إسلام ويب

الصراع بين الحق والباطلللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصراع بين الحق والباطل حقيقة ماثلة للعيان عبر العصور، وفي عصرنا الحاضر شاعت مقولة بأن عصر الأديان قد ولى، وأن الصراعات القائمة ستكون على ا لماديات والمصالح.. لكن الدلائل تشير إلى غير ذلك خصوصاً بعد سقوط الشيوعية.. حول هذه الدلائل وحول ما ينتظر الامة الإسلامية من العداء وواجبها تجاه ذلك يدور هذا الدرس.

    1.   

    لا وسطية بين الحق والباطل

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم.

    أمـا بعـد:

    أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

    فكل ما في الدنيا من أقوال وأعمال وآراء وسلوك؛ فهو متردد بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخطأ والصواب، لا يمكن أن يخرج شيء في الدنيا عن هذه الأمور، إما أن يكون حقاً أو أن يكون باطلاً، أو هدى أو ضلالاً أو خطأ أو صواباً؛ ولا يمكن أن تخلو الدنيا -أيضاً- من هذا أو ذاك؛ فإننا نعلم أن قوام حياة الناس مبني على مواقف وتصرفات وسلوك وأقوال ومذاهب، وأنه لا بد للبشرية أفراداً وجماعات من مذاهب يعتنقوها، وأشياء يتدينون بها، وأموراً يلتزمونها، وهذه الأشياء منها ما يكون حقاً ومنها ما يكون باطلاً، ولذلك يقول الله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:5-6].

    إذاً إما هذا وإما ذاك، إما قوام حياة الناس مبني على مواقف وتصرفات وسلوك وأقوال ومذاهب وأنه لا بد للبشرية أفراداً وجماعات من عبادة الله، وإما عبادة الشيطان، ويستحيل أن يوجد وسط بين ذلك، فكل إنسان يرفض عبادة الله لا بد أن يعبد الشيطان؛ لأن مجرد رفض عبادة الله جل وعلا هو ذات عبادة للشيطان، فلا يمكن أن تخلو الدنيا من أحد هذين الأمرين، ولا يمكن أن يخلو شخص من أحدهما؛ لذلك نعلم أنه لا يمكن أن يوجد إنسان وسط.

    كما قال الشاعر:

    لا يصلح إنسان وسط      ما بين الجنة والنار

    وبالتالي لا يصلح إنسان في هذه الدنيا وسط بين الهدى والضلال والحق والباطل.

    وجود حق وباطل في أمر لا يعني الوسطية

    مسألة الحياد في أمر الحق والباطل غير وارده، وحين يقول إنسان: أنا محايد بين الحق وبين الباطل، فإنه يصنف في دين الله وشرعه في قائمة أهل الباطل؛ ولذلك يقول الله جل وعلا: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُون [يونس:32] فليس هناك إمكانية الحياد في مسألة الحق والباطل، والهدى والضلال، والخطأ والصواب، وهذا لا يمنع -بطبيعة الحال- أن يوجد أمور يكون فيها حق وباطل وخطأ وصواب؛ لكن لا يعني هذا أن الخطأ صار صواباً أو أن الصواب صار خطأً، بمعنى أنك تجد الإنسان يقول بقول في مسألة من المسائل لا تستطيع أن تقول: إن هذا القول باطل محض، ولا أن تقول: إن هذا القول حق محض؛ لكن تستطيع أن تقول: إن هذا القول التبس فيه الحق والباطل، أي: أنه توجد نسبة من الحق وهي كذا وكذا، وتوجد نسبة من الباطل وهي كذا وكذا، ويبقى الحق حقاً والباطل باطلاً.

    قدم الصراع بين الحق والباطل

    هذا الحق والباطل بينهما صراع منذ أن خلق الله الإنسان على ظهر الأرض، فيوم أن كان آدم وحواء في الجنة كان الله عز وجل قد خلقهما للابتلاء والاختبار، ولذلك قال الله عز وجل: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117] ومنذ تلك اللحظة ابتلي الإنسان بكيد الشيطان وخصومته وصراعه معه، وما زال الشيطان يكيد لآدم وحواء حتى أهبطا إلى هذه الدنيا، وبعد إهباطهما وإهباط الشيطان يقول الله جل وعلا: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُو [البقرة:36] وهنا انتقل ميدان الصراع إلى هذه الأرض، وبدأت الخصومة.

    ولذلك بعد هبوط آدم وحواء إلى الأرض ظلت أجيال من الناس على الهدى قروناً طويلة يتوارثون الهدى والخير والإيمان عن أبيهم آدم عليه الصلاة والسلام كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه عند الحاكم والطبري وغيرهما في تفسير قول الله جل وعلا في سورة البقرة: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين [البقرة:213] قال ابن عباس: كان بعد آدم عشرة قرون كلهم على الهدى فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

    وهكذا جاء في قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين هذا أحد الأوجه في تفسير الآية، وبناءً عليه نستطيع أن نقول: إن الأجيال التالية لآدم ظلت وفيةً للحق، وفيه للتوحيد الذي تلقته عن آدم عليه الصلاة والسلام، حتى أثّر فيهم كيد الشيطان، فانحرفوا عن التوحيد، واندرست معالمه، فاحتاج الأمر إلى بعثة نبيٍ يجدد الإسلام والدين والتوحيد: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة:213].

    وبعد بعثة هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام صارت الخصومة بين الرسل وأتباعهم وبين أعداء الرسل من أتباع الشيطان، ولذلك يقول جلا وعلا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِين [الفرقان:31] فما من نبي بعث إلا ويصدى له أعداء من المجرمين يضعون العراقيل في طريقه، ويعترضون عليه بمختلف الوسائل، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113].

    أطراف الصراع في هذه الأمة

    وبعد بعثة النبي الخاتم عليه صلاة الله وسلامه انحصرت الخصومة بين أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وبين أعدائه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان له أعداء كثيرون في الحياة، من المجرمين، من الأكابر، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:123] وما أبو جهل وأبو لهب وعتبة وشيبة وغيرهم إلا أمثلة ونماذج لأعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم الذين يحاربون دعوته صلى الله عليه وسلم عبر العصور، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبالمقابل بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح أولياؤه هم العلماء الذين ورثوا هديه وتراثه؛ ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {إن العلماء ورثة الأنبياء} وكلذلك بيّن الله سبحانه تعالى قبل ذلك أن هذه الأمة سيوجد فيها من يحمل الرسالة، فلا تعني وفاته الرسول صلى الله عليه وسلم سقوط الراية، الراية كلما جاء جيل، قيض الله تبارك وتعالى بين هذا الجيل من يحمل الراية، ويقيم الحجة على هذا العصر، ولهذا يقول الله جلّ وعلا في محكم التنـزيل: وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:181].

    وبصورة أخص: تحدّث الرسول عليه الصلاة والسلام عن اسم خاص لحملة الهدي النبوي الذين يخلفون الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس في الإسلام فقط، وليس في الالتزام بالسنة فقط؛ بل بالدعوة إليها والقيام عليها والصبر، ودعوة الناس إلى ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان الاسم الخاص الذي ميزهم الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء به هو أنه ميزهم بـالطائفة المنصورة، وهذا اسم جليل عظيم تهتز له القلوب، وتستبشر له النفوس.

    وفي حديث متواتر يقول صلى الله عليه وسلم: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين منصورين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس} أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وهؤلاء يقابلهم أعداء الرسل ويحاربونهم ويضعون في طريقهم الأذى والشوك؛ فلا يضرونهم إلا بالتعب والجهد واللأواء، وهذه خصومة طبيعية؛ لكن الطريق ماض، والقافلة مستمرة لا يمكن أن يؤثر هؤلاء فيها توقفاً، قال الله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُون [آل عمران:111].

    1.   

    ملاحظات ينبغي التنبه لها

    وفي الآيات والأحاديث التي وردت في شأن الخصومة بين الحق والباطل -وهي كثيرة- نلاحظ عدة ملاحظات مهمة جداً للمسلم في هذا العصر، وهو يلاحظ حركة الصراع بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وأريد أن ألقي الضوء على بعض الأمور المهمة التي يحتاج إليها المؤمن في هذا العصر.

    قوة الروابط بين الأعداء في هذا العصر

    فالملاحظة الأولى: هي الرابطة الوثيقة التي يتناصر بها أعداء الرسل، يقول الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112] كل هؤلاء مصنفون في عداد أعداء الأنبياء، ثم قال تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112] ويقول الله جل وعلا: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67] ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض [المائدة:51].

    اتحاد أهل الكفر في مواجهة الإسلام:

    فأعداء الرسل أعداء الإسلام يتناصرون بمقتضى بالعداوة، وقد يكونون بينهم من البور والخلاف الشيء الكثير، لكنهم حين يواجهون الإسلام يكونون صفاً واحداً، فليس من الضروري أن تكون ولايتهم مطلقة، بل ولاية بعضهم لبعض قد تكون مطلقة وقد تكون أمام الإسلام فقط، فمثلاً اليهود والنصارى بينهم عبر التاريخ خصومات طويلة، ومجازر رهيبة، وخاصة اليهود طالما تسلطوا على النصارى وآذوهم، وسفكوا دماءهم وأحرقوهم بالنيران، والعكس كذلك؛ ومع ذلك الله عز وجل يقول: بعضهم أولياء بعض، أي: في حرب الإسلام ومواجهته يقول القائل:

    وليس غريباً ما نرى من تصارعٍٍٍ     هو البغي لكن للأسامي تجددا

    وأصبح أحزاباً تناحرُ بينها     وتبدو بوجه الدين صفاً موحدا

    فحين يكون العدو والخصم هو الإسلام ينسون خصوماتهم الداخلية والفرعية ويوحدون الوجهة ضد الإسلام وأهله فهذا أمر ملحوظ في ولاية أعداء الرسل بعضهم لبعض، وهذه الولاية توجب على حملة الإسلام أنه لا بد أن يكون بعضهم لبعض أولياء أيضا.

    الفرق بين ولاية المؤمنين والكافرين

    وهناك فرق أساسي بين ولاية المؤمنين وولاية الكافرين، فولاية الكافرين مبناها على التعصب والهوى واللجاج، ولذلك فالله سبحانه وتعالى يقول: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67] وكلمة (مِن) يقابلها في الآية الأخرى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] وبادي الرأي قد يخيل للإنسان أن كلمة (من) هنا أبلغ؛ فكيف عبر الله عز وجل عن علاقة المنافقين بأن بعضهم من بعض، أما علاقة المؤمنين فقال: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] هل معنى ذلك أن علاقة المنافقين بعضهم ببعض أقوى من علاقة المؤمنين؟

    كلا. وإنما السر -والله تعالى أعلم- أن علاقة المنافقين ليست مبنية على منهج وطريق صحيح يتوالون فيه، بل القضية مبنية على الهوى والتوافق على الباطل، أما أهل الحق فولايتهم مبنية على الحق؛ فهم أولياء لبعض في الحق، ولذلك لو تخلّى أحد منهم عن الحق تخلوا عن ولايته، وكذلك لو أخطأ إنسان لما كانت ولايتهم له موجبة لموافقته في الخطأ، ولذلك قال: بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ [المائدة:51] فهي ولاية نبوية بصيرة، وليست ولاية عمياء على مجرد الهوى.

    و إنه لا بد- أيها الإخوة- في كل عصر وفي هذا العصر بالذات، وقد رأينا جميعاً كيف يتوالى أعداء الإسلام على حربه لا بد من التعاون بين المسلمين على البر والتقوى، -كما أمر جل وعلا- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] هل تجد أبلغ من هذا الوصف والتشبيه؟ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] والبنيان المرصوص لا يمكن أن يجد فيه ثغرة ينفذ منها أو يتسلل منها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري: {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً} ونحن الآن لو وجد الواحد منا قطعة في الشارع لكان من السهل أن يحملها أو يكسرها؛ لكن حين يأتي إلى جدار مكون من مجموعة من اللبنات، فلو حاول أن يدفعه لما استطاع؛ لأن هنا انضمت اللبنة المفردة إلى أختها فاكتسبت قوة جديدة، وأصبح من غير الممكن للإنسان أن يدفعها، وهذا سر من أسرار التعاون الذي أمر الله تبارك وتعالى به المؤمنين، فلا بد أن يتقي المؤمنون الله جل وعلا بألا ينشغل بعضهم ببعض.

    ضرورة اتحاد أهل السنة والجماعة

    إن الحاجة ماسة إلى أن يجتمع أهل السنة والجماعة تحت الراية الواحدة التي تجمعهم مهما اختلفت المسائل الفرعية التي تجمعهم عليها أصول متحدة، ومهما اختلفت اجتهاداتهم في الأمور العملية، ومهما اختلفت اجتهاداتهم في وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، ومهما اختلفت بلادهم وآراؤهم؛ فهذه القضايا ليست مدعاة إلى أن يتفرق أهل السنة والجماعة أما إذا كان الخلاف خلافاً عقدياً مبنياً على الأصول، فهنا الأمر لا شك أنه يستدعي توضيح الأمر، وألا يلتبس الحق بالباطل على الناس، أما أن نتخذ من هذه الخلافات الجزئية والفرعية التي لا تؤثر سبباً للتفرق والخصومة والتناحر، وأن ينشغل بعضنا ببعض، فهذا ليس من الحكمة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، هل من الحكمة أن ينشغل المؤمنون والدعاة والصالحون -مثلاً- بالخلاف حول سنه من السنن أو حول مسألة فقهية ويتركوا أمراً هم مجمعون على أنه خطأ حرام وباطل وضلال؟

    هذا ليس من الحكمة.

    لو سألت مؤمناً عن رأيه -مثلاً- من الفساد الأخلاقي الذي يجتاح المجتمعات الإسلامية؟

    لمَّ رأسه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولو سألته عن هذه المعاملات الربوية التي لوثت جيوب الناس وحياتهم؟

    لما كان يخالفك على ذلك أي مسلم.

    هناك أشياء كثيرة يتفق المؤمنون من أهل السنة والجماعة على أنها منكرات وأخطاء وضلالات، بل إن منها ما يتفقون على أنه كفر بالله العظيم، فلماذا لا يكون هناك تعاون في محاربة هذه الأشياء التي يتفق الجميع على أنها كفر أو باطل أو حرام؟

    وهذا -أيضاً بطبيعة الحال- لا يعني أننا نحرم أو نمنع الكلام في الأمور الفرعية كما يفعله البعض، كلا! لا مانع أن يتحدث الإنسان في قضية فرعية أو جزئية، أو في سنة من السنن أو في مسألة خلافية ويبين الراجح ويبين المرجوح، بالأدلة، كل هذا لا مانع منه، لكن الشيء الذي أقصده ألا يتحول هذا الأمر إلى سبب يوجد عدم التعاون بين المؤمنين في أمور يتفق الجميع على أنها يجب أن تقاوم وتحارب.

    مقالة(يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه..)

    وبهذه المناسبة أُذّكر بكلمة يقولها البعض وهي تحتاج إلى شيء من الإيضاح.

    بعض الدعاة يقولون: يجب أن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ونتعاون فيما اتفقنا عليه.

    وأقول: هذه الكلمة تحتاج إلى إيضاح، فلا يجب قبولها أو ردها دون أن تحدد، ففي الأشياء التي يختلف فيها المسلمون إن كانت من قضايا العقيدة أو من قضايا الأحكام التي الأدلة فيها واضحة، وقال فيها إنسان رأياً بدون اجتهاد فلا يعذر في ذلك، فإذا أخطأ شخص في قضية عقدية لا نعذره في هذا الخطأ، أو إنسان أخطأ في قضية ولو من غير قضايا العقيدة؛ لكنه أخطأ بناءً على أنه تكلم في أمور بدون اجتهاد في أمور هو ليس أهلاً لها؛ هذا الإنسان أيضاً لا يعذر في هذا الخطأ، لكن إذا اجتهد وهو أهلّ للاجتهاد في هذه المسالة فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

    وكذلك التعاون فيما اتفق عليه، هذه القاعدة صحيحة داخل إطار أهل السنة والجماعة، أما مع الطوائف الضالة والطوائف المنحرفة التي غيّرت وبدلت، فإنّ المسلم يعرف أنه لا بد من وضوح الراية وتميز المنهج، وليس من المعقول أن نقول: يجب أن نتفق أو نتعاون -مثلاً- مع الرافضة فيما اتفقنا معهم فيه، كحرب الشيوعية، هذا غير صحيح لأنه يمكن أن يأتي إنسان ويقول: لماذا لا تتعاون مع النصارى في حرب الشيوعية أيضا؟

    هذا غير صحيح، فلا بد من وضوح الراية، ومن المهم جداً أن يكون الناس عندهم تمييز بين الحق والباطل بحيث أنه لا يوجد التباس عندهم بين راية الحق وراية الباطل، فداخل إطار أهل السنة والجماعة يمكن أن يتعاون الجميع فيما اتفقوا عليه، فالقضية الأولى هي قضية الولاية التي يتناصر بها أعداء الرسل وهي توجب للمؤمنين أن يتناصروا فيما بينهم بحبل الله ودين الله الذي يربط بعضهم ببعض.

    التلبيس الذي يحدثه أعداء الرسل

    والملاحظة الثانية: هي قضية التلبيس التي يحدثها أعداء الرسل، لاحظ قول الله عز وجل: شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112] إذاً هناك مؤامرة عالمية ليست جديدة كما نتصور، صحيح أنها قد تطورت الآن وأخذت شكلاً جديداً، وأسلوباً جديداً، وبعد جديداً، لكنها قديمة، وهي الحرب الإعلامية ضد الإسلام، وحملة الإسلام، وحملة السنة، والتي تشوه الحق وتلبسه لبوس الباطل، وتلبس الباطل لبوس الحق بتزين الألفاظ وزخرفة العباراتزُخْرُفَ الْقَوْلِ [الأنعام:112] ولذلك يقول القائل:

    في زخرف القول تزيين لباطله      والحق قد يعتريه سوء تعبير

    تقول هذا مجاج النحل تمدحه     وإن تشأ قلت ذاقيء الزنابير

    مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما     والحق قد يعتريه سوء تعبير
    .

    فالمعنى الواحد قد يعبر عنه الإنسان بلفظ واحد، أو لفظين، أو عبارتين بينهما بون شاسع.

    وأذكر طرفة -في هذا المجال- وهي لا تخلو من فائدة، يقولون:

    إن أحد الخلفاء رأى في منامه أن أسنانه سقطت، فقال: عليَّ بمن يعبرون الرؤيا، حتى يعبروها لي! فجيء بمعبر، فقال له: إني رأيت في المنام أن أسناني سقطت، فقال: يموت أولادك كلهم وأنت حي، فغضب عليه الخليفة وأمر بجلده مائة جلدة! وقال: عليَّ بمعبر آخر! فجيء له بمعبر آخر حكيم فقص عليه رؤياه! فقال له هذا المعبر: يا أمير المؤمنين أنت أطول أهلك عمراً، فأمر له بجائزة ضخمة والنتيجة واحدة، فما دام أنه أطول أهله عمراً فمعنى ذلك أنهم سيموتون قبله لكن الأسلوب الذي قدم له به في الحقيقة يختلف، فالحق -أحياناً- قد يعتريه سوء تعبير، قد يُعبر الإنسان عن الحق بعبارة لا تخدم الحق، بل ربما يصور بعض المغرضين الحق بصورة الباطل، من ذلك: أنك قد تجد -مثلاً- أن إنساناً يعمل بسنة من السنن، وهذه السنة متفق على أنها من السنن؛ فلو قال للناس: إن فلاناً يعمل بهذه السنة لقال له الناس: وماذا؟

    هذا إنسان متبع مجتهد ويجب أن يشكر على عملة؛ لكنه لا يقول هذا بل يقول: إن فلاناً متنطع فيه كذا وكذا، وأنه يعتبر هذه السنة واجب، وقد يكفر من لا يعمل بها، وقد يعدها ركناً من أركان الإسلام، وبذلك ألبس الحق لبوس الباطل ولبَّس به على الناس.

    الآية توضح الحملة، أو توضح الجهد الإعلامي الذي يبذله أهل الباطل في تزيين باطلهم، أو في تشويه الحق يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].

    ولذلك نجد الحملة الإعلامية العالمية اليوم ضد الإسلام، وكثيراً ما نسمع في الأخبار تسمية المسلمين -مثلاً- بالأصوليين، أو بالمتشددتين، أو بالمتطرفين، أو غير ذلك من العبارات التي تبثها وكالات الأنباء العالمية، وتتناقلها أحياناً الإذاعات الإسلامية والصحافة في البلاد الإسلامية على أنها عبارات دارجة، ويصبح يقولون: هؤلاء أصوليون، وهؤلاء متشددون ومتطرفين إلى غير تلك العبارات التي يلبسون بها على الناس الحق بالباطل.

    إنه في كثير من البلاد التي تتشدق بـالديمقراطية مثل أوروبا وغيرها أصبح هناك ما يسمى بالدكتاتورية المقنعة، ففي روسيا وغيرها كان الناس يحكمون بالحديد والنار، والصوت المخالف يخنق بالقوة؛ لكن في أمريكا وأوروبا والدول التي تتشدق بـالديمقراطية يستطيعون أن يقضوا على الصوت المخالف بكل سهولة، فهم يسخرون أجهزة الإعلام لصياغة عقول الناس، بحيث إذا أرادوا أمراً من الأمور جندوا كافة الأجهزة الإعلامية لإقناع الشعوب بأن الأمر بهذه الصورة، ولذا تجد أن الناس عن طواعية واختيار يتجهون نحو الأمر الذي يراد لهم، وهذه دكتاتورية أخطر، لأن دكتاتورية الحديد والنار يمكن أن يتمرد الناس عليها كما تلاحظون أو تسمعون الأخبار في روسيا وبعض المناطق الإسلامية التي أصبح فيها هيجان وتمرد؛ لكن تلك الديكتاتورية الإعلامية في تلك الدول التي تتسمى بالديمقراطية كثير من الناس يشعرون أنه لا أحد يفرض عليهم شيئاً، في الوقت التي تفرض عليهم أشياء كثيرة في الواقع بمحض اختيارهم من خلال أجهزة الإعلام المختلفة.

    مثل آخر: قضية الأدب والشعر وغير ذلك من الوسائل المهمة.

    في كثير من البلاد الإسلامية أصبحت وسائل للهدم والتخريب كان يكتب كاتب في أي بلد إسلامي قصة ينشر منها مئات الآلاف من النسخ في المكتبات المختلفة خلال فترة وجيزة، لأنها قصة تتحدث عن قضايا الغريزة والجنس والإثارة، فيَقبل عليها الشباب والفتيات إقبالاً كبيراً، والروايات والقصص التي كتبها أمثال نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم من الروائيين والقُصّاص والكتّاب، إضافة إلى ألوان كثيرة من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، إضافة إلى أعداد هائلة من الدواوين الشعرية التي تسير في هذا الاتجاه، زخرفت الباطل وزينته بالحق كم من ديوان صدر لمثل لـنـزار قباني وتلقفته الأيدي في كل مكان، وترى الكتاب يباع بأغلى الأسعار، ولا تخلو منه مكتبة، ومئات الآلاف من النسخ تطبع منه، فيروج بشكل رهيب، لماذا؟

    زخرف القول تزيين الباطل! فهذا نموذج يؤكد لك أن الكلمة من أخطر ميادين الصراع بين الأنبياء وأعدائهم.

    كلمة الحق لها وقع كبير، وبالمقابل كلمة الباطل لها تأثير كبير، وأهل الباطل يعملون على زخرفة باطلهم بالعبارات الرنانة، والكلمات المعسولة.

    والذين ينخدعون بهذه الأشياء من هم؟

    يقول الله تعالى فيهم: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُون بِالْآخِرَة [الأنعام:113] إذاً: لا تروج هذه الأشياء إلا حين يكون هناك خواء وفراغ روحي وعقلي، فتصبح الشعوب مستعدة لتلقي هذا الزخرف من القول، فلو كان عند الناس وعي لما تأثروا بهذا الباطل! لكن المؤسف أنه في غياب الوعي، وفي غياب الإيمان بالآخرة، وفي غياب المفاهيم الصحيحة يكون هناك فراغ يمكن أن يملأ بهذه الأشياء، وهذه القضية أيضاً تؤكد على حملة رسالة الإسلام أنهم لا بد أن يستفيدوا من أجهزة الإعلام مسموعة أو مقروءة أو مرئية في الدعوة إلى الحق وحمايته ونشره، وبناء الفضيلة والأخلاق، وأنه لا بد أن يستفيدوا من الوسائل الأدبية: من القصة، ومن المقالة، ومن القصيدة، في الوصول إلى كافة الطبقات من الناس وإيصال الحق إليهم، فليست -مثلاً- المحاضرة، أو الدرس العلمي، أو الخطبة، أو الموعظة هي الوسيلة الوحيدة، نعم هذه لا شك هي وسائل لها تأثير ولها جمهور ولكن هناك جمهور، آخر لا بد له من وسائل أخرى؛ لأن الحق لا يجب أن يصل إلى كل أذن بقدر ما يستطاع: وقد بين ذلك الله سبحانه وتعالى الصراع في هذه الناحية بقوله جل وعلا: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم:24-26] فالكلمة الطيبة تقارع الكلمة الخبيثة، ولا بد أن تقال في كل ميدان وفي كل وسيلة حتى تفعل هذه الكلمة الطيبة فعلها.

    ثبات الحق ورسوخه وطيشان الباطل وزواله

    الملاحظة الثالثة التي نستفيدها من الآيات والأحاديث في موضوع الصراع أو الخصومة بين الحق والباطل: هي ثبات الحق وانتصاره ورسوخه وطيشان الباطل وزواله، وهذا ظاهر من خلال الآيات السابقة، فمثلاً يقول الله جل وعلا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] فهذه الخاتمة إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى ينصر المهتدين ويؤيدهم ويحفظهم وعقب ما ذكر الآية الأخرى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112] قال بعد ذلك: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115] أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، وفي الآية الثالثة من سورة إبراهيم: كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24] ولما ذكر الكلمة الخبيثة، قال: اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم:26] ثم قال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27].

    الطائفة التي تحمل الحق سماها الرسول صلى الله عليه وسلم الطائفة المنصورة إشارة إلى أن النصر هو حليفهم في النهاية طال الزمن أم قصر، ولما قال الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ [النساء:76] وهذا نموذج من الخصومة بين الحق والباطل، لأن الخصومة قد تكون خصومة فكرية، وقد تكون خصومة في ميدان القتال، عقّب بقوله: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76] لو نقطع بأنه إذا وجد معركة حقيقة بين الحق والباطل ووجد للحق حماته الذين يدافعون عنه -وهم موجودون لا محالة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم- فإن العاقبة لهؤلاء المتقين، قال تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين [الأعراف:128] وقال تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] وقال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105].

    النصر لابد فيه من الجهد والبذل

    الملاحظة الرابعة: أن هذا النصر الموعود ليس أمراً يأتي بقضاء الله وقدره بدون جهد البشر، والله قادر على ذلك يقول الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] فالله تبارك وتعالى خلق في السماء ملائكة لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] وفي حديث أبي ذر في صحيح مسلم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {أطت السماء وحق لها أن تئط -والأطيط: وهو صوت الراحل إذا ثقل عليها الراكب أو غيره صار له صوت أطيط وأزيز- ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك راكع أو ساجد} فهؤلاء لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فالله تبارك وتعالى قادر على أن يخلق البشر كذلك لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ لكن خلقهم جلَّ وعلا بهذه الصفة، وجعل الإنسان في ميدان الخصومة بين الحق والباطل للابتلاء والامتحان، ولذلك قال: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119] فالله تبارك وتعالى شاء أن يخلق بشراً يمكن أن يهتدي، ويمكن أن يضل؛ ليتحقق بذلك الابتلاء والاختبار لحكمة يعلمها، وهو جلّ وعلا أحكم الحاكمين، فهذا النصر ليس غنيمة باردة يقبضه الإنسان بدون ثمن، بل لا بد من الصبر والجهاد.

    وجوب البذل لتحقيق النصر

    وكما أن أهل الباطل يجهدون ويجاهدون ويتعبون، فكذلك أهل الخير، يقول الله جل وعلا: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:104]

    إذاً الجهد الذي يبذله أهل الباطل يجب أن يبذل أهل الخير لا أقول مثله، لكن أقول: يجب أن يبذل أهل الخير ما يستطيعون في مواجهته لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فلا يظن الإنسان أن الطريق معبده، وأنها مفروشة بالورود والرياحين، ويكفيه أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاقوا في سبيل هذا الطريق ما لاقوا، منهم من أوذي، ومنهم من أخرج، ومنهم من طورد حتى قال ورقة بن نوفل -كما في صحيح البخاري- للنبي صلى الله عليه وسلم أو ل ما بُعِثَ {ليتني أكون حياً حين يخرج قومك، قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم! لم يأتِ أحد بمثل الذي جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً}.

    وهذا الذي حدث فعلاً حيث أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم، وقصة إخراجه من مكة فيها عبرة، وفيها ما يثير نفوس المؤمنين، وكأني أنظر إليه صلى الله عليه وسلم وقد طارده المشركون وضايقوه وأحكموا عليه الخناق حتى اضطروه إلى الخروج من مكة البلد الأمين الذي يحبه صلى الله عليه وسلم، فخرج حزيناً على ذلك، فلما وصل إلى الحزورة، وهو مكان يقع إلى الشرق من الكعبة، وهو اليوم أسواق التفت إلى الكعبة وهو بقلب حزين ودمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال يخاطب مكة: {والله إنك لأحب البلاد وأفضل البلاد إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت} ولما ذهب إلى المدينة صلى الله عليه وسلم وأصابته الحمى، وكان في المدينة محمومة في ذلك الوقت، وأصابت الحمى أصحابه، فكانوا يقعون تحت طائلة هذه الحمى، حتى إن بعضهم كان يقول من شدة الحمى ولا يعي ما يقول:

    ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة     بوادٍ وحولي إذخر وجليلُ

    وهل أردن يوماً مياه مجنة     وهل يبدون لي شامة وطفيل

    يتطلعون إلى معالم ومواضع وأماكن وجبال في مكة عاشوها وما حولها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة كما أخرجونا من ديارنا إلى ديار الوباء} ثم دعا صلى الله عليه وسلم للمدينة أن ينقل حماها إلى الجحفة، وأن يصححها للمؤمنين.

    على المسلم البذل ومن الله التأييد:

    المهم أن الطريق طويل وشاق، ويحتاج إلى جهاد دائم من حملة رسالة الإسلام؛ لكن هذا الجهاد يؤيده الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] ويبارك فيه ولو كان قليلاً، المهم أن يبذل الإنسان ما يستطيع.

    1.   

    ميدان الصراع بين الحق والباطل

    المسألة الثانية والأخيرة في هذا الموضوع، وهي مسألة ميدان الصراع: ميدان الصراع بين الحق والباطل وله ميدانان:

    النفس البشرية

    الميدان الأول هو ميدان النفس البشرية: فالإنسان -كما أسلفت- قابل للخير والشر والهدى والضلال قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الشمس:7-9].

    فالإنسان عنده قابلية للخير والشر، وكذلك الإنسان حين يكون خيراً لا يعني أن عناصر وعوامل الشر زالت منه بالكلية، بل النفس الأمارة بالسوء موجودة، وكيد الشيطان موجود، ولذلك قد يحدث من الإنسان المستقيم أن يخطئ، أو يضل، أو ينحرف عن هذا الطريق، أو يتركه حيناً ثم يعود إليه، وبالمقابل؛ الإنسان المنحرف والضال لا يعني أنه أصبح شيطاناً رجيماً متمحضاً للشر، بل قد يحدث منه أحياناً أن يستقيم ويهتدي إلى الخير، بل وحتى حين يكون مصراً على الشر الذي هو فيه لا تظن أبداً أنه لا تثور في نفسه نوازع الخير.

    لقد حدثني أناس قضوا زماناً طويلاً في ميادين الشر والفساد والانحراف أن قلوبهم كانت تغلي أحياناً بمراجل الهم والندم والحزن والرغبة في الإقلاع ولا تغتر بمظاهر أو بعبارات أو بعض اندفاعات أو أشياء يحاول الإنسان بها أن يظهر أنه طبيعي وأنه لا يحس، لا أعتقد أبداً أن إنساناً مسلماً يفعل المعصية ويظل فرحاً مسروراً بها أبداً، المؤمن قد يعصي ولكنه لا يمكن أن يفرح ويطمئن بها؛ بل لا بد أن يوجد في قلبه ندم على هذه المعصية، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في صفة المؤمنين: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] وفي الحديث عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: {أن القلب فيه لمة للملك، ولمة للشيطان؛ فلمة الملك إيعاد إلى الخير وحث عليه، ولمة الشيطان إيعاد إلى الشر وتكذيب بالحق}.

    فالإنسان الطيب لا يخلو من وجود شيء من الشر يحتاج إلى مدافعة وإزالة ومقاومة، ولذلك لا بد من جهاد النفس، ولا يمكن أن نقول: إن هذا الإنسان وصل كما تقول الصوفية بأن عندهم الإنسان قد يصل إلى مرحلة يسمونها مرحلة سقوط التكاليف، وقد قيل لـأبي علي الروذباري وهو من أئمة أهل السنة والجماعة: إن فلاناً يزعم أنه وصل، قال: صدق، ولكن إلى سقر. فليس هناك مرحلة يصل فيها الإنسان وتسقط عنه التكاليف، قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] أي: حتى يأتيك الموت، فاليقين هاهنا المقصود به الموت.

    وبالمقابل الإنسان الشرير لا يوجد ما يدعو إلى اليأس منه، واعتقاد أن هذا الإنسان لا خير فيه، رب كلمة توافق قلباً فتدخل فيه وتغيره رأساً على عقب، وقد تكون كلمة عادية، قد تكون كلمة هادئة، اسأل الذين اهتدوا: فبعضهم سمع برنامجاً في الإذاعة، أو سمع كلمة طيبة من أحد فتأثر بها، وربما يكون الذي قال هذه الكلمة لم يحسب لها حساباً لكنها صادفت قبولاً في هذا الإنسان، فغيرت معالمه ظاهراً وباطناً، وهذا يوجب للإنسان الصالح ألا يغتر بنفسه؛ لأنه قد يتغلب عنصر الشر يوماً من الأيام فيتحول والعياذ بالله ويجب ألا ييأس الإنسان من نفسه ولا من غيره.

    فأما اليأس من الناس فإني رأيت أن من مداخل الشيطان العظيمة على النفوس أنه - أحياناً - قد يأتي لإنسان فيه خير وصلاح، مثلاً: رجل صالح مع قوم صالحين، أو إنسان يؤم الناس في الصلاة أو يعلمهم العلم أو يقرئهم القرآن، أو يدعوهم إلى الله تعالى، وقد يكون عنده معصية خفيه لا يعلمها الناس، فيأتيه الشيطان في الخلوة فيقول: أنت منافق! أمام الناس تتظاهر بشيء، وفي واقعك عندك معاصي وعندك كذا وعندك كذا، فلا يزال به حتى -لا أقول- يقنعه بترك المعصية، فهذا ليس من شأن الشيطان؛ لكن لا يزال به حتى يقنعه بترك الطاعة التي هو فيها ويقول: كن منطقياً مع نفسك لا داعي أن تقف أمام الناس تدعوهم إلى الخير، وأنت تعرف أن عندك معصية في السر.

    وقد علمت أيضاً أن هناك من الصالحين من انحرف لهذا السبب، ونقول: العلاج ليس أن الإنسان يترك العوامل الطيبة في نفسه استجابةً لطاعة الشيطان، بل نقول: ضاعف الأمور الخيرية في نفسك، وقاوم المعصية بقدر ما تستطيع النجاة منها، وحتى ولو لم تستطع لها اليوم أو غداً فليس الحل أن تترك أعمال الخير، كلا! وهذا ليس بنفاق، خطأ أن تتوقع أن هذا من النفاق، لأن عدم الرغبة في نفسك، وكره المعصية، والحرص على التخلص منها يدل على خير، وليس المطلوب أن تجاهر بمعصيتك أو تعلنها للناس حتى تكون منطقياً مع نفسك، وليس مطلوباً منك أن تترك أعمال الخير حتى تتمحض لهذه المعصية ويتفرد بك الشيطان، فهذا مزلق خطير ينتبه له الإنسان فلا ييأس الإنسان من نفسه، ولا ييأس من غيره أيضاً، يمكن أن تأمر الإنسان مرة أو مرتين أو عشر مرات، تقول: فلان والله أعذرت معه، نعم، نحن لا نقل: أعذرت بل عليك واجب شرعي فأنت قمت بالواجب عليك وانتهت مهمتك؛ لكن إن كنت داعية فلا تيأس إن كنت أمرته عشرين مرة فربما يستجيب لك بعد المرة العشرين فجرب!

    الصراع مع المجتمع

    الميدان الثاني من ميادين الصراع: وهو أثر من الميدان الأول وهو الصراع مع المجتمع، فالناس الذين معهم انحسم الصراع نسبياً لا أقول -مثلاً- انتهى الصراع أو الجهاد كما هو التعبير القرآني: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] الجهاد في ميدان النفس لا أقول: إنه ينتهي، لكن الذين يجاهدون أنفسهم منهم من ينجح في هذا الجهاد، فيكون من أهل الخير ومن دعاة الإسلام، ومنهم من يفشل في هذا الجهاد أو لا يجاهد أصلاً فيكون من أهل الشر الذين عرفوا الحق ورفضوه أو لم يعرفوه أصلاً، وهنا يوجد الصراع بين هؤلاء وهؤلاء في الميدان الكبير ميدان المجتمع، وهذا هو الميدان الآخر في الصراع بين الحق والباطل، وبين الشيطان وبين الرسل وأتباعهم.

    الأمر بالمعروف يصلح المجتمع

    وقد حرص الإسلام على تحصين المجتمعات من عوامل الفساد؛ حتى لو وُجد فساد على مستوى فردي فالإسلام حريص على ألا ينتشر ليلوث البيئة، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: {كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملاً بالليل، ثم يصبح، ويقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه وأصبح يكشف ستر الله عليه} لماذا الرسول صلى الله عليه وسلم توعد المجاهرين بهذا الوعيد؟

    لأن المجاهر انتقلت المعصية من كونها معصية فردية تضر صاحبها إلى كونها معصية عامة تلوث البيئة، كلها فالرسول عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على حماية المجتمع، ولذلك كان السلف يقولون: كما يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه : [[إن المعصية إذا سترت لن تضر إلا صاحبها، فإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة ]] ولذلك جاء في شريعة الإسلام شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس المقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القضاء النهائي على المنكرات، لأن القضاء النهائي على المنكرات بحيث يكون المجتمع سليماً من المنكر بنسبة (100%) بعيد وغير ممكن، فحتى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان هناك بعض من المنكرات لكنها قليلة مستخفية.

    المقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    إنما المقصود من شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقاية البيئة العامة من التلويث، لأن البيئة العامة إذا تلوثت أصبح من الصعب على الإنسان أن يستقم؛ لأنه -كما يقال- يسبح ضد التيار، انظر في شرائع الإسلام! لماذا شُرِع الإسلام، صلاة، الجمع، العيدين، الصيام؟ إن ذلك من أجل إيجاد مظهر عام وبيئة صالحة يتربى فيها الناس.

    وأضرب لكم مثلاً ملموساً مشاهداً: نحن أدينا فريضة صيام شهر رمضان، وكان الناس خلال الشهر -كما هو معروف- لا يجدون مشقة كبيرة خلال تأدية الفريضة، فلا أحد يتعب من صوم الفريضة حتى الإنسان الذي لا يصوم طيلة السنة إلا الفرض تجد أنه خلال الشهر لا يتعب كثيراً، ويخرج يقول: والله ولله الحمد كنا متخوفين من الصيام هذه الأيام، فوجدنا أن الأمر يسير وسهل، والإنسان إذا عزم وجدّ يسر الله سبحانه وتعالى له وهذا صحيح.

    لكن إذا أراد الإنسان أن يصوم الست من شوال، أو يصوم أيام البيض : الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر يجد صعوبة كبيرة في ذلك أصعب مما يجده في صوم الفرض، بل إنني أجد أن بعض الإخوة إذا صاموا الفرض لا يحسون بأي شيء، لكن إذا صاموا النفل يحس كثير منهم بالصداع، بل وبعض أعراض تتعبه حتى في جسمه، وهذا له أسرار كثيرة لا أستطيع أن أذكرها؛ لكني سأذكر منها سراً واحداً يتعلق بما نحن فيه وهو تأثير المجتمع، وذلك أن المجتمع في رمضان كله صائم، ولذلك أنت عندما تذهب إلى السوق لتجد حاجياتك، تجد أن الناس كلهم صائمون، في الشارع الناس صائمون، الطلاب والموظفون الكل صائم، في البيت الكل صائم، ولذلك لا يشعر الإنسان بشيء؛ لأن المجتمع كله يسير في نفس الاتجاه، ولكن فيما عدا ذلك الإنسان صائم لوحده أو مع أفراد قلائل، والمجتمع غير صائم، ولهذا يجد صعوبة، ولهذا نجد أن الطلاب الذين يسافرون إلى بلاد الغرب، ويصومون رمضان هناك، يجدون صعوبة في الصيام، وبعض الشباب يعودون إلى بلادهم لصيام شهر رمضان هنا من ضغط المجتمع، لأن المجتمع هناك مفطر فيضغط عليهم نفسياً ويضغط عليهم بوسائل أخرى بحيث إن الإنسان يجد مشقه في الصيام؛ لأنه يخالف المجتمع الذي حوله، وهذا يؤكد لك أهمية صلاح المجتمع في صلاح أفراده، وفي هذا الإطار -أيضاً- تأتي عناية الإسلام بالمظهر الخارجي بتقصير الثياب -مثلاً- بإعفاء اللحى، عدم التشبه بالمشركين إلى غير ذلك.

    علاقة المظهر الخارجي بالصراع في المجتمع:

    بعض الناس الذين عندهم قصر نظر يقولون: ما هذا القصور الذي شغلونا به؟

    لا يا أخي هذه القضية لها بعد كبير جداً؛ لأن هذه القضية من شأنها أن تحقق للمجتمع المسلم التميز والاستقلالية، وتحفظ المجتمع من الانهيار والمشي وراء ركاب الأمم الأخرى، أو التشبه بأمم أخرى بحيث يفقد المجتمع المسلم تميزه وصلاحه، وأصلاً المجتمع لا يلجأ إلى أخذ ما عند الآخرين إلا إذا شعر بالهزيمة والضعف، ولذلك عقد ابن خلدون في المقدمة فصلاً في اقتداء المغلوب بالغالب، الآن لا تجد أن الأعداء هم الذين يقلدوننا بل نحن الذين نقلدهم، لأننا في حالة هزيمة -كما يقولون- هزيمة حضارية، سبقونا في مجال العلم والتقدم الصناعي فأصبحنا ننظر لهم نظرة معينة ونقتبس منهم الكثير من الأشياء، فالإسلام حرص على تميز المسلم حتى في مظهره حماية ووقاية لهذا المجتمع.

    اليوم نجد أن هناك حرباً على المجتمعات الإسلامية لتلويثها، فمثلاً عصابات المخدرات المنتشرة في العالم، عصابات المافيا وغيرها التي جندت نفسها لترويج المخدرات بالذات في البلاد الإسلامية، وبعض البلاد الإسلامية أصبحت مركزاً سواءً لتصنيع أو تهريب أو ترويج المخدرات بأنواعها، هذا نموذج من محاولة الأعداء تلويث المجتمع بحيث أنك تجد بعض الشباب في بعض البيئات أصبحت المخدرات قضية لا يجد فيها حرجاً، بل ربما يشعر بالنقص إذا لم يتعاط هذه الأشياء، فهو أحياناً يتعاطاها ليعبر أنه شخصية مستقلة، وأنه إنسان عنده كمال في شخصيته، وهذا أمر موجود عند بعض الشباب نتيجة الشعور بالهزيمة.

    قضية الأجهزة والوسائل الإعلامية واستخدام الإعلام للتأثير على الناس، وقد ذكرت لكم أثره في تغيير الناس وسلوكهم، ولكن خذ على سبيل المثال:

    حينما ننظر في قضية من القضايا الاجتماعية نجد كيف استطاع الإعلام أن يغير سلوك الناس ويضغط عليهم، مثلاً قضية تعدد الزوجات نجد أنه لا يكاد يعرض مسلسل من المسلسلات في كثير من أجهزة الإعلام في البلاد الإسلامية يتعلق بموضوع تعدد الزوجات إلا ويكون الهدف من ورائه الحديث عن فشل موضوع التعدد، وأنه ينتهي بالرجل إلى الهروب من البيت وتحطيم الأسرة ترك الأولاد، مشكلات طويلة عريضة، وأن المرأة تذهب ضحية هذا التعدد، وما زال الضرب على هذا الوتر حتى أصبح مستقراً في نفوس الناس أن تعدد الزوجات أمراً خطيراً.. إلى آخره.

    وبطبيعة الحال الحديث عن تعدد الزوجات ليس هذا ميدانه، فسلبياته وإيجابياته وحكمه يحتاج إلى حديث لا أريد أن أتحدث به الآن؛ لكن فقط أريد أن أضرب المثل حتى استقر عند الناس هذا الأمر، لكن وقوع الإنسان في الزنا والعياذ بالله قد لا يحمل نفس الخطورة، أو لا تحرص تلك الأجهزة على الحديث عن خطورته، ولذلك قد تقبل بعض النساء أحياناً أن تعلم أن زوجها قد يرتكب الفاحشة مع الخادمة، لكنها تقلب الدنيا رأساً على عقب - إن استطاعت- لو علمت أن زوجها يفكر مجرد تفكير في الزواج من امرأة أخرى، وهذا جزء أو جانب من تأثير أجهزة الإعلام.

    وإذا كنا نسمع أن العالم اليوم يحضر لغزو البلاد الإسلامية بواسطة ما يسمى بالبث المباشر، فهذا جزء من تلك الحملة التي يهدف العالم فيها إلى تنصير المسلمين، لا مانع أن يكون هذا من أهم أهدافه من خلال برامج تنصيرية تعمل على زعزعة العقائد الإسلامية، وتحويل المسلمين إلى مرتدين على أقل تقدير إذا لم ينصروهم، محاولة نشر الأخلاق المنحلة والرذيلة بين المسلمين وهذا يتم الآن من خلال أجهزة الفيديو، ومن خلال الأفلام الهائلة.

    فهناك مدن بأكملها مخصصه لنشر الفساد للإنتاج الفني -كما يسمونه- الذي تغزى به البلاد الإسلامية.

    ولذلك عمل الأعداء على تكييف المنكرات بحيث لا تنكر، يصل المنكر ببعض المجتمعات الإسلامية إلى حد مستقر، ما عاد المنكر ضيفاً يرحل اليوم أو يرحل غداً، أصبح المنكر صاحب محل مستقر ولا يفكر أحد بإزالته، وربما يضحك الناس من إنسان لو فكّر في تغيير المنكرات، من هو الذي يفكر مثلاً بحرب الربا في البلاد الإسلامية؟

    لا أحد يفكر، مجرد خواطر في نفوس الطيبين والصالحين، أما هذه المنكرات فقد استقرت وضربت بجرانها فأصبح الناس لا يفكرون بها، مثلاً أجهزة التلفاز يوماً من الأيام كان الناس أو بعضهم لهم موقف من هذه الأجهزة؛ لكن جاءت مرحلة أصبح كثيراً من الناس يرى أن الجهاز من الأثاث المكمل للبيت، وهذه قضيه لا تحتمل عنده جدلاً، ليس هذا فقط بل حتى ترك هذا المجال للنساء والرجال والكبار والأطفال والصغار ثم جاءت قضية الفيديو قطعت على هذا وهكذا تجد كثيراً من الناس تتطبع نفوسهم على المنكرات، ويصبح المنكر مستقراً لا يفكر أحد بحربه.

    تغير المفاهيم والسكوت على المنكر

    أنت عندما تجد كثيراً ممن حولك يتعاطون هذا المنكر تجد أنه لا فائدة من حربه، وهذا لا يسوغ للإنسان ترك المنكر أو السكوت عنه، وهذا يبين جانباً من جوانب الصراع بين الحق والباطل، وهذا يمر بثلاث مراحل:

    المرحلة الأولى بالنسبة للناس الذين قصروا عليهم: أن الإنسان يسكت عن إنكار المنكر فيقول أحد المهزومين المخذلين يقول لك: أنت تنفخ في رماد، وتصيح في وادٍ، لا فائدة! التيار أقوى منك، اترك هذه الأشياء، هذه مرحلة، فبذلك يترك الإنسان النهي عن المنكر، وينتقل إلى مرحلة أخرى بعد فترة يقع هو نفسه في المنكر فتجد هذا الإنسان الذي يقول أمس:

    أنه فعلاً منكر ولكني لا أنكره على الناس، انتقل إلى أنه هو يقع في المنكر، ليس هذا فحسب؛ بل ينتقل إلى مرحلة ثالثة، أنك تجد أن هذا الإنسان أصبح يسوغ المنكر، ويحاول أن يلبسه لبوس الحق، مثال ذلك: الغناء كل النفوس السليمة تعرف أن الغناء حرام، بغض النظر عن كون المرء عالماً أو جاهلاً، أو فاسقاً، أو تقياً، كل النفوس المستقيمة والنفوس السوية تعرف أن الغناء حرام، وإذا قلت: الغناء فلا يأتي شخص ويقول: الحداء، أو غناء العمال وهم يرتجزون وما أشبه ذلك، الغناء مصطلح له معن واضح يعرفه الجميع، إذا قيل: الغناء انصرفت الأذهان إلى الغناء الذي يبث عبر وسائل الإعلام بالموسيقى، وهو في امرأة تحن إلى رجل أو رجل يحن إلى امرأة للوصال والكلام الفارغ المعروف.

    كل الناس تعرف أن الغناء حرام من حيث أصل الفطرة، ولذلك حين تسمعون أن فلاناً تاب من الغناء، وهو ليس عالماً شرعياً ولا طالب علم، وهو مغنيٍ طول حياته، لكنه عارف في قراراته أنه أمر لا يرضي الله، ولذلك تجد أنه يعلن توبته، فالنفوس تعرف ذلك، لكن الإنسان لما يرى أن الغناء أصبح قضية موجودة في كل مكان كما ذكر بعضهم في بعض مقالات ومقابلات نشرت؛ فإنه يرى، ويقول: ما معنى أن هذا حرام والناس مبتلون به جميعاً؟

    فيرى أن يسكت عن هذا الأمر، لا يلزم بالضرورة أنه يخلف هذا الأمر، قد يسكت عنه أولاً باعتبار أنه أمر قد انتشر، نحن ننشغل بما هو أهم منه، وعندما ينتشر هذا الأمر تأتي بعد ذلك مرحلة أخرى أن هذا الإنسان الذي سكت عن هذا المنكر أصبح يشارك فيه، ولو لم يرضه أو يقره؛ لأن هذا المنكر نفسه عليه، بعد ذلك تأتى مرحلة ثالثة وهي أن هذا الإنسان لا يكتفي بأن وقع في المنكر؛ بل صار يبحث عن قول فقهي أو تأويلاً ضعيفاً أو رأياً شاذاً ليقول: إن هذا الأمر مباح وحلال ولا شيء فيه، فهذا يبين لك خطورة مسألة تلويث المجتمع والبيئة العامة.

    الصراع بين الهدوء والاحتدام

    الصراع قد يهدأ حيناً وقد يحتدم حيناً آخر، فهو مثل المعارك الحربية، فالمعركة الحربية -كما هو معروف- فيها حرب وفيها هدوء حذر -كما يقولون- ومنها سلم، وهكذا الصراع بين الحق الباطل قد يحتدم أحياناً وقد يهدأ أحياناً أخرى، وهذا يبرز كثيراً في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم.

    في وقت مضى كان الصراع يمر بمرحله يمكن أن نسميها بمرحلة فتور أو هدوء، ولذلك كان غالبية الناس في المجتمعات الإسلامية هنا وفي كثير من البلاد كانت غالبيتهم في مرحلة وسط هم بالصالحين صلاحاً يذكر ويتحدث عنه، ولا هم بالمنحرفين انحرافاً مشهوراً ومعروفاً، بل هم وسط فيهم خير وفيهم تقصير غالبية الناس كانوا كذلك؛ لأن المرحلة مرحلة الفتور والصراع بين الحق والباطل.

    الآن أرى أن الموضوع بدأ يتجه نحو الاحتدام وظهور هذا الصراع بشكل أكثر وضوحاً، ولذلك تجد أن مرحلة الوسط التي كان الناس فيها بالأمس؛ هذه المرحلة بدأت تتآكل وبدأ الناس الذين في الوسط يقلون، وصار غالبية الناس إما أن يتجه نحو الخير وإما أن يتجه نحو الشر، والذين في الوسط يقلون ويرجعون تدريجياً، ولذلك تجد أن الإنسان عندما يتحدث عن الخير والصلاح، والمحاضرة، والكتب العلمية، والصحوة الإسلامية يجد ميداناً خصباً للحديث، لأن كثيراً من الناس أقبلت على الخير، لكن هذا لا ينبغي أن ينسيك أن جزءاً من هؤلاء كانوا في الوسط واليوم صاروا طيبين، بالمقابل هناك أناس آخرون استهلكتهم التيارات المنحرفة، والمذاهب الضالة، والبدع، والخرافات، والمعاصي، والفسوق، وألوان الانحرافات الموجودة، فبدأ الأمر يتميز، وبدأت المجتمعات تتميز كما ورد في بعض الآثار: {إلى فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه} وهذا الاحتدام في الصراع بين الحق والباطل، والذي من نتيجته اليوم في المجتمعات أنه بدأت اليوم الأمور تتميز وتتضح أكثر، يبدو لي أنه مؤشر إلى أن الصراع بدأ يكون علنياً وليس خفياً، بدأ يتجه نحو العلنية، ولذا تجد الآن أن الصراع بدأ يتجه نحو الميدان العام، وهذا يؤكد على حملة رسالة الإسلام، أو يؤكد على الناس عموماً أولاً: ضرورة تحديد الموقف -كما أسلفت في البداية- الحياد لا مكان له هنا، لأن الوسط لا يكاد يوجد في أحد.

    فلا بد للإنسان أن يحدد موقفه إما مع الإسلام أو مع خصوم الإسلام.

    النقطة الثانية: أنه يؤكد على حملة رسالة الإسلام -بالذات- أنه لا بد أن يبذلوا جهودهم بالسبق إلى الميادين العامة التي تؤثر في المجتمع، السبق إلى أجهزة الإعلام، الجامعات، المؤسسات، الجمعيات، الوسائل، المراكز القيادية التي تؤثر في المجتمع بحيث يمكن توجيه الناس ليس من خلال المسجد فقط، بل من خلال كل وسيلة ممكنة يمكن أن يسمع صوت الحق، لأن هناك سباق وصراع على هذه الميادين، وإذا ما استطاع أهل الإسلام أن يسعوا إلى هذه المجالات فلنثق أن هناك من يتربص بهذه الأمور ويسعى إلى السبق فيها؛ بل لسبق فيها، والواجب على المسلمين وأهل الإسلام أن يستدركوا ما حدث من تقصير فيما مضى، هذا ما أريد أن أقوله، وأرجو ألا أكون قد أطلت عليكم في هذه الكلمات.

    وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من حملة الحق والدعاة إليه، المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم بما يستطيعون، وأن يكتب النصر لجنده وأوليائه، كما وعد الله جل وعلا: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:173] أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    مراعاة المصالح والمفاسد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: لقد سبق أن سمعنا لك دروساً خاصة بموضوع إنكار المنكر، ولنا بعض الاستفسارات، كما لا يخفى على أحد أن المجتمعات النسائية في عصرنا الحاضر مليئة بالمنكرات واللغو، وما إلى ذلك من الأمور المضيعة للوقت، والتي لا تتناسب مع ديننا الحنيف، وبالتالي فالدعوة في هذه المجتمعات تحتاج إلى جهد وعلم كبير، والسؤال هو: هل ينبغي للمرأة المسلمة التي تدعو في تلك المجتمعات أن تخالط نساء هذا المجتمع لكسب قلوبهن، وبالتالي يمكن أن يتقبلن منها أية دعوة، هذه مصلحة للدعوة ولكن يترتب عليها مفسدة؛ وهي أنها ستضطر أن تسكت أمام بعض المنكرات التي تراها في سبيل التدرج في الدعوة، فأرشدونا -جزاكم الله خيراً- إلى الطريق الصحيح للدعوة في تلك المجتمعات؟

    الجواب: نعم، كما ذكرت الأخت السائلة أو الأخ السائل، سبق أن تحدثت عن هذا الموضوع أكثر من مرة، وعلى كل حال فمراعاة تحقيق المصلحة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوبة، ومن ذلك أنك لو رأيت إنساناً عنده مجموعة من المنكرات قد لا يكون من المناسب أن تبينها له دفعه واحدة، لأن معنى ذلك أن الإنسان لن يتقبل منك، وسيقول لك: معنى ذلك أنني تحولت إلى مجموعة من الأخطاء والرذائل، فقد يكون هذا مدعاة إلى ألا يقبل منك شيئاً، ولذا فالتدرج مطلوب، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذاً إلى اليمن قال له: {إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقه تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب}.

    فعلم بذلك أن التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوب، فلو رأيت عند إنسان مجموعة من العيوب فعليك أن تتدرج معه في الأمر، وتبدأ بالأهم منها على ألا تهمل الآخر، بل تنتظر الفرصة المناسبة لنهيه عن هذا المنكر أو لأمره بذلك المعروف الذي قصر فيه، كما أنه لا بد من التلطف في أمره.

    فمثلاً: لو كنت تستطيع أن تقيم علاقة مع هذا الإنسان بحيث توجد هناك مودة بينك وبينه ثم تبدأ معه كان هذا أفضل؛ لكن قد تجد إنساناً فتقول: والله قد لا ألقاه يوماً من الأيام وليس لي به هذه العلاقة، وترى أنه من المناسبة أنك تبلغه فتتحدث معه في أهم شيء تراه عليه، ولو تركت ما سوى ذلك مراعاة للمصلحة، والله سبحانه وتعالى أعلم بما في قلبك من أنك منكر له.

    المنهج القويم لطلب العلم

    السؤال: لا شك أن طلب العلم ضرورة شرعية يحتاجه كل مسلم ومسلمة فالرجاء أن يوضح الشيخ المنهج القويم الذي يجب أن تسلكه المرأة المسلمة في طلب العلم في بيتها ومع أخواتها؟

    الجواب: نعم. {طلب العلم فريضة على كل مسلم} كما ورد في الحديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود على كل مسلم ومسلمة فكلمه "مسلم" تشمل الرجل والمرأة، فالعلم منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية، ففرض العين مثل العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بتوحيد الروبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وأركان الإيمان؛ لا بد من معرفة العقيدة الصحيحة على كل مسلم، ومن فروض العين معرفة الأحكام المتعلقة بالإنسان مثل أحكام الطهارة، والوضوء، والغسل، والصلاة، وما يتعلق بها إلى غير ذلك مما يحتاجه الإنسان في أموره الخاصة، وفروض الكفاية ما يحتاج الإنسان أن يعلمه إلى غيرما تحتاجه الأمة على سبيل الإجماع، فالمرآة المسلمة مطالبة بأن تتعلم فروض العين بلا شك وبلا استثناء، أما فروض الكفايات فينبغي للمرأة أن تحرص على تعلمها لتفقه غيرها من النساء، وفي مجال التعلم هناك وسائل كثيرة لكني أقتصر الإشارة إلى أسلوب واحد أعتبر أنه من المهم التنبيه عليه وهو:

    أنه من الخطأ أن يتفقه الإنسان ذكراً كان أو أنثى بمفرده، وقد تحدث بذلك أهل العلم وأطالوا، وقيل: (من كان شيخه كتابه غلب خطؤه صوابه) فالإنسان الذي يتفقه على الكتاب فقط غالباً ما يقع في أخطاء، لأنه قد لا يفقه حقيقة ما يقال، وقد يفهم الكلمة على فهم وحقيقتها على أمر آخر.

    وكم رأينا في كتب بعض الناس من تعبيرات وأقوال وتفسيرات ليست صحيحه، وما قال بها أحد غيرهم، وإنما فهموها من كلام بعض أهل العلم نظراً لأنهم اعتمدوا على أنفسهم في الفهم، ولم يضموا هذا الكلام إلى غيره من الأقوال الأخرى فوقعوا في الخطأ، ولذلك فيجب على الإنسان ألا ينفرد بنفسه في التعلم بل يتعلم مع غيره، فإن أمكن أن يوجد -مثلاً- مع الأخت المسلمة مجموعة من الأخوات تلتقي معهن في تعلم الكتاب والسنة كان هذا حسناً، ومع ذلك فهذا لا يكفي؛ بل ينبغي أن يكون مرجع هؤلاء الأخوات في التعلم إلى العلماء المعتبرين الذين يشار إليهم بالبنان من علماء أهل السنة والجماعة بحيث تراجعهم تلك الأخوات فيما يشكل عليهن، وإذا كتبت إحداهن -مثلاً- بحثاً في مسألة ترسله إلى أحد العلماء والمشايخ ليراجعه ويصححه ويبين ما فيه من أخطاء حتى يكون التعلم مضبوطاً ويسلم من الشذوذ الذي يمكن أن يقع.

    في كثير من البلاد نظراً لغياب العلماء وكون الشباب ذكوراً وإناثاً يتتلمذون على أنفسهم وعلى الكتب فحسب، يوجد أخطاء كبيرة جداً، أخطاء حتى في العقيدة، وأخطاء في الأحكام، وآراء شاذة، وترجيح أشياء مرجوحة، السبب هو الفوضى العلمية الموجودة، وعدم وجود قيادات علمية يلتف حولها الناس، هذه البلاد -ولله الحمد- قيّض الله لها، علماء كباراً وبصورة لا أعتقد أنه يوجد مثلها في أي مكان آخر، فمن واجبنا حين نتعلم أو نتفقه في قضايا الدين ألا نتعلم ونتفقه بمعزل عن هؤلاء العلماء، هناك أشرطه للعلماء مفيدة جداً للتفقه؛ لأن المرأة حينما تستمع لهذه الأشرطة فكأنما تسمع للشيخ مباشرة، وتستطيع أن تستفسر عن طريق الهاتف عما أشكل عليها ليستبين لها الطريق.

    مشاكل في الرفقة والعادة السرية

    السؤال يقول: إني أحبك في الله، ومشكلتي أني لا أجد الصحبة الصالحة وإذا استغنيت عنها وتبت إلى الله وسرت في الطريق الصحيح لم يمض علي شهر حتى أعود إلى ضلالي وهكذا، وإني في سن الرشد، أفيدوني ماذا أفعل، وكذلك إني استعمل العادة السرية وما حكم هذه العادة -وكأنه يقول- لا أستطيع التخلص منها، أو كيف أستطيع التخلص منها؟

    وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: من البعيد أن الإنسان لا يجد الرفقة الصالحة، لأنني تحدثت من خلال المحاضرة عن الطائفة المنصورة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نعلم من خلال الواقع أنه في كل بلد -لا أقول البلاد الإسلامية- بل حتى في البلاد الكافرة لا تكاد تدخل مدينة إلا وتجد فيها مركزاً ومسجداً وجالية إسلامية، وقوماً صالحين، فيجد الشاب بالبحث رفقه صالحة في المسجد أو في المدرسة ويستطيع أن ينضم إليهم ولا بد من ذلك، لأن الإنسان لا قوام له إلا بهؤلاء القوم الذين يعينونه على الخير، ويذكرونه ويحثونه عليه، وينهونه عن الشر؛ فإنه إذا انفرد تخلى وتخلى عنهم انفرد به الشيطان، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: {إنما يأكل الذئب القاصية من الغنم}.

    أما سبب ضلال هذا الإنسان ورجوعه إلى الحور بعد الكور -أي: الضلال بعد الهدى- فإن السبب يرجع -والله تعالى أعلم- إلى أحد عوامل: فإما أن يكون هذا الإنسان له أصدقاء يزينون له الباطل، ولذلك قد يتوب ثم يغرونه بالباطل فيعود إليه مرة أخرى، أو أن يكون هذا الإنسان مقيماً على أسباب تحثه على الرذيلة مثل أن يشاهد التلفاز وما فيه من مسلسلات رديئة، أو فيديو، أو صور النساء في المجلات، أو يسمع الغناء أو يخرج إلى الأسواق وغيرها من المجالات التي تثير في الإنسان دوافع الغريزة والشهوة، فعليه: أن يمنع نفسه عن هذه المجالات وكما قيل:

    فإنك إن أرسلت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ

    رأيت الذي لا كله أنت قادر     عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ

    فأول خطوات الوقوع في الرذيلة هو النظر إلى هذه الأشياء أو استماعها، وبالتالي تبدأ سلسة الخطوات حتى يصل الإنسان إلى الوقوع في الحرام، وعلى الإنسان أن يقي نفسه من الذهاب إلى هذه المواطن، أو مشاهده الأشياء السيئة، ويختار لنفسه الرفقة الصالحة، ويكثر من دعاء الله جل وعلا.

    أما مسألة العادة السرية: فلاشك في تحريمها، والدليل قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6] فما عدا ذلك فهو محرم يلام الإنسان على الوقوع فيه.

    كيفيه التخلص منها هناك أسباب كثيرة:

    منها ما ذكرت قبل قليل، ومنها إشغال النفس بالقراءة، واليوم للقراءة أهمية أساسية، واليوم الشباب لديه عزوف عن القراءة، القراءة الشرعية، القراءة العلمية المفيدة، القراءة الأدبية المفيدة، القراءة التاريخية، يشغل نفسه بالقراءة، يشغل نفسه وجسمه بالأمور المفيدة من عمل، أو حركة، أو رياضة مباحة، أو ما أشبه ذلك، كما أن من الوسائل ألا يكثر الإنسان من التفكير في هذه القضايا، وألا يأوي إلى فراشه إلا عندما يشعر بالحاجة إلى النوم، وإذا أوى إلى الفراش فإنه يعمل بالسُنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم من النوم على الجانب الأيمن، وقراءة الأدعية الواردة، وذكر الله حتى تغلبه عينه، ويحرص على ألا يكون بمفرده، وإذا شعر أن الشيطان بدأ يتسلل إليه فعليه أن يخرج ويختلط بالناس وخاصة الطيبين الصالحين، أو يشتغل بأي عمل.

    وأؤكد مرة أخرى ما قلته قبل قليل: حين يستزلك الشيطان فتقع في المعصية، تب إلى الله، فإذا استزلك مرة أخرى فتقع تب إلى الله، يستزلك للمرة المائة فتقع تب إلى الله، لا تقل أنا والله تسعة وتسعين مرة وقعت، التوبة تجب ما قبلها، وهذا لا يعني التلاعب؛ لكن تب توبة صحيحة، توبة ندم وإقلاع وعزيمة على ألا تعود، فيمكن أن يقبض الله روحك وأنت على هذه الحالة الطيبة، ولو فرض أنك وقعت أيضاً تب إلى الله، وإياك أن يأتيك الشيطان، فيقول: أنت إنسان لا خير فيك، وربما تستسلم لهذا الأمر فهذا من أخطر المداخل للشيطان.

    اختلاف الجماعات وعدم التنبيه على الأخطاء

    السؤال يقول: بعض إخواننا في الله ينفرونا من بعض إخوانهم؛ لأنهم ليسوا ينهجون مسارهم مع العلم أنه يوجد عليهم بعض الأمور التي تخالف الكتاب والسنة ولا يريدون من يذكرها لهم؟

    الجواب: أولاً: تحدثت البارحة في محاضرة (الصحوة الإسلامية بشائر ومحاذير) عن قضية الاختلاف، ولا أريد أن أعيد ما قلته، فبإمكان الأخ السائل أن يسمع ما ذكرته من ملاحظات حول هذه النقطة؛ لكنني أشير الآن إلى مسألة من يوجد عندهم أخطاء لا يريدون من يذكرها لهم، لماذا؟

    لا شك أن الشيطان مسلطاً على ابن آدم، لكن هناك سبب قد يوجد، وهو أن بعض المصلحين الذين يحاولون التنبيه على بعض الأخطاء قد يستفزون الإنسان، ويستثيرون عناده وغضبة وعناده بالطريقة التي يأمرونه بها، فمثلاً أنا عندما أرى عليك خطأ، وآتيك وأقول لك: يا أخي! الله يهديك أنت وأصحابك فيكم كذا وفيكم كذا وفيكم كذا، يا أخي: لماذا وأنتم دعاة وتدعون أنكم صالحون؟!

    هنا كأنني أقول لك: إياك أن تسمع مني، إياك أن تتقبل مني ما أريد، كأني استثير عوامل التحدي والخصومة والعناد لي، وهذا ليس أسلوباً، حين تريد أن تنبه إنسان على خطأ موجود لديه تسلل إلى قلبه بطريقة هادئة، ابحث عن حيلة توصل هذا الخير بقدر ما تستطيع، لأنه ليس قصدك أن تتسلط على الناس أو يظهر أن الحق معك والباطل معهم، أو أن عندك وليس ما عندهم، هذه الأمور كلها مستبعدة، أنت قصدك أن يهتدي الناس إلى الطريق المستقيم، وأن يزول الخطأ فبأي طريقة زال الخطأ، فالحمد لله فهذه مسألة مهمة جداً.

    وبالمقابل الإنسان الذي يوجد عنده خطأ عليه أن يخاف الله جل وعلا، يا إخواني! الواجب علينا أن نراجع أنفسنا، يا إخواني! والله إن المسألة أمانة ومسؤولية، الدين أمانة، والدعوة إلى الله عز وجل أمانة، ومن غير المعقول أن أصر على أموري، أو على آرائي، كل واحدٍ منا يخطئ، ومراجعة الإنسان لنفسه من الكمال وليست من العيب، كون الإنسان يراجع الأمور التي هو عليها، الآراء، السلوكيات، بعض الأخطاء، ويكتشف أنه فعلاً تصرف تصرفاً غير مناسب، وقلت كلمة غير مناسبة، وتبنيت أنا غير مناسب والله إن هذا من الكمال، ولهذا تجد الرجال الذين عندهم ثقة بأنفسهم لا يستحي الواحد منهم أن يقول: أنا أخطأت في المسألة الفلانية، وأرجع عنها، بل بعضهم كانوا يرسلون الناس يصوتون في الأسواق، أن العالم الفلاني رجع عن هذا القول، لكن إنسان عنده ضعف وعدم ثقة بنفسه يعتبر أن اعترافه بالخطأ أو رجوعه عنه يعني تنقصه، فينبغي للمؤمن أن يكون هنياً بأيدي إخوانه، فحين ينهى إلى خطأ لا يستحضر في ذهنه أن الطرف الآخر يتحدث وأنت تعد العدة حتى تستغل سكوته لترد عليه، انظر! ليس بالضرورة أن يكون معه الصواب (100%) يمكن أن يكون معه (10%) أو أقل أو أكثر، خذ هذه (10%) وتقبلها، فإذا تقبلت (10%) لا مانع أنك ترد (90%) حينئذ، لأنه يمكن أن يتقبلها، لكن حين ترد كل ما قال قد يقول: هذا الإنسان إنسان معاند ومصر وعنده أشياء ما عنده استعداد التخلي عنها.

    التركيز على التوحيد في هذه الغفلة

    السؤال: ألا ترى أن الناس الآن وهم مصابون بالغفلة والمادية واتباع الشهوات وكثرة الفتن بأن تركز أمور العقيدة والتوحيد والتعمق في ذلك ليكمل بذلك إيمانهم؟

    الجواب: الناس أنواع، وكل نوع يحتاج إلى خطاب، عندنا طلاب علم يحتاجون إلى من يعلمهم تفاصيل العلم الشرعي والأصول والفروع وغيرها، وعندنا دعاة يحتاجون إلى من يبصرهم بالدعوة وطرقها وأساليبها ومخاطرها، وعندنا جماهير من الناس تحتاج إلى من يدعوهم إلى الإسلام الصحيح قولاً وعملاً وسلوكاً، وينبههم إلى الأخطاء والمنكرات الموجودة عندهم، وكل هذه الأشياء تحتاج إلى الحديث عنها وتحتاج إلى من يذكر الناس بها.

    زيارات قبور الأولياء

    السؤال يقول: بعض الفئات توجد في مكتباتهم كتب فيها دعوة إلى المزارات، زيارة قبور الأولياء، والدعوة إلى عدم التفرقة بين المسلمين سواء كان رافضياً أو سنياً، وجعلوا هذه الكتب من مناهجهم الأساسية؛ لأن أصحابها ممن يؤيدونهم ومن شيوخهم، أفيدونا؟

    الجواب: مسألة زيارة قبور الأولياء مسألة هذه مشكلة بلي المسلمون بها منذ قرون، حيث أقيمت قبور في أماكن عديدة لمن يزعمون أنهم أولياء وصالحون، لا أقول: إنهم أولياء وصالحون بل أصبحت القضية ضحكة?

    حتى جحا له مزار في تركيا يزار، وتعقد عنده الجلسات، وتقام حوله العبادات، ويعقدون حوله عقود الزواج تبركاً بها إلى غير ذلك.

    القضية ليست مقصورة على الأولياء وإن كان الأولياء ممن لا يجوز بناء المعابد على قبورهم، ولا دعاؤهم بل دعاؤهم شرك بالله جل وعلا، ولا يجوز قصد قبورهم للدعاء عندها باعتقاد أن الدعاء عندها مقبول، ولا للصلاة عندها، ولا لغير ذلك، وكذلك مسألة التمييز بين الطوائف المسلمة والطوائف الضالة ضرورة، وفي الحديث الصحيح المتواتر يقول صلى الله عليه وسلم: {وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة} والحديث كما أشرت حديث متواتر، ولا بد أن يبين للناس الحق من الباطل والهدى من الضلال حتى من هذه الطوائف، وكون الإنسان يقرأ كتاباً فيه مثل الأشياء إن كان متعلماً وفقيهاً فينبغي عليه أن يحذر من هذه الأشياء، وإن كان مبتدئاً في العلم فعليه أن يحذر من هذه الأشياء؛ لأنه قد قد لا يستطيع أن يميز الحق فيها من الباطل، ووجود مثل هذه الكتب في مكتبتك في رأيي غير حميد؛ لأنه قد يقرؤها غيرك، وقد تموت أنت فيرثها غيرك، فتبوء بإثم من ضل بسبب هذه الكتب.

    مناقشة المبتدئ بالهداية

    السؤال: ذكرتم أنه لا مانع من المناقشة في سنة جزئية، فهل من المستحسن لمن هو في أول طريق الهدى مناقشة فروع الأمور الجزئية أم البداية بغير ذلك؟

    الجواب: المقصود أن يحقق الإنسان ما المدعو لحاجة الله، فلا يمكن أن تعالج الجرح والرأس مقطوع -كما يقول أحد العلماء- من غير المعقول أن تأتي بإنسان ملحد وتحدثه في سنة من السنن أو تأتي بإنسان واقع في ضلال ولا يصلى مطلقاً وتتحدث معه عن مسألة اللحية?

    لا... ابدأ معه بهذه الأشياء المهمة التي هي ضرورة لاعتباره مسلماً، ثم تدرج معه لكن لامانع حين تجد إنساناً مسلماً مصلياً يتردد إلى المسجد ويحب الخير أن تحدثه عن بعض السنن لا على سبيل أنها واجبات يلزم أن يعملها، وينظر إليه بازدراء وانتقاص إذا لم يعملها، كلا! فهذا منهج غير سليم?

    ولا معنى لعدها سنة حينئذٍ، كأنها صارت واجباً في نفس المعلم?

    لكن لا مانع أن تحدثه على أن هذه سنة، وإذا كان يطبق أن يعملها فلا مانع من ذلك، وبعد ذلك إذا عملها فهو حسن وإذا لم يعملها فلا حرج عليه، لأن هذا شأن السنة أنه لا يجوز الإنكار على من تركها، ولكن التعليم لا بأس به.

    اجتماع الخير والشر في الإنسان

    السؤال: على أي شيء يكون الإنسان الذي أطاع الله بتوحيده، وأقام الأركان وما يطلبه الإسلام، ولكنه أطاع الشيطان في بعض الأمور، من جهة هوى النفس وشهواتها؟

    الجواب: هذا فيه إيمان وفيه نفاق فيه خير وفيه شر، قد ذكرت لكم أنه يمكن أن يوجد حق أو باطل، ويمكن أن يوجد أمر التبس فيه الحق بالباطل، فهذا الإنسان فيه خير وشر، ولا مانع أن يجتمع في الإنسان شعبه في شعب الإيمان أو بعض شعب الإيمان وبعض شعب النفاق فيكون موحداً، فيكون أخذ أعلى شعبه وهي لا إله إلا الله، وفي نفس الوقت يكون -مثلاً- كذاباً فيكون أخذ بشعبة من شعب النفاق، فهذا نقول: مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان.

    دعوة أهل الباطل

    السؤال: ما هو السبيل إلى الحق بين أهل الباطل خصوصاً وأن أهل الحق رغم كثرتهم قلة بين أهل الباطل، ولا يملكون الإمكانية الكافية في الدعوة إلى الله جل وعلا؟

    الجواب: كثيراً ما نغفل عن قول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وهذه الغفلة جعلت عند بعضنا نوعاً من التعجل الذي قد يفّوت الخير الكثير؛ بسبب أن الإنسان يريد أن يتعجل في الوصول إلى النتائج، ويخيل إليه - أحياناً- أنه لا بد أن يصل إلى ما يريد، ليس ضرورياً أن تصل أنت يمكن أن يصل غيرك وإذا لم يصل فسيصل الجيل الذي بعدي، وقضية التعجل -أيضاً- أشرت إليها في محاضرة البارحة.

    أما طريقة الدعوة: فادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.

    إخوتي الشباب، إخوتي المستمعين: أقول: إن أهم أمر أتمنى أن يوفق الله سبحانه وتعالى الدعاة إليه هو أن يدعو الناس بحسن الخلق، بالتلطف، دخل رجل على أحد الخلفاء العباسيين فأغلظ له بالقول واشتد عليه، وكان هذا الخليفة فقيهاً عالماً، فقال له: قد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ما أنت خير من موسى ولا أنا شر من فرعون حتى تخاطبني بهذا الأسلوب.

    أحياناً بعض الدعاة قد يغلظ على أخ له يوافقه في معظم المسائل؛ لأنه اختلف معه في مسألة من المسائل أو في جزئية من الجزيئات أحدهم يقول: سنة والآخر يقول: لا ليس سنة، مثل جلسة الاستراحة، أو وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع، أو رفع اليدين في تكبيرة الجنازة، أو رص الكعب على الكعب في الصلاة، الأول قال سنة والآخر قال ما ثبتت سنيتها، تجد أنه يمكن أن يصل الأمر بينهم الخصومة والمهاجرات إلى حد غير محمود، وكيف ترتكب محرماً لأجل سنة؟!

    أليس الذي علمك هذه السنة علمك أيضاً أنه لا يجوز أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث؟

    أليس الذي علمك هذه السنة علمك أيضاً أنه: {كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه} حسن الخلق، حسن التلطف، التبسم في وجوه الناس هو أهم ركيزة توجد في الداعية وتضمن له -بإذن الله- النجاح، ولذلك قال عليه الصلاة السلام في الحديث الذي رواه مالك وابن سعد وغيرهما وهو حديث صحيح: {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق} وفي لفظ: {إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق} وقال الله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] كان خلقه القرآن، وكثير من الدعاة اليوم يحتاجون إلى جرعة من حسن الخلق، اللطف، عدم القابلية للاستفزاز.

    فلا داعي إلى أن تكون أعصاب الداعية قابلة للاستفزاز في أية لحظة، حتى عندما يستفزك الإنسان بكلمة أو عبارة حاول أن تضبط أعصابك وتتحدث معه بالطريقة المناسبة، لأنه -كما أشار السائل- أن إمكانيات صاحب الحق قليلة بالقياس إلى إمكانيات صاحب الباطل، والإنسان يقدر الموقف الذي هو فيه، والطريقة التي يستطيع أن يصل فيها إلى ما يريد.

    زيارة الدعاة للعصاة

    السؤال: من للعصاة الذين في بيوتهم؟

    من يذكرهم بالله عزوجل ويدعوهم إليه؟

    وهل تنصح الإخوة الملتزمين بأن يزوروا هؤلاء العصاة وينصحونهم؟

    وهل ذلك من سنه نبينا صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: نعم، ذلك من سنته عليه الصلاة والسلام كان يغشى ليس العصاة فقط بل الكفار واليهود وغيرهم في أماكنهم ومنازلهم وأسواقهم وبلادهم يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى، فالإنسان يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ حتى لو رأى صاحب معصية على معصيته وعلم أنه مقيم عليها الآن، فقد يكون من المصلحة أن يذهب إليه أثناء فعل المعصية وينهاه عما يصنع، وهذه أمور قد يقدر فيها الإنسان المصلحة المناسبة.

    محمد الغزالي

    السؤال: سمعنا من مقدم المحاضرة أن لكم كتاب" حوار مع محمد الغزالي"، هل لنا معرفة هذا الحوار باختصار، وما رأيكم عن كتاب السنة النبوية بين الفقه والحديث للشيخ الغزالي؟

    الجواب: الكتاب هذا عبارة عن مجموعة من الفصول، الفصل الأول منه: في تحديد المدرسة العقلية التي يتأثر بها الغزالي في أطروحاته الفكرية، والفصل الثاني: عن موقف الغزالي من أحاديث الآحاد، والفصل الثالث: عن موقف الغزالي من قضية القضاء والقدر، والفصل الرابع: عن موقف الغزالي من قضية الشيعة، والخامس: عن موقف الغزالي من قضية المرأة، الفصل السادس: هو عن أدب العلم عند الغزالي بين النظرية والتطبيق، وهو عن موقف الغزالي من العلماء المخالفين له في المنهج وأسلوبه معهم، والفصل الأخير هو بعنوان نظرات في كتاب السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث وهو فصل طويل، فيمكن للسائل مراجعته إن شاء.

    توجيهات حول القرآن وحفظه

    السؤال: ما هي أفضل الأوقات لحفظ كتاب الله، وما نصيحتكم للشباب في تعاهد حفظ كتاب الله وتدبر آياته والعمل به والدعوة إليه؟

    الجواب: أفضل الأوقات للحفظ الأسحار، وللكتابة وسط النهار، فعلى الإنسان أن يحرص على حفظ كتاب الله إما في السحر أو بعد صلاة الفجر؛ بحيث يجلس في المسجد بعد صلاة الفجر إلى وقت طلوع الشمس يذكر الله جل وعلا ويقرأ القرآن، فإن كان ثمة حلقات للقرآن الكريم فيستطيع أن يحفظ كتاب الله تعالى معهم، وعليه أن يرتب لنفسه ولو جزءاً يسيراً يحفظه من القرآن الكريم حتى يختم القرآن الكريم مع مراجعة ما سبق حفظه، والحافظ لكتاب الله جل وعلا يجب أن يظهر أثر هذا الحفظ في سلوكه، وعمله، وهديه، وسمته ووقاره وجهده وأخلاقه وغير ذلك.

    تحصين المرأة من مسلسلات التلفزيون

    السؤال: ما هي نصيحتك للمرأة التي ابتليت بمشاهدة المسلسلات التلفزيونية المحتوية على الاختلاط المحرم والتبرج والسفور، وما هي الوسيلة التي تحصن المسلمات والمسلمين من هذا؟

    الجواب: المسلسلات داء انتشرت في البيوت، فتك بكثير من الأسر والعوائل، وأصبحت المرأة المسلمة والرجل والشاب يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشة، سواء في مشاهدة التلفاز أو أفلام الفيديو، وهذه مشكلة خطيرة جداً لأنها أولاً تدل على الفراغ، فالأجيال السابقة من عهد الرسول إلى عهد قريب ما كانوا يحسون بفراغ يدعوهم إلى التفكير في كيف يقضون وقتهم، الآن أصبح معظم الوقت أمام التلفزيون، ربما من وقت صلاة العصر إلى المغرب ومن المغرب إلى ساعة متأخرة من الليل، وهذه ظاهرة خطيرة، ثم ماذا يقدم في هذه الأشياء؟

    يشترون ما يضرهم ولا ينفعهم، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، معظم ما يقدم هو السيئة.

    والواجب يتركز في عدة أمور: فمن جهة المفروض هو إيجاد بدائل جيدة وحسنة في البيوت أشرطة إسلامية، أو محاضرات، أو دروس أو كتب، أو قصص، ومجلات طيبة، دروس يعقدها القيم على البيت لأهل البيت ويربيهم بها، يمكن أن يستفيد من بعض الوسائل المباحة أيضاً مثل برامج الكمبيوتر وغيرها، توفير أمور يمكن أن تملأ فراغ أهل البيت في ذلك، كما أن من الواجب أن يقوم الصالحون والمصلحون بواجبهم في إنكار منكرات الإعلام من المسلسلات وغيرها، والإنكار يأخذ صوراً عديدة منها : إيجاد البدائل الصالحة أيضاً، ومنها: مخاطبة المسؤولين في هذا الجهاز وغيره في أنه صار كذا وصار كذا وكذا إلى غير ذلك.

    المجلات الهدامة

    السؤال: المجلات التي تهدم أخلاق المسلمات هل يجوز اقتناؤها؟

    وما ردكم على السفور التي تنادي بها مجلة سيدتي؟

    الجواب: المجلات التي تهدم أخلاق المسلمات تربو على العد والحصر، وأحياناً يذهب الإنسان إلى إحدى المكتبات لغرض، فربما وجدت أن في بعض المكتبات جناح ضخم جداً وتجد زواياه مليء بألوان المجلات من ثمرات جميع بلاد الدنيا، بكافه اللغات والأحجام والألوان، وفي مختلف الموضوعات، ومؤسف بأموالنا تشترى وتكون تخريب لجيوبنا، وقبل ذلك وبعده وأخطر منه تخريباً لعقولنا وأدياننا وأخلاقنا -وهي كثيرة جداً- وهي أيضاً يجب أن يحتسب عليها، يكتب عنها، يحذّر منها، يُنكر على ما يوجد فيها، وينهى الناس عن اقتناء هذه الأشياء التي تضرهم ولا تنفعهم.

    أما دعوى السفور، فإن هناك كتباً خاصة في مسألة السفور تحدثت عن وجوب الحجاب، والتزام المسلمة بتغطية بدنها ووجهها أمام الرجال الأجانب، وهي لجماعة من أهل العلم منها كتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية وكتاب سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز وسماحة الشيخ محمد بن عثيمين ومنها كتاب الشيخ أبو الأعلى المودودي له كتاب الحجاب، ومنها كتاب السندي عن الحجاب أيضاً إلى غير ذلك، وكلها ذكرت ما يربو على خمسة عشر دليلاً من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجوب تغطية المرأة بدنها، ولا يتسع المجال لعرض هذه الأدلة، وقد سقتها جميعاً في كتاب حوار مع الغزالي.

    الدعوة وطلب ا لعلم

    السؤال: عندما ينظر الداعية المبتدئ إلى المجتمع الذي يحيط به لا يراه متمسكاً بتعاليم الإسلام إنما أداء الشعائر من غير علم فكيف يتعامل معه حتى يرده إلى لدين الحق مع العلم بأن كثيراً من الشباب المستقيم لا يطلب العلم؟

    فكيف يبدأ مع الناس؟

    الجواب: كأن الأخ يشير إلى أن المجتمع الذي من حوله فيه آثار الإسلام من أداء بعض الشعائر؛ لكن ليس فيه حقيقة الالتزام بالإسلام، وهنا تأتي أهمية الدعوة إلى الله عز وجل، لأنك حين تدعو إنساناً غير مسلم -الأمر واضح أماه- أنت تدعوه إلى شيء ليس هو عليه مثلاً: يهودي، أو نصراني، أو ملحد، أو مرتد حين تدعوه إلى الإسلام القضية واضحة أمامه، تدعوه إلى شيء غير الذي هو عليه؛ لكن حين تدعو إنساناً مسلماً إلى الالتزام يخيل إليه بأنك تدعوه إلى أمر هو عليه، وربما ظن أنه هو أفضل منك في هذا الأمر وأعلم ملك، وهذه لا شك أنها معضلة تحتاج إلى شيء من التلطف في دعوة الناس، واختيار الأسلوب المناسب، وكون الداعية لديه علم بحيث يستطيع أن يقيم الحجة على مقابله، وخاصة أن كثيراً من الذين يكونون في مواجهتك، ربما يكونون أكبر منك سناً، إما في السن أو القدر أو المجتمع، أو في الوظيفة وهذا يحتاج إلى مراعاة الأسلوب الأمثل مع هؤلاء.

    منع الأم من سماع الغناء

    السؤال: والدتي تريد أن تسمع الغناء وأنا أمنعها وهي تغضب مني وتتركني وتدعو عليَّ، فهل دعاؤها مقبول؟

    وهل ما أفعله صحيح؟

    الجواب: دعائها غير مقبول، وما تفعله أنت صحيح، ويجب عليك أن تمتعها من ذلك وتسمعيها كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم في تحريم الغناء، وتعطيها البدائل المناسبة، والمؤمن يستغني بكتاب الله بسماعه وحفظه وقراءته ومدارسته عن هذه الأشياء المحرمة.

    وسوسة الشيطان للملتزم

    السؤال: أنا راغب في الالتزام لكن الشيطان يوسوس لي وأحس بضعف أمامه!؟

    الجواب: وسوسة الشيطان هذه هي مهمته التي أخذ على عاتقه أن يقوم بها قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83] ولكن القضية إحساسك بشيء من الضعف أمامه إنما هو لوجود شيء من الضعف في إيمانك، فعليك أولاً أن تستعين بالله جل وعلا وتلجأ إليه، ثم عليك أن تجاهد لأن الله سبحانه وتعالى وعدك بأنك إذا جاهدت فعلاً أن ينصرك، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] ثم عليك أن تبحث عمن يعينك على هذا الطريق من الجلساء الصالحين.

    نصيحة للمشغولين بالخلاف

    السؤال: هناك مسائل فرعية -كما ذكرت- أو خلاف بين العلماء، لكن بعض الإخوة يفرض عليها اتباعها، وأيضاً يكثر -أحياناً- الحديث هل هذا حديث ضعيف وهل هذا صحيح، وينكر على البعض؛ خاصة لمن ليس لديه القدرة على التمييز بأن هذا حديث صحيح أم ضعيف ما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

    الجواب: المشكلة ليست فيما يطرحه الإنسان، ولكن المشكلة في الطريقة التي يطرح بها ما لديه، على سبيل المثال: مسألة السنة، يمكن أي إنسان أن يتحدث عن أية سنة؛ لكن ما هي الطريقة التي يتحدث بها عن هذه السنة؟

    هنا تأتي المشكلة، فحين يتحدث عنها تأتي مناسبة لها، ويتحدث بأسلوب هادئ، ويذكر أدلتها، ويذكر أقوال أهل العلم، ولا يتحمس ويفرط لهذه السنة حتى كأنها واجب يلام من خالفه أو حتى أنكره إذا كانت المسألة فيها خلاف، لا أحد ينحرف من ذلك، لكن حين يطرح الإنسان قضية السنة بطريقة شديدة، ويرد على مخالفيها ويتحمس لها وربما صارت هي همّه الأكبر، وهي التي تملأ مجلسه، هنا يشعر الناس أنه حوَّل السنة إلى واجب، بل من الناس من يحول السنة -فعلاً- إلى واجب، فهذا لا يصلح.

    مثال آخر: قضية الخلاف الذي يقع أحياناً، الخلاف ليس مشكلة؛ لكن يمكن أن أختلف أنا وإياك في سنة من السنن وتقول أنت بها، وأقول أنا: والله ما ثبت أنها سنة، ويبقى الأمر هيناً ولا إشكال، الصحابة اختلفوا في هذا، وهنا تأتي المصيبة حين يتحول الخلاف بيني وبينك إلى مشادة ومشاحنة ومواقف هنا تأتي الخطورة، أو تردّ علي حتى كأنني مرتكب كبيرة أو واقع في غلط عظيم.. هنا أيضاً تأتي المشكلة.

    إشكال في قتل ابن آدم وعيشه على الحق

    السؤال يقول: أنـزل الله القرآن الكريم وفيه قصة آدم عليه السلام، وهي أن أحد أبنائه قتل أخاه وهذا عمل باطل، وأنت قلت في بداية المحاضرة أن الأمة بعد آدم عليه السلام عاشوا على الحق، ماذا في تفسير ذلك جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نعم الذي قلته هو كما ذكرت أحد الأوجه في تفسير الآية: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة:213] وقد صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، والذي أفهمه أنا من الموضوع ليس المقصود أن العشرة القرون الأولى كلهم لا يخطئون، بل آدم عليه السلام وقع في الخطأ ثم تاب الله عليه وهدى، ولكن المقصود أن الحق كان ظاهراً ثم بدأ الحق يندرس ويخفى شيئاً فشيئاً حتى احتاج الأمر إلى بعثة الأنبياء يجددون ما اندرس وخفي من أمر الدين.

    قسوة الأب على أولاده

    السؤال: هذه أم لأطفال، زوجها عصبي جداً جداً، وعصبيته تكون على حساب أطفالي إذا غضب يضربهم ضرب الحمير والمجرمين، وأكبرهم لم يتجاوز الخامسة من عمره مما تكون حياتي مستحيلة معه فيما بعد، انصحه جزاك الله خيراً؟

    الجواب: الحقيقة أقدم النصيحة للطرفين..

    النصيحة الأولى: بالنسبة للزوج العصبي: نحن نعرف بأن الإنسان قد يولد هكذا أحياناً، قد يكتسب الناحية العصبية ميراثاً، وقد يتلقاها في البيئة بسبب ظروف مرت به؛ لكن الذي أنصح هذا الأخ العصبي أن يكثر من مراجعة نفسه ومواقفه؛ لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يؤثر فيه مثل أن يراجع ما سبق، لأنه سوف يندم عليه، وهذا الندم سوف يجعله بأن يتخذ موقفاً سليماً في المرات القادمة ولا يندفع مع هيجانه وعصبيته إذا انفعل.

    الأمر الثاني: أن على هذا الإنسان العصبي أن يحرص بقدر ما يستطيع على تجنب المواقف التي يمكن أن تثير أعصابه بحيث يفقدها، وقد يتصرف تصرفاً غير سليم.

    الأمر الثالث: أن هذا الإنسان عندما يشعر بأنه بدأ ينفعل أو بدأ يتأثر عليه أن يحاول تغيير الموقف؛ مثل أن يكون موجوداً في البيت ويحصل أمر يثيره عليه أن يخرج من البيت وأن يتوضأ وينشغل بأمر من الأمور، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام أمر الإنسان إذا غضب كما ورد في حديث حسنه بعضهم أن يتوضأ، وإن كان قائماً أن يقعد، وإذا كان قاعداً أن يضطجع وهذا من شأنه أن يطرد الشيطان عن الإنسان، لأن الغضب غليان في قلب ابن آدم وهو من الشيطان لا شك، فيزيله الإنسان بهذه الأشياء، فدعاء الله وذكره، والصلاة والوضوء يخفف الغضب، وكذلك تغيير الحالة التي عليها الإنسان من شأنه أن يجعل الإنسان لا يتصرف تصرفاً بمقتضى هذا الغضب الذي حدث منه.

    النصيحة الثانية: ثم على الأخت السائلة أن تدرك أن عليها مسئوليه كبيرة تجاه زوجها وأطفالها وهي أن تحرص؛ لأنها عرفت أن هذه طبيعة الرجل، وحقيقة الطبائع يمكن أن تهذب؛ لكن من الصعب أن تزول، ولذلك لا ييأس أحد ممكن أن يهذب الإنسان العصبي أخلاقه وطبائعه بنسبة كبيرة جداً، ولو لم يتحول من إنسان عصبي إلى إنسان بارد بطبيعة الحال، ولكن على الزوجة أن تدرك أن تحوّل زوجها من إنسان عصبي إلى إنسان آخر في النقيض أمر غير ممكن، وإن كان التهذيب ممكناً -كما ذكرت- وبالتالي عليها أن تعينه على نفسه.

    محاولةً إبعاد الأشياء التي تثيره، وأن تتحمل بقدر ما تستطيع من نفسها ومن إعداد أولادها ما لا يثير غضب الزوج، بعض النساء يكون عندها حكمة وقدرة على التغلب على تلك المواقف، وبعض النساء على النقيض من ذلك قد تزيد الطين بلة!!

    وهناك قضية أخرى: أن المرأة قد تتدخل بين الزوج وبين الأطفال، وهذا قد يؤدي إلى وجود خصام بين الزوج وزوجته وقد يؤدي إلى الطلاق، فمثلاً كون الزوج ضرب أحد الأطفال ضربة لا تضره، لا يؤدي إلى أن المرأة تتدخل والزوج في حالة غليان، وتقول له: أنت فعلت وسويت، وحولت حياتنا إلى جحيم، وربما ينفعل الزوج ويقول: أنت طالق، لا؛ عليها ألا تسلك هذا الأسلوب، عليها أن تأخذ الابن إلى مكان بعيد، ويمكن أن تلاطف الزوج إذا ما استطاعت، أو تتجنب الموضوع بالكلية وهذا يحتاج إلى شيء من الحكمة، وبالحكمة يمكن أن تقتنع الزوجة أن الحياة غير مستحلية بل ممكنة.

    حكم الصور في البيت

    السؤال: يوجد لدي بعض الصور في البيت للأهل والبعض للأصدقاء، فهل وجود هذه الصور يسبب لي ذنباً، وهل يمنع دخول الملائكة إلى البيت؟

    الجواب: ما دامت هذه الصور ليس لها حاجة في البيت فلا داعي من اقتنائها، بل يجب أن تتخلص منها بإتلافها وإحراقها، وأعتقد أن البيت الذي فيه صور لا حاجة لها لا تدخله الملائكة، مثلاً غرفة توجد بها صور لا تدخلها الملائكة ما دامت هذه الصور ليس لها حاجة؛ بل صورت لذات الصورة.

    حكم السترة في المكان الخالي من الناس

    السؤال: عندما أصلى لوحدي في البيت هل من الضروري وضع سترة أمامي؟

    الجواب: السترة سنة عند جماهير العلماء بما في ذلك الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وهذا هو الصحيح -إن شاء الله- الذي عليه جمهور العلماء خلفاً عن سلف، والأدلة على سنيتها كثيرة، وهناك قول ظهر أخيراً أن السترة واجبة, ولعل الإمام الشوكاني من أشهر من قال بهذا القول، وذهب إليه من المعاصرين الشيخ الألباني، ولا أعتقد أن هذا القول صحيح بل فيه بعد، وهناك من الأدلة ما يدل على أن الأمر لا يعدو السنية، ولذلك فعليك أن تضع السترة أمامك حيث صليت إلا أن تكون مأموماً، فالمأموم سترته الإمام، أما إذا صليت بمفردك أو إماماً فعليك أن تضع السترة أمامك لأن هذه السترة سنة عند جماهير أهل العلم وواجبة عند قليل منهم.

    التعصب لعالم في مسألة اجتهادية

    السؤال: من يتعصب لمسألة قال بها أحد العلماء يسوغ فيها الاجتهاد لأهل العلم فيرى أنه على الحق وغيره على الباطل وقد يبدع أو يفسق، فهل من نصيحة لمثل هؤلاء الإخوة؟

    الجواب: التعصب للعالم لا يجوز، لا يجوز التعصب إلا للحق ونحن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال والتعصب داء ممقوت في الماضي والحاضر، ثم إن المسائل الفقهية التي يسوغ فيها الاجتهاد لا ينبغي أن يكون فيها تضليل أو تبديع أو تفسيق غاية ما في الأمر أن يكون فيها راجح ومرجوح، ولذلك تجد العالم الذي عنده فهم ويقضة ووعي يقول: الراجح كذا، وقد تكون الأدلة مثل الشمس، لكن الإنسان الذي أخذ حظاً يسيراً من العلم يسمع ظاهر حديث يأخذ به، وقد يقول لك: هذا هو القول الصحيح ومن قال بخلافه فقد خالف الكتاب والسنة، فيحتاج الإنسان إلى تريث وصبر وطول بال، والعلم لا يؤخذ بيوم وليلة.

    الزواج بفتاة جامعية تهدده بشهادتها

    السؤال: أنا متزوج بفتاه جامعية وتعمل بالتدريس تهددني بهذه الشهادة حيث أنني لم أحصل إلا على الشهادة الثانوية ولم تسمح لي الظروف بإكمال الدراسة، فماذا أفعل جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أولاً: الإنسان حينما يبحث عن الزوجة عليه أن يراعي أن قضية القوامة تستدعي أن يكون موقف الرجل أقوى من موقف المرأة، ولذلك فإن زواج الإنسان بامرأة تفوقه ذكاءً أو علماً أو مستوى لا ينبغي أن يكون أمراً دارجاً إلا في حالات يقتنع الإنسان أنه لا حرج في مثل هذا الأمر، أما في مثل هذه الحال فإن هذا الأمر يمكن أن يزول مع الوقت باعتبار أنك مثلاً أنت القيم على البيت، وأنت الذي تقوم بشئونه، ولذلك فإن المرأة ليس لها إلا اعتبار أن الرجل قائم عليها، ولا أرى أن مثل هذا الأمر يوجب الخصام والفراق، كما أن على المرأة ألا تدلي بهذه الشهادة، فماذا يستفيد الزوج من شهادة تحملها زوجته، أو وظيفة تعمل بها، وربما يكون الزوج محتاجاً؛ لأن تترك زوجته العمل -أحياناً- للتفرغ لشئون البيت والأطفال.

    البذاءة في الوعظ

    السؤال: هل يجوز للواعظ أن يذكر الكلام البذيء في الموعظة وفي المسجد إلى غير ذلك؟

    الجواب: لا ينبغي ذكر الكلام البذيء في الموعظة، وإذا رأى الواعظ أن هناك رجلاً عنده معصية فليس عليه أن يوبخه بالكلام الشديد ولو كان الكلام حقاً في نفسه، قد يكون الكلام حقاً في نفسه ولكنه غير مناسب، فما كل حق يقال في كل مجال، فمن الحكمة والبلاغة أن يقول الإنسان الكلام المناسب في الوقت المناسب، وأن يتكلم إذا كان الكلام حسناً، وأن يسكت إذا كان السكوت حسناً.

    التفريق بين الحق والباطل

    السؤال: كيف يمكن التفريق بين الحق والباطل؟

    الجواب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً [الأنفال:29].

    فأولاً: التقوى والخشية من الله تجعل الإنسان يفرق بين الحق والباطل.

    وثانياً: العلم، فالعلم نور يفرق به الإنسان بين الحق والباطل.

    مواجهة الباطل

    السؤال: ماذا نفعل لمواجهة الباطل؟

    الجواب: أنا ذكرت ذلك في نهاية المحاضرة وإن كان ذكراً باختصار؛ لأنني شعرت بشدة الحر ووطأته عليّ وعليك فأوجزت الحديث في مسألة أعتبر أنها مهمة جداً في الموضوع، وذكرت لكم في آخر المحاضرة أن الصراع بين الحق الباطل بدأ يتجه إلى أن يكون صراعاً علنياً، وقوياً نظراً للتميز الذي نلاحظه في المجتمعات الإسلامية، وأن من واجب أهل الإسلام أن يحرصوا على السبق إلى الميادين التي تؤثر في المجتمعات، فهي ميادين الصراع مثل الأجهزة الإعلامية والمدارس والجامعات، والجمعيات والمؤسسات والمراكز القيادية والوظائف الكبيرة وغيرها من الأشياء التي تؤثر في حياة الناس أفراداً وجماعات، وينظر الناس إلى أصحابها نظر التقدير، وعندهم الاستعداد إلى القبول منهم، الصراع يبدو لي أنه يبدأ يتجه إلى هذه الأمور ولذلك فإن الذي يريد أن يقاوم الباطل ويواجهه عليه أن يصل إلى هذه المراكز ومن خلالها يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الله جل وعلا.

    استئذان الأم في الذهاب إلى الحج

    السؤال: يريد أن يذهب إلى الحج مع المركز الصيفي، ووالدته تقول له: لا تحج هذه السنة لأن هناك ظروفاً تعيق هذه الرحلة، فهل يجوز أن أذهب إلى الحج وإلا أرجع إلى قول والدتي؟

    الجواب: إن كان الحج لك فريضة فتذهب ولو لم ترض والدتك؛ لكن عليك أن تتلطف معها وأن ترضيها ما استطعت، ومهما قدرت على أن تحج وهي راضية فهذا هو أجدر بك، أما إن كان الحج نافلة فلا تذهب ما لم ترض والدتك بذلك.

    مواجهة من يلبس الحق بالباطل

    السؤال يقول: أخي في البيت يلبس الحق بالباطل ويلبس الباطل بالحق في بعض الأوقات، فماذا تنصحني بأن أقول له كي يترك هذا العمل؟

    الجواب: مسألة التلبيس هذه مسألة نسبية، فكل قضية وقع فيها في تلبيس الحق بالباطل عليك أن تجادله بالتي هي أحسن، وما دمت تميز الحق من الباطل فبين له ما وقع فيه من الباطل وتبين -أيضاً- الصواب الذي في كلامه.