إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [120]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب، وهي: الجنة، التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتسابق إليها المتسابقون.

    1.   

    لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة.

    عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) رواه أبو داود ].

    الفرق بين هذا الباب وبين الذي قبله: في الذي قبله أن من سأل بالله وجب إعطاؤه، والسؤال بالله في الذي قبله عام، مثل أن يقول السائل: أسألك بالله، أو أسألك بالذي خلق السموات والأرض، أو بالذي أنعم عليك، أو أسألك برب العالمين أو ما أشبه ذلك، عام في أي صفة من صفات الله أو أي لفظ يدل على ذلك، كما سبق في حديث الثلاثة الأعمى والأقرع والأبرص، فإن الملك جاء إلى الأول وقال: أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، وأعطاك المال، وكذلك قال للثاني، وقال للثالث: بالذي رد عليك بصرك، وأعطاك المال.

    إذا قال الإنسان لآخر: أسألك بالذي أنعم عليك وأغناك، فيكون سائلاً بالله، أما هذا الباب فهو خاص بوجه الله، مثل أن يقول الإنسان: أسألك بوجه الله، هذا لا يجوز أن يسأل به شيئاً من أمور الدنيا، فلو سأل شيئاً من أمور الدنيا بوجه الله فهو ملعون لعظمة وجه الله جل وعلا، ولهذا قال: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)؛ لأن الجنة هي الغاية التي يسعى لها المؤمنون، وهي التي تكون بها السعادة الأبدية، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم عظيمة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار).

    ومثل ذلك أن يسأل شيئاً يقرب إليها ويوصل إليها، أو يسأل أن يمنع من شيء يمنع منها، مثل كونه يستعيذ بوجه الله من غضبه، يستعيذ بوجه الله من أن يقع في المعاصي التي تبعده عن ربه جل وعلا، كما جاءت أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل قوله: (أعوذ بوجه الله العظيم، وبكلماته التامات، من شر ما خلق) وكذلك قوله في الحديث المشهور في قصة ذهابه إلى الطائف لما ردوا عليه الرد القبيح، وأغروا به سفاءهم؛ فصاروا يرمونه بالحجارة صلوات الله وسلامه عليه حتى أدموا رجليه، فانقلب على وجهه فلم يفق إلا وهو في قرن الثعالب، عند ذلك دعا بذلك الدعاء المشهور: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى)، فهذا كله من الوسائل التي تقرب إلى الجنة.

    أما أن يسأل بوجه الله جل وعلا شيئاً من أمور الدنيا فهذا لا يجوز؛ لأن في ذلك إهانة بالعظيم، حيث سأل به الشيء الحقير، والدنيا كلها حقيرة ليست شيئاً، والسائل بهذا الشيء ما عرف الله حق المعرفة، ولا قدره حق قدره، بل تنقصه؛ ولهذا استحق أن يكون ملعوناً، وقد جاء في الحديث: (ملعون من سأل بوجه الله غير الجنة، وملعون من سئل بوجه الله فلم يعط)، فإذا أعطى فأجره عظيم.

    أدلة إثبات صفة الوجه لله تعالى

    في هذا الحديث دليل على إثبات صفة الوجه حقيقة. إذاً: تبين لنا الفرق بين هذا الباب والذي قبله، الذي قبله يسأل بالله، وهنا يسأل بوجه الله، فدل هذا على أن الوجه غير الذات، لا كما يقول أهل الباطل، وقد تضافرت النصوص في ذكر وجه الله جل وعلا، وثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض أدعيته: (أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم)، ومعنى ذلك أن أعظم لذة: النظر إليه.

    وقد جاء تفسير قول الله جل وعلا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] في صحيح مسلم من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله جل وعلا)، وفي الآية الأخرى، لما ذكر الله أن جهنم يلقى فيها الناس وهي تقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30]؛ أخبر أن الجنة تقرب للمتقين الذين يخشون الرحمن، ثم قال: (ولدينا مزيد)، والمزيد فسر بأنه النظر إلى وجه الله جل وعلا، وكثيراً ما يأتي في القرآن ذكر هذه الصفة كقوله جل وعلا: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، ولو كان معنى الآية مثلما يقول البيهقي أنه الذات ما صح أن ينعت الوجه بهذه الصفات فيقال: ذو؛ لأن المضاف يكون مجروراً، ولهذا لما ذكر الذات في آخر السورة قال: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78]، فدل على أن الوجه غير الذات.

    كذلك قوله جل وعلا: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان:9]، وكذلك قوله جل وعلا: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] في آيات كثيرة، وكذلك الأحاديث.

    ومعلوم أنه لا يقال للإنسان: فلان وجه، ولا يقال ليده: وجه، ولا لرجله وجه، هذا ما يجوز أن يقال في اللغة، فهذا يبطل قول المتأولة وأهل الباطل.

    والواجب علينا إثبات ما أثبته الله جل وعلا لنفسه من الأسماء والصفات إثباتاً يليق بعظمته وجلاله، ومن ذلك الوجه. وقول الله جل وعلا: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:26-27] ليس معنى ذلك: أن الرب جل وعلا يفنى، وأنه ما يبقى إلا وجهه تعالى وتقدس، ولكن يذكر أشرف شيء وبقية الصفات تبع له، وهذا مثل قوله جل وعلا في الآية الأخرى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، تعالى الله وتقدس.

    وإن كان هذا فيه بعض الكلام لبعض العلماء، فإن البخاري رحمه الله يقول في صحيحه: (كل شيء هالك إلا وجهه) أي: ما أريد به وجهه، ولكن هذا من لازم المعنى، وليس هو المعنى الذي تنص عليه الآية، ومقصوده أن كل عمل يبطل إذا لم يرد به وجه الله، أما الذي أريد به وجه الله فهو الذي ينفع ويبقى لصاحبه، فهو ينبه بذلك على وجوب الإخلاص، ووجوب العمل لله جل وعلا.

    فالآية لا تدل على أن شيئاً من الرب جل وعلا يفنى -تعالى الله وتقدس- وأنه لا يبقى إلا وجهه؛ لأنه إذا عبر عن الشيء بأشرف ما فيه فالبقية تكون تبعاً له، وهذا هو المقصود.

    حكم الاستعاذة بوجه الله من النار

    لما نزل قول الله جل وعلا: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام:65] قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك، أو من تحت رجلكم) قال: أعوذ بوجهك، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65]. قال: هذا أهون! هذا أهون!)

    فاستعاذ بوجه الله جل وعلا من عذابه الذي يهلك، ومآل الهالك إلى النار، ومعنى ذلك أنه استعاذ بالله جل وعلا من العذاب الذي يبقى وهو النار.

    فإذا قال القائل: أعوذ بوجهك يا رب من النار، فإن هذا مثل قوله: (أسألك بوجهك الجنة) ولا يكون هذا ممنوعاً، بل هو من الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يفعلها.

    وبهذا يتبين لنا الفرق بين هذا الباب والذي قبله، فالباب الذي قبله عام: السؤال بالله أو بصفة من صفاته أو بما يدل من فعله عليه، وهذا خاص بصفة الوجه، فلا يجوز أن يسأل بصفة الوجه إلا الجنة.

    جواز السؤال بوجه الله كل ما يقرب إلى الجنة

    قال الشارح رحمه الله تعالى [قوله: (باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة).

    ذكر فيه حديث جابر -رواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة).

    وهنا سؤال: وهو أنه قد ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من الطائف حين كذبه أهل الطائف ومن في الطائف من أهل مكة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المأثور: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ أإلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي)، وفي آخره: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله).

    والحديث المروي في الأذكار: (اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد -وفي آخره- أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض) ].

    الحديث في منصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف ليس صحيحاً، ولكن بعض العلماء حسنه، وهو من رواية محمد بن إسحاق، وقد ذكره في السيرة منقطعاً، وجاء في مسند الإمام أحمد أيضاً، ولكنه من رواية محمد بن إسحاق ، ومحمد بن إسحاق إذا عنعن فيقولون: إنه ضعيف.

    قال الشارح رحمه الله: [ وفي حديث آخر: (أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم، وبكلماته التامة من شر السامة واللامة، ومن شر ما خلقت أي رب! ومن شر هذا اليوم، ومن شر ما بعده، ومن شر الدنيا والآخرة)، وأمثال ذلك في الأحاديث المرفوعة بالأسانيد الصحيحة أو الحسان.

    فالجواب: أن ما ورد من ذلك فهو في سؤال ما يقرب إلى الجنة، أو ما يمنعه من الأعمال التي تمنعه من الجنة، فيكون قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يقرب إلى الجنة كما في الحديث الصحيح: (اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما يقرب إليها من قول وعمل)، بخلاف ما يختص بالدنيا كسؤال المال والرزق، والسعة في المعيشة رغبة في الدنيا، مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة، فلا ريب أن الحديث يدل على المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله، وعلى هذا فلا تعارض بين الأحاديث كما لا يخفى، والله أعلم.

    وحديث الباب: من جملة الأدلة المتواترة في الكتاب والسنة على إثبات الوجه لله تعالى، فإنه صفة كمال، وسلبه غاية النقص والتشبيه بالناقصات، كسلبهم جميع الصفات أو بعضها، فوقعوا في أعظم مما فروا منه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

    وطريقة أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، على ما يليق بجلال الله وعظمته، فيثبتون ما أثبته لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفون عنه مشابهة المخلوق، فكما أن ذات الرب لا تشبه الذوات، فصفاته كذلك لا تشبه الصفات، فمن نفاها فقد سلبه الكمال].

    1.   

    مسائل باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: المسألة الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب].

    ومن المعلوم أن الله جل وعلا هو أعلم من كل شيء، وأقدر من كل شيء، وأنه جل وعلا هو الذي بيده كل شيء، وأن الدنيا ليست شيئاً بالنسبة للآخرة، فهي حقيرة، ولهذا جاء لعنها: (الدنيا ملعونة، معلون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً)، وما كان ملعوناً فهو مبعد عن الله جل وعلا، وكون الإنسان تكون غايته الدنيا ومقصوده الدنيا بالأمل أو بالحياة؛ هذا من أسوأ ما يسلكه الإنسان، وهو دليل على بعده عن الله جل وعلا؛ ولهذا جاء في الدعاء: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا)، وإنما غاية الحياة أن يصير الإنسان إلى ما خلق له وهو الجنة، فإذا سأل الإنسان بوجه الله شيئاً من أمور الدنيا فهذا على أنه دليل لم يعرف حق الله، ولم يقدره، وكذلك لم يعرف الآخرة، ولم يعرف المهمة التي خلق من أجلها، وإنما رأى حياة حيوانية اهتم بها.

    ثم يجب على المسلم أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعلم الخلق بالله، وهو أنصح الخلق بالخلق، وهو أقدر الناس على البيان والإفصاح عما يريد، وهو صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق تعظيماً لله وتقديراً له، فإذا أخبر عن الله جل وعلا بشيء كقوله في هذا الحديث: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)؛ فيجب أن يؤخذ على ظاهره، وأن يكون ظاهره كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    [ المسألة الثانية: إثبات صفة الوجه].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011343400

    عدد مرات الحفظ

    722128603