إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسان
  4. وصف الرسول صلى الله عليه وسلم

وصف الرسول صلى الله عليه وسلمللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد زكى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم تزكية كاملة، ظاهراً وباطناً: زكى باطنه وطهره من الشرك والكفر، وزكى ظاهره فجعله في أبهى صورة وأجملها. وقد وصف الصحابة لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفصلوا وأجملوا في وصفه، فوصفوا وجهه وأنفه وجبينه وحاجبيه وعرقه وصدره وعنقه وبطنه وكفه ورجله، حتى مشيته وهيئة جلوسه ووقوفه.

    1.   

    تزكية الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، واستن بسننه، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذه الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفى الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته، ودار كرامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! إننا في هذه الليلة على موعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أحلى أن يكون اللقاء معه! وما أجمل أن تكون الكلمات عنه! ورب الكعبة مهما أوتيتُ من فصاحة البيان وبلاغة الأسلوب والتبيان، فلن أستطيع أن أوفي الحبيب قدره، كيف لا وهو حبيب الرحيم الرحمن؟! وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]. فلقد خلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة إبراهيم ومحمداً، واصطفى محمداً على جميع خلقه. زكاه ربه، ومن زكَّاه ربه فلا يجوز لأحد من أهل الأرض قاطبةً أن يظن أنه يأتي في يوم من الأيام ليزكيه، بل إن أي أحد وقف ليزكي رسول الله، وليصف رسول الله، وليتكلم عن قدر رسول الله، فإنما يرفع من قدر نفسه، ومن قدر السامعين بحديثه عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. زكَّاه ربه في كل شيء: زكَّاه في عقله فقال جل وعلا: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2]، وزكَّاه في بصره فقال جل وعلا: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، وزكَّاه في صدره فقال جل وعلا: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]، وزكَّاه في ذكره فقال جل وعلا: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، وزكَّاه في طهره فقال جل وعلا: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ [الشرح:2]، وزكَّاه في صدقه فقال جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]، وزكَّاه في علمه فقال جل وعلا: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5]، وزكَّاه في حلمه فقال جل وعلا: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، وزكَّاه في خلقه كله فقال جل وعلا: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الله أكبر! ومما زادني فـخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسـلت أحمد لي نبياً من أنا؟! ومن أنت؟! لنتشرف بأن يكون حبيبنا ونبينا ورسولنا هو ابن عبد الله المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أهمية معرفة شمائله صلى الله عليه وسلم

    أيها الأحبة! هذا الحبيب يحلو لكل مسلم محب أن يتذكره، وأن يتصوره، وأن يتخيله، وأن يعيش بقلبه مع هذا الحبيب، ليعرف كيف كانت حياته؟ كيف كان وجهه؟ كيف كان شعره؟ كيف كانت لحيته؟ كيف كان صدره؟ كيف كانت يده؟ كيف كانت قدمه؟ كيف كانت مشيته؟ كيف كانت نومته؟ كيف كان طعامه؟ كيف كان شرابه؟ كيف كان أكله؟ كيف كان ذكره؟ كيف كان الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولم لا؟! وقد أمرنا الله جل وعلا أن نقتفي أثره، وأن نسير على دربه، وأن نقلده في كل شيء، قال جل وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]. أنت مأمور أيها المسلم الموحد! أن تسير على دربه، وأن تقتفي أثره، وأن تتبع سنته، تعرف كيف كان يأكل لتأكل مثله، وكيف كان يجلس لتجلس مثله، وكيف كان ينام لتنام على هيئته، وكيف كان يتكلم لتتكلم على طريقته، وكيف كان يمشي لتمشي على طريقته، فهو حبيبك وقدوتك وأسوتك، ولن تصل إلى الله جل وعلا إلا من طريقه، ومن الباب الذي دلك عليه الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم. إن رسول الله -أيها الأحبة- بشر: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ [الكهف:110]، ولكنه لم يكن بشراً عادياً. فمبلغ العلم فيه أنه بشر ولكنه خير خلق الله كلهم قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110]، وهذه هي التي رفعت قدره، وأعلت شأنه، ورفعت مكانته عند الله جل وعلا وعند الخلق، ولن تنال رفقته في الجنة وشفاعته يوم القيامة إلا إن اتبعت سنته، وسرت على طريقته، واقتفيت أثره: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]. رسول الله لم يكن بشراً عادياً أيها الأحبة؛ لأنه شرف بالوحي الذي أنزله الله عليه. ألم تعلم أخي الحبيب! أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث جابر : (أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا نام تنام عينه ولا ينام قلبه) : (جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً: فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقال بعضهم: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدُبةً، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقال بعضهم: أوِّلوها له يفقهها -فسروا له الرؤيا هذه- فقال بعضهم: إنه نائم، وقال البعض: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: الدار هي الجنة، والداعي هو محمد فمن أجاب محمداً دخل الجنة، ومن لم يجب محمداً لم يدخل الجنة، ومحمد فرَّق بين الناس). فمن آمن بالحبيب، وسار على درب الحبيب، واتبع سنة الحبيب، نال شفاعة الحبيب يوم القيامة، ونال رفقته وصحبته في الجنة، ومن خالف هدي الحبيب لم ينل الشفاعة، وحُرِمَ من هذه الرِّفعة وتلك الصُّحبة. أسأل الله جل وعلا أن يمتعنا وإياكم بصحبته بحبنا له، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

    1.   

    صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية

    في هذه الليلة نعيش مع النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يقول قائل: كيف ستصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يصف النبي لابد أن يكون صحابياً عاش مع النبي، ونظر إلى النبي، وكلم النبي، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأقول: قد نقلت إلينا سنة الحبيب ونقلت إلينا أوصاف الحبيب، فكما نقل لنا الصحابة سنته وأحاديثه الشريفة، فإنه نقل إلينا بعضهم وصفه صلى الله عليه وسلم.

    صفة وجهه صلى الله عليه وسلم

    نبدأ بوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخي الحبيب! عش معي بروحك وقلبك لعل الله أن يجعلنا نعايشه بأرواحنا وقلوبنا وأبداننا. صفة وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورد فيه الحديث الذي رواه الإمام البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه يقول: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً، وأحسن الناس خلقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير). لن نقف الآن عند الطول والقصر ولكن سنقف عند وجهه صلى الله عليه وآله وسلم. (كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً) يعني: كان وجه الحبيب مشرقاً منيراً. ابن عباس يقول: (إن للحسنة نوراً في الوجه)، هذا في الرجل العابد عندما يقوم بفعل طاعة، وبفعل حسنة؛ يكون له نور في وجهه وإشراقة، وكأن عليه مسحة من النور والضياء. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها -أو فوعاها- وبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع) يعني: تبقى هناك نضرة على وجه الطائع، والنضرة: هي الإشراقة والنور. ومستحيل أن يكون وجه الطائع الذاكر الزاكي كوجه العاصي المذنب الذي يتجرأ على الله بالمعاصي في الليل والنهار، محال ورب الكعبة! انظر إلى وجه قسيس يحمل لحية كثة، وإلى وجه موحد يحمل لحية ولو كانت قليلة، سترى الفارق الكبير بين وجه تعفر في التراب ذلاً لله، وبين وجه تجرأ على ملك الملوك جل وعلا بالمعصية في الليل والنهار، فما بالك بوجه الحبيب الذي فطره الله على التوحيد وجبله الله على الطاعة؟! بل وأكرمه وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلذلك كان وجه الحبيب صلى الله عليه وسلم أحسن الوجوه. وفي صحيح البخاري أيضاً: (كان صلى الله عليه وسلم إذا سر -أي: فرح- استنار وجهه كأنه قطعة قمر) سنعيش في هذه الليلة مع الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم اجمعنا به في الجنة. وأخرج الدارمي والبيهقي عن جابر بن سمرة -والحديث حسن بشواهده- قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أضحيان -أي: في ليلة مقمرة- فجعلت أنظر إلى النبي وأنظر إلى القمر، وأنظر إلى النبي وأنظر إلى القمر، وأنظر إلى النبي وأنظر إلى القمر، ثم قال رضي الله عنه: فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في عيني أحسن من القمر) إي والله! لأن القلوب امتلأت بحب الحبيب صلى الله عليه وسلم، كانت قلوب طاهرة وأوعية نقية ملئت بحب الحبيب. يا أخي! ما كان الواحد فيهم يصبر على أن يمر اليوم ولم ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعض الناس لما يخطب فتاة ويتعلق قلبه بها تراه كل يوم يريد أن يرى محبوبته، فما ظنك بهؤلاء الذين ملأ قلوبهم حب الحبيب صلى الله عليه وسلم، كان الواحد منهم يكون في البيت قاعداً مع زوجته ومع أولاده، ثم ما يلبث أن يتذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيلبس ملابسه ويقوم خارجاً، فتقول له زوجته: إلى أين؟ فيقول: أريد أن أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تاقت نفسي لرؤيته، ويذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (يا رسول الله! إذا كنت في بيتي فتذكرتك لا أصبر حتى آتي لأنظر إليك، وتذكرت موتك يا رسول الله! وعلمت أنك إذا مت رفعت في الجنة مع النبيين، وخشيت أني إذا دخلت أن أكون في منزلة أقل فلا أراك، فنزل قول الله جل وعلا: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]) الله أكبر! لا تخف إذا أطعت الله وأطعت الرسول فستكون معه في الجنة. ففي حديث أنس الذي في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحشر المرء مع من أحب)، وكان أنس بن مالك يقول: (اللهم إنك تعلم أني أحب رسولك وأحب أبا بكر، وأحب عمر؛ فاحشرني معهم وإن لم أعمل بعملهم) الله أكبر! احشرني مع هؤلاء وإن كانت أعمالي ليست مثل أعمالهم، ولكن بحبي له صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] هل تستنكر على الصحابة أن امتلأت قلوبهم بحب الحبيب صلى الله عليه وسلم؟!! جذع النخلة يحن ويبكي لفراق الحبيب صلى الله عليه وسلم! وذلك عندما صنع له منبر من ثلاث درجات، ليراه الناس حين الخطبة، فلما صعد النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر، وترك الجذع الذي كان يستند عليه بكى الجذع؛ لفراق رسول الله! إي والله يا إخوة! والحديث في الصحيح، تخيلوا حتى الجذع يعرف النبي صلى الله عليه وسلم، والحجارة أيضاً تعرفه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: (أحد جبل يحبنا ونحبه) الله أكبر!! حتى الحجارة؟! نعم. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18]. إذاً: الحجارة وغيرها من الجمادات تعرف رب العزة وتوحده، انظر إلى السماء وارتفاعها، انظر إلى الأرض واتساعها، انظر إلى الجبال وعظمها، انظر إلى الأفلاك ودورانها، انظر إلى كل ما هو متحرك وإلى كل ما هو ساكن، والله إن الكل يقر بتوحيد الله، ويعلن الخضوع لله، ولا يغفل عن ذكر مولاه إلا كفرة الإنس والجن. كل شيء في الكون يعرف رب العزة، ويعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ورد في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (والله إني لأعرف حجراً بمكة كنت إذا مررت عليه سلم علي قبل البعثة وقال: السلام عليك يا رسول الله) الله أكبر! الحجارة أحبت الحبيب، وكل المخلوقات إلا كفرة الإنس والجن. المؤمن العادي يحبه الله تعالى ويحببه إلى عباده المؤمنين كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل وقال: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلان بن فلان فأحبوه، فيحبه أهل السماء)، فمن أحبه الله يكون محبوباً في السماء، ومعروفاً عند أهل السماء. كذلك من أحبه الله ذكره في الملأ الأعلى، النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله أن يقرأ سورة البينة على أبي بن كعب، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي وقال له: (يا أبي ! قال: نعم يا رسول الله! قال: لقد أمرني ربي أن أقرأ عليك سورة البينة، فنظر أبي إلى رسول الله، وقال: يا رسول الله! وهل سماني باسمي؟! قال: نعم، فبكى أبي ، يقول بعض الصحابة: والله ما علمنا أن الفرح يبكي إلا من يومها! بكى من الفرح)، (يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل وينادي: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء)، ولم يكتف بذلك، بل يقوم جبريل وينزل إلى الأرض وينادي: (يا أهل الأرض! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل الأرض)، وفي رواية: (فيوضع له القبول في الأرض) اللهم اجعلنا وإياكم ممن يوضع له القبول في الأرض. أحد الشباب قال لي: هل أهل الأرض كلهم يحبونه؟! قلت له: لا، يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96] قال ابن عباس : وداً أي: محبة في قلوب عباده المؤمنين، هل تريد من المنافقين وأهل المعاصي أن يحبوا أهل الإيمان؟! لا، ما يبغض المؤمن إلا منافق. إذا سمعت شخصاً يصرح ببغض المؤمن التقي الورع الصالح فاعلم أنه من أهل النفاق والعياذ بالله؛ لأنه لا يبغض أهل الإيمان إلا أهل النفاق، أعاذنا الله وإياكم من النفاق، وجعلنا الله وإياكم من أهل الإيمان والتوحيد. فالمؤمن الله عز وجل يحبه، ويحببه إلى عباده، فكيف يكون حال الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم؟! فسيدنا جابر يقول: (فجعلت أنظر إلى النبي وأنظر إلى القمر فوالله لقد كان النبي عندي أحسن من القمر). وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أيضاً قال: (كان وجه رسول الله كالشمس مستديراً) وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدور مشرق عليه الصلاة والسلام. وأخرج الدارمي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم والحديث حسن بالشواهد من حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها أنه قيل لها: صفي لنا رسول الله فقالت: لو رأيت النبي صلى الله عليه وسلم لقلت: إن الشمس طالعة! الله أكبر! وصفته رضي الله عنها كلمتين مختصرتين، يعني: لو رأيت النبي صلى الله عليه وسلم لقلت: إن الشمس أشرقت علينا بنورها وضيائها، وصف جامع مانع. أما لون وجهه صلى الله عليه وسلم فقد وصفه لنا الصحابة رضوان الله عليهم بقولهم: كان وجه النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، يعني: كان وجه النبي صلى الله عليه وسلم أبيض اللون مشرب بحمرة، وأظن أنه يوجد الآن منا من رأى الحبيب صلى الله عليه وسلم في المنام، وقد قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي) أسأل الله أن يمتعنا برؤيته وإياكم في الدنيا والآخرة.

    صفة شعره صلى الله عليه وسلم

    كان شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس بالجعد القطط -أي: خلاف السبط من الشعر- وليس بالناعم الملفت للنظر، وتوفاه الله عز وجل وهو ابن ثلاث وستين سنة، وليس في شعر رأسه ولا في شعر لحيته إلا عشرين شعرة بيضاء، والحديث رواه مسلم ، انظر إلى السيدة عائشة رضي الله عنها تعد الشعرات البيض في لحية ورأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم! وفي ليلة من الليالي وكانت الليلة لـعائشة رضوان الله عليها، نامت وقام النبي عليه الصلاة والسلام يصلي، فقامت عائشة من النوم وقامت تبحث عنه صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام كان له أكثر من زوجة، وظنت أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى زوجة أخرى في ليلتها؛ فتحسست النبي عليه الصلاة والسلام فوجدته ساجداً يبكي بين يدي الله عز وجل قالت: (أنا في شأن وأنت في شأن يا رسول الله! فالنبي لما انتهى قال: أغرت يا عائشة؟! فقالت: أو لا يغار مثلي على مثلك يا رسول الله! وليلتي ما أفرط فيها أبداً)، يعني: كيف لا أغار على مثلك يا رسول الله! وابيض من شعر رأسه وشعر لحيته صلى الله عليه وسلم عشرون شعرة، وفي رواية: لما سئل قالوا له: (يا رسول الله! ما الذي أظهر فيك الشيب؟! فقال صلى الله عليه وسلم: شيبتني هود وأخواتها) ما الذي نزل عليه في سورة هود؟ نزل عليه قوله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112] الله أكبر! الله ربنا يقول للنبي: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) هذه آية شيبت رسول الله: (شيبتني هود وأخواتها) أخواتها مثل سورة التكوير: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1]، إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1] (الحاقة) (القارعة) (الواقعة) هذه السور هي التي شيبت النبي صلى الله عليه وسلم، النبي يا إخوان! كان إذا سمع رعداً أو برقاً يخاف ويرتعد، ففي سنن الترمذي بسند حسن من حديث عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع رعداً يدخل ويخرج ما يقعد، كانت تنظر إليه عائشة وهو على هذه الحال فتقول: يا رسول الله! مالك؟! فيقول: أخشى أن يكون الله عز وجل قد أمر إسرافيل بالنفخ في الصور)، أنا أخاف أن تقوم القيامة، إنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك يخاف! وفي رواية: (والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً) يعني: لو تعرفون الذي أعرفه لخفتم ولبكيتم من خشية الله؛ وذلك لأنه رأى الجنة والنار.

    صفة عينيه صلى الله عليه وسلم

    كان النبي صلى الله عليه وسلم أدعج العينين يعني: شديدة سوادهما، كأن في عينيه كحلاً عندما تراه من بعيد، وإذا اقتربت منه فإنك لا ترى شيئاً من الكحل. فهذا جابر بن سمرة رضي الله عنه وصف النبي صلى الله عليه وسلم وصفاً كاملاً، يقول: (كنت إذا نظرت إلى رسول الله قلت: أكحل العينين وليس بأكحل) يعني: تراه كأنه مكحل وليس بأكحل. وبالمناسبة لا حرج على الرجل أن يضع كحلاً في عينيه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكتحل بالإثمد، وورد في معجم الطبراني بسند حسنه بعض أهل الحديث أنه قال: (عليك بالإثمد) وهو نوع من أنواع الكحل لونه أحمر. (عليكم بالإثمد؛ فإنه أجلى للبصر، وأنبت للشعر) إذاً: فلنكتحل بالإثمد من باب العلاج حتى لا يتساقط الشعر، ولا تتعب العيون، ما دام فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلنفعل، (عليكم بالإثمد؛ فإنه أجلى للبصر، وأنبت للشعر).

    صفة حاجبيه صلى الله عليه وسلم

    النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان طويل الحاجبين من غير التقاء، يعني: أن حاجبي النبي صلى الله عليه وسلم كانا غير ملتقيين، أي: كان هناك فراغ بينهما، فمن كان حاجباه هكذا فليحمد الله. وكان بين حاجبيه عرق، وهذا العرق كان يظهر إذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم.

    صفة أنفه صلى الله عليه وسلم

    كان النبي صلى الله عليه وسلم أقنى الأنف، أي: طويل الأنف مع دقة الأرنبة، والأرنبة: هي الجزء الأسفل من الأنف أو الأعلى، يعني: لم يكن أنفه غليظاً ولا دقيقاً، ولم يكن طويلاً متدلياً إلى أسفل.

    صفة فمه وخديه وشاربه صلى الله عليه وسلم

    كان صلى الله عليه وسلم أسلت الخدين، يعني: ليس فيه تجعدات، وكان ضليع الفم يعني: فم النبي عليه الصلاة والسلام كان فيه سعة، وإذا كان الرجل ضليع الفم فإنه يكون بليغاً مفوهاً، كان النبي أسلت الخدين، ضليع الفم، أشنب، يعني: كان له شارب. أما حكم الشارب من الناحية الفقهية فبعض أهل العلم كالإمام مالك يقول: لا يجوز حلق الشارب، بل قال: حالق الشارب يؤدب، لكنه قد خالف في ذلك كثيراً من أهل العلم، وأدلتهم صحيحة في هذه المسألة، إذ إنه ثبت عن عبد الله بن عمر رضوان الله عليه أنه كان يحلق الشارب حتى تظهر لحمة شفته العليا، وكان يتأول عبد الله بن عمر في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (جزوا الشوارب) والجز في لغة العرب معناه: الاستئصال، فكان يستأصل الشعر، ويترك شاربه محلوقاً يظهر لحم الشفة العليا، أما بعض أهل العلم فقد تأول حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (قصوا الشوارب) فترك الشارب على حالته هذه، وقصه من أسفل حتى تظهر الحافة العليا للشفة العليا، حتى لا يتشبه باليهود والنصارى، فهم يطلقون الشوارب ولا يحفونها. والأمر فيه سعة، والخلاف في مسألة الحلق والترك خلاف معتبر كما يقول علماء الأصول، أما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يحفه دائماً من أعلى، بحيث تظهر حافة الشفة العليا له صلى الله عليه وآله وسلم. إذاً: كان ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان يعني: الأسنان كانت غير متلاقية، بين كل سن وسن فرق جميل، وهذا أطيب للفم وأجمل. وكان إذا رئي وهو يتكلم ظن الناظر إليه أن نوراً يخرج من بين ثناياه صلى الله عليه وسلم، وهذا الوصف رواه الإمام الترمذي من حديث ابن عباس وهو حديث حسن.

    صفة لحيته وعنقه صلى الله عليه وسلم

    كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، أي: ذا وفرة، وكانت لحيته تملأ صدره صلى الله عليه وآله وسلم، فهيا أيها المحب لحبيبك المصطفى قلده في كل شيء دون خوف من أحد، ورزقك على الله، وأجلك بيد الله، والأمر كله بيد الله جل وعلا، لا تظن أن إعفاءك للحية سيعوق تحركك في الدعوة لدين الله عز وجل، لا والله، لو كان الأمر كذلك لما فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم في وقت كان أحوج فيه إلى أن يدعو الناس لدين الله عز وجل، فلا تتنازل أبداً عن أمر من أمور هذا الدين، ونحن لا نقسم الدين إلى قشور ولباب، ولكنني أتفق تماماً مع أحبابي وإخواني الذين يقولون بفقه الأولويات في أمر الدعوة إلى الله عز وجل، إذ إنه لا يجوز لك أبداً أن تمر على أناس جلسوا يشربون الخمر، فإذا ما قاموا بين يديك ووجدت ثوب أحدهم طويلاً يجرجره على الأرض، فهنا ليس من الفقه أن تقول له: يا أخي! ثوبك طويل قصر الثوب؛ لأن إطالة الثياب حرام، لكن وهو يشرب الخمر الواجب أن تحذره من شرب الخمر، وتبين له حرمته؛ لأنها أعظم، وهذا اسمه: فقه الأولويات. كذلك إذا رأيت علبة سجائر مع شخص وكأس خمر، فليس من الفقه أن تقول: يا أخي! الدخان حرام، بل تبدأ بنهيه عن شرب الخمر أولاً. فأنا مقتنع تماماً مع أحبابي وإخواني الذين يقولون بفقه الأولويات، ولكنني أود أن أقول: شتان بين فقه الأولويات، وبين التحقير والسخرية من الفرعيات والفقهيات! فإن الذي جاء بالكل هو الذي جاء بالجزء صلى الله عليه وآله وسلم. إذاً: يا أحباب! النبي صلى الله عليه وسلم كانت له لحية كبيرة تملأ صدره، فما عليك إلا أن تتوكل على الله ولا تخف، وأطلق لحيتك ولا تحتج بأي شيء، وكن على يقين بأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك. وكذلك لو أكرمك الله بابن ملتزم وأطلق اللحية، فاترك الخوف عليه، ولا تقف حجر عثرة أمامه، لا تكن حجر عثرة في طريق التزام ولدك، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاتباع بكل صوره وأشكاله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أما عنق النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عنقه كإبريق فضة من شدة البياض صلى الله عليه وسلم.

    صفة صدره صلى الله عليه وسلم وعضلاته

    كان النبي صلى الله عليه وسلم عريض الصدر، وهذا يدل على الفتوة والقوة، وكان له في صدره شعرات، وكان الشعر نازلاً ممتداً حتى السرة، يعني: كان الشعر كالقضيب من الصدر حتى السرة، وكان مشدود العضلات، فإذا كان في أرض المعركة، وصمتت الألسنة الطويلة، وخطبت السيوف والرماح على منابر الرقاب، وفي ساحة الوغى، كان الحبيب المصطفى يرفع صوته وينادي في وسط المعركة ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) وهذا علي بن أبي طالب فارس الفرسان، وقائد القواد، رضوان الله عليه، الذي قال له النبي يوم خيبر: (سأعطي الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) علي رضوان الله عليه كان يفخر ويقول: محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي فـعلي فارس الفرسان وهو الذي فتح الله على يديه حصون خيبر كان يقول رضي الله عنه: (كنا إذا حمي الوطيس، واشتدت المعركة، اتقينا برسول الله) أي: كنا نحتمي برسول الله صلى الله عليه، فكان الحبيب مشدود العضلات قوياً، إذا دخل في أرض المعركة وميادين النزال، كان الصحابة رضوان الله عليهم يتقون به من شدة الضربات، وأنتم تعلمون ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وماذا فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر.

    صفة مشيه صلى الله عليه وسلم والتفاته

    كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب يعني: كأنه حجر كبير نازل من فوق، وكان إذا التفت التفت جميعاً يعني: كان لا ينظر من طرف بل كان يلتف كله، وهذه من علامات التواضع، فأنت إذا نادى عليك أحد فلا تنظر من طرف، (ثاني عطفه) لا، بل التفت بكليتك على من يناديك كما كان يفعل الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن تواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يأتي الصحابي ويركبه وراءه على حمار واحد، تواضع ما بعده تواضع، تجد الواحد في عصرنا وفي زمننا راكب عربية أو طيارة وهو راكب في الكرسي الخلفي لوحده، ويستعظم أن يركب معه شخص آخر! وهذا حمار يركبه النبي صلى الله عليه وسلم ويردف وراءه الفضل بن العباس ، وكذلك عبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل يقول: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل). وكان صلى الله عليه وسلم يخفض طرفه، يعني: كان نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، انظر إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم!. فأنت أيها المسلم! انتبه لا تتعال ولا تتبختر، كن متواضعاً، كن ذليلاً لله، اللهم ارزقنا الذل لك، كن منكسراً لله حتى يرفعك الله؛ لأنه من تواضع لله رفعه، فإذا منّ الله عليك بمال فتواضع كثيراً، وإذا من عليك بعلم فانكسر واخضع له سبحانه، وإذا من عليك بحب في قلوب العباد فقل: يا رب سلم سلم، يا رب أحسن الخاتمة، احذر الغرور بالنفس، فالنفس أمارة بالسوء كما قال الله: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53] اجعلها دائماً ذليلة لله، كلما تحدثك بأمر فيه خطر فقل لها: لا، فلا غرور، لا عجب، لا كبر، ولا تمتن على الناس، يقول الله عز وجل: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]، كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94].

    صفة عرقه صلى الله عليه وسلم ورائحته

    أخرج الإمام أحمد والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال: (كان العرق في وجهه صلى الله عليه وسلم كحبات اللؤلؤ)، وكذلك عندما كان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم كان شديداً، ففي مرة من المرات نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وركبة النبي صلى الله عليه وسلم على ركبة أحد الصحابة، فقال ذلك الصحابي: (أحسست أن جبلاً نزل علي من ثقل ما يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكذلك في اليوم شديد البرودة عندما ينزل الوحي ترى العرق يتناثر على وجه النبي صلى الله عليه وسلم كحبات اللؤلؤ، وهذا مع شدة البرد! أما ريح عرقه صلى الله عليه وسلم فقد كان أطيب من ريح المسك، فعلى المسلم أن يكون حريصاً على نظافة ثوبه، وجمال لحيته، وترجيل شعره، وطيب رائحة بدنه، فأنت بهذا تقتدي بالحبيب صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يخرج إلى الناس إلا بعد أن يتجمل ويتزين ويتطيب عليه الصلاة والسلام، وينظر في المرآة ويسرح شعر اللحية، وكان إذا سافر أخذ معه السواك والمرآة والمشط والمكحلة، ويقول عليه الصلاة والسلام: (من كان له شعر فليكرمه) انظر! الإسلام دين جمال! ليس ديناً مهملاً للنظافة، فيا أخي! كن جميل المنظر، طيب الرائحة دائماً، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان جميلاً في كل شيء، ولما سئل قال: (إن الله جميل يحب الجمال) فكان عرق النبي صلى الله عليه وسلم أطيب من ريح المسك؛ لأنه كان يكره أن تشم منه رائحة خبيثة، روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عندنا -يعني: نام عندنا وقت القيلولة- فعرق النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءت أم سليم رضوان الله عليها بقارورة، وجعلت تسلت العرق في القارورة، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها: يا أم سليم ! ما هذا الذي تصنعين؟! قالت: يا رسول الله! عرقك نجعله في طيبنا، هو أطيب طيبنا) يعني: أطيب الطيب عرقك! فهي فعلت ذلك لأجل أن تدهن وتطيب بعرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولقد روى الإمام مسلم أيضاً عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على خدي، فوجدت ليده برداً ورائحة، كأنما أخرج يده من جؤنة عطار) وكان سيدنا جابر شاباً صغيراً، فمن السنة إذا لقيت طفلاً صغيراً أن تمسح رأسه وتلاعبه، قوله: (كأنما أخرج يده من جؤنة عطار) يعني: كأنه أخرج يده من وعاءٍ فيه طيب. وهذا ابن عباس بات عند خالته ميمونة ذات ليلة؛ لينظر إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، فتظاهر ابن عباس بالنوم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قام وتوضأ وصلى، فقام ابن عباس وتوضأ وصلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وجعله عن يمينه، فلما أوقفه عن يمينه قام ابن عباس ورجع للوراء، فبعد أن انتهى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إيه يا ابن عباس ! ما لي أجعلك بإزائي فتخنس؟! فقال له: يا رسول الله! لا يجوز لأحد أن يقف بإزائك وأنت رسول الله)، يعين: كيف أقف بجانبك وأنت رسول الله؟! فـابن عباس مع صغر سنه يصنع هذا الصنيع! فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن مد يده إلى أذن ابن عباس وفركها فركاً يسيراً ودعا له، ففي رواية البخاري قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقه في الدين) وعند أحمد : (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل) وفي رواية أخرى يقول ابن عباس : (فضمني النبي إلى صدره وقال: اللهم علمه التأويل) فاستجاب الله لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك عندما وضع النبي صلى الله عليه وسلم على صدر الشاب الذي استأذنه في الزنا فأحس الشاب ببرد كفه صلى الله عليه وآله وسلم على صدره. وفي الصحيحين من حديث أنس قال رضوان الله عليه: (ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). وعن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر في طريق من طرق المدينة قال الناس: لقد مر اليوم من هاهنا رسول الله)، ولم يكن ذلك إلا لـمصعب بن عمير قبل أن يسلم بمكة، فما بالك بأستاذ مصعب صلى الله عليه وسلم، كان مصعب زهرة شباب قريش، وسيد الفتيان في مكة، وكان يضع على بدنه وثيابه أرقى أنواع العطور، فلما كان يمشي في طريق يقولون: مر من هذا الطريق مصعب بن عمير . فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مشى في طريق من طرق المدينة، عُلِمَ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مر من هذه الطريق؛ وذلك لما يجدونه في الطريق من رائحة طيبة.

    1.   

    وصف أم معبد للنبي صلى الله عليه وسلم

    أختم الحديث بوصف أم معبد، وذلك أنه مرّ النبي عليه الصلاة والسلام عليها ليلة الهجرة هو والصديق ، ففي الهجرة جاع النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وهما في طريق المدينة، فمرا على خيمة فوجدوا فيها امرأة وعندها نعجة مريضة هزيلة، فقام الصديق وقال لها: هل يوجد عندك أكل؟ قالت: لا والله ما عندي أكل، وكان من عادة العرب إكرام الضيف، هل عندك شراب؟ قالت: والله ما عندي، فالنبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى النعجة فقال: (هل يوجد في هذه النعجة لبن؟ قالت له: لا، ليس فيها لبن، وإنما لم ترع مع الغنم لأنها مريضة غير قادرة على المشي، فقال لها: هل تأذني لي بحلبها؟ قالت: نعم، إن وجدت بها لبناً، فمسح عليه الصلاة والسلام على الضرع، وهمهم بكلمات؛ فدر اللبن في الضرع بأمر الله، وأمر أبا بكر أن يحلب والمرأة تتعجب! كيف درت باللبن مع أنه لم يقربها الفحل؟! وبعد أن حلبها قال النبي صلى الله عليه وسلم: اسق أم معبد فشربت، ثم قال: اشرب يا أبا بكر فشرب ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم آخرهم) وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم. وهذا عبد الله بن مسعود رضوان الله عليه يقول: (إنكم لتعدون الآيات عذاباً، وكنا نعدها بركة على عهد رسول الله، فوالذي نفسي بيده! لقد كنا نجلس لنأكل مع رسول الله فنسمع تسبيح الطعام بين يديه)، إي والله! والحديث في صحيح مسلم . وأبو هريرة عندما خرج في يوم من الأيام وكان قد ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، يقول أبو هريرة : فمر علي الصديق فسألته عن آية من كتاب الله، والله ما سألته عنها إلا ليستتبعني فلم يستتبعني، وإنما أجابني عن سؤالي ومضى؛ لأنه لم يعلم بجوعي، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، والله ما سألته عنها إلا ليستتبعني، فأجابني ومضى ولم يفعل، يقول: فكنت جالساً فمر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فقال لي: (أبا هريرة قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق بي، يقول: فتبعت رسول الله فدخل إلى بيته فقال: هل عندكم من طعام؟ فقالت عائشة : نعم يا رسول الله! عندنا قدح فيه لبن أهدي لنا من فلان، يقول: ففرحت بذلك فرحاً شديداً، فقلت: سأشرب اللبن ويذهب ما بي من الجوع فقال لي: يا أبا هريرة ادع أهل الصفة) أهل الصفة: هم مجموعة من فقراء الصحابة كانوا يسكنون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، كلما جيء بطعام للنبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم منه، وأهل الصفة هم أضياف الإسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي هريرة : (ائتني بأهل الصفة، يقول أبو هريرة فحزنت لذلك حزناً شديداً، وقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! ثم إنه دعاهم فأتوا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ! فقال: لبيك يا رسول الله، قال له: خذ القدح وأعطه واحداً واحداً حتى وشربوا جميعاً، يقول أبو هريرة : ثم نظرت في القدح فوالذي نفسي بيده وجدت القدح لم ينقص منه شيء، فقال لي الحبيب: أبا هريرة ! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: اجلس يقول: فجلست، قال: اشرب، قال: فشربت، ثم قال: اشرب مرة ثانية، فشربت ثم قال: اشرب؛ فشربت للمرة الثالثة، فبعد الثالثة قال لي: اشرب فقلت له: والله لا أجد له مسلكاً يا رسول الله! يقول: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح فجلس وشرب يقول أبو هريرة : فوالله بعدما شرب رسول الله رأيت القدح وكأنه قد زاد عن أوله!). إنها بركة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، فلقد قام أكثر من ثلاثمائة صحابي وتوضئوا من قدح صغير كما في الحديث الصحيح من حديث أنس قال: (فوالله رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا من بركة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم. نعود إلى أم معبد تقول: لما رجع زوجي رأى أشياء غريبة، فقالت له زوجته: لقد مر بي رجل شكله كذا وعمل كذا فحكت له القصة. فلنسمع إلى أم معبد وهي تصف النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، يعني: عليه نور، حسن الخلق أي: أن شكله جميل، مليح الوجه، إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، أبهى الناس وأجملهم من بعيد، وأحلى الناس وأحسنهم من قريب، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً -انظر إلى بلاغتها- له رفقاء يحفون به -قيل: هم الصديق رضي الله عنه وعبد الله بن أريقط وابن فهيرة الذين كانوا معه في الرحلة، وعبد الله بن أريقط كان مشركاً- إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر ابتدروا أمره، صلى الله عليه وآله وسلم. من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها أركان يا إخوة! ومن أركان المحبة طاعة النبي في كل ما أمر، والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر، وتصديق النبي في كل ما أخبر. ومحبة النبي يجب أن تكون أكثر من النفس والمال والولد، دون غلو وإفراط ودون تفريط. أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن أحبوا الحبيب، واقتفوا أثر الحبيب، وساروا على دربه، واتبعوا سنته، وأسأل الله أن يحشرنا في زمرته، وأن يحشرنا تحت لوائه، إنه ولي ذلك ومولاه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.