان

    وشرط وجوب الصوم: هو دخول هذا الشهر, وكيف يعرف دخول هذا الشهر؟

    بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم حالتين يدخل بهما الشهر:

    الأولى: أن يرى الهلال، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهذه الرؤية بالعين المجردة، ويشترط فيمن يرى الهلال: أن يكون عدلاً، فيصوم الناس برؤيته, كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: (تراءى الناس الهلال فرأيته فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فصام وأمر الناس بالصيام)، وهذه العدالة التي نشترطها في الرجل الذي يرى الهلال هي: العدالة الظاهرة لا الباطنة، يعني: أن يكون أمام الناس يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات، فهذه العدالة الظاهرة, ودليل ذلك حديث في السنن (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! إني رأيت الهلال, فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـبلال: قم فأذن في الناس بالصيام) .

    وإذا قلنا: رؤية الهلال بالعين المجردة يخرج بذلك الحسابات الفلكية, والحسابات الفلكية للصيام من أشد البدع في الدين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يجوز لمن كان عالماً بمنازل القمر أن يعتمد الحساب الفلكي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الصوم على رؤيته بالعين المجردة، فالحساب الفلكي بدعة، لابد للمرء أن يجتنبها، وليس لها اعتبار بالنسبة للشرع.

    الحالة الثانية: اكتمال الشهر, فإذا لم نر الهلال فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الحالة الثانية لدخول الشهر هي: إكمال عدة شعبان, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته, فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً).

    حكم اختلاف المطالع

    وقد اختلف العلماء في اعتبار اختلاف المطالع, فالجمهور يقولون بعدم اختلاف المطالع, يعني: لو رئي الهلال في بلد من بلاد المسلمين وجب على كل المسلمين الصيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، ووجه الدلالة: أن هذا أمر لجميع المسلمين, ولم يقيده بقيد, وهذا يتناسب مع عصرنا، ويسلم له الجميع، لكن إن نظرت فقهياً وجدت أن هذا القول ليس براجح, والراجح: هو اعتبار اختلاف المطالع, فكل بلد لها هلالها, فعندما ترى الهلال تصوم, وهذا القول أصوب, والخلاف فيه خلاف سعة ورحمة, فمن عمل بهذا القول أو بهذا القول فلا إنكار عليه.

    والشافعية يقولون باختلاف المطالع، ويجعلون لكل بلد رؤية، ويستدلون بحديث كريب أنه ذهب إلى معاوية في الشام فرأى معاوية الهلال ليلة الجمعة، ثم رجع كريب بعدما انتهى من مهمته إلى المدينة فقابل ابن عباس فقال: رأيتم الهلال؟ قال: نعم، رأينا الهلال ليلة الجمعة فصمنا وصام معاوية, فقال ابن عباس: أما نحن فقد رأيناه ليلة السبت, وما زلنا نصوم حتى نراه أو نكمل الشهر, فقال له: ألا تتبع معاوية ؟ فقال له ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا يجعل الحديث مرفوعاً حكماً للنبي صلى الله عليه وسلم, لأنه قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث يعتبر من المخصصات لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، فيكون معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته) أي: يا أهل البلد! إذا رأيتم الهلال فصوموا لرؤيته.

    والشافعية أيضاً قالوا: البلدان اللذان في نفس القطر أو بينهما أقل من مسافة القصر رؤيتهم واحدة، وهذا هو الأفقه والأرجح فقهياً, لكننا نقول بقول الجمهور حتى تسلم الأمة من التشتت والتشرذم الذي هي فيه: وهو عدم اختلاف المطالع, فأي بلدة رأت الهلال لزم الجميع أن يصوم.

    1.   

    حكم الكبير العاجز عن الصوم

    وصوم الكبير أو الشيخ الهرم الأصل فيه قول الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، وقد اختلف الفقهاء في حكمه على قولين:

    القول الأول: قول المالكية: ليس عليه صوم ولا كفارة، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286], وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وهذا الشيخ الكبير الهرم لا يستطيع الصوم فيسقط عنه الفرض.

    القول الثاني: قول جمهور أهل العلم: أن الكبير يفطر وعليه فدية عن كل يوم يطعم مسكيناً, قال سلمة بن الأكوع في هذه الآية: هذا منسوخ, وقد كان المرء يخير بين أن يصوم أو يطعم, فنسخت بقول الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وقال ابن عباس : هي لم تنسخ، بل هي باقية على الشيخ الكبير الهرم, يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً, وكان أنس رضي الله عنه وأرضاه بعدما كبر سنه يجمع ثلاثين مسكيناً ويطعمهم.

    والصحيح: أن الكبير الهرم يطعم عن كل يوم مسكيناً، والمالكية يقولون: لا يطعم ولا يصوم, فقد سقط الفرض عنه, وشيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً ما يتأثر بأصول مالك , فمثلاً يقول: إن لم يستطع المريض أن يصلي قائماً فليصل قاعداً, فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً فليصل على جنب, فإن لم يستطع سقطت عنه الصلاة, جرياً على أصول مالك , فهو كثيراً ما يتبع أصول مالك ويرجحها, وتكون رواية لـأحمد تابعة لأصول مالك , وفي كتاب البيوع ترى ترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً متأثرة بأصول مالك .

    والجواب عن المالكية أن نقول في قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] إننا نقول بذلك، فالشيخ الكبير تسعه الفدية، وأيضاً نقول: الصوم هو أصل الفرض، لكن على الكبير ليس بأصل الفرض, فأصل الفرض على الكبير هو: الإطعام لا الصوم على خلاف فقهي مشهور، لكن هذا هو الراجح الصحيح, فتسقط عنه المطالبة إذا أطعم عن كل يوم مسكيناً.

    1.   

    حكم المريض العاجز عن الصوم

    والمرض مرضان: مرض يرجى برؤه, ومرض لا يرجى برؤه, والأصل في جواز إفطار المريض قول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184]تقدير الآية: (فأفطر) فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، يقضيها.

    فالمريض مرضاً لا يرجى برؤه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ويلحق بالكبير العاجز.

    والمريض مرضاً يرجى برؤه يفطر ثم يقضي.

    واختلف العلماء في حد المرض الذي يرخص فيه الفطر, فـداود الظاهري وابن المسيب يجيزان الفطر من ألم الضرس وألم الأصبع، وجمهور أهل العلم يقولون: العبادة لابد فيها من مشقة يتحملها, والمرض الذي يرخص فيه الفطر لابد أن يكون مرضاً, بحيث إذا صام المرء مع هذا المرض لم يتحمل المشقة, أو أن المشقة تتعبه أو تزيد من مرضه.

    وأسعد الناس بالدليل: هم أهل الظاهر؛ لقول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] فقوله: (مريضاً), على الإطلاق، فالصحيح: أن أي مرض يصاب به المرء حتى وإن كان ألم الضرس فله الرخصة في الفطر.

    1.   

    حكم الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان

    والمرأة الحامل والمرضع هل يلحقان بالشيخ الكبير أم يلحقان بالمريض الذي يرجى برؤه؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والأصل في هذا يدور على قول ابن عباس وابن عمر: الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على أنفسهما أو خوفاً على ولديهما فعليهما أن يطعما عن كل يوم مسكيناً, وتعلق بهذا المالكية وقالوا: المرأة الحامل أو المرضع تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً, ولا قضاء عليها, وقال جمهور أهل العلم: حكمهما فيه تفصيل:

    فإن أفطرتا من أجل أنفسهما فإنهما يقضيان فقط, وإن أفطرتا من أجل الرضيع أو الجنين فعليهما القضاء مع الفدية.

    وبيان ذلك: أنها لو أفطرت من أجل غيرها لم يتعلق الأمر بها، فعليها الفدية قياساً على من أفطر لينقذ الغريق, فهو سيفطر من أجل غيره, فالعلماء قالوا: يرخص له بالفطر, بل يجب عليه؛ لأنه سينقذ نفساً، حتى وإن كان الغريق من العجماوات المحترمة، فله أن يفطر وينزل في الماء لينقذها.

    وهذا الرجل يكون عليه القضاء فقط, فإن أفطر لغيره فعليه القضاء مع الفدية, فالمرأة إذا أفطرت من أجل الولد أو من أجل الجنين لا خوفاً على نفسها فالعلة خارجة عنها، وعليها الصوم قضاء، وعليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً, ولكن لو خافت على نفسها فعليها القضاء فقط, وهذه المسألة محل نظر، وليس فيها دليل قاطع، فإما أن تأخذ بقول الجمهور، وهو أنها تفطر وتفدي، أو أنها تطعم فقط ولا تقضي, وهذا قد رجحه فضلاء من العلماء والله أعلم.

    1.   

    صوم المسافر

    أما المسافر فله الرخصة في أن يفطر، لقول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184]، واختلف العلماء في الفطر في السفر: هل هو واجب أو رخصة مباحة, أو هو مستحب, أو هو خلاف الأولى؟ على أقوال.

    القول الأول: قول الشافعية: يستحب الصوم في السفر، والفطر خلاف الأولى، واستدلوا على ذلك بأن سرعة إبراء الذمة أولى بالمرء, والمرء مع الجماعة يتشجع في أمر العبادة, وأيضاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر, بل صام عبد الله بن رواحة والنبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر, قال الصحابي: (ما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة).

    القول الثاني: قول الحنابلة: يستحب له أن يفطر, واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه).

    القول الثالث: وهو أعدل الأقوال، وهو قول عمر بن عبد العزيز : أفضله أيسره, يعني: إن كان الأيسر على المسافر الفطر فليفطر, وإن كان الأيسر عليه الصوم فليصم, ويستدل لهم بقول الله جل وعلا: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] .

    القول الرابع: قول الظاهرية, وهو رواية عن أحمد ، وهو ترجيح الشيخ الألباني رحمه الله: أنه يجب على المسافر الفطر، ولا يجوز له الصوم, واستدل على ذلك بأدلة كثيرة أوضحها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ذهب المفطرون اليوم بالأج)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر) يبين أنه يحرم على المرء أن يصوم؛ ولهذا قال داود الظاهري : لو صام المسافر لم يصح منه الصوم وعليه القضاء, يعني: يأثم وعليه القضاء.

    والراجح من ذلك: هو قول الجمهور، وهو إما جواز الفطر في السفر أو استحبابه، والأدلة على ذلك كثيرة, منها حديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إني كثير السفر أفأصوم في السفر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت فصم, وإن شئت فأفط) فهذه دلالة ظاهرة جداً وصريحة على إباحة الفطر في السفر.

    ومما يدل أيضاً على جواز الفطر في السفر: حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر, فلم يعب هذا على ذاك, ولا هذا على ذاك).

    وأيضاً حديث: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) ففيه دلالة: على أن هناك أناساً غير مفطرين, فهذه أدلة تدل على جواز الصوم والفطر في السفر من قول النبي صلى الله عليه وسلم ومن أمره ومن فعل النبي صلى الله عليه وسلم, وتدل على قوة مذهب الجمهور.

    ولابد من الرد على المخالف فنقول: إن عمدة ما استدلوا به: هو حديث: (ليس من البر الصيام في السفر)، وهذا الحديث هو واقعة عين, ووقائع الأعيان لا عموم لها, يعني: أنما حالة خاصة بحالة معينة، ووقائع الأعيان لا تعمم, بل تعرف بالقرائن، فننظر مثلاً إلى السياق, وإن كان السياق ليس من المخصصات, بل هو من المقيدات, فالنبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل ملقى على الأرض, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما هذا؟ فقالوا: يا رسول الله! صائم، وكان في سفر, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس من البر الصيام في السفر)، فالسياق يوضح سبب إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا، فالرجل كان ملقى على الأرض من الصوم، فقال: (ليس من البر الصيام في السفر) بمعنى: ليس من البر على هذه الحالة أن يصوم المرء وقد يهلك نفسه, والله جل وعلا يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، ولذلك يجوز للرجل أن يتيمم والماء موجود لبرودة الماء إن خاف على نفسه الضرر، كما في قصة عمرو بن العاص، فليس من البر الصيام في السفر الذي يفضي بالمرء إلى الموت. والذي دلنا على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، فالنبي صلى الله عليه وسلم صام وأمر بالصيام, بل وخير في الصيام, والنبي صلى الله عليه وسلم لا يخير في أمر ليس فيه بر, فهذه قرينة توضح أن هذا الحديث واقعة عين, ووقائع الأعيان لا تعمم, ونحن ندور مع الشرع حيث دار, فنقول بقوله: (ليس من البر الصيام في السفر) لمن لا يطيق ذلك, بل يحرم على المرء الذي لا يطيق الصوم في السفر أن يصوم, فنحن نقول بهذا الحديث في دائرته فقط ولا نعمم المسألة.

    أما الحديث الثاني: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)، وجه الشاهد عند الظاهرية: أن المفطرين ذهبوا بكل الأجر, والذي لم يفطر لم يأخذ أجراً, هذا وجه استدلالهم، فالرد عليهم أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صام وعبد الله بن رواحة في شدة الحر, والنبي صلى الله عليه وسلم لا يفعل أمراً لا يؤجر عليه، ولن يرشد أصحابه رضوان الله عليهم أن يصوموا في السفر ولا أجر لهم, فهذه أدلة من الخارج تبين لنا أن معنى (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) يعني: الأجر الأكبر كان لهم؛ لأن الدال على الخير كفاعله, والذي ييسر على معسر له الأجر, فهؤلاء انشغلوا بتحضير الطعام للصائمين، وبتحضير الرحال ونصب الخيم, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من فطر صائماً كان له مثل أجره)، فمعنى الحديث: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) يعني: بأكثر الأجر.

    حكم جماع من أتى من سفره نهاراً لامرأته التي طهرت من الحيض

    مسألة: الرجل إذا سافر وترخص بالرخصة فأفطر, ثم رجع إلى بلده في النهار, فرأى امرأته قد طهرت من الحيض, فهل له أن يجامعها أم ليس له أن يجامعها؟

    المذهب الصحيح الراجح: أن المسافر إذا دخل على امرأته ووجدها قد طهرت من الحيض وهو قد ترخص بالفطر في السفر فله أن يجامعها, وليس هذا انتهاكاً لحرمة اليوم, وعليه قضاء هذا اليوم بلا كفارة، وهذا ما رجحه ابن عثيمين

    1.   

    حكم صوم الجنب

    و

    إذا أصبح المرء جنباً فله أن يصوم, وكثير من الناس يحسب أنه لو قام جنباً فلا صوم له, وهذا هو مذهب أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والصحيح الراجح: أن له أن يصوم، لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله يصبح جنباً فيصوم)، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله! إني أصبح جنباً وأريد أن أغتسل وأريد أن أصوم, فهل لي أن أصوم؟ فقال رسول الله (وأنا أصبح جنباً فأغتسل وأصو)، فالمرء إذا أصبح جنباً فله أن يصوم وليس عليه شيء.

    1.   

    المفطرات

    الأكل والشرب

    ومفطرات الصيام كثيرة: الأكل والشرب, فإذا أكل المرء أو شرب أفطر بذلك، لقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، أما إن كان عامداً اختلف العلماء فيه على أقوال ثلاثة أرجحها: أن عليه أن يستغفر الله جل وعلا ويقضي يوماً.

    وإذا أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه، والإمام مالك يخالف الجمهور في هذا، والجمهور يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وقوله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، وفي الحديث القدسي: (قال: قد فعلت, قد فعلت)، والإمام مالك وجه الحديث بقوله: رفع عنهم الإثم ولكن يجب عليهم القضاء, واعتمد على قاعدة قعدها العلماء, وهي: كل مطلوب لا يسقط بالنسيان وإن رفع الإثم فيه, وكل منهي عنه يسقط بالنسيان ويرفع عنه الإثم.

    فمثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكلام في الصلاة، ومع ذلك تكلم رجل, ففعل منهياً عنه, فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم أخذه فعلمه أن الصلاة لا يصح فيها كلام الناس، ولم يأمره بالإعادة, فصحت الصلاة مع فعله منهياً عنه, ورفع عنه الإثم ولم يطالب بشيء.

    أما في الواجبات: فإذا نسي المرء الركوع في الركعة, فلا تصح ركعته، ويرفع عنه الإثم, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، لكن لابد عليه أن يأتي بالركوع لتصح الركعة, فهذا هو الذي ارتكز عليه الإمام مالك ، فقال: رفع عنه الإثم لكن عليه القضاء, ونحن نقول: هذه القاعدة تسقط أمام صريح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه فإنما أطعمه الله وسقاه)، وهذا نص صريح في محل النزاع.

    القيء عمداً

    المفطر الثاني: القيء عمداً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء).

    الحجامة

    المفطر الثالث: الحجامة، وقد اختلف فيه العلماء, فالإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية رجحا: أن المحتجم يفطر، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم)، وهذا الحديث جل أسانيده ضعيفة, لكن احتج به الإمام أحمد، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية بالأثر وبالنظر, أما بالأثر فهذا الحديث، وأما النظر فقال: أما المحجوم فإنه يضعف جداً بالحجامة، فلا يستطيع أن يكمل الصيام, وأما الذي يحجمه فلا يبعد أنه إذا سحب الدم يدخل في فمه شيء من دمه، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم).

    والصحيح الراجح: قول الجمهور، وقد قال الشافعي: هذا الحديث منسوخ بحديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: (كان جعفر بن أبي طالب يحتجم, فمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر الحاجم والمحجوم)، وفي نفس الحديث قال: (ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة, وكان أنس يحتجم وهو صائم)، وعن ابن عباس بأسانيد صحيحة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)، فثبت أن الحجامة لا تفطر, لكنها تكره لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها للإبقاء على صحابته, لأنه عندما يسحب الدم من الصائم يضعف جداً، فقد لا يستطيع أن يكمل صومه, فتكره الحجامة للصائم، وقد تحرم على المرء الذي لا يستطيع أن يكمل صومه بعد الحجامة.

    إذاً: فالصحيح الراجح: أن الحاجم والمحجوم إذا لم يتأثرا بالحجامة فصيامهما صحيح.

    الجماع

    1.   

    حكم مباشرة الصائم لزوجته دون الجماع

    ويباح للصائم أن يباشر امرأته وهو صائم؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه وهو صائم) لكنما قيدت الأمر فقالت: (وكان أملككم لإربه)، فنحن نقول: ندور مع الشرع حيث دار, فالذي يملك نفسه ويأمن أن تثور شهوته فيجامع امرأته فهذا له أن يباشرها في نهار رمضان، وإلا فلا يحل له أن يقترب منها.

    جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أقبل امرأتي في نهار رمضان؟ قال: قبلها, وجاء آخر فقال: أقبل امرأتي في نهار رمضان؟ قال: لا)، وكان الذي أباح له النبي صلى الله عليه وسلم شيخاً كبيراً, والآخر كان شاباً, فالمسألة كلها تدور على ثوران الشهوة.

    فالذي يملك نفسه له أن يباشر امرأته فيضمها ويقبلها ولا يفطر إلا إذا أنزل, فإذا باشر الرجل امرأته فأنزل المني يفطر, والشيخ الألباني يقول: لا يفطر، وهذا قول ضعيف جداً، وهو يستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر امرأته وهو صائم، والمباشرة مدعاة للشهوة، فهي وسيلة مباحة، ومن قواعد الشرع الكلية: الوسائل لها أحكام المقاصد, فالمباشرة وسيلة في ثوران الشهوة، فلو أنزل لا يفطر، والرد على هذا أن نقول: قالت عائشة رضي الله عنها: (وأيكم يملك إربه)، وفي الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، وهذا لم يترك شهوته، فعليه أن يقضي مكان هذا اليوم.

    حكم من باشر زوجته وهو صائم فأمذى

    ولو باشر الصائم امرأته فأمذى فالصحيح الراجح أنه لا يفطر بذلك، وليس عليه القضاء.

    والأصل: أن المذي يخالف المني؛ لأنه أقرب إلى البول منه إلى المني, فحكم المذي: الوضوء, وحكم المني: الغسل, فهذا فارق, فيكون قياس المذي على المني قياس مع الفارق.

    ومن نظر إلى امرأة عارية, أو نظر إلى امرأة في الشارع، وكرر النظر إليها فاشتدت شهوته فأنزل, فالصحيح الراجح أنه لا يفطر, وليس عليه قضاء.

    1.   

    عدم صحة عموم قاعدة: كل ما دخل الجوف يفطر

    قعد الفقهاء قاعدة وهي: كل ما دخل الجوف فهو يفطر الصائم؛ ولذلك يقولون: إن أي شيء دخل في الإحليل أو في الدبر يفطر, حتى قال بعض الشافعية: من استنجى فأدخل إصبعه في دبره فقد أفطر, والمرأة عندما تستنجي إذا أدخلت أصبعها في الفرج تفطر، والإمام النووي في المجموع يقول: ولو ضرب رجل صائماً بسكين فدخلت في أمعائه أو دخلت في بطنه فقد أفطر, والصحيح الراجح: أن هذه القاعدة ليست على عمومها، ولا دليل عليها، فإن الله أناط الحكم بالطعام والشراب, والمنفذ الذي يدخلان منه: هو الفم، ومثله الأنف, فأي شيء يدخل من الأنف أو الفم فهو الذي يفطر فقط, فمن وضع كحلاً في العين فوجد الطعم في حلقه لا يفطر, أو في الأذن فوجد طعمه لا يفطر, ولا شيء يفطر إلا ما دخل من الفم أو العين.

    والإبر لا تفطر إلا إذا كانت من الإبر المغذية التي تقوم مقام الغذاء؛ لأنها بمعنى الغذاء.

    1.   

    حكم الكفارة على من أفطر بالأكل متعمداً

    من أفطر بالأكل متعمداً فعليه القضاء ولا كفارة عليه، والأحناف والمالكية يقولون: إذا أكل أو شرب عامداً فعليه القضاء والكفارة, وهذا كلام ليس بصحيح.

    1.   

    حكم الكفارة على من جامعها زوجها في رمضان

    يحرم على المرأة أن تمكن زوجها من وطئها في نهار رمضان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وحق الله مقدم على حق الزوج، فإذا أكرهها فجامعها فللعلماء قولان هل تقضي أم لا؟

    والصحيح الراجح: أنها تقضي.

    فإن جعلته يجامعها فالخلاف في مسألة الكفارة, هل الكفارة على الرجل وحده أو على الرجل والمرأة؟ فمن قال: الكفارة على الزوج والزوجة استدل بعموم الحديث، ومن قال: الكفارة على الزوج وحده قال: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فالنبي لم يسأل الرجل الذي جامع امرأته هل طاوعته زوجته أم لا؟ وجعل الكفارة من ماله وليس من مالها، وعلى كلا القولين فهي آثمة بذلك، ولابد أن تستغفر الله جل وعلا, وعليها القضاء؛ لأنها قد أفطرت عامدة, وقال بعض العلماء: لو صامت الدهر كله لم يكفها, فليس عليها قضاء، والصحيح الراجح: أن عليها القضاء.

    1.   

    حكم تبييت النية من أول الليل

    والصحيح أن النية إذا بيتها المرء قبل ثلث الليل الآخر أو بعده فصومه صحيح، بل إذا بيت النية من أول الليل صح ذلك الصوم.

    1.   

    حكم صيام تارك الصلاة

    ومن يصوم ولا يصلي لا يصح صومه، فتارك الصلاة كافر, ومن شروط الصيام: الإسلام.

    نسأل الله أن يثبتنا على الحق, وأن يعلمنا علماً نعمل به، ونرتقي به عند ربنا.