إسلام ويب

آداب طالب العلمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من آداب طالب العلم: الإخلاص، وسلامة المنهج، ومحبة الله، والحرص على طلب العلم مع العمل به، والتحلي بثمرة العلم وهي خشية الله وتقواه في السر والعلن.

    1.   

    شرف طالب العلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فيكفي طالب العلم فخراً قول الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وقوله: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وما أشد فخره بأن الله جل وعلا استشهده على أشرف مشهود, حيث يقول سبحانه جل في علاه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران:18]، فيا فخر طالب العلم! إذ جعله الله جل وعلا من الشهداء على أشرف مشهود عليه وهو توحيد الله جل في علاه.

    خطب معاوية الناس فأخذ يبين جلالة قدر طالب العلم وأهل العلم فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عمه فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيناً شرف طلب العلم وشرف العالم على العابد: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع, وإن العالم ليستغفر له من في الأرض حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) وشتان ما بين القمر وسائر الكواكب.

    وفي رواية: أنه قال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً فضل طالب العلم على الناس أجمعين: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع) .

    1.   

    من آداب طالب العلم

    وقد عز في هذا الزمان الصبر على طلب العلم, وقد قيل: من جد وجد، ومن طلب العلا سهر الليالي، وقال الشاعر:

    لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

    وقال بعض من السلف الصالح: إن هذا العلم لا ينال براحة الجسد.

    وكان الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه يقول: لن يصل لهذا العلم غني؛ لأن الغنى والترفيه يضعف الهمم, فمن انشغل بالدنيا أضر دائماً بالآخرة، ومن أراد العلم فعليه أن يتأدب بآدابه.

    الإخلاص لله

    فمن آداب طالب العلم: الإخلاص لله جل في علاه، فالعلم أجل العبادات, قال الإمام أحمد بن حنبل : ما أرى أفضل عبادة من العلم لمن صلحت نيته.

    فطلب العلم عبادة, والعبادة لا تقبل عند الله جل وعلا إلا بالإخلاص, قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وفي الحديث القدسي: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به).

    فيا طالب العلم! إذا علمت بفضل العلم, والله جل وعلا شرفك وجعل في قلبك همة الطلب, وأعزك من دون الناس، وجعلك من الذين يحملون شريعة الله جل وعلا, فإياك ثم إياك أن تطلب بذلك وجاهة أمام الناس أو رياء أو سمعة, أو طلباً لغرض دنيء من الدنيا، فإن كل ذلك زائل والباقي عند الله جل وعلا لا يكون إلا بالإخلاص, فإن من أول من تسعر بهم النار: عالم تعلم العلم لغير الله جل في علاه, إما ليماري به السفهاء، أو ليجادل به العلماء , أو ليرى مكانه بين الناس, أو ليترفع على الناس بهذا العلم, وإما أن يطلب به سلطة دنيوية دون أن تكون أخروية, فإياك ثم إياك! فإن أول من تسعر بهم النار هم العلماء الذين لم يطلبوا العلم لوجه الله الكريم, والمنافق يعاقب بنقيض قصده, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به).

    ومن فائدة الإخلاص لله جل وعلا: أن العبد بإخلاصه وإن لم يجد في الطلب فإن الله جلا وعلا يفتح له أبواباً ونوراً عظيماً في قلبه يفرق به بين الحق والباطل ولو بقليل من النظر في بعض الأدلة, وقد كان الإمام مالك يقول: إن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء, وهذه المنقبة لا تكون إلا بالإخلاص, كما ورد بسند صحيح عن ابن عباس قال: يؤتى المرء الفهم بنيته.

    إذاً: فمدار كل العلم على القلب وعلى الإخلاص لله جل في علاه, والإخلاص رأس التقوى, قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، يعني: نظراً وفراسة، تفرقون به بين الحق والباطل.

    الالتزام بمنهج السلف

    أما الأدب الثاني الذي لا بد أن يتمثل به طالب العلم: فهو أن يكون على المنهج السديد الصحيح منهج السلف الصالح.

    العلـم قال الله قـال رسـوله قال الصحابـة ليس بالتمويـه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسـول وبين قول فقيـه

    ولا بد لطالب العلم أن يدعو الله جل وعلا أن يثبته على الطريق السديد الصحيح , وهذا الطريق هو طريق السلف الصالح, طريق الذين نهلوا من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المنهج القويم القائم على الوسطية بين الذين غالوا في دين الله والذين جفوا عن دين الله جل في علاه, فهم وسط في مسألة الإيمان، وسط في مسألة الأعمال, وسط في العبادات, وسط في المعاملات, وسط في العقائد, فأهل السنة والجماعة وسط بين الذين نفوا صفات الرب جل في علاه، وبين الذين غالوا في الإثبات فشبهوا صفات الخالق بالمخلوق, فقالوا: له يد كيد البشر, وعين كعين البشر, وينزل كما ينزل البشر, ويستوي كما يستوي البشر, أعوذ بالله من ذلك! والذين يغالون يقولون: لا يد, ولا عين, ولا بصر, فيعبدون عدماً, أما أهل السنة والجماعة أصحاب المنهج السديد القويم فهم وسط بين هؤلاء وبين هؤلاء, فهم يثبتون لله جل وعلا صفاته بلا تشبيه, وينزهون الله جل وعلا دون تعطيل، وهم وسط في الإيمان أيضاً بين الخوارج وبين المرجئة, فالخوارج الذين يكفرون بالمعصية يقولون: كل معصية تهدم الإيمان, فمن عصى الله جل وعلا ولو بالغيبة فهو كافر عليه أن يغتسل ويقول: لا إله إلا الله ليدخل الإسلام, والمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب, فإن زنى وشرب الخمر وفعل الكبائر فإيمانه كما هو لا ينقص ولا يؤثر ذلك في إيمانه، فأهل السنة والجماعة أصحاب المنهج الصحيح وأصحاب المنهج السلفي وسط بين هؤلاء الخوارج والمرجئة.

    أيضاً: فهم وسط في العبادات، فإنهم يتلمسون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يسيرون إلا على نهج الصحابة الذين ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم, وآلوا على أنفسهم ألا يتعبدوا عبادة إلا عندما يسمعون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال الصحابة الكرام.

    العلـم قال الله قـال رسـوله قال الصحابـة ليس بالتمويـه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسـول وبين قول فقيـه

    محبة الله جل وعلا

    والأدب الثالث الذي لا بد أن يتأدب به طالب العلم: محبة الله جل وعلا, وأن تتخلل محبة الله في مسالك الروح، فإن المحرك القوي والباعث الشديد والوازع القوي في قلب الإنسان الذي يحركه: هو حب الله جل في علاه, فتهون على المرء الدنيا بأسرها, إذ الإنسان يترك ما هو محبوب له لما هو أحب, فإن ترك الإنسان الدنيا وزخارفها وزينتها وسلطتها وكل ما فيها من الشهوات, فإنه يترك ذلك لأنه يركن إلى ما يصبو إليه في الآخرة عند ربه جل في علاه, فترك هذا المحبوب لما هو أحب إليه من الخلود في النعيم, مع حور العين, والتمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم, ورضا الرحمن سبحانه وتعالى فلا يسخط عليه أبداً، فإن المرء إذا عمق محبة الله جل في علاه في قلبه فإنه لن يتحرك إلا لله، ولسان حاله يقول: أنا لله وبالله ومع الله، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً يسأل ربه جل في علاه فيقول: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك)؛ لأن حب الله جل وعلا يحرك كل ساكن, وحب الله جل في علاه يشعل الإيمان في قلب الإنسان, وحب الله في قلب الإنسان يجعله يبيع كل غال ونفيس, ويجعله يبذل روحه لله جل في علاه, ويجعله يقطع الأمصار جميعاً من أجل حمل هذه الشريعة, ويجعله يرفع راية لا إله إلا الله ويرى أن دمه رخيصاً إذا انصب تحت هذه الراية. فلا بد لطالب العلم أن يعود نفسه ويدربها على حب الله, والباعث لحب الله في قلب الإنسان أمور ثلاثة: معرفة عظمة الله جل وعلا, ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا, وكيف يتعبد الإنسان بهذه الأسماء الحسنى والصفات العلى.

    فلو تدبرت مثلاً في اسم الله جل في علاه اللطيف, ثم تعبدت لله بهذا الاسم؛ والله الذي لا إله إلا هو سيمتلئ قلبك من حب الله جل وعلا، ما معنى اللطيف؟ اللطيف: هو الذي أخفى الأشياء في أضدادها، مثل: الاضطرابات التي تنزل بالمسلمين, والبلايا والمهالك التي تحيط بالمسلمين, فالله لطيف يخفي الأشياء في أضدادها، ويجعل المحن التي تتولد منها المنح، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد عليه الأمر أشد ما يكون يرجو الفرج، فعندما تكالب عليه أهل الكفر في غزوة الأحزاب من قريش وغطفان واليهود وتحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ووقفوا خطاً واحداً أمام رسول الله, وصارت محنة أشد ما تكون، وقد صورها الله جل وعلا أحسن تصوير فقال: وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:11]، قال أحد الصحابة: وكان أحدنا يخشى أن يقضي حاجته! ومع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل المعول ثم يضرب الصخرة فيقول: (الله أكبر! أوتيت كنوز كسرى وقيصر) يقين في الله جل في علاه, فهذه المحنة العظيمة التي تحسبون أنها مهلكتكم سيأتي النصر منها, وقد غنمت كنوز كسرى وقيصر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    ولما رد الله جل وعلا الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا), وكأن الأمر قد كتب في اللوح المحفوظ أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما استيقن بربه وتدبر في أسمائه الحسنى وصفاته العلا وعلم أن الله جل وعلا ردهم بغيظهم فإن الله قد مكن له من الآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الآن نغزوهم ولا يغزونا).

    فطالب العلم إذا تدبر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى, والله الذي لا إله إلا هو لن يجد نفسه إلا وهو يبيع نفسه رخيصة في رضا الله جل في علاه, وأفضل الناس على الإطلاق في هذه الدنيا مشارقها ومغاربها العلماء والمجاهدون, فما أحد يقارن هؤلاء في الفضل, فالعالم من أفضل الناس لأنه يبين مراد الله ويبين مراد رسول الله, والآخر يجاهد من أجل أن يثبت مراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال لقمان لابنه وقالها ابن مسعود أيضاً: كن عالماً أو متعلماً أو محباً لأهل العلم، ولا تكن الرابع فتهلك، ومصداق هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة)، والزهد لا يرتبط بالغنى ولا بالفقر, قالوا للإمام أحمد: هل يكون الغني زاهداً؟ قال: نعم. قالوا: ما الزهد يا إمام؟! قال: إذا أخرجت درهماً فلا تنظر إليه وإذا أدخلت درهماً فلا تنظر إليه, بمعنى أنك إن أدخلت آلافاً في حصيلتك لا يؤثر ذلك في قلبك, ولو أخرجت آلافاً منها فلا يؤثر أيضاً في قلبك؛ لأنك تعامل الرب الكريم، فكلما أخرجت درهماً فعندك آلاف مؤلفة عند الله جل في علاه, وكلما دخلت عليك الآلاف قلت: هذا من فضل الله وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، فتستخدمها فيما يرضي الله جل في علاه, وللإنسان أن يلتمس الغنى ليستخدمه في رضا الله جل في علاه.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة, ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه وعالماً ومتعلماً)، والجملة التي في الوسط هذا الحديث ترتبط بالشطر الأخير؛ لأن الإنسان لا يذكر الله ولا يتدبر ذكر الله إلا إذا كان عالماً أو متعلماً.

    قال على بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع. فالغثائية لا تساوي أي شيء, ونحن الآن كما وصفنا النبي صلى الله عليه وسلم وكأن لوح الغيب فتح له فقال: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وأيضاً أخبر بأن من علامات الساعة: أن يقل العلم، فقال: (ينتشر الجهل، ويرفع العلم, وينتشر الزنا)، فهذه أمور كأنها من الغيب ألقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا لنعلم أن طريق النجاة هو العلم، فلنعض عليه بالنواجذ، وكأن الإنسان يقبض على جمر فلا يتركه أبداً فإن نجاته في ذلك.

    الحرص على طلب العلم

    ومن آداب طالب العلم: الحرص على الطلب, وأشكو إلى الله من طالب علم رفعه الله بهذه المنزلة وشرفه بأن يجلس مجالس العلم ثم بعد ذلك لا يصبر على طلب العلم, وعدم الصبر على طلب العلم شين في جبين الذي لا يصبر على طلب العلم, وهذه إهانة له، وهذا يدل على قلة قدره عند ربه جل في علاه، حيث أن الله أراه الفضل والشرف والعزة ثم يستدرجه ويسحبه من هذا الشرف العظيم, ويخشى أن هذا الرجل يسقط من عين الله؛ لأن العبد إذا ارتفع بعين الله فإن الله جل وعلا يضعه بأرفع المنازل, فإن سقط من عين الله جل في علاه طرحه في أدنى المنازل, نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله الموت قبل هذا, ونعوذ بالله من الفتن.

    وحرصك على طلب العلم يدل على أن الله جل وعلا قد اصطفاك على البشر أجمعين, فالبدار البدار للطلب، والحرص والحرص، والصبر والصبر، فإنك لن تنال العلم براحة الجسد بحال من الأحوال, قال بعض السلف: إن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.

    الصبر

    ومن آداب طالب العلم: ألا يتحرك أو يعبث في مجلس العلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين لنا ذلك جلياً: عندما دخل المسجد ثلاثة نفر فوجد أحدهم فرجة في مجلس رسول الله فجلس فيها، واستحيا الثاني فجلس وراء الحلقة، وذهب الثالث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما الأول فأقبل الله عليه)، وإذا أقبل الله على عبد فمن يضيره ومن يضيعه؟ ومن يجعله خاسراً؟ والله لو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن يضيعوه ما ضيع, فمن كان الله معه فمن عليه؟ قال: (وأما الآخر فاستحيا الله منه)، ومن لوازم حياء الله جل في علاه ألا يفضح عبده الذي جلس بعيداً وقد استحيا منه.

    قال: (وأما الثالث فاستغنى فاستغنى الله عنه) ومن استغنى الله عنه فمن يغنيه ويدفعه؟ ومن يشفع له عند ربه جل في علاه؟

    فيجب الصبر على طلب العلم، قلت تفهم مسائل العلم الدقيقة من أول مرة، فلا بد أن تصبروا وتصابروا على طلب العلم, والذين يجلسون حتى وإن لم يفقهوا فإن الله جل وعلا إن علم من قلوبهم الصدق, وإن علم من قلوبهم الصبر والمثابرة، أتتهم النتيجة, قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، فإذا علم الله أنك صادق النية، وأنك بإذن الله جل وعلا تريد الله جل وعلا وتريد طلب العلم ابتغاء وجه الله؛ فإن الله سييسر عليك كل الصعوبات, وستفتح لك مسائل كانت تستغلق على شيخ الإسلام ابن تيمية وعلى الشافعي وعلى مالك وعلى أحمد فيفتحها الله عليك، ففضل الله يؤتيه من يشاء, فالله أبى أن يعصم أحداً إلا رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فلا بد من الحرص على طلب العلم، ولا بد من المذاكرة والمتابعة.

    ومن شرفه الله جل وعلا بأن يجد في الطلب ثم ينزل عن هذه المرتبة فقد أثم عند ربه؛ لأنه أصبح من فروض الأعيان عليه أن يطلب العلم وأن يجد فيه؛ لأنه من حملة الشريعة, والعلماء عزوا في هذا الزمان، وطلبة العلم هم الذين يسدون مسد العلماء, فإن تنحوا هم عن هذه الفريضة التي فرضها الله عليهم فقد أثموا عند ربهم وحسابهم على الله.

    خشية الله

    ثم من أعظم آداب طالب العلم: خشية الله، قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: إنما العلم الخشية.

    1.   

    ما جاء في فضل العلم والعلماء

    قال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وقال تبارك اسمه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وقال عز وجل: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43].

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة, وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده).

    فكفاك فخراً أن يذكرك الله جل وعلا فيمن عنده، وذكر الله لك: بأن يثني عليك في الملأ الأعلى أمام جبريل وميكائيل وإسرافيل، وتذكر باسمك، فيا للفخر! ولذلك أبي بن كعب ما فرح بعد فرحه بالإسلام مثل فرحه عندما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة)، فقال أبي : (يا رسول الله! أسماني ربي؟ قال: نعم، فبكى من الفرح) يعني: قال له: اقرأ على أبي . وروي عن عيسى على نبينا وعليه السلام أنه قال: من عَلِم وعمل وعَلَّم فذلك يدعى في ملكوت السماوات عظيماً.

    وعن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: خير سليمان بن داود -عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام- بين العلم والملك فاختار العلم فأعطي الملك والمال مع العلم، قال الإمام الشافعي: هذا العلم شريف، من طلب به الآخرة أخذها, ومن طلب به الدنيا أخذها, ومن طلب به العلا ارتفع به.

    وسئل الإمام أحمد : يا أحمد! لم تفعل بنفسك هكذا؟ -و أحمد كان سيد الزهاد، قال فيه الشافعي : ما خلفت بالعراق أعلم ولا أزهد ولا أورع من أحمد- قال الإمام أحمد: والله لو أردت الدنيا بأسرها بهذا العلم لأخذتها، ولكني أريد به الله جل في علاه.

    وقال عمر بن عبد العزيز : من عمل بغير علم كان ما يهدم أكثر مما يبني, ومن لم يعد كلماته من عمله كثرت خطاياه.

    وعن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: من غدا أو راح إلى مسجد لا يريد إلا العلم ثم رجع إلى بيته كان كالمجاهد في سبيل الله يرجع غانماً.

    وعن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: إن الرجل ليخرج من بيته وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة، فإذا سمع العلم خاف واسترجع من ذنوبه, فانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب.

    وقال علقمة بن قيس : لأن أغدو على قوم أسألهم عن الله ويسألوني عن الله أحب إلي من أحمل على فرس في سبيل الله عز وجل. قال ابن القيم : العلماء يفضلون المجاهدين بمرحلتين, فكفى العلماء فخراً هذه الآية العظيمة: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران:18].

    و قال سعيد بن جبير : كنت أكون مع ابن عباس فأسمع منه الحديث, فأكتبه في واسطة الرحل، فإذا نزلت نسخته.

    وروي عن يزيد الرقاشي أن لقمان قال لابنه: يا بني! جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.

    وقال بعض الحكماء: لا أرحم أحداً أكثر من رحمتي لرجلين: رجل يطلب العلم ولا يفهم، ورجل يفهم ولا يطلب العلم! وعدم فهم العلم من سوء النية وسوء الطوية، والخلل كل الخلل من نفسه، فليراجع نفسه, فلا بد أن في القلب شيء , أو أن قلبه متعلق بغير الله, والفهم هو من الله ليس منه وليس من ذكاء المرء ولا العقل، قال الله: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، فإذا حجب الله عنه الفهم فهناك خلل إما في الديانة وإما في النية.

    وروي أن لقمان قال لابنه: يا بني! اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامس فتهلك.

    وسئل مالك فقيل له: يا أبا عبد الله ! أي شيء أفضل ما يصنعه العبد؟ قال: طلب العلم والفقه, أما سمعت قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [التوبة:122].

    وقال رجل لـأبي هريرة : أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن يضيع, قال: كفى بتركك له تضييعاً.

    وعن سفيان بن عيينة قال: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله.

    وروي عن عطاء قال: قال موسى: يا رب! أي عبادك أخشى لك؟ قال: أعلمهم.

    وقيل للـقمان: أي الناس خير؟ قال: مؤمن غني. قيل له: غني من المال؟ قال: لا، ولكن غني من العلم، إن احتيج إليه وجد عنده علم، وإن استغني عنه كف نفسه. بمعنى: أنه تعلم ما ينفعه عند ربه، ويرفع به جهله، ويكف نفسه عن الحرام, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : (إن لم تجد فكف شرك عن الناس فإنها صدقة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كونوا أحلاس بيوتكم)، وقال: (ابك على خطيئتك، وليسعك بيتك)، فإن العالم ينظر إلى عيوب نفسه ولا ينظر إلى عيوب الناس.

    وقال بعض الحكماء: ليت شعري! أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فاته من أدرك العلم؟! فمن فاته العلم فاتته الدنيا بأسرها، إذ العلم هو الذي يسير الدنيا.

    وقال الحسن : مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء, وهذا الكلام لا أدري ما شرحه، ففيه دلالة: على أن العالم يوزن عند الله جل وعلا بأمة بأسرها. وكان يقال: العلماء سرج الأزمنة, وكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره.

    وقال بعض الحكماء: العالم سفير بين الله وخلقه, فلينظر كيف يكون, فالعالم رسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عن ابن عيينة بسند صحيح قال: خير الناس الواسطة بين رب الناس وبين الناس.

    وقال سالم بن أبي الجعد : اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم فأعتقني، فقلت: بأي حرفة أحترف؟ يريد عملاً يعمله حتى يكفي نفسه، قال: فاخترت العلم، فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المؤمنين زائراً فلم آذن له! فلو كان تاجراً هل سينظر إليه أمير المؤمنين؟ أمير المؤمنين أكثر منه مالاً, وهذا العبد الذي لا يساوي الأحرار، وعندما أعتق وطلب العلم فبعد عام واحد أمير المؤمنين يستأذن عليه حتى يسأله أن يدعو له, فلما وصل إليه لم يأذن له العبد؛ لأنه خشي على نفسه من السلاطين, كما يحكى عن الأعمش: أن أمير المؤمنين بعث إليه بكتاب فيه مال، وأراد أن يقرأ عليه بعض الأحاديث, فأخذ الورقة بعدما قرأها فأطعمها عنزة. فـالأعمش كان قوياً في الدين قوياً في نصرة السنة, وكان حرباً على القصاصين, والقصاصون ليسوا من أهل العلم، فالقصاص يسرد أحاديث موضوعة حتى يشوق قلوب الناس فقط, فهذا رجل واعظ كان يكذب على رسول الله جهلاً منه، فكان الأعمش يسمعه وهو يقص على الناس وقد جذب قلوب الناس، فأخذ يحدث عن الجنة وعن النار وعن القبر وأهوال القيامة وعلامات الساعة ويقول: حدثني الأعمش سليمان بن مهران حدثني فلان حدثني فلان عن رسول الله، ويسرد الحديث كيفما شاء، حدثني الأعمش ، حدثني الأعمش , فقام الأعمش والناس ينظرون إليه فخلع رداءه وأخذ ينتف إبطه, فقال له الرجل القاص: ألا تتقي الله؟! أما تعلم أنك في مجلس علم؟! قال: دعك عني، ما أنا فيه خير مما أنت فيه، أي: أنت قصاص كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وهو ينتف شعر إبطه، وذلك من السنة.

    وقال لقمان لابنه: يا بني! إن الحكمة أجلست المساكين مجلس الملوك، وهذا ما قاله عمر بن الخطاب عندما سأل عامله على مكة: من خلفت عليهم؟ قال: ابن أبزى ، قال: من الموالي أم من الأحرار؟ قال: من الموالي، قال: خلفت عليهم مولى من الموالي!؟ قال: إنه قد قرأ القرآن, وتعلم الفرائض, وتعلم الحديث, فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين)، ولهذا فأكثر الحفاظ موالي من العجم وليسوا من العرب.

    قال الزبير بن بكار: كتب إلي أبي من العراق: يا بني! عليك بالعلم فإنك إن افتقرت إليه كان مالاً, وإن استغنيت عنه كان جمالاً.

    وقد أجاز بعض المحدثين الأجرة على التحديث لمن احتاج إلى ذلك، وهذا ليس من السنة, لكن جوز بعضهم ذلك إذا لم يجد المحدث ما يكفيه من الأموال، لكن على الأمة أن تكفي العالم؛ ولذلك الإمام الشافعي قال: أرى أن يصرف خمس الفيء الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العلماء والمجاهدين، ولا يصرف في غير هؤلاء.

    وعن سفيان الثوري قال: ما يراد الله بشيء أفضل من طلب العلم، وما طلب العلم في زمان أفضل منه اليوم.

    وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ليس شيئاً مثل العلم, العلم خير من المال, العلم يحرسك وأنت تحرس المال, والعلم حاكم والمال محكوم عليه, والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو مع الإنفاق.

    وسئل بعضهم: أيهما أفضل الأغنياء أو العلماء؟ فقال: العلماء. فقيل له: فما بال العلماء يأتون الأغنياء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل ما عند الأغنياء، وجهل الأغنياء بفضل ما عند العلماء. قال أبو الأسود : ليس شيئاً أعز من العلم, فالملوك حكام على الناس, والعلماء حكام على الملوك. وقال ابن المبارك : عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة؟! وكأن ابن المبارك يقول: الدنيا بأسرها لا مكرمة فيها إلا طلب العلم.

    وقيل لـــعبد الله بن المبارك : إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى أموت إن شاء الله، فلعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد. وقال ابن عيينة : أحوج الناس إلى طلب العلم أعلمهم؛ لأن الخطأ منهم أقبح.

    وقال ابن جبير قولاً عظيماً نقله ابن حجر : لا يزال العالم عالماً ما جد في الطلب، فإذا توقف واستغنى فهو أجهل الناس.

    وقال بعض الحكماء: ما أهدى رجل إلى أخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى أو يرده بها عن ردى.

    وقال الثوري لرجل من العرب: اطلبوا العلم فإني أخاف أن يخرج العلم من عندكم فتذلوا، اطلبوا العلم فإنه شرف في الدنيا وشرف في الآخرة.

    وعن ابن أبي مليكة قال: ما رأيت مثل ابن عباس ، كان أحسن الناس وجهاً, فإذا تكلم فأعرب الناس لساناً, وإذا أفتى فأكثر الناس علماً.

    و قال ابن مسعود : إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه, تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي, يطيلون الصلاة ويقصرون الخطبة, يبدءون عملهم قبل أهوائهم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه-والله إنه هذا الزمان-، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده, كثير من يسأل، قليل من يعطي, يقصرون الصلاة ويطيلون الخطبة، يبدءون بأهوائهم قبل أعمالهم.

    وروي عن أبي هريرة أنه دخل السوق فقال: أراكم هاهنا وميراث محمد يقسم في المسجد, فذهب الناس إلى المسجد وتركوا السوق فلم يروا شيئاً، فقالوا: يا أبا هريرة ! ما رأينا ميراثاً يقسم؟! قال: فما رأيتم؟ قالوا: رأينا قوماً يذكرون الله عز وجل ويقرءون القرآن، قال: فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.

    وعن ابن المسيب عن علي بن أبي طالب أنه قال: من حق العالم إذا أتيته أن تسلم عليه خاصة. وهذا أدب من آداب طالب العلم مع العالم.

    وقال الشعبي : ما رأيت مثلي، ما أشاء أن أرى أعلم مني إلا وجدته، وهذا تواضع عجيب، فهو يبحث عمن هو أعلم منه ليتعلم منه؛ ولذلك قال ابن عيينة : لن ينبل في العلم إلا من طلب العلم ممن فوقه وممن دونه وممن هو قرين له.

    وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال, فقالت امرأة: ما ذلك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله جل وعلا يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20] فقال عمر : امرأة أصابت وأمير المؤمنين قد أخطأ, وهذه حكاية ضعيفة، لكن يستأنس بها.

    وسأل رجل علي بن أبي طالب عن مسألة فقال فيها, فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين! وكأنه يعلمه, ولكن كذا وكذا، فقال علي بن أبي طالب : أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم.

    وعن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال لـمالك : ما أعلم أحداً أعلم بالبيوع من أهل مصر، فقال مالك : وبم ذلك؟ قال: بك، قال مالك : فأنا لا أعلم البيوع؟ فكيف يعلمونه بي؟ وهذا تواضع منه، كما قال الشافعي : ما ناظرت أحداً إلا وتمنيت أن الحق يظهر على لسانه.

    وقال ابن عباس: وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم ولو شئت لأذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه.

    وقال ابن عيينة : ينبغي للعالم إذا علَّم ألا يعنف، وإذا عُلم ألا يأنف.

    وقال لقمان : إن العالم الحليم يدعو الناس إلى علمه بالصمت والوقار, وإن العالم الأخرق يطرد الناس عن علمه بالهذر والإكثار.

    1.   

    مصطلحات في مذهب الشافعية

    وأدخل دخولاً وجيزاً في المجموع فأقول: هناك مصطلحات في المذهب: كأن يقال: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد, فالقديم يقصد به كلام الشافعي في العراق, فـالشافعي عندما كان في العراق كان له مذهب، والجديد هو مذهب الشافعي في مصر, والجديد هو المعتمد عند علماء الشافعية, فإذا كان له قولان في المسألة قديم وجديد فعلماء الشافعية يأخذون بالراجح وهو الجديد إلا في مسائل، وإذا جاءت مسألة الشافعي لم يتكلم بها في الجديد وتكلم بها في القديم, فالعلماء يرجحون أن القديم هو المعتمد إذا وافق النص. ومن ذلك قولهم: الأظهر، فإذا قال: الأظهر، يعني: أن هناك خلافاً في المذهب وهو قوي يستند لدليل, فيكون الاختلاف قوياً, والدليل هنا قوي, لكن الأقوى والأصح ما يقول فيه المصنف: هذا الأظهر.

    والمشهور عند الشافعية كذا, يعني: أن هناك خلافاً ضعيفاً, فإذا قال: المشهور، فالذي يضاده قول ضعيف.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.