إسلام ويب

أصول التربية [2]للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمتنا الإسلامية أمة ذات كيان مستقل في جميع المجالات، لا سيما المجال التربوي، وإن استقلال الأمة في المجال التربوي، وعودتها إلى مصادر التربية الإسلامية المتمثلة في القرآن والسنة ومنهج السلف الصالح، كفيل بتعويض الأمة ما فاتها من عز وسؤدد، أما جريها وراء الشرق تارة ووراء الغرب تارات؛ مستمدة مصادر التربية من هناك فلن يزيدها إلا ضعفاً وذلاً.

    1.   

    مصادر التربية الإسلامية وأهمية الرجوع إليها

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا الثاني مع أصول التربية في سورة لقمان، وقد ذكرت في اللقاء الماضي أنني سأستهل هذا الموضوع الهام الكبير بمقدمة عامة في أصول التربية، وقد تحتاج منا هذه المقدمة إلى أكثر من لقاء، وجعلت أول عناصر هذه المقدمة هو أسباب اختياري لهذا الموضوع، وذكرت ثلاثة أسباب: الأول: الانفصام بين المنهج والواقع. الثاني: الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية الدخيلة على عقيدتنا وديننا. أما السبب الثالث فهو: هذه الصحوة الإسلامية الكريمة المباركة التي بدأت تتنزل بفضل من الله جل وعلا في كل بقاع الدنيا كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى والأرض العطشى، أو كنسمات ربيع باردة عطرتها وطيبتها أنفاس الزهور، وهذه الصحوة من أجل أن تكون قوية بناءة مثمرة راشدة، فإنها في أمس الحاجة إلى منهج تربوي أصيل منبثق من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة حتى لا يضيع جهد هذه الصحوة سدى كما يضيع ماء الأمطار بين الوديان والشعاب. وها نحن اليوم بإذن الله جل وعلا على موعد مع اللقاء الثاني من لقاءات المقدمة لأصول التربية في سورة لقمان، وحديثنا اليوم عن مصادر التربية في الإسلام. وأعيروني القلوب والأسماع أيها الخيار الكرام! فإن طبيعة هذه الموضوعات المنهجية تحتاج إلى تركيز شديد، ومتابعة مركزة، لاسيما وقد اشتكى إلي كثير من الأحبة صعوبة الطرح في اللقاء الماضي، فأسأل الله جل وعلا أن ييسر لنا الأسباب، وأن يذلل لنا الصعاب، وأن يفتح لنا أبواب علمه وفضله وخيره، إنه حليم كريم وهاب. أحبتي في الله! إن مصادر التربية الإسلامية هي: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ومنهج السلف باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة، والله ما انتكست الأمة المسلمة هذه الانتكاسة الخطيرة في عقيدتها وأخلاقها وسلوكها ومعاملاتها إلا يوم أن تخلت عن هذه المنابع الصافية الطاهرة، وراحت تستقي من معين الحضارة الشرقية الملحدة تارة، ومن معين الحضارة الغربية الكافرة تارة أخرى، دونما تفريق بين الحضارة الصناعية والعلمية، والحضارة التربوية والمنهجية والأخلاقية! وقد آن الأوان وحان الوقت لاسيما بعدما انتقلت الأمة بفضل الله جل وعلا، ثم بفضل هذه الصحوة من مرحلة أزمة الوعي إلى مرحلة وعي الأزمة، حان الوقت وآن الأوان ليتخلص مخططو وواضعو المناهج التربوية لأبنائنا وشبابنا في شتى المجالات، وشتى مناحي وفروع ومراحل التعليم، من عقدة النقص أمام المناهج التربوية الدخيلة على عقيدتنا وديننا؛ لأننا بكل ثقة نملك المنهج التربوي الفذ الفريد المتكامل لكل جزئيات الحياة؛ لأننا نحمل الإسلام، والإسلام وحده هو الذي يملك المنهج المتكامل الوحيد الذي يرتقي بالبشرية إلى ذروة المجد والعلا، وإلى واحة السعادة والهناء في الدنيا والآخرة، وها هو الإسلام ما زال شامخاً يعرض منهجه كمخلص للإنسانية كلها من هذا التيه، والضنك، والركام، بعد أن أحرقها لفح الهاجرة القاتل، وأضناها طول المشي في التيه والضلال، ها هو الإسلام يعرض نفسه ومنهجه كمخلص للبشرية كلها؛ لأنه ابتداء وانتهاء منهج الله خالق الإنسان، الذي قال وقوله الحق: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    1.   

    القرآن الكريم أول مصادر التربية الإسلامية

    إن أول مصدر من مصادر التربية الإسلامية، وإن معين التربية الأول الذي لا يجف، هو القرآن الكريم، فإن القرآن هو معين التربية الأول، وهو مصدر الهدى والنور الذي أشرقت له الظلمات، وهو الرحمة الكبرى التي بها صلاح جميع المخلوقات، وهو نور الأبصار من عماها، وشفاء الصدور من أذاها، كلما ازدادت فيه الأبصار تدبراً وتفهماً وتفكيراً زادها القرآن هداية واستقامة وتبصيراً. القرآن أسمع -والله- لو صادف آذاناً واعية، وبصر -والله- لو صادف قلوباً خالية من الفساد. القرآن الكريم هو النعمة الباقية، والعصمة الواقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، كيف لا وهو كلام الحق جل وعلا؟! إننا أمام القرآن، ومع القرآن، وهو خطاب مباشر من الرحيم الرحمن جل وتعالى. القرآن الكريم معين التربية الإسلامية الأول، وبأسلوبه الفذ الفريد استطاع أن يربي الرعيل الأول تربية متكاملة، وهم الذين حولوا بدورهم هذا القرآن إلى منهج حياة، وواقع متحرك، ومجتمع منظور؛ لأن الرعيل الأول كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم ينتقلوا عنها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلموا القرآن والعمل جميعاً، وبأسلوب التربية الرائع الخلاب للقرآن الكريم تربى ذلك الرعيل الأول تربية سامقة، وجعلهم على القمة التي تشرف على جميع بني الإنسان، واستحقوا -بعدما اكتمل منهج التربية لهم- الخطاب من علام الغيوب في قوله جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    أسس التربية في القرآن الكريم

    إن للقرآن الكريم أسلوبه الفذ الفريد الخاص في وضع أسس التربية المتكاملة: تارة بالحوار، وتارة بالقصص، وتارة بالوصف، وتارة بالترهيب، وتارة بالترغيب، وتارة بالتعريض، وتارة بالوعد والوعيد، أسلوب فذ فريد للقرآن؛ لأنه كلام الرحيم الرحمن الذي خلق النفس ويعلم مكامنها، ويعلم مؤثراتها، ويعلم ما الذي يؤثر فيها، إن القرآن الكريم يخاطب أعماق الفطرة، ويستجيش الوجدان الحي، ويحرك القلوب الحية، والعقول النيرة، ويستنطق الفطر من أعماقها؛ لتوحد الله جل وعلا. بل لقد بلغ من إعجاز القرآن الكريم، وأسلوبه الرائع الخلاب أن خاف المشركون على قلوبهم وأنفسهم من السماع إليه حتى لا يتحولوا من الشرك إلى التوحيد لله جل وعلا، بل لقد كانت وصية بعضهم لبعضهم الآخر كما حكى الله عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] بل لقد ذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم كريم من أيام شهر رمضان المبارك في السنة الخامسة من البعثة المحمدية المباركة، إلى بيت الله الحرام في مكة -زادها الله تشريفاً- حيث جلس السادة والكبراء من المشركين، وقام النبي صلى الله عليه وسلم على رءوسهم، وأخذ يتلو عليهم القرآن الكريم، وافتتح بسورة النجم، وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب، يستجيش الوجدان، ويلمس القلوب، ويحرك العواطف تحريكاً، وأنصت المشركون جميعاً لكتاب الله، وما ظنكم بقرآن الله يتلوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! وأنصت المشركون جميعاً، وانشغلوا عن كل شيء لسماع القرآن كلام الرحيم الرحمن جل وعلا، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة وفيها قوارع تطير لها القلوب: أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:57-62] وخر النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً لله، فلم يتمالك المشركون أنفسهم، وخروا سجداً لله خلف رسول الله! إي وربي خر المشركون سجداً لله خلف رسول الله! أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18]. ولقد روى قصة سجود المشركين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام البخاري في صحيحه في كتاب: سجود القرآن، وعنون لهذا الباب بقوله: باب سجود المسلمين مع المشركين، وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس). إنه كلام الحق جل وعلا، بدأ القرآن بأسلوبه الفذ الفريد في تربية هذا الرعيل الأول -وانتبهوا أيها الأخيار- إن أول لبنة وضعها القرآن الكريم في هذا البناء التربوي الكامل المتكامل هي العقيدة، بدأ الإسلام أسلوبه التربوي، وركز القرآن أسلوبه التربوي بوضع لبنة العقيدة في القلوب. لماذا؟ لأن التربية لا تقوم ابتداء على منهج لوثت فيه العقيدة، ولا شك أن المسلمين اليوم في أمس الحاجة إلى تصحيح العقيدة، فواجب على كل الدعاة الصادقين أن يبدءوا بمثل ما بدأ به القرآن لتربية الأمة المسلمة من جديد؛ لتحاكي الرعيل الأول والمجتمع الأول الذي رباه القرآن على يد أعظم مرب عرفته الدنيا، على يد محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    اهتمام القرآن بالتربية على العقيدة الصحيحة في الله تعالى

    بدأ القرآن الكريم يربي العقيدة في القلوب تربية صحيحة، ويعرف الناس بخالقهم وبربهم جل وعلا، ويعرفهم بالغاية التي من أجلها خلقوا، ألا وهي عبادة الله، فإن الله لم يخلق الخلق سدى وهملاً، بل خلق الله الخلق ليعبدوه، وبالإلهية يفردوه ويوحدوه، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]. بدأ القرآن يعرف الناس بخالقهم، ورازقهم وربهم جل وعلا، بأسلوب عجيب يخاطب أعماق الفطرة؛ ليجعلها تنطق بوحدانية الله، اقرأ قول الله جل وعلا في سورة النمل: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60] يستنطق أعماق الفطرة أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:60-65]. واقرأ قول الله جل وعلا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] إلى آخر الآيات، والآيات في هذا كثيرة جداً.

    تربية القرآن للناس على الإيمان باليوم الآخر

    وبعدما عرفهم القرآن بخالقهم وربهم جل وعلا عرفهم باليوم الآخر، هذا اليوم الذي لابد للإنسان أن يعرض فيه على الله؛ ليحاسب على كل ما قدم: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8] لماذا؟ لأن التربية التي تقوم على الإيمان بالله وعلى الإيمان باليوم الآخر هي وحدها التي تحفظ التوازن في هذه الحياة الدنيا لبني الإنسان، اقرأ قول الله عز وجل وهو يصف لهم اليوم الآخر وصفاً دقيقاً؛ حتى كأنهم يرونه رأي العين: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:1-9]. واقرأ: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:1-5]. واقرأ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2]. واقرأ: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى [المعارج:1-18] إلى آخر الآيات. والآيات في كتاب الله جل وعلا كثيرة، فإن التربية على الإيمان بالله واليوم الآخر هي التي تحفظ التوازن لهذا الإنسان في هذه الحياة.

    تعريف القرآن للناس بأنفسهم وحقيقتها

    وبعدما رباهم على الإيمان بالله وعلى الإيمان باليوم الآخر عرفهم بأنفسهم، من أنت أيها الإنسان؟! وأجاب القرآن على كل تساؤلات الفطرة: من أنت؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ وما هو المصير؟ والتربية الإسلامية الصحيحة التي تقوم على إجابات واضحة في النفس والقلب والعقل والضمير لكل هذه التساؤلات هي وحدها الضمان الوحيد والأكيد الذي يمنح الإنسان السعادة والطمأنينة، ويحميه من الوقوع في القلق والشك والحيرة والاضطراب الذي وقع فيه كثير من الناس بعد الابتعاد عن هذا المنهج الرباني الكريم. وعبر عن هذه الحيرة وعن هذا الشك وعن هذا القلق أحدهم فقال بلسان المقال: جئت ولكني لا أعلم من أين أتيت! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت ! وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت!؟ كيف جئت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري؟! ويمضي في هذا الشك وهذه الحيرة وهذا القلق، يمضي يقطع الطريق كالبهيمة السائمة! لا يعرف لحياته معنى، ولا يعرف لوجوده هدفاً، ولا يعرف لوجوده غاية، وصدق ربي إذ يقول: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] إنه وصف الله جل وعلا لهذا الإنسان الذي لا يدري! لكن المسلم المؤمن يعلم من الذي خلقه، ويعلم لماذا خلقه، ويعلم أن المصير: إما نعيم وإما جحيم، إما إلى جنة وإما إلى نار، ووالله أيها الخيار الكرام! لا يحس بهذه السعادة ولا بهذه الطمأنينة إلا من فقدها، نسأل الله أن يتم علينا وعليكم نعمة الإيمان. الإيمان بالله جل وعلا، ذلكم هو منهج القرآن الكريم الفذ الفريد، ولا أستطيع أن أتوقف عند كل توجيهاته، فإن القرآن الكريم وجه الجماعة الأولى بجميع التوجيهات في جميع مناحي الحياة: السياسية والتعليمية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والمعاملات والسلوك ... إلخ، وبهذا الأسلوب التربوي الفذ الفريد المتكامل استطاع القرآن أن يربي الرعيل الأول هذه التربية السامقة، وأن يستحقوا الخطاب من الله جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]. هذا هو مصدر التربية الأول الذي ما فرط الله جل وعلا فيه من شيء، وواجب على جميع مخططي وواضعي المناهج التربوية لأبنائنا وشبابنا أن يعودوا إلى هذا النبع الكريم الصافي، وإلى معين التربية الأول، إلى القرآن الكريم.

    1.   

    السنة النبوية ثاني مصادر التربية الإسلامية

    ثانياً بإيجاز شديد: المصدر الثاني من مصادر التربية الذي لا يمكن بحال أن يتخلف عن المصدر الأول أو أن يتنكب عنه هو سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. أيها الخيار الكرام! إن السنة الكريمة موضحة ومبينة لكتاب الله، ولقد ابتلينا بصنف خبيث زنديق، وهي شنشنة قديمة حديثة! هذا الصنف رفع عقيرته وقال: بعدم حجية السنة وبعدم وجوب الأخذ بها! ورفع شعار: أنه لا نأخذ إلا بالقرآن! وكذب؛ فوالله إنه يوم أن ضيع السنة ضيع معها القرآن؛ لأن السنة لا تنفصم عن القرآن، ففي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك وصححه الشيخ الألباني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)، وفي لفظ: (وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة). ولقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى عن هذا الصنف الخبيث الذي ينادي بالقرآن ويهجر السنة، ويعرض عنها، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة والإمام الترمذي وصحح إسناده الشيخ الألباني في المشكاة من حديث المقدام بن معد يكرب أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه)، وفي رواية أخرى: (ألا إن ما حرم رسول الله كما حرم الله جل وعلا) نعم، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]. وشخصية النبي عليه الصلاة والسلام منهج تربوي كامل بأقواله وأفعاله وأحواله وتقريراته وسلوكه عليه الصلاة والسلام، وكيف لا وقد رباه الله على عينه، وزكاه في كل شيء! وما تركه وما ودعه وما قلاه، زكاه في صدقه فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى [النجم:3]، وزكاه في بصره فقال: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، وزكاه في فؤاده فقال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]، وزكاه في صدره فقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]، وزكاه في ذِكْره فقال: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، وزكاه في طهره فقال: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ [الشرح:2]، وزكاه في علمه فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5]، وزكاه في حلمه فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، وزكاه كله فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. ما ظنكم بمرب هذه صفاته، وتلك هي أخلاقه، يقررها له رب العالمين جل وعلا؟! إن أعظم مرب عرفته الدنيا هو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    أعظم مرب هو النبي صلى الله عليه وسلم

    أيها الحبيب الكريم! وإذا كان المنهج يؤثر بطابع من يتربون عليه فما ظنكم بمنهج هو القرآن الكريم؟! وإذا كان كل تلميذ يقتبس من أستاذه فما ظنكم بقبس من أستاذ هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! إن أعظم مرب عرفته الدنيا هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكل أحواله وأفعاله منهج تربية، ومنهج حياة، يجب على المسلمين أن يستقوا منه، وأن يأخذوا من معينه الفياض الذي لا يجف ولا ينتهي بإذن الله جل وعلا، ولذلك ينبغي أن نقف مع السنة. والله يا أحباب! إن الناس يعشقون العظمة، ويلتفون حولها بدافع من الإعجاب الشديد، وبدافع من الحب العميق، ولكن شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عن أنها تحب لذاتها فإنها تحب أيضاً لأنه رسول الله مبلغ عن الله، فقد اكتملت فيه صفات العظمة الإنسانية والبشرية فضلاً عن أنه يوحى إليه من ربه جل وعلا، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110] إنه المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهذا بعد جديد آخر أضفى حباً عميقاً في قلوب الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله مهما أوتينا من سحر البيان، وفصاحة اللسان، وعظمة البلاغة والتبيان، فلن نستطيع على الإطلاق أن نعبر أو أن نجسد أو أن ننقل لكم فحوى حب أصحاب النبي له صلى الله عليه وآله سلم! وكيف أستطيع ذلك وقد جاء صحابي جليل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له: (يا رسول الله! والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي لأنظر إليك)؟! أي حب هذا؟! (وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي لأنظر إليك)! لكن الرجل جاء حزيناً فزعاً، ما سبب فزعه وحزنه؟! قال: (وإذا ذكرت موتك يا رسول الله! علمت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك) فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ولم يجبه، فنزل الجواب الندي الرضي من الله جل وعلا: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء:69-70]. والحديث رواه الضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه من حديث عائشة ، وصحح إسناده وحسنه أيضاً الإمام الترمذي ، ورواه الطبراني في الصغير والأوسط، وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله الغامدي وهو ثقة. فينبغي أن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه يحب لذاته فإنه يحب لأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل لما جاء عروة بن مسعود الثقفي ليوقع صلح الحديبية مع رسول الله وقف المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله، أي: عند رأسه، وكان من عادة العرب إذا أرادوا التودد والتقرب أن يعبثوا ويداعبوا لحية من يخاطبونه، فمد عروة بن مسعود يده ليداعب لحية النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان من المغيرة بن شعبة إلا أن ضرب يده بنعل سيفه وهو يقول له: أخر يدك عن لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك، والرسول صلى الله عليه وسلم يبتسم. فلما دقق عروة بن مسعود النظر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد إلى قومه ليقول: يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك: لقد أتيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، ووالله ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه مثلما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمداً! والله إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا الصوت عنده، وإذا تكلموا معه لم يحدوا إليه الطرف تعظيماً له صلى الله عليه وسلم! هذه مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند أصحابه، وهذا الحب أيها الأحباب! هو المفتاح الأول للتربية الصحيحة، وهو الذي يسهل كل صعب بعد ذلك بإذن الله جل وعلا. ولا أستطيع أن أتوقف أمام المنهج النبوي المتكامل، وأكتفي بهذا المشهد الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وقال عنه الحافظ العراقي : إسناده جيد. من حديث أبي أمامة ، أن شاباً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليستأذنه .. هل يا ترى للخروج للجهاد في سبيل الله؟! هل يا ترى في الخروج للدعوة إلى الله جل وعلا؟! هل يا ترى للإنفاق في سبيل الله؟! كلا، وإنما جاء الشاب ليستأذن النبي في الزنا! يقول: يا رسول الله! أتأذن لي في الزنا؟! فقام عليه الصحابة وزجروه وقالوا: مه مه! ماذا تقول؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام -المربي الأعظم بأبي هو وأمي-: (ادن واقترب، واقترب الشاب من رسول الله، ونظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم بمنتهى الرحمة، وقال له: أتحبه لأمك؟! قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم! أتحبه لابنتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم! أتحبه لأختك لعمتك لخالتك؟! قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدر هذا الفتى، ثم دعا له -وهو الذي جاء يطلب الاستئذان للزنا- وقال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم اغفر ذنبه، وحصن فرجه، وطهر قلبه، فخرج الفتى ولم يكن يلتفت بعد ذلك إلى شيء). إنه المنهج التربوي المتكامل. أسأل الله جل وعلا أن يجزي عنا حبيبنا ورسولنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    منهج السلف الصالح ثالث مصادر التربية الإسلامية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الأحبة الكرام! بإيجاز شديد يبقى الحديث في دقائق معدودات عن المصدر الثالث من مصادر التربية بعد القرآن والسنة، ألا وهو منهج سلف الأمة الصالح باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة. والسلف مصطلح يطلق على ما كان عليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وبقية الصحب الكرام، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، والأئمة الخيار المهديين، هذا معنى السلف، وأخطأ والله من جعل السلفية جماعة حزبية ضيقة مغلقة، أخطأ خطأً ذريعاً، ليس هؤلاء هم السلف، وليست هذه هي السلفية، إن السلفية ليست جماعة حزبية ضيقة مغلقة، ولكن السلفية نسبة إلى سلف الأمة الصالح، إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والأئمة الخيار المهديين الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ، قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). ومن ثم فكل من جاء ليسير على هذا المنهج الرباني: على القرآن الكريم، وعلى السنة الصحيحة بفهم سلف الأمة الصالح، فهو ينسب إلى السلف، هو سلفي يستحق هذا التشريف وهو النسبة إلى سلف الأمة الصالح، إن اعتنق عقيدتهم وسار على طريقهم ودربهم فهو سلفي، ينسب إلى سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، ومن عاش بين أظهرهم، وخالف عقيدتهم، وتنحى عن طريقهم، فليس منهم، حتى وإن عاش معهم، وقرب وجمع بينه وبينهم الزمان والمكان، هذا هو التعريف الصحيح للسلفية، ولمنهج السلف، ورضي الله عن ابن مسعود إذ يقول: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم). أيها الأحبة! نتوقف عند هذا المنهج الكبير العظيم الشامل الذي يشمل كل جزئيات الحياة. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يرد الأمة إلى هذه المنابع الصافية رداً جميلاً، ووالله لن تعود للأمة كرامتها ولا هويتها ولا سيادتها إلا إذا عادت من جديد إلى هذا النبع الكريم، وإلى هذا المصدر الشريف. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم جميعاً لنعمل بكل ما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003339414

    عدد مرات الحفظ

    718670359