إسلام ويب

الصدق مع اللهللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط (لا إله إلا الله) الصدق المنافي للكذب، وقد سخر الله لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ولنصرة دينه رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وحفظوا لنا حوزة هذا الدين المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    نماذج من الرجال الصادقين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي /َلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! يأبى الله إلا أن يكرم أولياءه، ويأبى الله إلا أن يشرف أحبابه، ويأبى الله إلا أن يصدق الصادقين، ويأبى الله إلا أن يحسن إلى من سابق إليه طيلة حياته، ويأبى الله جل في علاه إلا أن يصطفي الأخيار الأفاضل الكرام، الذين باعوا أنفسهم حقاً لربهم جل في علاه، ويأبى الله إلا أن يصطفي هؤلاء إلى مراتب عليا في الدنيا ثم في الآخرة، فأما في الدنيا فالذكرى الحسنة، وهم في الآخرة أحياء في درجة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    إن أسلافنا وعلماءنا الأقدمين كانوا ممن صدقوا الله جل في علاه، فصدقهم الله، فمنهم من سأل الله العلم بصدق، ومنهم من سأل الله الجهاد بصدق، ومنهم من سأل الله الشهادة بصدق، فلما صدقوا ربهم جل في علاه صدقهم الله، وإن الله جل وعلا يغار على مكانات الأكارم أن يدنسها الأسافل، فيأبى الله جل في علاه أن يعطي المكانة العلية إلا لمن أحبه، ومن علم أنه يستحق هذه المكانة، فإن الله جل وعلا نظر في قلوب العباد فعلم من الصادق، ومن المتخاذل، ومن الكاذب، فصدق من صدقه سبحانه.

    أنس بن النضر

    هذا أنس بن النضر يتحسر على تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر ويقول: (هي أول غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولست معه، والله لئن أبقاني الله جل في علاه إلى غزوة أخرى ليرين الله ما أصنع)، فكان صادقاً مع ربه سبحانه، ويعمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (اصدق الله يصدقك)، فلما كان صادقاً أرى الله منه خيراً، ورأى الله منه خيراً، فإن الله سبحانه شهد لهذا الشهيد البطل - أنس بن النضر - في غزوة أحد العظيمة بالصدق، وأنزل فيه آيات بينات قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23].

    فـأنس بن النضر بعدما فر الفارون وتفرق الجمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجده سعد بن معاذ وهو يتقدم إلى العدو فقال: يا أنس ! إلى أين؟ فيقول له أنس : إيه يا سعد ! والله إني لأشم رائحة الجنة دون أحد، فصدق الله فصدقه الله، إن العبد إذا مشى صادقاً مع ربه فإن الله يكشف له ألواح الغيب فيرى منها الجنة وما فيها، ويشتم رائحتها وإن أنس بن النضر واحد من هؤلاء، قال: إيه يا سعد ! والله إني لأشم رائحة الجنة دون أحد، فدخل فقاتل حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه، ما عرف إلا ببنانه، فهم رجال صدقوا الله ما عاهدوه فصدقهم الله.

    الرجل الذي بايع النبي صلى الله عليه وسلم بأن تضرب عنقه

    جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه وحضر معه غزوة من الغزوات، فلما انتصر المسلمون قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم بينهم، فيضرب له بسهم فقال: (والله يا رسول الله! ما بايعتك على هذا، لا على الدرهم ولا على الدينار، قال: فعلى ماذا بايعت؟ قال: بايعتك على أن أغزو في سبيل الله فأضرب ها هنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اصدق الله يصدقك)، فكان صادقاً مع ربه سبحانه، فبلغه الله منازل الشهداء، هذه المنزلة العلية التي يأبى الله جل وعلا أن يعطيها إلا للأخيار الأماجد الأكارم الذين اصطفاهم الله جل وعلا لهذه المنزلة، وقد يشتاق كثير من المؤمنين وتتوق أنفسهم وأرواحهم إليها، حتى إن كثيراً من الصحابة الأخيار كانوا يشتاقون إلى الشهادة شوقاً عجيباً، ومع ذلك يأبى الله جل وعلا عليهم ذلك وإن الله له في ذلك حكم، وهو يصطفي من يشاء لينزله هذه المنزلة، فلما شارك ذلك الرجل مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال وجدوه ملقى أمامهم قتيلاً ينظرون إلى عنقه فرأوه قد ضرب في المكان الذي أشار إليه، فصدق الله حين قال: (ما بايعتك إلا على أن أضرب هاهنا)، وضرب في المكان الذي أراده رضي الله عنه وأرضاه، فصدقه الله.

    عمرو بن الجموح

    وهذا عمرو بن الجموح من أسلافنا المؤمنين الذين صدقوا الله فصدقهم الله، وهذا تشريف وتعظيم وتكريم ليس لأي أحد، فإن الله لا يختم بالصالحات إلا للأكارم الأماجد الذين كشف عن قلوبهم فعلم أنهم من الصادقين، فإن عمرو بن الجموح كان أعرج رضي الله عنه وأرضاه، وقد نزل عذره في كتاب الله سبحانه: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61]، ومع ذلك ذهب يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزل الله عذرك! قال: والله يا رسول الله! والذي نفسي بيده لأطأن بعرجتي هذه في الجنة)، فلما دعا الله أن يرزقه الشهادة بصدق رزقه الله الشهادة.

    قال: (والذي نفسي بيده يا رسول الله! لأطأن بعرجتي هذه في الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبنائه: دعوه لعل الله يرزقه ما يشتهي)، فنزل المعركة فقتل في سبيل الله، ونسأل الله جل وعلا أن يجعله يطأ بعرجته هذه الجنة سليمة نقية.

    ومن هؤلاء الرجال الصادقين مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم رجل ينظر إلى السماء فيرفع يديه يرجو الإجابة من ربه سبحانه وتعالى، وقد امتلأ قلبه صدقاً فيقول: يا رب! ارزقني كافراً جلداً صنديداً غداً يقتلني فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ثم أقوم أمامك فتسألني فيم هذا؟ فأقول: فيك رب، فلما جاء الغد لقيه ذلك الكافر الصنديد فقتله وبقر بطنه، وجدع أنفه.

    ونحن ننتظر بإذن الله على عرصات يوم القيامة وهو يقف أمام ربه بالكرامة العظيمة ويقول: فيك يا رب! فيك يا رب!

    1.   

    أهمية الثبات على الدين

    لقد صدق هؤلاء الله فيما عاهدوا عليه، والله جل وعلا كما بينا في الصفات له غيرة، وغيرة الله أنه لا يعطي فضله لأحد لا يستحقه، ويأبى الله إلا أن يؤتي فضله من يستحقه من الصادقين الذين يطلبون الجنة ونعيمها، وإن ربي جل في علاه حكيم عليم، فيقبض من شاء حيث شاء كيفما يشاء متى يشاء سبحانه وتعالى، وما لنا إلا أن نقول : إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيراً منها، اللهم إنا راضون بما أعطيتنا ومنحتنا ورزقتنا، اللهم اجعلنا لك عباداً خلصاً مخلصين يا رب العالمين!

    إننا متعبدون لله جل وعلا بالكتاب والسنة، فعلينا بالطاعات في محافل الذكر ومجالس العلم، والتذلل لربنا جل في علاه بالسجود والتسبيح والتكبير والتهليل والذكر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس أحد أفضل عند الله من عبد يعمر الإسلام بالذكر والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)، وهذا دأبنا، ووظيفتنا قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    فنسأل الله جل وعلا أن يجمعنا مع نبينا صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، وإن مصيبتنا في نبينا أكبر وأعظم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي رفع راية لا إله إلا الله، ولما راودوه عنها قال: (والذي نفسي بيده لو انفردت سالفتي لا أتركها أبداً)، ونحن كذلك نقول: نعض بالنواجذ على دين ربنا حتى نلقاه على ذلك، ونعوذ بالله من الفتن التي تطرأ على العباد، ونعوذ بالله سبحانه من خاتمة السوء، ونسأله الخاتمة الحسنى فإنه يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، والعبد في أواخر حياته عند سكرات الموت لا يشعر بشيء، ولا يستطيع أن يتلفظ بلا إله إلا الله فنحن ضعفاء عند قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    فمن لهج لسانه بذكر الله سبحانه مات على لا إله إلا الله، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.

    وأختم هذه الكلمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً عسله، قالوا: يا رسول الله! وما عسله؟ قال: يفتح الله عز وجل له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه)، فإذا أحب الله عبداً وفقه لعمل خير ثم ختم له بهذا العمل الخير، نسأل الله جل وعلا أن يختم لنا جميعاً بالأعمال الصالحات، وأن يرضى عنا، وأن يجعلنا جميعاً مع النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى.

    1.   

    أهمية السنة النبوية وعلاقتها بالقرآن

    أيها الإخوة المؤمنون! إن علم الحديث أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مواكب لعلم القرآن، وعلم القرآن فنه وأصله هو علم الحديث الذي فيه بيان القرآن، وشرف علم الحديث يعرف من قول الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44].

    قال مكحول : إن القرآن أحوج ما يكون إلى السنة، والسنة لا تحتاج إلى القرآن. أي: لأن في القرآن مجملات وعمومات ومشكلات يصعب بيانها وتفسيرها، ويصعب تخصيص عمومها، وتقييد مطلقها، فجاءت السنة تبين ذلك.

    موافقة السنة للقرآن الكريم

    السنة شقيقة الكتاب وصنوه، وهي التي حفظها الله بحفظه، فإن الجهابذة يحفظونها وينقلونها إلينا نقية بيضاء، فيحفظونها من تحريف الوضاعين والكذابين، وقد أنفقوا الغالي والنفيس لحفظ هذه السنن، وتظهر -كما قلت- قيمة السنة عندما تعرف العلاقة الوطيدة بين القرآن والسنة، فإن السنة علاقتها -كما قال الشافعي وأجمع أهل العلم على ذلك- بالقرآن أنها مؤكدة لأحكامه، فما من حكم في كتاب الله إلا وتجد حكماً مطابقاً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يطابق ويوافق ما في الكتاب، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29]، وقال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة:188]، إلى آخر الآيات، فترى الموافقة حكماً تأصيلياً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، حيث يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، وأكلها بالباطل لا تطيب النفس فيه، فقد وافق النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب في هذا الحكم.

    وكذلك قال الله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، فهو يؤصل حكماً في كتابه على حسن المعاشرة مع الزوجات، والنبي صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفة في حجة الوداع يقول: (اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم).

    وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن ابن عمر : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان).

    فهذه الأركان الخمسة توافق حكماً في كتاب الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء:136]، وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، وقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، فهذه كلها موافقات بالتأصيل السني لكتاب ربنا جل في علاه.

    السنة مبينة للقرآن

    إن السنة مبينة لمجمل القرآن، وموضحة لمشكلة، ومخصصة لعامه، ومقيدة لمطلقه، فالله يقول: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، فإن المفروض على العبد المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة، ولا يقبل الله من عبده صلاة إلا أن يأتي بهن كاملات: وهن ركعتان في الفجر، وأربع ركعات في الظهر، وثلاث ركعات في المغرب، وأربع ركعات في العصر، وأربع ركعات في العشاء، فهذا التفصيل لم تجده في كتاب الله ولكن بينته السنة عملاً بقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، إلى آخر الآيات.

    وكذلك قال الله تعالى: آتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما علمنا الصلاة قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولما قال: وَآتُوا الزَّكَاةَ ، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم في أي الأموال يكون الزكاة، وعلمنا أنه لا بد من بلوغ النصاب، وأن يحول الحول حتى تجب الزكاة في هذا المال.

    وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نحج فقال: (خذوا عني مناسككم).

    والله جل وعلا عندما قضى بأحكامه في الكتاب ترك التبيين لرسوله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يوضح المشكل من الكتاب، قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فقد أشكل على كثير من الصحابة هذا الأمر حتى إن عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه أخذ عقالاً -أي: حبلاً أسود حبلاً أبيض- فجعله تحت وسادته وأخذ يأكل ويشرب حتى يفرق بين الأسود من الأبيض، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بين له النبي صلى الله عليه وسلم ما أشكل عليه فقال: (سواد الليل وبياض النهار).

    وأيضاً هناك عمومات في القرآن خصصتها السنة، قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فهذا عام في كل الأولاد، ومع ذلك جاءت السنة تخصص الإرث على أولاد الأنبياء، فإن أولاد الأنبياء لا إرث لهم، فقد جاء في الحديث المختلف في إسناده والراجح أنه صحيح، ومعناه أيضاً صحيح وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة).

    وأيضاً من تخصيص هذه العمومات: أن الولد القاتل لا يرث؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يرث القاتل)، فالولد الذي يقتل أباه من أجل الإرث لا يرث، وقد قرر العلماء أنه من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.

    ومطلقات القرآن أيضاً تبينها السنة، فقد قال الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38]، وقد اختلف العلماء من أين تقطع اليد هل من الرسغ، أم المرفق، أم من العضد؟ فجاءت السنة مبينة أن يد السارق لا تقطع إلا من الرسغ، وهذه أيضاً من أحوال السنة مع القرآن.

    السنة مؤصلة تأصيلاً مستقلاً عن القرآن

    الحالة الثالثة: السنة مؤصلة تأصيلاً حكمياً مستقلاً عن القرآن ليست تابعة له، بل هي أصل بذاته، وهذا الذي جعل علماء الحديث يضعفون حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له صلى الله عليه وسلم: (بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي؛ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ليحكم بما أنزل الله، أو بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أو يجتهد رأيه)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث ضعيف متناً؛ لأنه جعل مرتبة السنة بعد مرتبة القرآن، والصحيح الراجح أن السنة صنو الكتاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ألفين أحدكم شبعان متكئاً على أريكته)، وهذا دال على الجهل، وفيه ذم للشبع الكثير قال: (شبعان متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: ما وجدناه في كتاب الله أخذنا به وما لم نجده تركناه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى: (ألا إن ما أحل رسول الله كما أحل الله، وما حرم رسول الله كما حرم الله).

    وجاءت أحكام في السنة لم تذكر في القرآن منها: تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وهذا الذي جعل الإمام مالك لا يأخذ بهذا التحريم لعموم قول الله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام:145]، فقد أحل الإمام مالك الهدهد والنسر والصقر والسباع، والفيل، حتى الكلاب يجوز أكلها عند الإمام مالك .

    فالمقصود أن السنة أصلت هذا الأصل دون الكتاب، وأيضاً تحريم أن يجمع الرجل البنت مع عمتها ومع خالتها، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يجمع رجل بين البنت وخالتها ولا بين البنت وعمتها).

    وأيضاً حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية، فلم ترد هذه إلا في السنة كما في الصحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر المنادي ينادي: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية).

    وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم أصل أصلاً أخر وهو: أن ميراث الجدة السدس، وهذا غير موجود في كتاب الله، بل هو في السنة، وغاب ذلك عن كثير من الصحابة حتى إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه لما جاءته الجدة تسأل عن ميراثها قال: لا أعلم لك في كتاب الله شيئاً، ولا أعلم لك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، دعيني حتى أسأل الناس، فلما سأل الناس شهد المغيرة ورجلُ آخر عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس. والشفعة للجار أيضاً تأصيل مستقل للنبي صلى الله عليه وسلم.

    والقرآنيون يبطلون كل هذه الأحكام؛ لأنهم لم يجدوا ذلك في كتاب الله سبحانه، وكذلك تحريم المتعة هو تأصيلُ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو حب لله ولرسوله

    فالسنة من أشرف العلوم على الإطلاق، وكفى فخراً للسنة أنها مبينة للقرآن وتتلازم معه تلازماً إلى يوم القيامة، ولذلك حث الله الأمة بأسرها على حفظ السنة والعمل بها، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وربط الإيمان باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً امتحن الذين يزعمون حبه باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل إبطال العمل بعدم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله جل وعلا ممتحناً من زعم حب الله أو حب رسوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    وقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32]، وأيضاً قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] ، وقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، وقال جل في علاه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، فجعل بطلان الأعمال مربوطاً ومرهوناً بعدم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى).

    وفي المسند بسند صحيح عن العرباض بن سارية (أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظهم موعظة بليغة فقالوا: كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله! قال: من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ). اللهم اجعلنا ممن يتمسك بسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    عناية الصحابة والتابعين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم

    إن السنة النبوية كما قلت هي أشرف العلوم؛ ولذلك أنفق كل عالم من علماء السنة في سبيلها الغالي والنفيس، ومن هؤلاء العلماء يحيى بن معين، فقد ترك له أبوه ألف ألف دينار فأنفقها كلها عن بكرة أبيها من أجل هذا العلم الشريف، ومن أجل الجرح والتعديل وحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يحفظ ما يقرب من مائة ألف حديث ضعيف، ويقول: أحفظ به سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    والبخاري أيضاً ترك له أبوه ألف ألف درهم وقال: لا يوجد درهم فيه شبهة، فانفق كل هذا المال من أجل سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكانت أم الثوري رحمه الله - أمير المؤمنين في الحديث- تقول: اطلب الحديث وأنا سأغزل لأنفق عليك.

    وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم باعوا كل شيء من أجل سنته صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرجل منهم يجلس في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ليحفظ الحديث بكل صدق؛ ليبلغ الأمة ذلك الحديث، فيتناقله التابعون رحمهم الله تعالى حتى يصل إلينا غضاً طرياً فقد جاء في الحديث: (جاء رجلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم متذمراً من فعل أخيه ويقول: يا رسول الله! إني أكد وأتعب وأنا أحمل هذا، وهو لا يبارح مجلسك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم -موضحاً أن بركة الرزق ببركة جلوس أخيه عنده صلى الله عليه وسلم- دعه؛ لعلك ترزق به).

    وأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه ترك الأنصار وزرعهم، والمهاجرين وتجارتهم، ليصحب النبي صلى الله عليه وسلم على فقرة وخلوة بطنه، فعلا ذكره رضي الله عنه الله عنه وهكذا فقد فطن الصحابة الكرام أنهم لن يرتقوا بأنفسهم عند ربهم إلا باتباع رسول الله صلى عليه وسلم، وبنصرة سنته صلى الله عليه وسلم، حتى إن عمر في أحلك اللحظات عندما اشتد غضبه ونظر إلى رسول الله في صلح الحديبية قائلاً: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ وكل ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: بلى. فيقول: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا رسول الله ولن يضيعني الله)، يعني: يا عمر ! عليك بسنتي وبهديي عض عليها بالنواجذ، ومع ذلك فـعمر لا يستطيع أن يتقبل هذا، ولا صبر له على ذلك، فيذهب إلى أبي بكر ، وانظروا إلى الفقه الذي عند أبي بكر ، وهذا الذي جعل العلماء يقولون: إن بين أبي بكر وعمر كما بين السماء والأرض، حتى إن عمر نفسه يقول: ليتني شعرة في صدر أبي بكر .

    فانظروا إلى دقائق الأمور في أحلك اللحظات حيث جاء عمر بن الخطاب يقول: يا أبا بكر !ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر : الزم غرزه فإنه رسول الله ولن يضيعه الله، ولذلك قال عمر : فعملت بعد ذلك لهذا أعمالاً؛ ولذلك فإن علماء الأصول يقولون: إذا اختلف الصحابة وكان فيهم أبو بكر في كفة؛ رجحت كفة أبي بكر على الباقين، إلا إذا كان هناك دليل معهم؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه موفق وصادق وصديق رضي الله عنه وأرضاه.

    وكان عمر بن الخطاب يحث على السنة، ويعمل بها، ويسارع إليها، ويضرب عليها بصدق وتفان رضي الله عنه.

    وورد عن أصاغر الصحابة في حفظهم للسنة ما يذهل العقول، فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يجل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ويعلم أن خير هذه الأمة على الإطلاق بعد رسول الله أبو بكر وعمر، وكان يجلس ويقول: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عمر، ومع ذلك فقد كان يجلس يعلم الناس فقه الحج فيقول في المتعة: قد تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فيقول له رجل: يا ابن عباس ! إن أبا بكر وعمر لم يقولا بذلك، فقال ابن عباس مغضباً: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة؛ أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر !.

    فهذا حرص منه رضي الله عنه الله عنه على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يفتح باب أمام باب رسول الله صلى الله عليه، ولا يدخل أهل الجنة الجنة حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل هو أولاً.

    فأنصح نفسي وإياكم أن تستعدوا لهاذم اللذات، فقد يأتي بغتة صباحاً أو مساءً، فإن استطاع أحدكم ألا يلتقط أنفاسه إلا بذكر الله فليفعل، أو بنصرة دين الله والعمل له والإسراع إلى مغفرة من الله ورضوان، فإننا لا ندري متى سيباغتنا الموت؟ وما هي خواتيم أعمالنا؟ وهل نحن من الشهداء أم التعساء؟ وهل نحن من السعداء أم من الأشقياء؟! فالشقي من كتب الله له الشقاء وهو في بطن أمه، فكل ميسر لما خلق له، فعليكم بذكر الله، وحضور حلقات العلم والإكثار من ذلك، فإن في ذلك النجاة، وعليكم بالإكثار من قول لا إله إلا الله والاستغفار؛ لعل الله سبحانه يرفع عنا ما نحن فيه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.