إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [132]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجنة والنار ملك لله جل وعلا يدخل فيهما من يشاء، فلا يجوز للعبد التألي على الله جل وعلا، والحكم بأن هذا من أهل النار، أو أن هذا من أهل الجنة، إلا من ورد فيه نص من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلينتبه الإنسان من لسانه، فرب كلمة توبق دنياه وآخرته.

    1.   

    حكم الإقسام على الله

    قال رحمه الله تعالى: [قال المصنف رحمه الله: باب ما جاء في الإقسام على الله ].

    هذا أيضاً من جنس ما سبق، وهو مما يتعلق بالربوبية وبجناب الرب جل وعلا، وذلك أن الرب جل وعلا هو المالك لكل شيء، وليس لأحد معه تصرف ولا سلطة، فلا يجوز لمخلوق أن يقسم على الله ويقول: والله يا رب! إنك ستفعل كذا. أو يقول لآخر: والله إن الله سيفعل بك كذا وكذا. أو: إن الله سيعاقبك بكذا وكذا. أو: إن الله لا يغفر لك. أو: إن الله سيدخلك الجنة. أو: سيدخلك النار أو ما أشبه ذلك، فهذا كله لا يجوز؛ لأن هذا في الحقيقة تدخل في شئون الرب جل وعلا، ولا يجوز للعبد أن يتدخل في شئون ربه، بل يجب أن يعرف قدره، وأن يعرف أنه عبد يتصرف الله جل وعلا فيه كيف يشاء، فعليه أن يعرف ذلك ويقف عند حده.

    أما إن ذهب يتألى على الله ويحلف عليه ويقسم عليه فإنه في الحقيقة قد تعدى طوره وركب رأسه، فيوشك أن يأخذه الله جل وعلا ويعاقبه، هذا هو المقصود في هذا الباب.

    ثم لا يرد على هذا أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، وذكر منهم: البراء بن مالك ، ولما وقع من الربيّع ما وقع عند أن كانت جارية صغيرة تلعب في الشارع وقع منها اعتداء فكسرت ثنية جارية أخرى، فجاء أهل الجارية المجني عليها إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكون فقال: (إن لم تعفوا فتكسر ثنية الربيع فقال أخوها: أتكسر ثنية الربيع ؟ قال: نعم. كتاب الله القصاص. فقال: والله لا تكسر ثنية الربيع)، فرضي القوم بالصلح وقالوا: لا نريد القصاص. عند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) فـأنس بن النضر لم يقل: والله إني أقسم عليك أن لا تكسر ثنية أختي. فإن مثل هذا قد يقوله الإنسان المخاصم أو الذي يجادل أخاه، فقد يقول: والله لا يصير هذا. وهو يريد أن يفعل الأمور والأسباب التي يتخلص بها من هذا الشيء، ولا يريد التألي على الله.

    وكذلك ورد أن الصحابة إذا كانوا في قتال يقولون للبراء بن مالك رضي الله عنه: أقسم على ربك أن ينصرنا، فكان يقول: (يا رب! أقسم عليك أن تمنحنا أكتافهم) فينصرون، وفي آخر مرة طلبوا منه ذلك وألحوا عليه فقال: (يا رب! أقسم عليك أن تمنحنا أكتافهم وتجعلني أول قتيل من المسلمين) فنصروا وانهزم العدو، وصار هو أول قتيل قتل، فهذا ليس معناه أنه يتعدى على الله ويدل عليه، وإنما كان يثق بربه ويسأله سؤالاً جازماً، وصورته صورة الإقسام فقط، أما أن يقسم قسماً يريد من الله أن يفعل هذا الشيء للتأكيد فهذا لا يجوز بحال من الأحوال؛ لأن الله جل وعلا هو الذي يتصرف بخلقه, وكل خلقه ملك له.

    ومن المسلّم به عند كل مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أفضل الخلق، وأعلم الناس بالله وأتقاهم وأخشاهم، وهو كذلك أقربهم وأحبهم إلى الله جل وعلا، ومع ذلك لما صارت وقعت بدر كان يجتهد بالدعاء والابتهال، وكان الصحابة كلهم قد ناموا في الليل إلا هو صلوات الله وسلامه عليه فإنه بات قائماً يتهجد ويصلي ويدعو، حتى كان في آخر الليل فصار يلح إلحاحاً بليغاً ويرفع يديه ويقول: (يا رب! وعدك الذي وعدتني يا رب! إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم في الأرض) حتى رحمه أبو بكر رضي الله عنه، وقد سقط رداؤه من على كتفيه لشدة إلحاحه ورفعه يديه، فأخذ أبو بكر رداءه ووضعه على كتفيه والتزمه وقال: (يكيفك مناشدتك ربك)، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاز عنده أن الله جل وعلا يسلط الكفار على المسلمين؛ لأنهم كلهم ملكه وعبيده، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تعبد بعد اليوم) أي أن الإسلام سيمحى كله، فلا يجوز لإنسان أن يدل على الله إدلال الواثق الذي يقسم بأنه يصير كذا وكذا، بل يجب أن يكون خاضعاً لله ذالاً له؛ لأن كل شيء ملك لله، ولهذا السبب لما ذكر الله جل وعلا الجنة وأهلها قال: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108]، ولماذا جاء هذا الاستثناء إلا ما شاء ربك؟ لئلا يطمعوا أن يكونوا مشاركين لله في البقاء والخلود دائماً أبداً، بل الأمر كله بمشيئة الله، لو شاء لأزال ذلك، فالأمر بيد الله جل وعلا.

    وكذلك إذا كان الإنسان يقرر مسألة من مسائل الشرع ثم رأى غيره مخالفاً له فصار يتهدده ويتوعده ويقول: لك النار، وسوف يأتيك كذا وكذا. أو يحلف له بأنه يحصل له كذا وكذا فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا تألٍ على الله، فكلاهما من عباد الله، والله هو الذي يحكم بينهما، وإنما على الإنسان أن يسلك أمر الله الذي أمره ولا يتعداه.

    أما الحكم في العباد ومآلهم وعذابهم أو إثابتهم فهو إلى الله جل وعلا.

    1.   

    شرح حديث: (قال رجل: والله! لا يغفر الله لفلان...)

    [قال المصنف رحمه الله: عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك)رواه مسلم ].

    قوله: (يتألى) أي: يحلف. والأليّة -بالتشديد- الحلف.

    وصح من حديث أبي هريرة.

    قال البغوي في شرح السنة -وساق بالسند إلى عكرمة بن عمار - قال: دخلت مسجد المدينة، فناداني شيخ فقال: يا يمامي! تعال وما أعرفه، قال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة. قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة فقلت: إن هذه كلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة والآخر -كأنه يقول- مذنب، فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه. قال: فيقول: خلني وربي. قال: فوجده يوماً على ذنب استعظمه فقال: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة أبداً. قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ قال: لا يا رب. قال: اذهبوا به إلى النار)قال أبو هريرة : (والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)، ورواه أبو داود في سننه، وهذا لفظه: عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متآخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر. فوجده يوماً على ذنب فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟ قال: والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة، فقبضت أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً، أو كنت على ما في يدي قادراً؟ فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار) ].

    1.   

    الكلمة قد توبق على الإنسان دنياه وآخرته

    [قال المصنف رحمه الله: وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: (تكلم كلمة أوبقت ديناه وآخرته)].

    يشير إلى قوله في هذا الحديث: (أحدهما مجتهد في العبادة)، وفي هذه الأحاديث بيان خطر اللسان، وذلك يفيد التحرز من الكلام، كما في حديث معاذ (قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك -يا معاذ-! وهل يكب الناس في النار على وجوهم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!)والله أعلم].

    في هذا الحديث عبرة، وكونهما متآخيين يعني أنهما ليسا أخوين من النسب، وإنما هما متآخيان على شيء معين، وأحدهما مجتهد في الطاعة والآخر عنده تقصير، وكلاهما مؤمن بالله متبع لشرعه، ولكن كان أحدهما مقصراً يفعل المعاصي ويترك بعض الواجبات، فكان المجتهد يحض أخاه شفقة عليه وغيرة على دين الله، ويغضب لله لا لنفسه، وكان يشفق على أخيه أن يصاب بالعذاب، فكان يلومه كثيراً كلما رآه على ذنب، إما أمر يقصر فيه أو لا يقوم بالأمور الواجبة كما ينبغي، أو ذنب يرتكبه، فكان ينهاه ويزجره ويقول له: (اقصر) يعني: اترك هذه الأعمال وأقلع عنها وخف ربك وهذا المقصر يقول: دعني وربي، ربي هو الذي يحاسبني، وأنت لا تحاسبي ولست عليّ رقيباً، ولكن لشدة اجتهاده وخوفه من أن يناله العذاب كان يلومه، وفي هذه المرة لما رآه على ذنب استعظمه قال هذه المقولة، وهي مقوله ما قالها إلا لأنه غضب، وغضبه لأن محارم الله انتهكت فقط، ولكنه أساء -في الحقيقة- وتعدى طوره، فقال له: (والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة)، وهذا تألٍ على الله، والتألي: هو التعدي في الحلف. فقبضهما الله جل وعلا وأحضرهما بين يديه، فسأل هذا الحالف المتألي: أكنت قادراً على ما في يدي؟ أكنت تمنع ما أريد وترد مشيئتي وأمري؟ قال: لا يا رب فقال للملائكة: اذهبوا به إلى النار. فهذا مجتهد وغضب من المعاصي ومع ذلك ذهب دينه بكلمة قالها، كما قال أبو هريرة : (تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) يعني: أهلكته، وهذا دليل على الخطر الشديد، فالإنسان يجب أن يكون مراقباً دائماً لربه، مراقباً لنفسه أيضاً، ناهجاً الطريق الذي أُمر بسلوكه، ودائماً يستحضر أنه عبد لله يتصرف فيه كيف يشاء، ويستحضر دائماً فقره وفاقته، ويعلم أنه فقير إلى الله لا ينفك عن الفقر لحظة واحدة، وإن وكله الله جل وعلا إلى نفسه هلك، فيتعلق برحمة الله ويرجوه دائماً وأبداً، ولابد من سلوك الشرع في هذا، وإلا هلك، أما هذا المقصر المذنب فغُفر له بسبب هو من أكره الأسباب إليه، وهو كون أخاه قابله بكلام مكروه إليه جداً، فلو جاءك إنسان وقال: أنت من أهل النار ماذا يكون موقفك من هذا القائل؟! سيكون موقفاً صعباً، لكن قد يكره الإنسان شيئاً ويكون خيراً له، وقد يكون شيء مكروه لديه جداً فيكون خيراً له مثل ما وقع لهذا.

    ثم إن في هذا دليلاً على أن الإنسان قد يترك دينه لمجرد كلمة، مثل ما ذكر في حديث معاذ ، وحديثه عظيم جداً في هذا الباب، وهو أن معاذاً رضي الله عنه لفقهه وعلمه كان يقول: كان يدور في نفسي مسألة أحب أن أسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنه كان يتحين الفرص التي يجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً عليه، وكانوا قد نهوا عن كثرة السؤال، فأصبحوا لا يقدمون على السؤال إلا لأمر ضروري، وكان يسير معه في مسير غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الرسول خالياً، فكان يسايره في الليل ويكلمه فقال: (يا رسول الله! أخبرني عن كلمة أمرضتني وأسقمتني قال: نعم سل. قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم -وهذا دليل على فقهه- وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا معاذ ألا أدلك على أبواب الخير؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، -يعني أن صلاة الرجل في جوف الليل أيضاً تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار-، ثم تلا قول الله جل وعلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ فقلت: بلى، يا رسول الله. فقال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى، يا رسول الله. قال: كف عليك لسانك فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟! فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟) يعني: جراء ما يتكلمون به مما يكون فيه العقاب. وفي صحيح البخاري وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)، وفي رواية: (يتكلم بالكلمة ليضحك بها القوم يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).

    والله جل وعلا أخبر أن الإنسان مسئول عن لسانه، كما قال جل وعلا: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] أي: تسأل يوم القيامة عن هذه، فتسأل عن سمعك هل استمعت به إلى الملاهي والمزامير والأغاني، أو إلى كلام الرحمان؟ لأن السمع خلق لك لتستعمله في عبادة الله وتستعمله في ما ينفعك، لا لتستعمله في طاعة الشيطان، فهذه نعمة أنعم الله جل وعلا بها عليك فلا تعص الله بها، ولا تستعن بنعم الله على معاصي الله.

    وكذلك تسأل عن البصر الذي أنعم الله جل وعلا به عليك هل استعملته في طاعة الله؟ وهل قادك ودعاك إلى معرفة الله والاستدلال بآياته عليه، أو أنك استعملته بما يضر وما يعود عليك باللوم والعقاب؟ وكذلك تسأل عن الفؤاد -والفؤاد هو القلب- فتسأل عن نياتك ومقاصدك وإرادتك، وهذه النيات هي قبل النطق، وهي التي تدعو اللسان إلى التكلم، واللسان يتكلم بما وراءه، فيجب أن يكون اللسان مقيداً بالشرع، وكذلك السمع والبصر والأيدي والأرجل وجميع ما أعطاك الله جل وعلا يجب أن يكون مقيداً بالشرع، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها الاستماع، واللسان يزني وزناه النطق، والقلب يتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) أي: فيواقع الزنا الأكبر. فالنظر إلى المحرم زناً، والاستماع إلى المحرم والنطق به كذلك، وهذا إذا كان القلب مريضاً مرض الشهوة تكون أعماله كلها هكذا، نسأل الله العافية.

    والمقصود أن الإنسان خلق لعبادة الله، فيجب أن يكون مقيداً بالعبودية، ولا يكون -كما يقول الملاحدة اليوم- الإنسان حراً، وإذا نهيت إنساناً أو أمرته فقال لك: أنا حر فقل له: حر في ماذا؟ حر في اتباع الشيطان؟! لو كنت حراً لفسدت الدنيا كلها، ولا يمكن أن يستقيم عليها مجتمع أبداً؛ لأنه لابد أن يتقيد الناس بالقيود، وإن لم يتقيدوا فسوف تفسد أوضاعهم، فالإنسان لا يمكن أن يترك هكذا، فقول من يقول: إن الإنسان حر كذب، ما هو بحر، إنما قد يكون حراً في شيء أراده لنفسه، والله جل وعلا جعله عبداً ولم يجعله حراً، فهو عبد معبد لله جل وعلا، فيجب أن يكون طائعاً لله جل وعلا، فهذا الحديث فيه عبرة.

    وجوب الإيمان بعذاب القبر، وبيان ضلال من أنكر ذلك

    ثم في هذا الحديث دليل على أن الناس إذا ماتوا تكون أرواحهم في البرزخ في الجنة أو في النار، أو تكون محبوسة معذبة في مكان ما لأنها لا تستحق عذاب النار، وإنما تعذب بما هو أقل من ذلك، ولهذا هذان الرجلان أُحضرا إلى الله بعد موتهما مباشرة إلى الله، فقال لأحدهما: ادخل الجنة. وقال للآخر: ادخل النار.

    وهذه المسألة من الأصول التي خالف فيها أهل البدع، فهم يقولون: الإنسان بعد الموت لا يعذب ولا ينعم؛ لأنه يصبح تراباً. وروحه أين تذهب؟! قالوا: ما ندري. وهذا مخالف لكتاب الله ولأحاديث رسوله ولإجماع السلف، فإن الله جل وعلا ذكر عذاب المقبور في آيات كثيرة، كما قال جل وعلا في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فأخبر أنهم يعرضون على النار بالغدو والعشي لتعذيبهم فيها، ثم يوم القيامة يدخلون أشد العذاب.

    ويقول الله جل وعلا: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:1-3] أي: تعلمون ماذا يكون بعد الموت من العذاب ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:4] أي: بعد النفخ في الصور.

    وقال جل وعلا: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ [السجدة:21]، فالعذاب الأدنى هو: الذي يكون بعد الموت، والأكبر الذي يكون بعد نفخ الصور.

    أما الأحاديث فهي كثيرة جداً، منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال)، ومر صلوات الله وسلامه عليه بقبرين قد دفنا حديثاً فقال: (هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: لا. فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى -يعني: يعذبان في كبير- أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله)، فأخبر أن المعاصي تكون سبباً لعذاب القبر، وذكر النميمة، والنميمة هي نقل الحديث للغير على وجه الإفساد.

    وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله، يعني: لم يكن يتنزه من بوله ويتنظف ويتطهر منه، بل كان يصيبه شيء منه ويتركه ولا يبالي به. فصار من أسباب عذاب القبر، ولهذا يقول العلماء: إن من أسباب عذاب القبر عدم التطهر الطهارة الكاملة، وكذلك من أسباب عذاب القبر أن يكون الإنسان جاهلاً بربه وبدينه، وكذلك من أسبابه بعض المعاصي المعينة كالتهاون في الصلاة والنميمة والإفساد بين الناس، والظلم عموماً، هذه بعض أسباب عذاب القبر.

    والمقصود أن العذاب يكون في القبر بعد الموت مباشرة، والقبر اسم لما بعد الموت، وليس بلازم أن يُدفن الإنسان في الأرض، بل لو ألقي في البحر لجاءه عذابه أو نعيمه، ولو أحرقته النار لجاءه نعيمه أو عذابه، ولو أكلته الطيور والسباع لابد أن يأتيه النعيم أو العذاب، والعذاب عند أهل الحق يكون على البدن وعلى الروح معاً، وليس على الروح فقط، والروح تبقى حية لا تموت، وإنما تخرج من البدن ويحصل الموت للبدن، ثم هذا البدن قد يصير تراباً، وقد تأكله النار فيصير رماداً وما أشبه ذلك، وقد يلقى في البحر فتأكله الحيتان ودواب البحر، وقد يخرج من بطونها دقيقاً قد طحنته أجوافها وأسنانها ومع ذلك هذه الأجزاء تعذب أو تنعم، هذه الأجزاء الصغيرة التي صارت تراباً تحس بالألم وتحس بالنعيم.

    فالله جل وعلا لا يعجزه شيء، بل قد يدفن جماعة في حفرة واحدة جميعاً ويصبح واحد منهم يعذب وواحد منهم ينعم، وهذا الذي يعذب لا يصل إلى من بجواره من عذابه شيء، والذي ينعم لا يصيب الذي بجواره من نعيمه شيء، وكل هذا من أمور الآخرة التي لا تقاس بأمور الدنيا، وإنما تتوقف على النصوص التي جاءت عن الله وعن رسوله، ففي هذا الحديث بيان أن الله عجل هذا إلى الجنة والآخر إلى النار بعد أن حكم الله جل وعلا بينهما.

    وفيه أيضاً أنه يجوز أن يحبط عمل الإنسان بفعل يفعله، فهذا الرجل تكلم بهذه الكلمة فأحبط عمله -نسأل الله العافية-، ولكن مذهب أهل السنة أن الإنسان لا يكفر بالذنوب، ولكنه معرض لعذاب الله، والأمر بيد الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه وعاقبه، وإن شاء أحبط عمله مثل هذا.

    وفيه أنه لا يجوز لإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة أن يحكم لمعين من الناس بأن هذا في الجنة أو في النار إلا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011158629

    عدد مرات الحفظ

    722109797