إسلام ويب

علامات الساعة الصغرىللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اختص الله نفسه بعلم الساعة، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا أنه جعل لها أمارات ومقدمات، منها الكبرى منها الصغرى، وقد تحققت بعض العلامات الصغرى وانقضت، وبعضها تحقق ولم ينقض، وبعضها لم يقع بعد، وهذا يدل على قرب قيام الساعة، وأن على المرء أن يستعد لها بالأعمال الصالحة.

    1.   

    الساعة آتية لا ريب فيها

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباء الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة. هذه سلسلة علمية تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها. وهذا هو لقاؤنا الثالث من لقاءات هذه السلسلة المباركة، وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الأول، وتكلمنا عن الجنازة وهي في طريقها إلى القبر تتكلم، ثم توقفنا مع الجنازة وقد أغلق عليها القبر ليعيش صاحبها في نعيم مقيم، أو في عذاب أليم إلى قيام الساعة، وكان من الحكمة والمنطق قبل أن أتكلم عن مراحل الساعة أن أتحدث عن علامات الساعة الصغرى والكبرى، ولذا فإن حديثنا اليوم مع حضراتكم عن العلامات الصغرى بين يدي الساعة، وكعادتنا سوف ينتظم حديثنا اليوم مع حضراتكم في العلامات الصغرى في العناصر التالية: أولاً: الساعة آتية لا ريب فيها. ثانياً: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت. ثالثاً: العلامات الصغرى التي وقعت ولم تنقضِ. رابعاً: العلامات الصغرى التي لم تقع بعد. فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن: يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18]. أولاً: الساعة آتية لا ريب فيها: أحبتي في الله! قد يقول حبيب من أحبابنا معقباً على موضوعات هذه السلسلة: إنكم تهربون من الواقع الذي تعيشون فيه إلى عالم تحلمون أن تعيشوا فيه، وكان من الأولى أن تهتموا بأمور المسلمين وجراحاتهم وآلامهم. وبدايةً فأنا أقدر هذا الشعور النبيل لكل مسلم غيور لا يعيش من أجل الشهوات الرخيصة والنزوات الحقيرة، بل يحترق قلبه على واقع أمته المكلومة الجريحة، وأبشره بأننا -ولله الحمد والمنة- قد تحدثنا في عشرات الأشرطة عن واقع المسلمين المر الأليم، وشخصنا الداء بدقة وأمانة، وحددنا كذلك الدواء من كتاب ربنا وسنة الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم، فليرجع إلى هذه الأشرطة من شاء من الأحبة الكرام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه ينبغي أن نعلم يقيناً -أيها الأحباب!- أن الحديث عن اليوم الآخر ليس من باب الترف الذهني والعلمي، ولا من باب الثقافة الذهنية الباردة التي لا تتعامل إلا مع العقول فحسب، بل إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ولا يصح إيمان العبد أصلاً وابتداءً إلا به، كما في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب وفيه: (أن جبريل عليه السلام سأل الحبيب المصطفى: ما الإيمان؟ فقال الحبيب: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). فالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان بالله، ولا يمكن أن يستقر الإيمان باليوم الآخر في قلب عبد من العباد إلا إذا وقف على حقيقة هذا اليوم وعرف أحواله وكروبه وأهواله. ومن ناحية ثالثة: إذا استقرت حقيقة الإيمان باليوم الآخر في قلب عبد صادق، دفعه هذا العلم بهذا اليوم إلى الاستقامة على منهج الله وعلى طريق الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيعلم يقيناً أنه سيقف غداً بين يدي الله جل وعلا؛ ليكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، ويقول له الملك: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14]. فالهدف من هذه السلسلة إيقاظ المسلمين من غفلتهم ورقدتهم ، وتذكيرهم للاستيقاظ من هذه الغفلة والرقدة الطويلة، وحثهم على التوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.

    موعد الساعة قريب

    عباد الله! إن الساعة آتية لا ريب فيها قال الله جل وعلا: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:6-7]. وإذا كان البشر يرون الساعة بعيدة، فإن خالق البشر يخبر أنها قريبة، قال جل وعلا: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج:6-10]. وقال سبحانه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وقال جل وعلا وقد عبر بصيغة الفعل الماضي: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، بل وعبر الله عن قرب الساعة بالغد القريب، والغد: هو اليوم الثاني لليوم الذي تعيش فيه الآن، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    لا يعلم وقت الساعة إلا الله

    إن علم وقت قيام الساعة من خصائص علم الله جل وعلا، فلا يعلم وقت قيام الساعة ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال سبحانه في سورة الأعراف: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187]، وقال سبحانه في سورة الأحزاب: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:63]. وقال سبحانه في سورة النازعات: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:42-46]. ولا يعلم وقت قيام الساعة إلا الملك سبحانه، فلا يعلم بوقت قيامها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، حتى جبريل عليه السلام وهو أعلى الملائكة، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو أعلى الخلق منزلة، ومع ذلك جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (متى الساعة؟ فقال المصطفى: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) فإذا كان السائل وهو جبريل، والمسئول وهو البشير النذير لا يعلمان وقت قيام الساعة، أفيتجرأ عاقل بعد ذلك ليقول بأنه على علم بوقت قيام الساعة؟! ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس لا يعلمهن إلا الله وتلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34]). وإذا كان الله عز وجل قد أخفى وقت قيام الساعة، فقد أخبر سبحانه وتعالى ببعض العلامات والأمارات التي تكون بين يدي الساعة، ليئوب الخلق وينيبوا ويتوبوا إلى الله جل وعلا، وقد سمى القرآن هذه العلامات والأمارات بالأشراط، فقال سبحانه: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18]. أي: فقد جاءت علاماتها وأماراتها، وهأنذا ذا أقسم العلامات إلى ثلاثة أقسام: أولاً: علامات صغرى وقعت وانقضت وانتهت. ثانياً: علامات صغرى وقعت ولم تنقضِ، بل لا زالت مستمرة. ثالثاً: علامات صغرى لم تقع بعد.

    1.   

    العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت

    بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

    أولاً: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت، وأول هذه العلامات: بعثة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى) فانظر إلى قرب قيام الساعة، ولا تنظر إلى هذه المئات من السنوات، فإن هذه السنوات في حساب الزمن لا تساوي شيئاً على الإطلاق. إذاً: فبعثة النبي علامة صغرى وقعت وانقضت.

    موت النبي صلى الله عليه وسلم

    ومنها: موت النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة أدم فقال: اعدد بين يدي الساعة ستاً: موتي .. .) إلى آخر الحديث. فموت الحبيب المصطفى من أعظم المصائب في الدين، بل هي أكبر الدواهي للمؤمنين الصادقين، وما ابتليت الأمة بمصيبة كموت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

    انشقاق القمر

    ومن هذه العلامات التي وقعت وانقضت: انشقاق القمر، قال سبحانه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، فانشقاق القمر كان علامة من العلامات الصغرى بين يدي الساعة، وقد ورد في ذلك الأحاديث الكثيرة التي رواها الإمام مسلم في صحيحه، وأذكّر حضراتكم بحديث واحد من هذه الأحاديث. ورد من حديث أنس رضي الله عنه قال: (طلب أهل مكة من رسول الله أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر). وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه: (انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم شقين، والنبي يقول: اشهدوا.. اشهدوا..). وسأل المشركون المصطفى أن يظهر لهم آية على أنه نبي من قبل الله، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن تشق لنا القمر في السماء نصفين، فسأل الحبيب ربه فاستجاب الله للمصطفى، وشق له القمر في السماء نصفين، فقال المصطفى لهم: اشهدوا.. اشهدوا.. ومع ذلك أنكروا وأعرضوا وقالوا: سحر مستمر!

    خروج نار في أرض الحجاز

    ومن العلامات أيضاً: خروج نار في أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل في بصرى، أي: في حوران ببلاد الشام. أخي الحبيب! تدبر هذا الحديث العجب الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصْرَى). وبُصْرَى: بلد تسمى حوران في ديار الشام، ولقد وقعت هذه الآية بمثل ما حَدَّث به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. قال الإمام القرطبي في كتاب: (التذكرة) وغيره: ولقد وقعت هذه الآية بمثل ما حدث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ففي يوم الأربعاء في الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة خرجت نار بأرض الحجاز كانت لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، رآها من أرض الحجاز جميع أهل الشام بالشام. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:3-5] وقد وقعت هذه الآية وانقضت.

    1.   

    علامات الساعة الصغرى التي وقعت ولم تنقض

    أيها الأحباب! أكتفي بهذا القدر من العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت، لنقضي بعض الوقت مع العلامات الصغرى التي وقعت ولا زالت لم تنقض بعد. وأولها: الفتن:

    فتن كقطع الليل المظلم

    -آه من الفتن- وقد أطلع الله نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم على الفتن التي ستبتلى بها البشرية والأمة خاصة إلى أن الله يرث الأرض ومن عليها، ومن ذلك: ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حَدَّث، به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه). أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالفتن التي ستقع، وقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وغيره: (يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم)، إي والله! إنها الفتن التي جاءت وأقبلت كقطع الليل المظلم. (تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا). فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل على الإيمان فلا يأتي الليل عليه إلا وقد كفر بالرحيم الرحمن! ويمسي على الإيمان فلا يأتي الصباح عليه إلا وقد كفر بالله جل وعلا!! حقاً: إنها فتن كقطع الليل المظلم!

    فتنة الغربة

    أيها الأحبة الكرام! ومن العلامات: فتنة الغربة .. حيث يشعر المؤمن بالغربة، فيعيش في عالم يشير إليه بالبنان إذا كان ملتزماً، ويشعر المسلم الصادق بالغربة بين الناس إن أعفى اللحية ولبس الثوب القصير، ووضع السواك في فمه بدلاً من السيجارة، ونقب زوجته وجلببها بجلباب العفة والحياء والمروءة والشرف، وانطلق إلى مجالس العلم، وحرص على طاعة الله، وطهر بيته من التلفاز والخبث والمعاصي والمصائب، فيشير الناس إليه بأصابع التطرف والإرهاب والاتهام: وإن قال وقال الله قال رسوله همزوه همز المنكر المتغالي ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالمسلم الصادق الآن يعيش فتنة قاسية ألا وهي فتنة الغربة، كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء). أبشر يا من تشعر بالغربة الآن بين الناس، أبشر بهذه البشارة لك من رسول الله: (فطوبى للغرباء). وفي غير رواية مسلم : (قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟! قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس)، وفي لفظ: (قال: الذين يصلحون ما أفسده الناس)، وفي لفظ: (قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس)، وفي لفظ: (قال: الذين يفرون بدينهم من الفتن)، فأهل الغربة الآن يفرون بدينهم من الفتن، بل لقد روى الترمذي في سننه بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على جمر بين يديه).

    فتنة الشهوات

    أيها الأحبة! إن هذا زمن الفتنة.. زمن الغربة.. زمن يشعر فيه المسلم الصادق بالغربة الحقيقية.. فتنة الغربة وفتنة الشهوات التي صرفت كثيراً من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات، فترى الرجل قد جلس أمام التلفاز إلى الفجر .. أمام مباراة.. أو مسرحية داعرة.. أو فيلم ساقط هابط.. وسمع الأذان بعد ذلك فما تحرك قبله وما تحركت جوارحه للقاء الله ولاستجابة أمر الله جل وعلا. أقبلت الشهوات فلا مانع أن يضحي الرجل بدينه وعقيدته من أجل أن يجلس على كرسي زائل أو منصب ولا مانع من أن يقتل الأخ أخاه ولا مانع من أن يقتل الولد أباه.. ولا مانع من أن يقتل الولد عمه أو خاله من أجل ميراث أو مال!! ورد في الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من كان قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم).

    فتنة الشبهات

    وهناك فتنة الشبهات التي مزقت الشمل، وشتتت الصف، وحولت الأمة الواحدة إلى دول، بل إلى دويلات، بل وتفتتت الدويلات هي الأخرى إلى دويلات وإلى أجزاء، وأصبحت الأمة الآن غثاءً، وهذه فتنة أخرى جديدة تعصف الآن بقلب كل صادق، إذ يرى المسلم واقع أمته مراً أليماً، في الوقت الذي يرى فيه أمم الكفر ودوله قد قفزت قفزات سريعة جداً في عالم الحضارة والرقي والتطور والمدنية، فينظر المسلم الشاب الغيور إلى واقع الأمة، فيرى الأمة ذليلة كسيرة مبعثرة كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة، فتعصف الفتنة بقلبه ويتساءل مع نفسه: أهذه هي الأمة التي دستورها هو القرآن، ونبيها هو محمد عليه الصلاة والسلام، وربها هو الرحيم الرحمن؟! ما الذي بدل عزها إلى ذل؟! ما الذي غير علمها إلى جهل؟! ما الذي حول قوتها إلى ضعف وهوان؟! فلا يجد جواباً فتعصف الفتنة بقلبه. وهناك فتنة الأولاد وفتنة الزوجات، قال جل وعلا: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14]. وهناك فتنة المنصب والجاه، والمكانة والسلطان، وقد خاطب الله حبيبه المصطفى بقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28] وقد قال الله لحبيبه: تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28].. فتن كثيرة!

    تقارب الزمان ونقص العلم وظهور الفتن

    جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟! قال: القتل.. ). وكأن الله قد كشف الحجب لحبيبه المصطفى فهو يحدد واقع البشرية في قرنها العشرين: (إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان)، نعم، فقد تقارب الزمان، بل لقد ورد في سنن الترمذي بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يتقارب الزمان بين يدي الساعة فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كاحتراق السعفة) أي: كاحتراق جريدة من النخيل. والآن قد نزعت البركة من الوقت، فقد كنت بالأمس القريب تصلي الجمعة، فجاءت الجمعة بهذه السرعة، فقد نزعت البركة من الوقت. (إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان وينقص العلم) والمراد بالعلم هنا: العلم الشرعي، فلقد كثر الجهل.. بل قد ترى بلداً كبيراً فإذا نقبت فيه لم تجد عالماً يستفتيه الناس في أمور دينهم، فقل العلم بقلة العلماء الصادقين، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً) وفي لفظ: (حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً)، وفي لفظ: (رؤساءً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). أيها الأحبة! في وقتنا الحاضر قل العلم، وتزبب كثير من الناس قبل أن يتحصرموا، وقبل أن يتعلموا، وبالغوا قبل أن يبلغوا، فقالوا في دين الله بغير علم، فضلوا أنفسهم وأضلوا غيرهم. ومن علامات الساعة وأشراطها: أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر فتن كثيرة كقطع الليل المظلم، تعرض على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، والحديث رواه مسلم من حديث حذيفة قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيُّ قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب إلى قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض). أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أصحاب هذه القلوب التقية النقية التي لا تضرها الفتن، ما دامت السماوات والأرض؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة! وهكذا تظهر الفتن، ويكثر الشح، وقد ينطلق الرجل إلى حقله ليجني الحبوب والزروع والثمار، وقد منَّ الله عليه، وما فكر في أن يخرج حق الله وحق الفقراء، بل إذا ذهب إليه فقير تمعر في وجهه، بل وربما رد عليه بعنف وغلظة وقسوة، ولا يريد أن يخرج حق الله، ولا حق الفقير، مع أن الله قد أكرمه وأنعم عليه ومنَّ عليه لكنه الشح والبخل!!

    كثرة القتل

    ومن العلامات: أن يكثر الهرج، وهو القتل أنتم تتابعون الإذاعات، وتسمعون النشرات فما من يوم يمر الآن على العالم بأسره إلا ويقتل العشرات، بل ولست مبالغاً إذا قلت: ويقتل المئات. انظروا إلى الواقع المر! لا يدري القاتل على أيِّ شيء قتل. يساق الجندي الذي هو عضو من أعضاء القوة في الأمم المتحدة، إلى موقع من المواقع لا علم له عن شيء فيه، ويقال له: قف هنا واقتل فلاناً! لماذا؟! ليس من شغلك ولا من عملك! فيقتل الرجل وهو لا يدري على أي شيء قتل، أما المقتول المسكين فهو لا يدري على أي شيء قتل! لماذا قتل المسلمون في البوسنة؟! لماذا قتل المسلمون في الشيشان؟! لماذا قتل المسلمون في الصومال؟! لماذا قتل المسلمون في فلسطين الذبيحة؟! لماذا قتل المسلمون في مورو؟! لماذا قتل المسلمون في طاجاكستان؟! لماذا قتل المسلمون في كل مكان؟!! على أي شيء قتلوا؟! ما جريمتهم؟! ما الذي اقترفوه؟! ما الذي قدموه؟! (ويكثر الهرج) أي: ويكثر القتل.. لا يدري القاتل على أي شيء قتل وقاتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل.

    إسناد الأمر إلى غير أهله

    ومن علامات الساعة الصغرى التي وقعت ولم تنقض: إسناد الأمر إلى غير أهله، وهي من العلامات الدقيقة التي هي من علامات النبوة قبل أن تكون من علامات الساعة، وقد ورد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن أعرابياً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث الناس، فقال الأعرابي: يا رسول الله! متى الساعة؟ -أي: القيامة ستقوم متى- فمضى النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه ولم يجب الأعرابي على سؤاله، فلما أنهى النبي صلى الله عليه وسلم حديثه قال: أين السائل عن الساعة آنفاً؟! فقال الأعرابي: هأنذا يا رسول الله! فقال الحبيب: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الأعرابي: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). ووالله لقد وسد الأمر إلى غير أهله، وإن الذي يتولى الآن دفة القيادة والتوجيه والإعلام والتعليم والتربية هم الخائنون.. الكاذبون.. الساقطون.. التافهون.. ممن لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، رفعتهم الأمة على الأعناق، وأخرت أهل الصدق وأهل الأمانة، ولا أقول هذا من عند نفسي، بل الواقع يشهد بذلك. تدبر معي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة). وقد صدق المصطفى ورب الكعبة، فقد تكلم التافهون الآن لا في أمر العوام فحسب، بل في أمر الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تكلم التافهون وتقدم الساقطون، وأُخر الصادقون وأهل الأمانة، وهذه من علامات الساعة تحقيقاً لقول المصطفى: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

    تداعي الأمم على أمة الإسلام

    ومن العلامات: تداعي الأمم على أمة الحبيب المحبوب، ففي الحديث الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: كلا، إنكم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت). إنه واقع نعيش فيه.. واقع تحياه الأمة!! تداعت أذل أمم الأرض وأحقر أمم الأرض من اليهود.. من عباد البقر.. من الملحدين في الشيشان.. من المجرمين في كل مكان. تداعت أذل أمم الأرض على أمة الإسلام، وطمع في الأمة الذليل قبل العزيز، والضعيف قبل القوي، والقاصي قبل الداني، وأصبحت الأمة قصعة مستباحة لأمم الأرض!! أصبحت الأمة غثاءً من النفايات البشرية تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة متصارعة متحاربة تفصل بين هذه الدويلات حدود جغرافية مصطنعة ونعرات قومية منتنة، وترفرف على سمائها رايات العلمانية أو رايات القومية والوطنية، وتحكم الأمة كلها قوانين الغرب العلمانية، وتدور بها الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه، ذلت بعد عزة.. وجهلت بعد علم.. وضعفت بعد قوة.. وأصبحت في ذيل القافلة البشرية بعد أن كانت بالأمس القريب تقود القافلة كلها بجدارة واقتدار، وأصبحت تتسول على موائد الفكر الإنساني والعلمي والطبي الغربي بعد أن كانت بالأمس القريب منارة تهدي الحيارى والتائهين الذين أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلم. إنه تداعي الأمم!!

    تسليم الخاصة وفشو التجارة وشهادة الزور

    ومن العلامات الصغرى التي وقعت ولم تنقض ولا زالت مستمرة: ما أخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة) أي: لا يسلم الرجل إلا على رجل يعرفه، وهذا واقع. تمر على أخيك المسلم فلا تلقي السلام عليه؛ لأنك لا تعرفه وهو لا يعرفك، ولا تلقي السلام إلا على من تعرف. (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة) أي: تكثر التجارة بين يدي الساعة. تدبر! (وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة) خروج المرأة للتجارة لتقف مع زوجها في التجارة، يقول النبي: (وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور). اذهب إلى المحاكم لتبكي دماً بدل الدمع على شهادات الزور بعشرة جنيهات، أو بمائة جنيه. رجل ينتسب إلى الإسلام لا يتورع أن يشهد زوراً على رجل يعلم أنه سيوضع الحديد في يديه بهذه الشهادة المزورة. ومن العلامات ما جاء في الحديث: (وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور القلم) ولم يكن هذا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    سياط الشرطة يضربون بها الناس

    ومن العلامات التي وقعت ولا زالت: ما حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن من علامات الساعة ما يمسكه الآن بعض رجال الشرطة في بلاد المسلمين من العصي كأذناب البقر -أي: كذيول البقر- يضربون بها الناس في السجون. هل تتوقع أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن ذلك بهذه الدقة؟! قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه أحمد والطبراني في الكبير بسند صحيح من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة رجال معه سياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله ويروحون في غضب الله)، وهذا وصف عجيب دقيق! (بين يدي الساعة رجال معهم سياط) مثل: الكرباج. (كأنها أذناب البقر)، أي: كذيل البقرة يضربون بها الناس. قال: (يغدون) من الغدوة في الصباح، (يغدون في سخط الله ويروحون في غضب الله)، بل وحكم عليهم رسول الله بأنهم من أهل النار إن لم يتوبوا إلى العزيز الغفار. وخذوا هذا الحديث أيها الأخيار! روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما) وهذه من معجزات وعلامات النبوة. (صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسمنة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). أيها الأحبة الكرام! لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، وأرجئ الحديث عن العلامات الصغرى التي لم تقع بعد إلى ما بعد جلسة الاستراحة. والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    العلامات الصغرى التي لم تقع

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! إن قدر الله لنا البقاء واللقاء فسيكون حديثنا إن شاء الله تعالى عن العلامات الكبرى، والأهم من ذلك أنه يجب علينا ألا نسمع هذا الكلام للتسلية، وإنما يجب علينا أن نأخذه لنتذكر به وقوفنا بين يدي ربنا جل وعلا ولنستعد من الآن بالعمل الصالح، أسأل الله أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخرة، وأن يجعلني وإياكم من الصادقين.

    كثرة المال حتى لا تؤخذ الزكاة

    من العلامات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تقع: ما رواه البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها). ومن أهل العلم من قال: بأن هذا قد وقع على عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فلقد خرج المنادي بأموال الزكاة فأغنى الله الفقراء على يد عمر، بل وزوج عمر الشباب، بل قضى عمر الديون، وأعطى النفقة من أراد الحج من بيت مال المسلمين. ولكن من العلماء من يقول: إن هذه الصورة تكون على مستوى أفراد الأمة لا على مستوى أمير من أمرائها، وستكون بين يدي الساعة وهذه عند جمهور أهل العلم من العلامات التي لم تقع بعد.

    انحسار الفرات عن جبل من ذهب

    خروج المهدي

    ومن العلامات التي لم تقع: خروج المهدي : والمهدي رجل من آل بيت المصطفى من نسل فاطمة بنت رسول الله اسمه على اسم النبي، واسم أبيه على اسم أبي النبي، أخبر المصطفى عنه في كثير من الأحاديث الصحيحة، رواها أصحاب السنن الأربعة وأحمد في المسند وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال جميع علماء أهل السنة والجماعة بأن أحاديث المهدي قد تواترت عن الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد حدد النبي صفته وشكله، ولا يعلم وقت خروجه إلا الله، وأكتفي بهذا الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث علي ؛ قال عليه الصلاة والسلام: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً)، أسأل الله أن يعجل به! وعقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بذلك، أما الشيعة الإمامية فإنهم يعتقدون أن هذا المهدي هو آخر أئمتهم، ويقولون: هو محمد بن الحسن العسكري ، من نسل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يقولون: إن الإمام حاضر الآن في الأمصار وهو غائب عن الأبصار، وهذا لا دليل عليه لا من صريح القرآن ولا من صحيح سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأننا نعتقد أن الله سيصلحه وسيخرجه وقت ما يشاء الملك جل وعلا، ولا يعلم عن وقت خروجه أحد إلا الله. نسأل الله أن يعجل به، وأن يرد الأمة إلى الحق رداً جميلاً، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    1.   

    الفائدة من التذكير بعلامات الساعة

    أيها الحبيب! عد اليوم وفكر في هذه العلامات، وفكر في هذه الأشراط، واستعد للقاء رب الأرض والسماوات، فوالله ما نذّكر بالساعة ولا بأشراط الساعة من أجل الثقافة الذهنية الباردة، وإنما من أجل أن يتذكر كل غافل، وأن ينتبه كل نائم، وأن يعود كل ساهٍ، وأن يئوب كل عاصٍ إلى الله جل وعلا؛ لأنك إذا مت أيها الحبيب! فقد قامت قيامتك، فاستعد من الآن. أيها اللاهي! أيها الساهي! أيها العاصي! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً! اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين.. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان.. اللهم فك سجن المسجونين وأسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع. اللهم اكس المسلمين العراة وأطعم المسلمين الجياع.. اللهم اجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان.. اللهم لا تحرم مصر من نعمة الأمن والأمان وسائر بلاد المسلمين.. اللهم اجعل مصر سخاءً رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر وما بطن وسائر بلاد المسلمين.. اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه يا أرحم الراحمين.. اللهم تقبل منا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم! أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003145623

    عدد مرات الحفظ

    718649764