إسلام ويب

مصابيح الهدى - مالك بن أنسللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علماء الشريعة الربانيون هم شمس الأمة التي لا تزال تشرق وتتألق لتنشر نورها على الدنيا، ومن أولئك العلماء العاملين: نجم ثاقب بين أهل العلم، عالم جمع بين تصحيح الرواية وتحقيق الدراية، عالم غاص على درر المعاني واستخرجها، وأسس قواعد العلم وأحكمها، وألف فرائده وأتقنها، إنه شيخ الإسلام وإمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله رحمة الأبرار.

    1.   

    ومضات من سيرة إمام دار الهجرة مالك بن أنس

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! إننا اليوم على موعد مع اللقاء الخامس عشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، تلك السلسلة الكريمة التي نقدمها لأبناء الصحوة خاصة وللمسلمين عامة؛ للعظة والعبرة من ناحية، ولتقديم القدوة الصالحة الطيبة من ناحية ثانية، ولتصحيح بعض حقائق التاريخ التي شوهت من ناحية ثالثة. أيها الأحبة! أعيروني القلوب والأسماع لنعيش اليوم مع إمام من أئمة أهل العلم.. فلئن كانت شمس النبوة قد أشرقت على بلاد العرب فبددت ظلام شركها، وجعلت ليلها كنهارها؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين من بعدهم، والأئمة المهديين، والعلماء العاملين، والدعاة الصادقين، كانوا بمثابة النجوم التي تعلقت بتلك الشمس، ودارت في فلكها، ونهلت من نورها ونبعها، وإن تلك النجوم لا تزال وسوف لا تزال تشرق، وتتألق، وتنشر نورها على الدنيا، وإنه لمن واجبنا أن ننشر عبير سيرتهم على الدنيا كلها، وأن نتتبع أخبارهم، وأن نقدمهم للبشرية كلها مثلاً علياً وقدوة طيبة. إنهم ورثة الأنبياء! إنهم معين الحكمة، ونبع العلم، ومصدر النور والهدى! إن العلماء هم الشموع التي تحترق لتضيء للأمة طريق ربها ونبيها صلى الله عليه وسلم. إن العلماء هم وعي الأمة الحر، وفكرها المستنير، وقلبها النابض بالحياة، بحياتهم تحيا الأمة، وبموتهم وذهابهم تموت الأمة ويضل الناس، كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي رواه البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور الناس، ولكنه ينتزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً) وفي رواية مسلم : (حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). ولذا أحبتي في الله! ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء أيها الأحبة: نحن اليوم على موعد مع النجم الثاقب بين العلماء، مع الإمام المهدي، والعالم المرضي، والعالم الذي جمع بين تصحيح الرواية وتحقيق الدراية، وغاص على درر المعاني واستخرجها، وأسس قواعد العلم وأحكمها، وألف فرائده وأتقنها، إنه شيخ الإسلام والمسلمين، إمام المحدثين، وأبرز المتفقهين، وإمام دار هجرة سيد المرسلين، إنه مالك بن أنس بن مالك رضوان الله عليهم أجمعين. بعدما عشنا في اللقاء الماضي مع أول وأكبر الأئمة الأربعة سناً، مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فإننا اليوم على موعد مع إمام دار الهجرة، مع الإمام مالك رحمه الله وطيب الله ثراه. أحبتي في الله! تعالوا معي سريعاً لنعيش مع حياة هذا النجم الثاقب بين أهل العلم، ومع هذا الإمام الكبير، فلقد ولد إمامنا سنة (93) للهجرة على أصح الأقوال، في مدينة الخير وطيبة الهدى، في مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى على أي مسلم فضلاً عن العلماء والدعاة وطلبة العلم ما لمدينة المصطفى من خير وبر وفضل وبركة ورحمة، فهي حرم الله، ومستقر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومعين الهدى والسنة والنور، وبها تربة الحبيب المصطفى، وفيها قبره الشريف، وبها ذاته الكريمة بأبي هو أمي صلى الله عليه وسلم، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال أبداً، وإليها يأرز الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها، حرمها الحبيب المصطفى، ودعا إليها بضعف البركة، التي دعا بها إبراهيم لمكة ولأهل مكة، ففي الحديث الذي رواه مسلم والإمام مالك في الموطأ، وابن ماجة في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإن إبراهيم قد دعا لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه)، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ، ومالك في الموطأ من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم صححها وبارك لنا في صاعها ومدها)، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إن إبراهيم قد حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين لابتيها)، فهي بلد الله الحرام بعد بلد الله الحرام مكة، زادهما الله تشريفاً وتكريماً وتعظيماً، وزادهما الله أمناً واستقراراً وأماناً وسائر بلاد المسلمين.

    نشأته رحمه الله

    في هذه المدينة الخيرة، وفي هذا البيئة الطاهرة، بفضل الله ثم ببركة دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم ثبت الدين في المدينة واستقر، ومنها إلى سائر الأقطار انتشر، وكانت المدينة محطاً لكبار أهل العلم، وتواترت فيها السنة القولية والفعلية خاصة، نقلها جيل عن جيل، وخلف عن سلف، وفي هذه البيئة في بيئة العلم، بيئة الخير، بيئة البركة والفضل نشأ إمامنا مالك بن أنس رحمه الله تعالى.

    طلبه للعلم

    وبدأ مالك يطلب العلم في سن مبكرة جداً، على أيدي هؤلاء الأعلام الكبار، حتى قيل: إن مالكاً طلب العلم على نحو مائة شيخ من الشيوخ الكبار، والأئمة الأعلام كـمحمد بن شهاب الزهري رحمه الله تعالى الذي روى له الإمام مالك في الموطأ مائة واثنين وثلاثين حديثاً، وكـربيعة بن أبي عبد الرحمن الذي قال عنه مالك بعد موته: لقد ذهبت حلاوة الفقه بعد موت ربيعة ، وكـنافع مولى عبد الله بن عمر الذي كان يلقب حينئذٍ بفقيه أهل المدينة، والذي لازمه الإمام مالك ملازمة شديدة، وروى عنه في الموطأ ثمانين حديثاً، وكان أهل الحديث يلقبون ويسمون رواية مالك عن نافع عن ابن عمر بالسلسلة الذهبية؛ لجلالة وقدر هؤلاء الرواة الثقات الكبار جميعاً. أيها الأحباب: ولعل ما ذكرت هو السبب الرئيسي الذي اختلف فيه بعض أهل العلم: ما الذي لم يجعل مالكاً يرحل لطلب العلم كغيره من العلماء؟ فمن المعلوم أن الإمام مالكاً لم يرحل لطلب العلم، مع أن الرحلة لطلب العلم كانت من مقومات العالم، لا سيما إن كان من المحدثين، وبالرغم من ذلك لم يرحل مالك لطلب العلم، لماذا؟ لأن المدينة كانت تزخر بالعلماء الأعلام، وبالأئمة الأطهار، وبالشيوخ الكبار من أهل العلم والخير والفضل، وكان مالك يرى أن أصل العلم هو علم أهل المدينة، وأن أصل الرواية هي رواية أهل المدينة، فلماذا يرحل عن المدينة وقد حباها الله بهذا الكم الكبير من أهل العلم والفضل والخير. ولذا أحبتي في الله! في أعوام قليلة جداً لفت مالك جميع الأنظار إليه، فلقد جلس في السابعة عشرة من عمره ليدرس العلم للناس، فنظر إليه جميع الشيوخ الكبار على أنه إمام أهل المدينة في الغد القريب، وفعلاً -أيها الأحباب- انتشر علمه، وظهر فضله، وعلت منزلته، وذاع صيته في الأمصار، وانتشر علمه في الأقطار، وضربت إليه أكباد الإبل، وارتحل الناس إليه من كل مصر، وأتى إليه الناس من كل قطر. وهكذا في فترة وجيزة شهد له شيوخه وعلماؤه من الأئمة الكبار المعروفين، شهدوا له بالخير والعلم والفضل، وأذعنوا له بالإمامة، ومتع الله المسلمين بحياته وبقائه، فمكث الإمام مالك يفتي الناس ويدرسهم أكثر من سبعين سنة. روى عنه في هذه المدة جمع غفير من كبار أهل العلم، سمعوا منه، ورووا عنه الحديث، أذكر على سبيل المثال منهم: الإمام سفيان بن عيينة ، والأوزاعي ، وعبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد بن حنبل ، ويحيى بن يحيى النيسابوري شيخ الإمام مسلم ، وقتيبة بن سعيد شيخ الإمام البخاري ، والشافعي ، وأبو حنيفة مع أنه كان يكبره سناً، وروى عنه هارون الرشيد ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبد الله بن المبارك ، والفضيل بن عياض ، وغيرهم من الأئمة الأعلام، حتى قال أهل العلم: لقد سمع من مالك وروى عنه الحديث أكثر من ألف شيخ. ووالله -يا أحباب- لو لم يكن من حسنات مالك إلا الشافعي لكفى، فإن الشافعي هو تلميذ الإمام مالك ، حتى قال الشافعي قولته الكبيرة الخالدة: (ليس أحد أمن علي في دين الله من مالك بن أنس ).

    ثناء العلماء والمشايخ عليه رحمه الله

    وأثنى عليه كبار الأئمة والشيوخ والعلماء، من أساتذته وشيوخه وطلبة علمه الذين انتقلوا يوماً ما ليجلسوا بين يديه وهم شيوخه ليرووا عنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد فاق الإمام مالك أقرانه، وساد على جميع أفراده، بل وفاق شيوخ أهل زمانه، وجلسوا بين يديه ليرووا عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال حماد بن سلمة لما جاءه رجل يسأله في مسألة قد اختلف فيها الناس: قال حماد لهذا الرجل: (يا أخي! إذا أردت السلامة لدينك فسل عالم المدينة، وصر إلى رأيه، فإنه حجة، وإن مالكاً هو إمام الناس). وقال عنه الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: (ومن نحن إلى جوار مالك ، فلقد كنا ننتبع آثاره، فإن وجدناه روى وكتب عن شيخ من الشيوخ كتبنا نحن عن هذا الشيخ، وإن وجدنا مالكاً قد أعرض عن شيخ أعرضنا عنه وتركناه). وقال عنه إمام أهل السنة الإمام أحمد : (إن القلب والله ليسكن إلى حديثه وفتياه، وإن مالكاً عندنا حجة؛ لأنه كان شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده). وقال عنه الإمام الليث بن سعد فقيه أهل مصر في زمانه: (علم مالك علم نقي، وعلم مالك أمان لكل من أخذ به). وقال عنه الإمام البخاري : (إن مالكاً كان إماماً). وقال عنه الإمام الشافعي تلميذه وأقرب الناس إليه، قال رحمه الله: (إذا جاءك الحديث من مالك فشد به يدك). وقال عنه أيضاً: ( مالك أمير المؤمنين في الحديث). وقال عنه عبد الله بن المبارك : (والله ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لحديث رسول الله من مالك بن أنس ). ولو استطردت في أقوال أئمة الجرح والتعديل، وعلى رأسهم يحيى بن سعيد القطان رحمه الله تعالى، الذي قال في مالك : ( مالك أثبت القوم) وهذه أعلى درجات التعديل، كما هو معلوم عند أهل هذا الفن الشريف. قال رحمه الله: ( مالك أثبت القوم، ومالك رحمة من الله لهذه الأمة). أيها الأحبة: هذه بعض أقوال الشيوخ الكبار، وأئمة الجرح والتعديل في هذا النجم الثاقب، وفي هذا الإمام العلم الكبير.

    مكانته رحمه الله عند الخلفاء والأمراء

    أيها الأحبة! قد تعجبون إذا علمتم أن مالكاً رحمه الله تعالى لم ينل هذه المكانة العالية عند أهل العلم فحسب، وإنما بلغ مالك مكانة عالية عند الخلفاء والأمراء، وليس بالضرورة أن يتهم كل عالم يدخل على الخلفاء والأمراء، ولذلك اتهم مالك بهذا، فلما قيل له: إنك تدخل على السلاطين، فقال مالك رحمه الله تعالى: ومن يتكلم بالحق؟ أي: من يقول قولة الحق إن لم أقلها أنا. أيها الأحبة! ليس بالضرورة أن نطلق ألسنتنا بالتجريح والسلق الشديد لكل من يدخل على ذوي السلطان، فإن لهؤلاء العلماء الأعلام من وجهات النظر ومن البعد الدقيق العميق ما قد يخفى على كثير من أبناء الأمة، ولذا فينبغي أن نحفظ ألسنتنا، وأن لا نطلق لها العنان لتأكل لحوم علمائنا ودعاتنا، فإن لحوم العلماء مسمومة. وهكذا أيها الأحبة! نال مالك المكانة السامقة العالية عند العلماء، بل والخلفاء والأمراء، فقد كانوا يستضيئون برأيه، ويأخذون بمشورته، بل تعجبون أن خليفة المسلمين أبا جعفر المنصور ذهب إلى مالك يوماً من الأيام وقال: يا مالك ! إني أعزم على أن آمر بموطئك أن ينسخ، وأن أرسل بنسخة لكل مصر من أمصار المسلمين، وأن ألزمهم به، وأن لا يأخذوا إلا به ويدعوا غيره... إلى هذا الحد، يريد أن يلزم الناس بموطأ الإمام مالك . أتدرون ماذا قال هذا الإمام الكبير المتواضع؟ قال: يا أمير المؤمنين! إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد انتشروا في الأمصار، وقد سمع الناس منهم أحاديث، وروى الناس عنهم روايات، وقد أخذ كل ناس بما سبق إليهم وعملوا به، ورد الناس عما قد اعتقدوه أمر شديد، ولذا فأرى أن تترك الناس على ما هم عليه، فقال له أبو جعفر المنصور : والله -أو لعمري- لو طاوعتني لأمرت الناس بذلك. هذا هو الإمام مالك !! بل وقيل له ذلك من هارون الرشيد ، وقيل له ذلك من المهدي كما روى ذلك الإمام الطبري .

    1.   

    من أقواله رحمه الله

    أيها الأحباب! إن أعظم درس أريد أن أقدمه للعلماء ولطلبة العلم فضلاً عمن دونهم من طويلبي العلم، ومن كل من يريد أن يتعلم، أقدم لهم هذا الدرس الغالي، أقدم لهم أقوال هذا الإمام العلم.

    لا أدري.. لا أحسن الجواب

    من أعظم أقواله: قوله: (لا أدري)، إمام ينال هذه المكانة عند العلماء والأمراء، ومن أعظم أقواله: (لا أدري) فلقد قال عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد : كنا ذات يوم عند الإمام مالك ، فجاءه رجل وقف في مجلس علمه وكان الناس يتزاحمون ويتضاربون على مجلس الإمام مالك ، فجاءه رجل ووقف على مجلس علمه، والإمام بين طلابه، أو إن شئت فقل بين شيوخه وأساتذته يلقي ويروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: يا أبا عبد الله ! قال: نعم، قال: لقد جئتك من مسيرة ستة أشهر. انظروا! مشى الرجل ستة أشهر على ظهر دابته، لم يركب طيارة، ولا سيارة مكيفة، بل ولم يتكاسل، ونحن الآن نرى كثيراً من المسلمين قد يأتيهم العالم إلى قراهم ومنهم من يتكاسل أن يذهب إليه وأن يجلس بين يديه، وهذا يأتي من مسيرة ستة أشهر، ويقف ويقول: لقد حملني أهل بلدي مسألة لأسألك فيها، فقال الإمام مالك : سل، فسأله الرجل عن مسألته -ولم تذكر الرواية تلك المسألة- فنظر الإمام مالك بعد ما انتهى السائل من سؤاله وقال: لا أدري، لا أحسن جواب مسألتك، فذهل الرجل وقال: أتيتك مسيرة ستة أشهر وأهل بلدي ينتظرونني وأنت تقول: لا أحسن جوابك مسألتك، ماذا أقول للناس إذا ما رجعت إليهم؟ فقال مالك : قل لهم: قال مالك بن أنس : لا أحسن الجواب. وهذه رسالة إلى كل عالم.. إلى كل طالب علم.. إلى كل طويلب علم أن يتعلم هذا الدرس الكبير الجليل. وقال تلميذه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لقد صحبت مالكاً فسئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. أيها الأحبة! إن أعظم درس أقدمه في لقائنا مع هذا الإمام الجليل هو هذا الدرس، أن يتعلم العالم والداعية وطالب العلم أن يقول: (لا أدري)، ولا يستحي ولا يتحرج، فإن القول على الله بغير علم مزلة جائرة فاجرة، وهي عتبة خطيرة فاجرة، فلا تقل على الله بغير علم، وإننا لنرى كثيراً من الناس في الحج.. في المساجد.. في كل زمان وفي كل مكان لا يتورعون عن الفتيا، ويتجرأ الواحد منهم على القول على الله جل وعلا بغير علم، وما ابتليت الأمة والله إلا بمثل هذا الصنف النكد من الخنفشاريين الذين تزببوا قبل أن يتحصرموا، وادعوا العلم قبل أن يتعلموا، وأجابوا على الناس قبل أن ينهي الناس أسئلتهم، فإننا نرى الآن صنفاً قد يجيب السائل على سؤاله قبل أن ينتهي السائل من طرح السؤال، فسبحان الفتاح العليم! ونرى كثيراً من الناس قد يجيب على كثير من المسائل التي والله لو عرضت واحدة منها على عمر بن الخطاب ، فاروق الأمة لجمع لها أهل بدر كلهم، يجمع عمر لهذه المسألة الصحابة ليستشيرهم، ومن الناس من يجيب بغير تورع، ويستحي أن يقول الناس عنه: إنه لا يعلم. فيا أخي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالها الصحابة من بعده، وقالها أئمة أهل العلم. جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فسأله وقال: يا عبد الله ! أترث العمة؟ قال: لا أدري، اذهب إلى العلماء واسألهم، فضرب الرجل كفاً على كف وانطلق وهو يقول: أنت تقول: اذهب إلى العلماء فاسألهم، فلما انصرف الرجل قبل ابن عمر يد نفسه وقال: نعم ما قال أبو عبد الرحمن ، سئل عما لا يدري فقال: لا أدري. أيها الأحبة! والله ما ابتليت الأمة بمصيبة أكثر من ابتلائها بهذا الطراز النكد من الخنفشاريين، الذي يفتي في كل شيء، ويقول في أي شيء، ولا يتورع أن يقول: لا أدري. ومن أعجب ما قرأت في هذا: أن رجلاً كان يفتي الناس في كل شيء، ويجيب على أي مسألة، فأراد بعض أهل الخير أن يبينوا للناس خطره، فذهبوا إليه وقد اختلقوا كلمة لا أصل لها، وذهبوا إليه في مجلس علمه، وقالوا: يا شيخ! ما تقول في الخنفشار -وأنا أسمي هذا الطراز بالطراز النكد من الخنفشاريين نسبة إلى هذا السؤال- والخنفشار كلمة لا أصل لها، فإنهم أخذوا بأول حرف من اسم كل واحد منهم فصارت هذه الكلمة، ولا أصل لها في قواميس اللغة على ظهر الأرض، ولكن الرجل يدعي أنه يعلم ما تحت الأرض وما فوق الأرض، فسألوه: ما تقول في الخنفشار؟ قال: نعم. الخنفشار نبت طيب الرائحة ينبت في أطراف اليمن -حتى لا يذهب أحد ولا يبحث عنه- إذا أكلته الإبل عقد لبنها، كما قال الشاعر اليمني -يستدل بالشعر-: لقد عقدت محبتكم فؤادي كما عقد الحليب الخنفشار وقال: قال في الخنفشار أبو داود كذا وكذا، وقال فيه فلان كذا وكذا، وأخيراً قال: وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أحدهم وقال: اسكت يا كذاب، كذبت على هؤلاء جميعاً فلا تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أقول: والله ما ابتليت الأمة بمثل ابتلائها بهذا الطراز النكد من الخنفشاريين الذين تزببوا قبل أن يتحصرموا، وادعوا العلم قبل أن يتعلموا، ورحم الله الغزالي صاحب الإحياء حيث يقول: (لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف). هذا درس يعلمنا إياه إمامنا وقدوتنا الإمام مالك صاحب هذه المكانة السامقة العالية بين العلماء والأمراء والخلفاء، يعلمنا أن نقول: لا أدري، والله لا أحسن الجواب. وهكذا أيها الأحبة يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي وابن ماجة والبيهقي ، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث كعب بن مالك ، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار).

    الاستواء معلوم والكيف مجهول

    ومن أقوال الإمام الجميلة التي صارت أصلاً كبيراً من أصول أهل السنة والجماعة، ما قاله يوم جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله ! قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فكيف استوى؟ فغضب الإمام وعلاه العرق، ونظر إليه وقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرجوه) وصارت قولة الإمام من أصول أهل السنة في مبحث خطير من مباحث العقيدة، ألا وهو مبحث الأسماء والصفات، وهذا الباب الخطير الجليل كم ضلت فيه من أفهام، وكم زلت فيه من أقلام. ولكن نقول ما قاله الإمام مالك : (نحن نؤمن بأسماء الكمال وصفات الجلال كما وردت في القرآن والسنة، ونمرها صريحة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل).

    إن هم العلم دين...

    ومن أقوال الإمام الجميلة قوله: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم).

    كل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم

    ومن أقوال الإمام الجميلة: (كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم). وبعد جلسة الاستراحة ألخص لكم في عجالة سريعة ما كررناه كثيراً في هذه الخطبة، وفي هذا اللقاء من قولنا: كتاب الإمام مالك الموطأ؛ لنتعرف في عجالة سريعة عن هذا الموطأ الذي أراد بعض الخلفاء أن يلزموا الناس به، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    نبذة مختصرة عن موطأ الإمام مالك

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فيا أيها الأحبة! يحسن بنا ونحن نتكلم عن الإمام مالك -ولا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، فإن الحديث عنه يطول جداً- أن نقدم لحضراتكم نبذة مختصرة صغيرة سريعة عن هذا الكتاب الجليل الذي أراد بعض الخلفاء أن يلزموا الناس به ألا هو كتاب الموطأ.

    سبب تسميته بالموطأ

    من المعلوم أننا جميعاً نسمع عن موطأ الإمام مالك ، وقل من يعرف عنه الشيء الكثير، فأقول ابتداءً: سمي الموطأ بالموطأ لأمرين: الأول: أنه وطأ. أي: سهل ويسر به حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فسمي بالموطأ. الأمر الثاني: أنه عرضه على سبعين فقيهاً من فقهاء أهل المدينة، فواطئوه على صحته، فسمي بالموطأ.

    خصائص كتاب الموطأ

    والموطأ كتاب يشتمل على كم كبير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين وأهل العلم من بعدهم، والموطأ لا يقتصر على الأحاديث المسندة فقط، وإنما يشتمل على الأحاديث المسندة والمرسلة والمنقطعة، وعلى البلاغات. والبلاغات أن يقول مالك : بلغني كذا وكذا. وكل كلمة من هذه الكلمات أعلم أنها تحتاج إلى شرح وتفصيل، والمجال والوقت لا يتسع لذلك. أيضاً: من خصائص كتاب الموطأ: أن الإمام مالك كتبه في أربعين سنة، ولذا قال الشافعي قولته الجميلة: لا يوجد على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب الإمام مالك . قال الحافظان: الذهبي وابن الصلاح : قال الشافعي قولته هذه قبل أن يؤلف الصحيحان، فإن الصحيحين هما أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا. لماذا؟ لأن التحقيق أن موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى يشتمل على بعض الأحاديث الضعيفة سواء كانت مسندة أو مرسلة أو منقطعة أو حتى في البلاغات، وهذا ما حققه بعض أهل العلم. وهذه نبذة صغيرة سريعة عن الموطأ، وقد روى الموطأ عن الإمام مالك خلق كثير، وكذا شرحه جمع كبير من أهل العلم.

    1.   

    الإمام مالك بشر يخطئ ويصيب

    رحم الله الإمام مالك فقد ملأ الدنيا علماً وفضلاً وخيراً، ولكنه بشر يخطئ ويصيب، ويؤخذ منه ويرد عليه، فهو صاحب القولة الخالدة: كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم. فإلى كل متعصب لمذهب الإمام مالك مع مخالفة الدليل من القرآن والسنة الصحيحة، أقول له: إنك على خطر، وإنك من المخالفين لمنهج إمامك ولإمام مذهبك الذي قال قولته الجميلة: (إذا صح الحديث فهو مذهبي). أسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى النبعين الصافيين الكريمين، إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بأيدينا إليك، اللهم بارك في علمائنا، اللهم ثبت علماءنا، اللهم بارك في علمائنا، اللهم ثبت علماءنا، اللهم أصلح حكامنا واجعلهم رحمة على شعوبهم يا رب العالمين! اللهم بارك في شبابنا وأصلح نساءنا، واستر بناتنا، أنت ولي ذلك والقادر عليه! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام وعز المسلمين، أنت ولي ذلك والقادر عليه! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم كما أمرنا الله جل وعلا بذلك في محكم كتابه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003976587

    عدد مرات الحفظ

    718761583