إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسان
  4. سلسلة إيمانيات
  5. سلسلة إيمانية - شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم

سلسلة إيمانية - شفاعة النبي صلى الله عليه وسلمللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للنبي صلى الله عليه وسلم علينا حقوق عظيمة يجب امتثالها، ومنها: محبته ، واتباعه والاقتداء به، والعمل بسنته والدعوة إليها، ولا يجوز الاستغناء عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي الموضحة للقرآن، المفصلة له، المبينة لمجمله، فيجب العمل بها كما يجب العمل بالقرآن الكريم.

    1.   

    محبة النبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذه اللحظات الطيبة على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة، وإمام النبيين، وسيد المرسلين في جنته، ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. مازلنا نتحدث عن حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا جميعاً، وقلت: إن من أعظم الحقوق للنبي صلى الله عليه وسلم علينا: أن نحبه، وحبنا للنبي صلى الله عليه وسلم دين لا يكتمل إيمان المرء إلا به، ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله -أن يكون الحب في الله، وأن يكون البغض في الله- وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). بل لا يكتمل إيمان المرء إلا إذا كان حبه للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم من حبه لوالديه، وولده، بل ولنفسه التي بين جنبيه؛ ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين). (لا يؤمن أحدكم)، أي: لا يكمل إيمانه. وفي صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه قال يوماً للحبيب النبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي). انظر إلى هذه المصداقية العالية، يقول له: أنا أحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي: (لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك؛ فقال عمر : والذي نفسي بيده لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي يا رسول الله). أود أن أقف هنا وقفة لطيفة؛ لأبين مفهوم هذا الحديث، عمر رضوان الله عليه يقول: أنا أحبك؛ لكن ليس أكثر من نفسي، ثم بعد قليل، قال له: أنا أحبك أكثر من نفسي! ماذا حصل؟! يقول الإمام الخطابي رحمه الله تعالى في تعليق بديع، وفهم جليل دقيق لهذا الحديث: حب الإنسان لنفسه طبع -يعني: كل واحد جبل على أن يحب نفسه- وحب الإنسان لغيره اختيار بتوسط الأسباب. أي: لا أحبك، ولا تحبني، إلا إذا كانت بيننا أسباب، أعرفك، وتعرفني في التعامل، في الود، في الخلق، أما إذا كنت لا أعرف لك اسماً، ولا رقماً، فكيف أحبك، أو كيف أبغضك؟! قال: حب الإنسان لنفسه طبع، وحب الإنسان لغيره اختيار بتوسط الأسباب -انظر ماذا يقول!- وما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من عمر حب الطبع؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع عما جبلت عليه، وإنما طلب منه النبي حب الاختيار، فلما نظر عمر في توسط الأسباب -أي: في حب الاختيار- علم أن النبي كان سبب نجاته من النار؛ وحينئذٍ قال: (والله لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي يا رسول الله).

    حقيقة محبة النبي عليه الصلاة والسلام

    مداخلة: قد يقول قائل: في ذلك الزمان كان الرسول صلى الله عليه وسلم موجوداً بين أظهرهم، ونحن الآن الرسول صلى الله عليه وسلم غير موجود فينا فلابد أن نحول حبنا للرسول صلى الله عليه وسلم كأنه بيننا، ولكن ما الأسباب؟ الشيخ: الحب مختلف؛ الحب ليس كلمةً تقال لإنسانٍ فقط ، ولكن الحب حقيقةٌ كبيرةٌ ذات تكاليف، وأمانةٌ عظيمةٌ ذات أعباء، كلنا يزعم أنه يحب النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هل من الممكن أن نقف وقفة صادقة، ويسأل كل واحد منا نفسهُ هذا السؤال: أنا أحب النبي عليه الصلاة والسلام بصدق أم مجرد كلام؟! مثال: يستيقظ طفل عمره أربع سنوات، أو خمس سنوات، ويصرخ الساعة الثالثة في الليل، فتوقظك امرأتك، وتقول: يافلان، يافلان! استيقظ؛ الولد يموت، الولد في النزع الأخير! فتستيقظ من نومك في غاية الفزع، وتستجيب استجابةً سريعةً فوريةً دون تعقل أو تدبر لأمر ولدك ولرقة زوجتك؛ فتحمل طفلك على صدرك، وتنطلق مسرعاً إلى أقرب طبيب؛ فيكتب لك دواء؛ فتذهب إلى أقرب صيدلية؛ لتحضر الدواء لولدك، وترجع بالولد مرةً أخرى إلى بيتك؛ بعد ساعةٍ واحدةٍ من هذا التوقيت؛ ينادي عليك المؤذن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النوم، قم لصلاة الفجر؛ فهل تكون استجابتك لنداء ولدك كاستجابتك لنداء نبيك؟ أتمنى من الجميع أن يسأل نفسه هذا السؤال؛ انظر إلى الاستجابة الأولى كيف كانت للولد سريعة جداً! بدون تفكير، ليس فيها طلب تقديم الدليل، أو اقنعني، والمنطق والفلسفة، استجابة عاطفية لأمر الولد، وهذه رحمة تؤجر عليها، أنا لا أنكرها عليك، لكنني أقول لهذا المحب الذي يقول: إنني أحب رسول الله، وقد غطى أذنيه حتى لا يسمع قول المؤذن بأمر رسول الله: الصلاة خير من النوم، لا يريد أن يسمعها؛ يخشى أن يسمعها وهو مفرط ومضيع لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي يدعي فيه أنه يحب رسول الله. من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهـراء فالحـب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء وقد ذكرنا قصة طالب علم نجيبٍ نبيل؛ سمع أن أستاذه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا؛ فذهب إليه، وقال: يا سيدي! لقد علمت أنك ترى رسول الله في رؤياك، قال: ماذا تريد يا غلام؟! قال: يا سيدي! أريد أن أراه، أريد أن أرى حبيبي رسول الله، هذه أمنيتي في الدنيا، أن أراه بعيني؛ قال: احضر هذه الليلة لتتعشى معي، وبعد العشاء سوف أعلمك كيف ترى حبيبك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلبى التلميذ نداء أستاذه، وخرج في غاية السعادة والفرح؛ لأنه سيتعلم كيف يرى النبي عليه الصلاة والسلام. فلما ذهب التلميذ لأستاذه، وأحضر الأستاذ لتلميذه العشاء؛ أكثر الأستاذ في العشاء من الملح، والموالح، ومنع الماء تماماً عن التلميذ، وكلما ألحَّ التلميذ في طلب الماء، قال الأستاذ: لا يوجد ماء، قال: أنا عطشان يا أستاذي، قال: لا، لا يوجد ماء. وهو يريد أن يربيه ويعلمه، قال: حسناً علمني! قد أكلت وامتلأت، قال: نم الآن، وإذا استيقظنا إن شاء الله تعالى لصلاة الفجر علمتك كيف ترى حبيبك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنام التلميذ في غاية السعادة والفرح وهو يريد أن يرى النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه في الوقت ذاته نام وهو يتلوى من شدة العطش. فلما استيقظ قال له الأستاذ: يا بني! قبل أن أعلمك؛ هل رأيت الليلة شيئاً في نومك؟ قال: نعم يا سيدي، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت الأمطار تمطر، والأنهار تجري، والبحار تسير بين يدي؛ لأنه نام وهو عطشان؛ فقال له أستاذه المربي: نعم يا بني، صدقت نيتك؛ فصدقت رؤيتك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحب ليس كلمةً ترددها الألسنة دخاناً يسير في الهواء؛ ما أيسر الادعاء! وما أسهل الزعم! وما أسهل التغني بحب الحبيب صلى الله عليه وسلم، انظر الحب الصادق في الحديث الذي رواه الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي وغيرهم بسندٍ حسن من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي: يا رسول الله! أنا لا أصبر عن رؤيتك، إن ذكرتك أخرج من بيتي حتى أنظر إليك)؛ إن ذكرتك في بيتي لا أطيق الصبر، مثلاً صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، أو صلاة العصر، ومن ثم يذهب إلى بيته؛ فيذكر حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ يقول: فما أطيق أن أصبر؛ فيخرج ليرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (يا رسول الله! إذا ذكرتك لا أصبر حتى أخرج لأنظر إليك، وقد ذكرت اليوم موتك، وعلمت أنك إذا مت رفعت في الجنة مع النبيين، وأنا إذا مت ودخلت الجنة خشيت ألا أراك) درجة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى بكثيرٍ من درجته؛ فكيف يصبر على عدم رؤيته في الجنة؟! انظر فيما يفكر فيه هؤلاء المحبون! ولم يجب عنه رسول الله حتى نزل عليه قول الله جل وعلا: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء:69-70]. الله يعلم الصادق في حبه من المدعي، فالحب للنبي صلى الله عليه وسلم ليس كلمة، بل امتثالاً لأمره، واجتناباً لنهيه، ووقوفاً عند حده الذي حده عن الله تبارك وتعالى، ولو وقفت مع حب الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم لرأيت العجب العجاب: امرأة من بني دينار تعلمنا الحب للنبي صلى الله عليه وسلم، وحديثها حسن بشواهده الكثيرة: (لما سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل في غزوة أحد؛ خرجت هذه المرأة من المدينة إلى أحد تجري على الرمال الملتهبة، فقابلها الرجال يحملون أباها قد قتل، فنظرت إليه، وقالت: ماذا فعل رسول الله؟! وتركت أباها وجرت، ثم علمت أن زوجها قد قتل؛ فنظرت إلى زوجها، وقالت: ماذا فعل رسول الله؟ وتركت زوجها وجرت، فقابلوها بابنها قد قتل في أحد؛ فنظرت إلى ابنها ثمرة الفؤاد، ونظرت إليه، وجرت وهي تقول: ماذا صنع رسول الله؟ فقالوا لها: والله إنه بخير، وما هدأ لها بال، وما قر لها قرار حتى وقع نظرها على حبيبها المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فنظرت إليه وقالت: كل مصيبةٍ بعدك هينةٌ يا رسول الله)، كل مصيبة بعدك هينة، مات الزوج، مات الابن، مات الأب، لكنها تسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

    عروة بن مسعود الثقفي يصف حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

    عروة بن مسعود -والحق ما شهدت به الأعداءُ- لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، ورأى النبي بين أصحابه، ورأى حب الصحابة له؛ تعجب!- والحديث في الصحيحين- وعاد عروة بن مسعود إلى قومه من المشركين فقال: (يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك والرؤساء، وفدت على كسرى، وقيصر، والنجاشي، ووالله ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه كما رأيت أصحاب محمدٍ يعظمون محمداً صلى الله عليه وسلم- اسمع ماذا يقول:- والله ما تنخم محمدٌ نخامة إلا وقعت في كف رجلٍ منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده). يخرج علينا هؤلاء الماديون الجفاة، فيقولون: ما هذا؟ نخامة يدلك بها وجهه وجلده؟! وهؤلاء أنفسهم يعلمون أن العشاق يفعلون بعشيقاتهم في الحرام ما يستحي اللسان عن ذكره الآن. فمن ذاق عرف؛ من ذاق طعم الحب لله ورسوله عرف أنه لا يستحسن هذا إلا من ذاق قلبه حلاوة الحب الصادق لله ولرسوله. يقول عروة :( والله ما تنخم محمدٌ نخامة إلا وقعت في كف رجلٍ منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده، ولا توضأ حتى كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا الصوت عنده، ولا يحد أحدهم الطرف إليه إجلالاً له). هذه شهادة عدو كان على الشرك في ذلك الوقت شهد للصحابة الصحابة رضوان الله عليهم بالمحبة لنبينا صلى الله عليه وسلم، فما أحوجنا إلى أن نحب نبينا! لكنني أقول: شتان شتان بين حب دائم مبني على الاتباع، وبين حب مبني على الغلو والابتداع؛ فينبغي أن ننسب ما لله لله، وأن ننسب ما لرسول الله لرسول الله، وألا نخلط بين حق الله وحق رسوله بدعوى الحب؛ فالحب: امتثالٌ لأمره، واجتنابٌ لنهيه، ووقوفٌ عند حدوده، وتصديقٌ لخبره وبلاغ لدعوته ورسالته، وذبٌ عن سنته، وصلاة عليه ..إلخ، هذا هو الحب الصادق. أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن نكون ممن قال النبي فيهم حينما جاءه الأعرابي وقال: (يا رسول الله متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل، غير أني أحب الله ورسوله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب، قال أنس : والله ما فرحنا بشيء كفرحنا بقول النبي: المرء مع من أحب، ثم قال أنس : والله إني لأحب رسول الله، وأبا بكر ، وعمر ، وأرجو من الله أن يحشرني معهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم). ونحن نقول: اللهم إنا نشهدك أننا نحب رسولنا، وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي، وجميع أصحاب الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم، ونسألك ياربنا برحمتك أن تحشرنا معهم بحبنا لهم وإن قصرت أعمالنا، إنك على كل شيءٍ قدير.

    كيفية محبة النبي صلى الله عليه وسلم ووسائلها في هذا العصر

    النبي صلى الله عليه وسلم قد يبين لنا مكانة وقدر أول هذه الأمة، وأن هناك فرقاً كبيراً بين من عاش معه عليه الصلاة والسلام، وتعلق به، وبين من أحبه وتعلق به، ودافع عن سنته في زماننا هذا؛ لأننا نعيش زماناً ابتعدنا فيه كثيراً عن زمن الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبين لنا نبينا عليه الصلاة والسلام أننا إخوانه، وأحبابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً: (شوقاً لإخواني؛ فقالوا: أولسنا بإخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يؤمنون بي، ولم يروني). وفي رواية في الصحيح قالوا: (فكيف تعرف أمتك يا رسول الله يوم القيامة وأنت على الحوض؟- مع هذه الأمم الكثيرة- فقال عليه الصلاة والسلام: تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء). فلا شك أن المحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم المدافع عن سنته، المبلغ لدعوته، مكانته عند الله عظيمة، ومكانته عند النبي كبيرة، ومن أجل هذا أقول لأحبابي وإخواني: امش على الأثر، النبي مشى برجله اليمنى؛ ضع رجلك اليمنى، يمشي برجله اليسرى ضع رجلك اليسرى،وامش على آثار أقدام النبي؛ لترى آخر هذا الطريق الحبيب المصطفى ينتظرك على الحوض إن شاء الله تعالى. مداخلة: كيف نبلغ هذا الحب في مثل هذا العصر؟ النبي صلى الله عليه وسلم له دعوة، وله دين، ويجب على كل مسلم صادقٍ يفخر بهذا الانتساب، وبهذا الشرف، وأن يعلم يقيناً أن من حق النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يرفع الراية، ويبلغ الدعوة، قال الله جل وعلا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]. (قل هذه سبيلي) أي: قل: يا محمد صلى الله عليه وسلم (هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة)، لست أنا وحدي، (أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين). قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا يكون الرجل من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة. قال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو :- (بلغوا عني ولو آية)، أنت تحفظ كم آية، وأنا أحفظ كم آية، وإخواني وأخواتي! الكل يحفظ من القرآن، ويحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكننا أصبنا الآن بسلبيةٍ قاتلة؛ أنا مالي؟ أنا سأعمل ماذا؟! وهل أنا سأغير النظام؟! أمشي بجانب الحائط، ويكفيني أن أربي العيال. لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد والآخر يقول: أنا رجل مذنب، وأنا رجل عاص؛ أنا لست عالماً. هناك فرقٌ كبير بين طلب العلم، وبين الدعوة لله جل وعلا والبلاغ عن الله ورسوله، فطلب العلم لا ينتهي؛ كما قال الإمام أحمد : مع المحبرة إلى المقبرة، سأظل أطلب العلم حتى ألقى الله جل وعلا، لكن الدعوة والبلاغ عن رسول الله يجب على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب قدرته واستطاعته، إن لم تستطع بلسانك؛ فبلسان غيرك من أهل العلم؛ بالشريط، بالكتاب، بالكتيب، بالدعوة لحضور محاضرة من المحاضرات لعالم من البلغاء، بزيارة مع أهلك لهذه الأسرة لتبلغها عن الله وعن رسول الله، بالحديث في الدين والتذكرة مع زميلك في العمل، مع جارك في السيارة، مع جارك في البيت، مع جارك في الوظيفة. المهم أن تحمل في قلبك هم الدعوة والبلاغ، وأن تعلم يقيناً أنه لن تنال شرف الانتساب للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا رفعت الراية التي عاش النبي صلى الله عليه وسلم طوال عمره رافعاً لها، ألا وهي راية الدعوة، والبلاغ عن الله جل وعلا. قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]، وقال الله جل وعلا: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [النحل:82]، وقال الله جل وعلا: إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ [الرعد:7]، وأمره الله سبحانه وتعالى بقوله: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ [الجن:21-22]، أي: إلا أن أبلغ دين الله ورسالة الله تبارك وتعالى. في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب؛ يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف - نعوذ بالله أن نكون منهم- يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). فما من نبي إلا وله أصحاب وحواريون، فهل نحن من أنصار رسول الله؟ لن نكون كذلك إلا بالبلاغ؛ إلا بالدعوة، كلنا يتفنن ويخطط لمستقبل أولاده، لكن من منا نام وهو يحمل هم الدعوة إلى الله؟ من منا نام والدعوة إلى الله هي همه بالليل والنهار؟ من صارت الدعوة فكره في النوم واليقظة، وشغله في السر والعلانية؟ لماذا لا يخطط كل مسلم لدين الله، ولدعوة الله كما يخطط لتجارته، وكما يخطط لمستقبل أولاده ومستقبل نفسه؟! لن ننال شرف هذا الانتساب إلا بالدعوة إلى الله على منهج رسول الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الرقراقة الرقيقة الطيبة المهذبة، وقد وضحنا ذلك عندما تحدثنا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: نحن مأمورون بالبلاغ عن رسول الله ولو بآية: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). فأنت مأمورٌ بالبلاغ عن رسول الله، وأنا مأمور بالبلاغ عن رسول الله، بشرط أن يكون المبلغ عن الله، وعن رسول الله على علم بما يبلغه، ليس بالضرورة أن تكون عالماً في كل الجزئيات والجوانب، لكن إن بلغت عن رسول الله لابد أن تتحرى الأمانة، وأن تتحرى الصدق؛ لتعلم أنك صادق في كل ما تنقله عن النبي صلى الله عليه وسلم. وخذ هذا الأجر العظيم أيها المبلغ عن الله ورسوله! ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً). ربما تقول لي: يا شيخ! أنا أحب أن أتحرك للدعوة؛ لكنني أحس بالتقصير، ذنوبي كثيرة، والمعاصي تلجمني، أقول: من من البشر على وجه الأرض لم يخطئ؟ لقد انتهى زمن العصمة يوم مات المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن تحتج بالمعصية على عدم البلاغ، بل اعلم أن تحركك للدعوة ولدين الله من أعظم أسباب بعدك عن المعصية، عندما تذكر أحد زملائك بصلاة الفجر، وتقول له: صل الفجر! صل الفجر! صلاة الفجر نعمة! وأنت مقصر في صلاة الفجر؛ ستأتي اللحظة حتماً التي تشعر فيها بالخجل من الله، وبالتقصير أمام نفسك؛ لترى نفسك تبادر لصلاة الفجر، وليس معنى أنك مقصر في أمر ألا تأمر غيرك به، هذا فهم مغلوط. تصور أن رجلاً مثلاً يزني والعياذ بالله! هل يجوز له أن يأمر غيره بالزنا؟ لا يجوز، وهل يحرم عليه أن يحذر غيره من الزنا؟! لا يحرم عليه، بل يؤجر على ذلك؛ فهناك فهم مغلوطٌ لمثل هذه الأمور. أبو محجن الثقفي كان فارساً مغواراً، كان قائداً في ميادين القتال؛ لكنه كان يضعف جداً أمام الخمر، سبحان ربي! يضعف أمام الخمر! وفي البخاري وغيره أن رجلاً كان كثيراً ما يؤتى به ليقام عليه الحد من شرب الخمر، فقام الصحابة ليقيموا عليه حد الله بين أظهرهم، فسبه أحد الصحابة؛ فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، فو الله إني لأعلم أنه يحب الله ورسوله)، لكن لضعفه البشري قد يزل، وقد يضعف أمام معصية. فـأبو محجن الثقفي كان يضعف أمام الخمر تماماً، ومع ذلك لم يفهم أن وقوعه في هذه الكبيرة، وفي هذه المعصية تمنحه إجازةً مفتوحةً حتى لا يعمل لدين الله تبارك وتعالى؛ لكنه لما سمع النداء: يا خيل الله اركبي! حي على الجهاد! إلى موقعة القادسية مع سعد بن أبي وقاص خرج لينال شرف الصف الأول، ولكن في صفوف القتال على الساحة شعر بالضعف أمام الخمر مرةً أخرى؛ فوقع فيها، وشرب الخمر هنالك؛ فأتي به إلى قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ليقيم عليه الحد؛ لكن الحدود لا تقام في أرض العدو؛ فأمر سعد بن أبي وقاص بحبسه حتى تنتهي المعركة، ويعود إلى أرضه، فقيد، ووضع في السجن، وبدأت المعركة، وسمع أبو محجن الفارس المغوار صوت الخيول، ووقع السيوف، وضرب السهام والرماح؛ فبكى، وأراد أن يقوم ليشارك المسلمين، فهو ما جاء إلا لهذا الشرف؛ لكن القيد في رجليه قال له: لا، أنت محكوم عليك بعدم المشاركة؛ لأنك رجل مدمنٌ للخمر؛ فبكى أبو محجن ، وعاود التجربة، وعاود مرةً ومرة، وفي بعض أيام القادسية رأته زوجة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؛ فرقت له؛ فاقتربت منه وسألته؛ فقال: أسألك بالله يا سلمى فكي قيدي وأعطيني فرس وسلاح سعد -فإن سعداً رضي الله عنه كان قد ابتلي بمرضٍ شديدٍ أقعده في بعض أيام القادسية؛ فكان ينام على بطنه، وهو يخطط، ويصدر الأوامر في هذه الحالة، ولا يستطيع أن يستوي على ظهر فرسه البلقاء -فقال لها: أسألك بالله أعطيني فرس سعد ( البلقاء )، وسلاح سعد ، وأعاهد الله عز وجل إن نجاني الله أن أرجع إلى سجني لأضع القيد في رجلي بيدي، وإن قتلت فالحمد لله؛ ف

    1.   

    علاقة القرآن بالسنة

    مداخلة: بعض الناس لا يقبل السنة إلا إذا كانت موجودة في القرآن فمن الناس من يهجر السنن ويتركها بحجة أنها ليست في القرآن الكريم؟ الشيخ: هذا خطر عظيم، لقد ظهرت جماعة تسمي نفسها بالقرآنيين، والقرآنيون جماعة ظهرت في بلاد الهند تزعم أنه لا حاجة في السنة، ويكفينا القرآن؛ فهؤلاء لا هم أخذوا بالقرآن، ولا هم أخذوا بالسنة؛ لماذا؟ لأن من ضيع السنة فقد ضيع القرآن. وينبغي أن نعلم يقيناً أيها الأفاضل -من إخوةٍ وأخوات- أن القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن؛ أكررها وهي قولة العلم الإمام الأوزاعي رحمه الله قال: القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن. والقرآن لا يمكن على الإطلاق أن يفهم إلا من خلال سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك بسند صححه الذهبي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)، لن يفارق القرآن السنة، ولن تفارق السنة القرآن؛ حتى يرد القرآن والسنة على النبي صلى الله عليه وسلم في حوضه الشريف، والقرآن نفسه يأمر باتباع السنة، قال الله جل وعلا: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7]، الذي يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام إما سنة قولية، أو سنة فعلية، أو سنة تقريرية؛ فالقرآن يقول: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]، والقرآن يقول: مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، والقرآن يقول: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56]، والقرآن يقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا [المائدة:92] أي: احذروا أن تحيدوا عن طريق رسول الله تبارك وتعالى أو تقعوا في معصيته، والله تبارك وتعالى في آيات كثيرةٍ جداً يأمر باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ [آل عمران:31].

    أحوال القرآن مع السنة

    انظر إلى التفصيل البديع لـابن القيم رحمه الله حيث يقول: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة موافقةً للقرآن من كل وجه. يعني: يأتي القرآن فيأمر بالتوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، فهذه وردت كثيراً في القرآن، الله تبارك وتعالى يأمر عباده بعبادته، ويأمر عباده بالصلاة، ويأمر عباده بالتوحيد في آيات كثيرة جداً: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256]، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].. إلى آخر الآيات. ويأمر بالصلاة: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)، ويأمر بالزكاة: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، ويأمر بالحج: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، ويأمر بالصيام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] فتأتي السنة هي الأخرى لتأمر بمثل ما أمر به القرآن، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله -دعوة للتوحيد- وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً). الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحةً لما أجمله القرآن. رب العزة أمرنا في القرآن بالصلاة، قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، افتح لي المصحف من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس؛ وأخرج لي آية من القرآن الكريم تقول: إن صلاة الظهر أربع ركعات؛ هات لي آية في القرآن، مستحيل! هات لي آية في القرآن تحدد لي أركان الصلاة! اقرأ علي آيةً في القرآن تبين لي أسباب بطلان الصلاة، أو تبين سنن الصلاة، أو أحكام الصلاة تبين ذلك، مستحيل! إذاً: أين نجد هذا الكلام؟! في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصلي الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ويعلم الصحابة رضوان الله عليهم؛ ثم يأمرهم ويقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي). القرآن قال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، لكن متى أصلي؟ وكيف أصلي؟ يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ليوضح ما أجمله القرآن، هذا هو الوجه الثاني: أن تأتي السنة مفسرةً موضحةً مبينةً لما أجمله القرآن الكريم. يقول ربنا تبارك وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، كيف نحج؟ متى نقف على عرفات؟ وما هي حدود عرفات؟ وما الفرق بين وادي عرفة ووادي عرنة؟ وكيف نرمي الجمرات؟ ومن أين نأخذ الجمرات؟ كل هذا لا تجد له ذكراً في القرآن، إنما جاء الأمر مجملاً: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]. فيأتي الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم ليفصل، ويفسر، ويوضح ما أجمله القرآن في قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]؛ فيحج أمام الصحابة، ويعلم الصحابة رضوان الله عليهم مناسك الحج والعمرة؛ ثم يلتفت إليهم ويقول: (خذوا عني مناسككم). هذا هو الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحةً لما أجمله القرآن، وعلى ذلك أمثلة كثيرة جداً في القرآن كله، وكما ذكرت لا يستطيع أحد مهما كان عقله أن يزعم أنه يفهم القرآن بعيداً عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. يعني: مثل هؤلاء اجعله يغلق كل كتب السنة، ويقرأ القرآن وحده، ويفهمني من القرآن كيفية الصلاة، وكيفية الزكاة، مستحيل حتى يرجع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليقف على تفصيل هذه الأوامر القرآنية المجملة. الوجه الثالث -وهو من أخطر أوجه السنة مع القرآن-: أن تكون السنة موجبةً أو محرمةً لما سكت عنه القرآن. إذاً: السنة مصدر تشريع مستقل تماماً، اسمع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يقول؟ روى أبو داود ، والترمذي وغيرهما بسند صحيح من حديث المقداد بن معد يكرب رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه -يعني: القرآن والسنة، وليس الكتاب فقط، انظر إلى التعبير النبوي- ألا يوشك رجلٌ شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن -يعني: يكفينا القرآن- فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه -يعني: في القرآن فقط- وما وجدتم فيه من حرام فحرموه -اسمع لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول-: ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي) أخرج لي هذا من القرآن، لا تجدها في القرآن، هذا تشريع جديد، النبي صلى الله عليه وسلم يحرم: (ولا كل ذي نابٍ من السباع، ولا لقطة المعاهد) وفي لفظ: (إلا لمن عرفها) وفي لفظٍ: (فإن ما حرم الله كما حرم رسوله صلى الله عليه وسلم). فالنبي صلى الله عليه وسلم مشرع، فالسنة هنا تحل وتحرم. ومن هنا يتضح لنا أيها الفاضل: أن القرآن أحوج إلى السنة كما رأيت؛ لأنه لا يمكن لعاقلٍ على وجه الأرض أن يفهم القرآن إلا إذا رجع لسنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فلا ينبغي أن نحقر السنة أو نقلل من شأن السنة، بل إذا نظرت إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لرأيت العجب العجاب في اتباعهم للسنة وحرصهم عليها. أذكر نقاطاً سريعة جداً، يقول الصديق رضوان الله عليه: (إنما أنا متبع ولست مبتدعاً)، ويقول عمر بن الخطاب وهو يقبل الحجر الأسود: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) اتباع للسنة. ويقول علي بن أبي طالب : لو كان الأمر -أمر الدين- بالعقل؛ لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه -لأن باطن الخف هو الذي يقع في الأرض- لكني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على أعلاه، فهم يمسحون على أعلاه. كان النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: اسمعوا .. اجلسوا .. أنصتوا، وعبد الله بن مسعود لم يدخل المسجد بعد، فجلس عبد الله بن مسعود خارج المسجد؛ لأنه سمع قول النبي: (اجلسوا) وهو ما دخل المكان الذي بلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس، وقد ثبت مثل هذا عن غير ابن مسعود رضي الله عنه. هكذا ينبغي أن نكون مع سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وأسأل الله أن يردنا إلى السنة رداً جميلاً، آمين يا رب العالمين.

    1.   

    من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه

    من حقوق النبي عليه الصلاة والسلام علينا أن نصلي ونسلم عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من صلى علي صلاةً؛ صلى الله عليه بها عشراً) وهذا من حقوقه علينا، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، فنحن مأمورون بالصلاة على الحبيب، وهذا من أعظم حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا، وأنت الرابح؛ يقول الحبيب: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً)، والحديث رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو . ومن الأحاديث الجميلة ما رواه الإمام أحمد والإمام أبو داود وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، وإن صلاتكم معروضة علي فيه؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه، قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! يعني: بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء). فيجب علينا أن نجعل ورداً يومياً للصلاة والسلام على الحبيب صلى الله عليه وسلم، وألا نغفل عن أن نسأل الله عز وجل الوسيلة لنبيه صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً؛ ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منـزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ، وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتـي). مداخلة: بعد ما سمعنا حق الرسول صلى الله عليه وسلم علينا، فعلينا أن نتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، ونأتمر بأمره، وننتهي عن نهيه، ونحب الرسول صلى الله عليه وسلم أشد من حبنا لأنفسنا، وأولادنا، وأموالنا، وإذا كانت نفسي تأمرني بشيء، والرسول صلى الله عليه وسلم يأمرني بشيء آخر، فعلي أن أقدم ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم على ما تهواه نفسي. الشيخ: نعم، وأظن أننا بذلك قد وفينا إن شاء الله تعالى الحديث في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وأسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا جميعاً حبه، وأن يرزقنا اتباعه، وأن يحشرنا في زمرته وتحت لوائه، وأن يسقينا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها، وأن نستمتع بالنظر إلى وجه الله في الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين آمين !