إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [126]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنكار علم الله الأزلي ناقض من نواقض الإسلام، ولا يستقيم إيمان المرء حتى يؤمن بمراتب القدر الأربع، وأهمها الإيمان بعلم الله الأزلي للكليات والجزئيات، فلا يقع في ملكه إلا شيء قد علمه، وكتبه، وشاءه، وخلقه.

    1.   

    حكم إنكار القدر

    قال رحمه الله تعالى: [قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في منكري القدر ].

    قوله: ( باب: ما جاء في منكر القدر) يعني: ما جاء من ذكر بعض الوعيد الذي جاء فيمن ينكر القدر، والقدر المقصود به. علم الله جل وعلا الأزلي؛ فإنه علم كل شيء بعلمه الذي هو صفته ولا ينفك عنه بحال من الأحوال، فعلمه أزلي ليس له بداية، فكما أن الله جل وعلا لا بداية له فكذلك صفاته، فهو جل وعلا بصفاته أزلي، فعلمه لا يتغير ولا يزداد علماً بإيجاد الأشياء؛ لأن علمه كامل لا يفوته شيء.

    وقد علم كل حادث سيحدث قبل وجوده، وكل ذلك كتبه في اللوح المحفوظ، فلا يقع شيء إلا وهو مكتوب، ثم كذلك لا يقع شيء إلا بمشيئته وخلقه.

    مراتب القدر

    والقدر عبارة عن هذه الأمور:

    الأول: العلم، أي: علم الله، فإنه عليم بكل شيء.

    والثاني: الكتابة. كتب ما علم.

    والثالث: المشيئة. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما يقع شيء وإن دق إلا قد شاءه جل وعلا، حتى نبض عروق الإنسان وتحريك يده وإصبعه، فكل شيء من حركة وسكون لا يمكن حصوله إلا بمشيئة الله.

    والرابع: الخلق، فهو الخالق وحده ليس معه من يخلق، وهذه الأمور الأربعة تسمى أركان الإيمان بالقدر، ولابد من الإيمان بها.

    وقد حدث في المسلمين إنكار القدر، وإنكار أن يكون الله جل وعلا علم الأشياء أزلاً، ثم كتبها، وهذا حدث في آخر وقت الصحابة رضوان الله عليهم، فكفروا من قال بهذا القول وتبرأوا منه، وأخبروا أنه لو عمل أي عمل فلن يقبل منه؛ لأنه ترك الإيمان بالله، والإيمان بالله جل وعلا في ضمنه الإيمان بالقدر.

    1.   

    أول من قال بنفي القدر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن عمر : (والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم .

    المصنف رحمه الله اختصر الحديث اختصاراً كثيراً، والحديث كما في صحيح مسلم أن رجلين من التابعين أتيا من البصرة وإنكار القدر أول ما حدث حدث في العراق، ويقال: إن أول من تكلم به وأنكره معبد الجهني وقد قتله عبد الملك بن مروان على إنكار القدر، ويقال: إن أول من تكلم به أيضاً رجل من المجوس يقال له سوسن وبعض المؤرخين يقول: إن أول من تكلم به بعض النصارى، فيكون معبد الجهني أخذه عن هؤلاء.

    ويقول بعض العلماء: إن هذا ليس رجلاً واحداً، وإنما هي مؤسسات أُسست لمحاربة الإسلام، فقد يكون من يعتنق أفكار هذه المؤسسة عنده جرأة، فيكون واجهة فيتكلم بالشيء الذي يعرف، وهؤلاء الذين أسسوا ذلك يعلمون أنه لو تكلم به أحد سيقتله المسلمون، فجعلوا لهم واجهات تقوم بهذا الشيء.

    فكان هذا الحدث مبدؤه في العراق في البصرة والكوفة، وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا قال: (اللهم بارك لنا في يمننا، فقال الصحابة: وفي نجدنا! فقال: اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا، وهم يقولون: وفي نجدنا، فقال: ذاك يطلع منه قرن الشيطان) أي: يطلع منه الفتن.

    قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا وهو في المدينة، فيكون المقصود بذلك العراق، هكذا قال بعض الشراح، والواقع يشهد بهذا، ولهذا أول الفتن جاءت من هناك، وهذا الحدث من أولها.

    يقول يحيى بن يعمر : خرج عندنا في البصرة من ينكر القدر، فقدمت أنا وصاحب لي حاجين أو معتمرين، فلما أقبلنا على المدينة قلنا: لو لقينا أحداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله، فوجدنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي وظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إن عندنا أقواماً يتقفرون العلم -وذكر من عبادتهم- إلا أنهم يقولون: الأمر أنف -أي: أنه ليس معلوماً لله سابقاً ولا مكتوباً وإنما يعلمه إذا وجد- فقال عبد الله بن عمر : إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ثم قال: حدثني عمر أنه كان جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فطلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه -يعني: على فخذي نفسه- فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، فقال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره -هذا محل الشاهد-، ثم قال: أخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال: أخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد المرأة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاءَ الشاة يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر ! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، ورواه البخاري من حديث أبي هريرة ، وفي آخره: أن الرجل قام وذهب مولياً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (ردوا علي الرجل)، فقاموا ليردوه فلم يروا أحداً، فأخبرهم أنه جبريل جاءهم يعلمهم أمر دينهم.

    فالمقصود أن عبد الله بن عمر حلف بالله أنه لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً -ومثل هذا لا يكون ولكن تقديراً- ثم أنفقه في سبيل الله فأنه لا يقبل منه شيء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ومعنى ذلك أن الذي يرد القدر يكون كافراً غير مؤمن؛ لأن الذي لا يقبل منه العمل وإن كان كثيراً هو الكافر، وقد اتفق العلماء على أن الذي ينفي علم الله في الأزل أنه كافر بالله جل وعلا.

    ولهذا كان الشافعي يقول: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا، أي: كفر إنكار، ولكن هذه الطائفة انقرضت وأصبحت لا وجود لها، وذهبت إلى غير رجعة إن شاء الله، فهذا كفر ظاهر مخالف للنصوص الواضحة الجلية، ولكونه واضحاً جلياً، فقد أصبح منبوذاً من قبل المسلمين فلا يلتفت إليه، فانقرض القائلون به واندثروا، ولكن فكرتهم ومحنتهم لا تزال موجودة؛ لأنها أقل من هذا القدر، فأصبح إنكار القدر يدور على شيئين:

    الأول: إنكار عموم مشيئة الله، أي: أنه ليس كل شيء يقع قد شاءه الله.

    الثاني: عموم خلق الله، أي: أنه يوجد مع الله خالق يخلق الشيء، وهل هذا دون الأول؟ إذا اعتقد الإنسان أن هناك مخلوقاً يخلق مع الله، هل هذا دون إنكار العلم؟

    في الواقع هم لا يقولون ذلك صراحة لا يقولون: إنهم مشاركون لله جل وعلا في الخلق والإيجاد، ولكن هذا هو لازم قولهم، فهم أقل من أولئك، ووجه ذلك أنهم قالوا: إن الله لم يشأ الكفر ولا المعاصي، وإنما الذي شاء الكفر والمعاصي هم الكفار والعصاة؛ لأن الله لا يأمر بالفساد ولا يحبه، فالذي دعاهم إلى ذلك حسن ظنهم بالله جل وعلا، ولكنهم أخطأوا ووقعوا في الضلال البين الواضح.

    أما أصحاب القول الثاني فإنهم يقولون: إن العاصي أو الكافر هو الذي يوجد المعصية أو الكفر بنفسه، وليس الله هو الذي أوجد ذلك، فيكون العبد خالقاً لفعله. فيقال لهم: يلزم على هذا أن الله أراد من الكافر أن يؤمن ومن العاصي أن يطيع، ولكن العاصي أراد المعصية والكافر أراد الكفر فأيهما غلب؟ فعلى هذا يكون الكافر قد غلبت إرادته، وكذلك العاصي غلبت إرادته إرادة الله جل وعلا، تعالى الله وتقدس.

    وهذا ضلال بين ظاهر واضح، وهو لا يزال موجوداً حتى الآن عند من يزعمون أنهم علماء، وهذا إنكار لعموم مشيئة الله وخلقه جل وعلا.

    1.   

    مدار الإيمان بالقدر

    ولهذا قلنا: إن مدار الإيمان بالقدر على أمور أربعة:

    الأول: الإقرار بعلم الله جل وعلا الأزلي، وأنه لا يفوته شيء، وعلم كل شيء، فكل شيء يقع على وفق علمه في الوقت المحدد له.

    الثاني: الكتابة: كتابته جل وعلا.

    الثالث: عموم مشيئته.

    الرابع: عموم خلقه.

    [ أخرج أبو داود عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) ].

    قد حكموا بأن كل الأحاديث التي جاءت بذكر القدرية وذكر المجوس، والأحاديث التي جاءت بذكر الرافضة والشيعة غير صحيحة، ووجه تشبيه القدرية بالمجوس واضح جلي، وذلك أن المجوس يزعمون أن الخالق اثنان: أحدهما خيري، والآخر: شري، فخالق الخير عندهم هو النور، ولهذا يعبدون النار؛ لأنها مصدر النور، وأما خالق الشر فهو الظلمة، والظلمة هي مصدره، وهو شرير.

    والقدرية قالوا: إن الله يخلق الخير والعبد يخلق الشر. فجعلوا مع الله خالقاً، فشابهوا المجوس في ذلك، فسموا مجوس هذه الأمة.

    وقوله: (إذا مرضوا فلا تعودوهم وإذا ماتوا فلا تشهدوهم) أي: أنهم يهجرون على هذا القول؛ لأن قولهم ضلال خرجوا به عما اعتقده المسلمون؛ فوجب هجرهم والابتعاد عنهم، وهجرهم لأجل إنكار منكرهم.

    1.   

    القدرية مجوس هذه الأمة

    [ وعن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة -وهو ابن اليمان - رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال) ].

    وهذا حديث ضعيف.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قوله: قال ابن عمر : (والذي نفس ابن عمر بيده) إلى آخره.

    حديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم .

    [ حديث ابن عمر هذا أخرجه: مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرأون القرآن ويتقفَّرون العلم -يتقفرون العلم أي: يبحثون عنه ويطلبونه- يزعمون أن لا قدر والأمر أنف، فقال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً، فأنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.

    ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد) ].

    استغرب الصحابة كيف أن ثياب الرجل ناصعة نظيفة، وشعره كذلك أسود ليس فيه شيء من الغبار!! ولهذا قال: (لا يرى عليه أثر السفر)، ولا أحد من أهل المدينة يعرفه، فأمره غريب، وهنا وجه الغرابة، وذلك أن جبريل عليه السلام أحياناً يأتي متمثلاً برجل، وإذا تمثل يتمثل برجل حسن الهيئة، وقد يتمثل برجل حسن الصورة، كما كان يتمثل بـدحية الكلبي -وكان رجلاً جميلاً حسن الصورة- فرئي مراراً فيحسب أنه دحية ، فرأته عائشة مرة يحدث الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما سألها من هذا؟ قالت: هذا دحية الكلبي قال: لا. هذا جبريل عليه السلام.

    وهذا نوع من أنواع الوحي، وهو أن يأتي بصورة رجل فيكلم الرسول صلى الله عليه وسلم كلاماً يسمعه ويأخذه عنه، وأحياناً يأتي لا يرى، بل كصلصة الجرس فيلابس الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أشده عليه، حيث يتفصد جبينه عرقاً وإن كان في أشد البرد.

    ومرة نزل قول الله جل وعلا: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:95] إلى آخر الآية، فأمر زيد بن ثابت أن يكتب الآية، وكان ابن أم مكتوم موجوداً، فقال: يا رسول الله! ونحن -يعني أنه ضرير-؟ يقول: وكانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجلي، فتغشاه ما يتغشاه في الوحي، فكادت رجلي أن ترض من ثقل الوحي الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95] فهذا الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم وأمثاله.

    وأحياناً إذا نزل عليه الوحي وهو على الناقة تكاد تبرك لثقل ذلك، وأحياناً يأتيه على غير هذه الصفة، كأن يأتيه في المنام فهو أنواع متعددة، ولكن كلها بواسطة جبريل صاحب الوحي.

    [ (حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام!) ].

    بهذه الطريقة جاء ليعلم الصحابة الأدب، وأنه ينبغي أن يُجلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كالجلوس في الصلاة للتشهد.

    ومعنى: (أسند ركبتيه إلى ركبتيه) أي أن جبريل جعل ركبتيه مقابلتين لركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وضع يديه على فخذيه -أي: على فخذي نفسه- متأدباً على هذه الهيئة؛ ليقول: ينبغي أن يكون الجلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا للتعلم منه، وطلب العلم، وكذلك طلب الإيمان الذي يزداد بالعلم الذي يلقيه الرسول صلى الله عليه وسلم على صحابته، فهو يعلمهم الأدب ويعلمهم الدين.

    [ (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه) ].

    وجه العجب هنا أن مقتضى حال السائل أن يسأل عن شيء لا يعلمه، فلما قال: صدقت؛ تبين أنه يعلم الشيء الذي سأل عنه؛ لأنه لو كان جاهلاً ما قال: صدقت.

    [ (قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت) ].

    قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) يعني: تؤمن بأن كل ما يقع من خير أو من شر أنه مقدر من الله جل وعلا، ومفروغ منه في الأزل، ولابد من وقوعه، ولا يمكن تغييره ولا تبديله ولو اجتمع الخلق كلهم؛ لأن هذا حكم الله الذي حكم به أزلاً، والشر لا يجوز أن يكون مضافاً إلى الله -ولكن سببه الإنسان؛ لأنه يقع شراً بالنسبة إليه جزاء له، وإلا فهو من الله عدل وحق يجازي به من يستحقه، فيكون الشر هنا نسبياً، ومعنى ذلك أنه بالنسبة لمن وقع عليه فقط، أما بالنسبة لمن قضاه وقدره وأوقعه فهو خير.

    وتقريب المسألة في ذلك كأن يرتكب إنسان حداً من الحدود، فأقيم عليه الحد -كسرقة أو زنا أو ما أشبه ذلك-، فإقامة الحد بالنسبة للمجتمع خير؛ لأنها تمنع من الفساد وانتشاره واغتصاب الأموال وانتهاك الأعراض، فهو خير، وكذلك هو من الذي حكم به خير وعدل، أما بالنسبة للذي وقع عليه الحد فقد يكون فيه شر من الألم والفضيحة والخزي فيكون من هذه الناحية شراً فقط، وبعض العلماء يقول: الشر ليس إلا في المخلوقات فقط، أما في فعل الله جل وعلا فليس شر ما يفعله الله، بل خير كله، والمقصود بقوله: (خيره وشره) أن كل شيء يقع سواء أكان محبوباً مرغوباً فيه أم مكروهاً مؤلماً فهو بقدر الله جل وعلا وقضائه وقدره.

    1.   

    من علامات الساعة

    [ (قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) ].

    معنى قوله: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أن علم الساعة استوى الخلق فيه، حتى الملائكة والرسل لا يعلمون ذلك، وإنما هو مستأثر عند الله جل وعلا، لا يعلم وقتها إلا الله جل وعلا، كما أخبر جل وعلا أنه أخفى علم الساعة عن جميع الخلق: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15] فهي واقعة، ولكن وقت وقوعها غير معلوم.

    يقول علماء التفسير في معنى قوله: (أكاد أخفيها) قالوا: قد أخفاها الله عن الخلق، لكن المعنى: لو أمكن أن أخفيها عن نفسي لأخفيتها؛ وهذا إخبار عن شدة إخفائها، فلا أحد يعلمها، ولله الحكمة في ذلك.

    ولهذا عدل عن ذلك إلى السؤال عن أماراتها -أي: العلامات- التي تكون قبلها، وعلاماتها كثيرة، ومن أول تلك العلامات: بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو نبي الساعة وعلى أمته تقوم الساعة، والله جل وعلا يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] يعني أنها قريبة، وما ذكر الله جل وعلا أنه قريب فهو قريب بلا شك، وقد مضى على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ألف وأربعمائة عاماً، وكان بعض العلماء يتوقع من هذه الأمة ألا تبلغ الألف عام، وبعضهم يتوقع أنها تبلغ الألف، ولكن هذا كله لا دليل عليه ولا أمارات عليه، فأمر ذلك إلى الله جل وعلا لا يعرفه إلا الله، ومن علامات الساعة ما ذكرت في هذا الحديث وهي ما سيأتي.

    [ (قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) ].

    العلامتان ذكر أنهما من علامات الساعة، إحداهما: أن تلد الأمة ربتها -وفي رواية: ربها- والمعنى أن تلد سيدها أو سيدتها، فكيف يكون ذلك؟ يقول العلماء: معنى ذلك: أن تسبى امرأة من الكفار فتكون أمة مملوكة لرجل من المسلمين، فيطؤها فتلد له بنتاً، فتكون بنتها هي التي تعتقها، فهي سيدتها؛ لأنها إذا ولدت الأمة فلا يجوز بيعها، بل تصبح أم ولد معتقة، فيعتقها ابنها أو بنتها، وهذا قد حدث في زمن الصحابة.

    أما العلامة الثانية فهي كون البدو رعاء الشاء -رعاة الغنم والإبل- أهل تمدن يتطاولون في البنيان، أي: يتنافسون في البناء وحسنه وارتفاعه.

    وهناك علامات لم تذكر هنا، قد ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة، ولهذا قسم العلماء العلامات إلى ثلاثة أقسام: قسم متقدم، وقسم متوسط، وقسم متأخر قبل الساعة تماماً، والمتأخر سموه (العلامات الكبرى) والذي قبله يسمونه: (الوسطى)، والتي قبلها -مثل هذه وغيرها- يسمونها: (العلامات الصغرى).

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3027672185

    عدد مرات الحفظ

    725739061