إسلام ويب

الحساب [1]للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرم الله عز وجل الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، ومن عدل الله أن يجازي عباده يوم القيامة على ما قدموا من خير أو شر -إلا أن يتغمد من يشاء برحمته-، وأمر الحساب أمر عصيب يجب على العبد أن يستعد له، وأن يتوب من سيئاته، ويحاسب نفسه على النقير والقطمير، والصغير والكبير من العمل.

    1.   

    لا ظلم اليوم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيَّاكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. وأسأل الله الكريم الحليم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الكريم على طاعته أن يجمعنا في الآخرة، مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، بعنوان: (في ساحة الحساب)، وسوف ينتظم حديثنا مع هذا المشهد الرهيب المهيب في العناصر التالية: أولاً: لا ظلم اليوم. ثانياً: العرض على الله وأخذ الكتب. ثالثاً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. فأعيروني القلوب والأسماع. والله أسال أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض، ويوم العرض، إنه حليم كريم رحيم. أولاً: لا ظلم اليوم. أيها الأحباب الكرام! والله لو عذب الله أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، فهم عبيده وفي ملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه جل وتعالى قد حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً: قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]. وقال جل وعلا: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]. وقال جل وعلا: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [غافر:31]. وقال في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر ، عن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال: (يا عبادي! إني حَرَّمْتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). فالله جل وعلا عدل لطيف، حليم كريم، لا يظلم أحداً من خلقه، ولا يظلم أحداً من عباده، ولذا فإن الله جل وعلا يحاسب العباد يوم القيامة وفق القواعد التالية:

    العدل التام الذي لا يشوبه أي ظلم

    القاعدة الأولى: العدل التام الذي لا يشوبه أي ظلم. هذه هي القاعدة الأولى: العدل التام الذي لا يشوبه ظلم، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].كفى بالله حسيباً، اعلم بأنك لن تعرض على محكمة كمحاكم الدنيا، ففي محاكم الدنيا قد يجيد المحامون التزويرَ والتحريفَ، أو قد يجيد المحامون إقامة الحجة للخصم فيخرج، وربما يخرج الخصم وهو مدان، أما يوم القيامة فاعلم بأن الذي سيتولى حسابك هو: من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ). وقال جل وعلا: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، وقال تعالى: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:17]. .فالمقصود: أن عمل ابن آدم كله محفوظ ومسطور في كتاب عند الله جل وعلا، لا يضل ربي ولا ينسى، واعلم بأن ما نسيه الإنسان لا ينساه الرحمن. دع عنك ما قد فات في زمن الصِّبَا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه المـلكان حيـن نسـيته بل أثـبتاه وأنـت لاه تـلعب والـروح مـنك وديعة أودعتها ستردها بالرغم مـنك وتسـلب وغـرور دنياك التي تـسعى لها دار حـقيقتها مـتاع يـذهب الـليل فاعلم والـنهار كـلاهما أنفاسنا فيـهما تعـد وتحـسب فما نسيه الإنسان لا ينساه الرحمن، فالقاعدة الأولى هي قاعدة العدل، قال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40].

    لا تزر وازرة وزر أخرى

    القاعدة الثانية: أن لا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى. لا تؤاخذ نفس بذنب نفس أخرى، بل إن كل نفس تؤاخذ بإثمها وتعاقب بجرمها: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:13-15].وقال سبحانه: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم:36-41].فلا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل سيمر الولد يوم القيامة على والده، فيقول له والده: أي بني أنا أبوك! أعطني حسنةً من حسناتك، فلقد كنت لك نِعْمَ الأب، فيقول الابن لأبيه: نفسي! ويقول الابن لأمه: نفسي! وكيف لا، وقد قال كل نبي من الأنبياء في هذا اليوم العصيب: نفسي، نفسي، نفسي، إلا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟!

    إعذار الله لخلقه

    القاعدة الثالثة: إعذار الله لخلقه. هذه هي قواعد العدل التي سيحاسب الله بها عباده يوم القيامة: إعذار الله لخلقه. الله جل وعلا هو الحكم العدل، وهو اللطيف العليم الخبير، وهو الذي يعلم ما عمل العباد من يوم أن خلقهم إلى يوم أن قبضهم، ومع ذلك فمن عظيم عدله وفضله: أنه يعرض أعمال العباد عليهم يوم القيامة، حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه جل وعلا، قال سبحانه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30]. وقال سبحانه: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14].وقال جل وتعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5]. فالله يقيم الحجة على خلقه في الدنيا، بل ويبين ويعرض عليهم أعمالهم في الآخرة؛ حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه سبحانه.

    إقامة الشهود على العباد

    القاعدة الرابعة: إقامة الشهود على العباد. وأعظم شهيد على العباد يوم القيامة هو الملك، الذي يعلم السر وأخفى، وعلم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، فالله جل وعلا هو أعظم شهيد علينا يوم القيامة. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [النساء:33].ثم تأتي الرسل فتشهد على جميع الأمم، وتأتي أمة الحبيب فتشهد على جميع الأمم، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].وقال تعالى مخاطباً حبيبه المصطفى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41].وفى صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب صلى الله عليه وسلم قال: (يُدْعَى نوحٌ يوم القيامة فيقال له: يا نوح! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله: هل بَلَّغْتَ قومك؟ فيقول نوح: نعم يا رب! فيدعى قوم نوح ويقال لهم: هل بَلَّغَكُم نوح؟ فيقولون: لا، ما أتانا من أحد! فيقول الله جل وعلا: من يَشْهَد لك يا نوح؟ فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته -يقول المصطفى- فتدعون فتشهدون له، ثم أشهد عليكم، فذلك قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]). ثم تشهد الملائكة، قال تعالى: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:21]. ثم تشهد الأرض بما عمل على ظهرها من طاعات وسيئات، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث أبي هريرة : (أنه صلى الله عليه وسلم: قرأ يوماً قول الله: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4] فقال المصطفى: أتدرون ما أخبارها؟! قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها: أن تشهد الأرض على كل عبد أو أَمَةٍ بما عمل على ظَهْرِهَا فتقول: يا رب! لقد عمل كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها! فيجادل العبد اللئيم ربه الكريم ويقول العبد: يا رب! أنا أرفض هذه الشهادة! وأرفض هؤلاء الشهود!)، يا سبحان الله! يظن أنه في محكمة من محاكم الدنيا، يقول العبد اللئيم لربه الرحيم الكريم: أنا أرفض هذه الشهادة، ولا أعترف بشهادة هؤلاء الشهود! كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أنس : (أنه صلى الله عليه وسلم جلس يوماً فضحك! -بأبي هو وأمي-، ثم قال لأصحابه: لم لا تسألونني مِمَّ أضحك؟! فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟! فقال المصطفى: أضحك من مجادلة العبد لربه يوم القيامة، يقول العبد لربه: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟! فيقول:بلى قد أجرتك من الظلم، فيقول العبد: فإني لا أجيز شاهداً علي إلا من نفسي، فيقول الله سبحانه: كفى بنفسك اليوم عليك حسبياً، فيختم الله على فيه -على فمه، وعلى لسانه الذي تعود الجدال والكذب واللؤم والنفاق- ويأمر أركانه وجوارحه أن تنطق، فتشهد عليه جوارحه وأركانه، فإذا خلي بينه وبين الكلام سب ولعن أركانه وقال لها: سحقاً لكن.. سحقاً لكن، فعنكن كنت أناضل). الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]. وقال جل وعلا: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:19-24].

    مضاعفة الحسنات لأهل الإيمان

    القاعدة الخامسة والسادسة لأهل التوحيد والإيمان، أسأل الله أن يختم لنا ولكم بالصالحات. القاعدة الخامسة: مضاعفة الحسنات لأهل الإيمان. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].فالله سبحانه يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها. قال تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160].يضاعف الله الحسنة في الدنيا إلى عشر أمثالها، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وحسن الحديث شيخنا الألباني من حديث أبي ذر الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي: الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفرها). وفي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: ألم حرف، بل (ألف) حرف، (ولام) حرف، (وميم) حرف). وقد يضاعف الله الحسنة إلى سبعمائة ضعف: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].بل قد يضاعف الله الحسنة إلى أكثر من سبعمائة ضعف، فهناك من الأعمال ما لا يعلم ثوابها إلا الله. قال تعالى في الحديث القدسي المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به). ولك أن تتصور الجزاء من الواسع الكريم جل جلاله. والصبر قال الله فيه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    تبديل السيئات حسنات

    القاعدة السادسة -والأخيرة في عنصرنا الأول (لا ظلم اليوم)- هي: تبديل السيئات حسنات. وهذا خاص بعباد الرحمن من المؤمنين والموحدين، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70]. وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: حدثنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال: (إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها: رجل يؤتى به فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيشفق، ويقال له: لقد عملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم -يقول المصطفى-: لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه -وفي هذه الحالة الرهيبة من الرعب والفزع- يقال له: إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول العبد: رب قد عملت أشياء لا أراها هاهنا) قال أبو ذر : (والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحدث بهذا ويضحك حتى بدت نواجذه صلى الله عليه وآله وسلم). تبدل السيئات حسنات لأهل الإيمان والتوحيد، أسأل الله أن يختم لي ولكم بالإيمان والتوحيد.

    1.   

    العرض على الله وأخذ الكتب

    أيها الموحدون! هذه هي القواعد التي يحاسب الله جل وعلا عباده وفقاً لها يوم القيامة، وبها يكون الحساب، وهذا هو عنصرنا الثاني: العرض على الله وأَخْذِ الكُتُب. قال تعالى: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:21-29]. وفى الصحيحين من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّبْ، قالت عائشة : يا رسول الله! أو ليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:7-8]؟! فقال المصطفى: إنما ذلك العرض، وليس الحساب يا عائشة ، فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب). سينادى عليك ليكلمك الله، كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تُرجُمَان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قَدَّمَ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة). تنادي الملائكة: أين فلان بن فلان؟!! فإذا تَيَقّنْتَ أنك أنت المطلوب، وقرع النداء قلبك؛ فاصفر لونك، وتغير وجهك، وطار قلبك، وقد وُكّلَت الملائكة بأخذك أمام الخلق أجمعين، على رءوس الأشهاد، ويرفع الخلائق جميعاً أبصارهم إليك وأنت في طريقك للوقوف بين يدي الملك تتخطى الصفوف! أسألك بالله أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب! تتخطى الصفوف: صفوف الملائكة.. صفوف الجن.. صفوف الإنس في أرض المحشر؛ لترى نفسك واقفاً بين يدي الحق جل جلاله؛ ليكلمك الله، ولتعطى صحيفتك! هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها! وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها! فيا حسرة قلبك -وقتها- على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك! فإن كان العبد من أهل السعادة -اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك- وممن رضي الله عنهم في الدنيا والآخرة، أعطاه الله كتابه بيمينه، وأظهر له في ظاهر الكتاب الحسنات، وفي باطنه السيئات، فيأمر العبد أن يبدأ، فيقرأ السيئات؛ فيصفر لونه، ويتغير وجهه ويخشى العذاب والعياذ بالله! فإذا ما أنهى قراءة السيئات وجد في آخر الكتاب: هذه سيئاتك وقد غفرتها لك؛ فيتهلل وجهه، ويسعد سعادة لا يشقى ولن يشقى بعدها أبداً، ويواصل القراءة حتى إذا ما وصل إلى آخر الكتاب قرأ الحسنات؛ فازداد وجهه إشراقاً، وازداد فرحاً وسروراً، وقال له الملك جل جلاله: انطلق إلى أصحابك وإخوانك -أي: من أهل التوحيد والإيمان- فبشرهم أن لهم مثلما رأيت، فينطلق وكتابه بيمينه، والنور يشرق من وجهه وأعضائه، ويقول لأصحابه وخلانه: ألا تعرفونني؟! فيقولون: من أنت لقد غمرتك كرامة الله؟!! فيقول: أنا فلان بن فلان! انظروا هذا كتابي بيميني! اقرءوا كتابيه! شاركوني السعادة والفرحة، انظروا: هذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذه زكاتي، وهذا حجي، وهذا بري بوالدي، وهذه صدقتي، وهذا إحساني للجيران، وهذا ولائي وبرائي، وهذا بغضي لأعداء الله، وهذه أعمالي، وهذه دعوتي، وهذا أمري بالمعروف، وهذا نهيي عن المنكر، وهذا بعدي عن الغيبة والنميمة، وهذا بعدي عن ظلم العباد: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24]. وإن كانت الأخرى أعاذنا الله وإياكم من الأخرى، إذا كان العبد من أهل الشقاوة وممن غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة، ينادى عليه: أين فلان بن فلان؟!! وسبحان من لا تختلظ عليه الأصوات، ولا تشتبه عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأسماء والصفات! أين فلان بن فلان؟! ماذا تريدون يا ملائكة الله؟! هلم إلى العرض على الله جل وعلا! فيتخطى الصفوف فيرى نفسه بين يدي الله، فيعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، فيقرأ فيسود وجهه، ثم يكسى من سرابيل القطران! ويقال له: انطلق إلى من هم على شاكلتك فبشرهم أن لهم مثلما رأيت، فينطلق في أرض المحشر وقد اسود وجهه، وعلاه الخزي والذل والعار، وكتابه بشماله من وراء ظهره! فينطلق فيقول لخلانه ومن هم على شاكلته: ألا تعرفونني؟! فيقولون: لا، إلا أننا نرى ما بك من الخزي والذل فمن أنت؟!! فيقول: أنا فلان بن فلان، وهذا كتابي بشمالي، ولكل واحد منكم مثل هذا! ويصرخ في أرض المحشر: لقد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً! يصرخ بأعلى صوته ويقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:25-37]. ولله در القائل: مـثل وقـوفك يوم العرض عريانا مستوحشـاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تزفر من غيض ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقــرأ كتابك يا عبدي على مهل فهـل ترى فيه حرفاً غير ما كان فلما قـرأت ولم تـنكر قـراءته إقـرار من عـرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكـتي وامضوا بعبد عصى في النار عطشانا المشركون غـداً في الـنار يلتهبوا والمـؤمنون بدار الخلـد سكـانـا وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله. اللهم صلَّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة الكرام! هذه صورة مصغرة -على قدر جهلي- أقدمها لحضراتكم عن الحساب. ولك أن تعيش بقلبك وكيانك كله هذا المشهد، الذي يكاد أن يخلع القلوب، هذا إن كنا ممن يحمل في الصدور قلوباً! فإنه لا يتأثر بموعظة، ولا يستجيب لآية أو حديث إلا من كان له قلب. قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37]. وكم من الناس الآن من يتحرك في هذه الدنيا وهو لا يحمل قلباً، لقد مات قلبه منذ زمن، وكفن منذ أمد! يسمع القرآن يتلى ولا حياة لمن تنادي! يسمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فربما يسخر ويهزأ بمذكره! فيا أيها الأخ الكريم! حاسب نفسك الآن قبل أن تحاسب بين يدي الجبار. قال عمر -والأثر رواه الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح-: (أيها الناس! حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يوم لا تخفى منكم خافية، فإنما يخف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا). حاسب نفسك الآن أخي الحبيب! واعلم بأن النفس أمارة بالسوء. ولقد وصف الله النفس في القرآن بثلاث صفات ألا وهي: المطمئنة، واللَّوامة، والأمَّارة بالسوء. المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالمصطفى رسولاً. المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى وعد الله ووعيده. هي التي اطمأنت إلى ذكر الله وعبوديته. هي التي تشتاق دوماً للقاء الله سبحانه. واللوامة: هي التي تلوم صاحبها على الخير وعلى الشر. تلوم صاحبها على الخير، لماذا لم تكثر منه؟! وتلوم صاحبها على الشر، لماذا وقعت فيه؟! لماذا تسوف التوبة؟! لماذا تؤخر الصلاة عن بيوت الله؟! إلى متى وأنت على هذا الضلال وهذه البدع؟ تلوم صاحبها على الخير، وتلوم صاحبها على الشر. أما النفس الأمارة: فهي التي تريد أن تخرجك من طريق الهداية إلى طريق الغواية.. من طريق النعيم إلى طريق الجحيم.. من طريق السُّنة إلى طريق البدعة.. من طريق الحلال إلى طريق الحرام. قال تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53].فهذه النفس إن لم تفطمها بطاعة الله شغلتك بالمعصية، وإن لم تلجمها بلجام التقوى شغلتك بالباطل، فالنفس كالطفل، فإن فطمت الطفل عن ثدي أمه انفطم، وكذلك النفس إن فطمتها عن معصية الله وألجمتها بلجام الطاعة والتقوى انقادت. فإن زلت نفسك لبشريتك وضعفك فلست ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، فسرعان ما يدفع إيمانك وعلمك بنفسك الأمارة إلى التوبة والأوبة، والعودة إلى الله جل جلاله، وأنت على كل حال من هذه الأحوال على طريق طاعة الكبير المتعال، وسيد الرجال صلى الله عليه وسلم. النفس أمارة، فحاسب نفسك الآن أيها الحبيب! قبل كل عمل، وبعد كل عمل، لماذا أتيت؟! لماذا سأتكلم؟! لماذا أسكت؟! لماذا أنفقت؟! لماذا أمسكت؟! لماذا أحببت؟! لماذا أبغضت؟! لماذا خرجت؟! لماذا دخلت؟! وبعد الإخلاص في العمل، هل كان العمل موافقاً لهدي المصطفى؟! هل اتبعت رسول الله أم أنا ضال مبتدع؟! فالسؤال الأول عن الإخلاص، والسؤال الثاني عن المتابعة، إذ لا يقبل الله أي عمل إلا بهذين الشرطين، أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، وأن يكون على هدي الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: إن دين الله الذي هو الإسلام مبني على أصلين: الأول: أن يعبد الله وحده لا شريك له، والأصل الثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان رسوله، وهذان الأصلان الكبيران هما حقيقة قولنا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً رسول الله. فحاسب نفسك قبل كل عمل، وبعد كل عمل، وحاسب نفسك على التقصير، يا نفس! إلى متى تعصين وعلى الله تجترئين؟! يا نفس! إلى متى هذا الانحراف عن طرق الله جل وعلا؟! إلى متى تأكلين الربا؟! إلى متى تأكلين الحرام؟! إلى متى تأكلين مال اليتامى؟! إلى متى وإلى متى تتركين الجماعة؟! إلى متى تجلسين على المقاهي والشوارع والطرقات، وتسمعين نداء رب الأرض والسماوات: حي على الصلاة.. حي على الفلاح، وأنت قابعة على معصيتك؟! إن كنت تعتقدين أن الله لا يراكِ؛ فما أعظم كفرك بالله! وإن كنت تعلمين أنه يراك وأنت لازلتِ مصرة على المعصية؛ فما أشد وقاحتك، وأقل حيائك من الله جل وعلا! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة الإسلام؟! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة بعثة سيد الأنام؟! يا نفس اتق الله! وتوبي إلى الله وعودي إلى الله.. فحاسب نفسك أيها المسلم! محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، وحاسبي نفسك أيتها المسلمة! محاسبة الشريك الشحيح، قال ميمون بن مهران : لا يبلغ العبد درجة التقوى إلا إذا حاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح لشريكه. إياك أن تغتر بطاعة! إياك أن تغتر بعلم! بل كن دائماً على وَجَل، فإنما العبرة بالخواتيم. أسأل الله أن يحسن لنا الخاتمة. هذه الصديقة بنت الصديق عائشة الطاهرة المبرأة من السماء، يسألها أحد المسلمين عن قول الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32] ما معناها يا أماه؟ فقالت عائشة : يا بني! أما السابق بالخيرات: فقوم سبقوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد لهم بالجنة، وأما المقتصد: فقوم ساروا على دربه، وماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه: فمثلي ومثلك! عائشة ! لا تغتر بنسبها، فلم تقل: إنني زوج النبي صلى الله عليه وسلم، بل لقد بشرها المصطفى صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومع ذلك فإنها لا تغتر، بل تعرف قدر النفس، وخطر النفس، ولؤم النفس. وهذا فاروق الأمة عمر ينام على فراش الموت، وما أدراكم ما عمر ؟! تعجز العبارات عن وصف عمر الفاروق ، ينام على فراش الموت بعدما طعن، فيدخل عليه ابن عباس فيثني عليه الخير كله، فيقول عمر : (والله إن المغرور من غررتموه، وددت أن أخرج اليوم من الدنيا كفافاً لا ليّ ولا عليّ، والله لو أن لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه). وهذا هو معاذ بن جبل حبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي قال له رسوله : (والله إني لأحبك يا معاذ !) لما نام على فراش الموت بعد ما أصيب بطاعون الشام، قال لأصحابه: (انظروا هل أصبح الصباح؟ ثم بكى معاذ وقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار). وهذا سفيان الثوري إمام الورع والحديث، ينام على فراش الموت، فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد : أبشر يا أبا عبد الله ! إنك مُقْبِلُُ على من كنت ترجوه، وهو أرحم الراحمين! فبكى سفيان وقال: أسألك بالله يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار؟! ونحن جميعاً يقول كل واحد منا: أتظن أن مثلي لا يدخل الجنة؟! فيا أيها المسلم! لا تغتر بطاعة، ولا تغتر بعلم ولا تغتر بعمل، وكن دائماً على وجل كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي غفر له من تقدم من ذنبه، فحاسب نفسك بعد كل عمل، وحاسب نفسك بعد كل معصية، وحاسب نفسك على كل تقصير وعلى كل تفريط، إلى متى تسمع عن الله؟! وإلى متى تسمع عن رسول الله وأنت مفرط ومضيع؟! إن الموت يأتي بغتة، وإن أقرب غائب ننتظره هو الموت. قال سليمان بن عبد الملك لـأبي حازم : يا أبا حازم! مالنا نحب الدنيا ونكره الآخرة؟! فقال أبو حازم : لأنكم عَمَّرتُم دنياكم وَخَرَّبتُم أُخراكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. فقال سليمان : فما لنا عند الله يا أبا حازم ؟ قال أبو حازم : اعرض نفسك على كتاب الله؛ لتعلم مالك عند الله. فقال سليمان : وأين أجد ذلك في كتاب الله؟ قال أبو حازم : عند قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14].أين أنت؟! فقال سليمان : فأين رحمة الله؟! فقال أبو حازم : إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56]. قال: فكيف القدوم على الله غداً؟! قال أبو حازم : أما العبد المحسن فكالغائب يرجع إلى أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يرجع إلى مولاه! أسأل الله أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخرة. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجةً هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وإن أردت بالناس فتنة ف

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002542111

    عدد مرات الحفظ

    718562652