إسلام ويب

جلسة على الرصيفللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحديث إلى أولئك الشباب الذين يملئون الأرصفة والطرقات في مجالسهم وأماكنهم أمر مهم جداً، وهو باب من أبواب الدعوة إلى الله تعالى، فلابد من إخراجهم مما هم فيه من الضياع وعدم الالتزام بالدين إلى نور الإيمان والطاعة، وهذه هي مسئولية الشباب الملتزم المستقيم على دين الله. لذلك فقد تكلم الشيخ -حفظه الله- إلى الشباب بكل وضوح وصراحة، وبيَّن خطر الغفلة والضياع ثم ذكر قِصَر الدنيا وأنها لا تساوي شيئاً، وتكلم عن بعض أوصاف الجنة والنار، ثم حض على التوبة النصوح والاستعداد ليوم المعاد.

    1.   

    الحديث مع شباب الأرصفة حقيقة لا خيال

    إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعـد:

    موعدكم هذه الليلة مع الدرس الثلاثين وفي يوم السبت ليلة الأحد (8 /جمادى الأول/ 1411هـ) وعنوانه: (جلسة على الرصيف).

    صحيح أن الجلسة على الرصيف مما لا يسوغ ولا يليق بطلبة العلم كما تحدث عن ذلك أحد الإخوة الذين كتبوا إليَّ رسالة في هذا الموضوع، لكن الحديث معروف، وعنوان هذا الدرس ملائم لموضوعه إن شاء الله تعالى.

    أخي الشاب.. أخي الحبيب..!!

    السلام عليك ورحمة الله وبركاته..

    حقيقة أقول لك: إني سعيد أنني أتحدث إليك الآن، لقد مر علينا زمن كنا نرى فيه فلذات أكبادنا، في مجالسهم وأماكن سمرهم وسهرهم، فيخيل إلينا أن الحديث إلى أولئك الشباب قد يكون ضرباً من الخيال والمحال، فإذا به الآن يصبح واقعاً فالحمد لله على كل حال.

    أخي الحبيب، هل نطمع أن يكون هذا اللقاء الميمون في هذه الجلسة، وفي هذه المحاضرة، سبباً في الاتصال الدائم بيننا، نستمع إليك وتستمع إلينا، ونتدارس المشكلات بروح الأخوة والمحبة، أرجو أن يكون هذا اللقاء فاتحة خير وبركة لنا ولإخواننا من الشباب، بل أقول: هل نطمع أن يتسع صدرك لرؤية إخوانك الطيبين، حين يزورونك عشر دقائق أو خمس دقائق، ليتناولوا معك فنجاناً من الشاي، أو كوباً من الماء، ويرسلوا إليك خبراً يهمك، أو يحدثوك بقصة أو يستشيروك في مشكلة، أو يقدموا لك هديةً؟! أرجو أن يتسع صدرك -أيها الشاب- لمثل أولئك الإخوة! حين يقدمون إليك بما ذكرت.

    نحن واثقون -أيها الأخ الكريم- أن كرمك الفطري، لن يعتذر عما نطلبه منك.

    أخي، هل رأيت المآذن دوماً تشق الفضاء؟

    أخي، هل سمعت النداء يردد: الله أكبر؟

    أخي، هل غسلت فؤادك يوماً بنور السماء؟

    تعال معي يا حبيبي إلى روضة من ضياء.

    تعال إلى حيث يدعو المنادي صباح مساء: يردد.. الله أكبر.

    شباب الأرصفة والشباب المستقيم

    أيها الشباب! إن الفرق كبير وكبير بين صنفين من الشباب، فرق بينهما في الاهتمامات المستقبلية، فرق بين من طموحه أن يمتلك سيارة فارهة فخمة يجوس بها خلال الديار، ويحدث بصرير عجلاتها الإزعاج للناس، أو يحمل عليها صديقاً أو زميلاً، وبين من يتعدى طموحه ذلك إلى أن يطمح في تحقيق نصر وعزة للإسلام، أو يطمح أن يكون ممن يكتب الله عز وجل على يديه انتصار هذا الدين، أو يطمح أن يكون عالماً يشار إليه بالبنان، أو داعية أو خطيباً يهز أعواد المنابر، أو مجاهداً يخضب الأرض بدمه.

    وفرق كبير بين من غايته ومناه أن يمتلك بيتاً واسعاً، وزوجة حسناء جميلة، وبين من يطمح أن يكون من المتقين، الذين هم: فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].

    فرق بين من يسهر الليل يتقلب على فراشه في أسف، حزناً لواقع الأمة الإسلامية، التي أصبحت تئن تحت المطارق والضربات ليلاً ونهاراً، وبين من يبيت يتقلب، لأن صديقه الذي امتلأ قلبه بحبه قد تركه إلى غيره، أو أن فريقه الذي يشجعه قد مُني بهزيمة منكرة، في مباريات رياضية.

    أيها الإخوة! فرق كبير بين من يعد العدة ويتربص، ويعد الأيام والليالي ينتظر الإجازات؛ ليسافر إلى أماكن الفساد والرذيلة، في بانكوك أو كازابلانكا أو فرنسا وغيرها، وبين من يعد العدة ويترقب الأيام والليالي، ليسافر ليحيي شعيرة من شعائر الله، الجهاد في سبيل الله على أرض أفغانستان، أو على غيرها من بلاد الله، التي ترفع فيها أعلام الجهاد في سبيل الله عز وجل.

    فرق أي فرق -أيها الإخوة- بين من يسافر؛ ليتعاطى الخمور والمخدرات، ويبيت في أحضان المومسات والبغايا؛ ليعود إلى بلده وقد فقد الحياء، والرجولة وفقد الدين، وفقد المال والصحة والسعادة، وبين من يذهب يدعو إلى الله عز وجل، ويبلغ الناس رسالات الله عز وجل، ومن يذهب إلى المسلمين يتفقد أحوالهم ويعايشهم، ويحاول أن يخفف عنهم من همومهم وآلامهم.

    فرق كبير بين إنسان من الشباب، إذا سمعته المجالس فرحت وارتفعت الرءوس، واشرأبت الأعناق، وطاب الحديث؛ لأنه فلان بن فلان الرجل الطيب المطيب، صاحب الحديث اللذيذ، والمجلس المبارك، والصدقات، والابتسامات وتحفيظ القرآن والعلم والتعليم والمسجد والعبادة، وبين إنسان آخر إذا ذكر فإنما يذكر بالسب والشتم والدعاء؛ لأنه إما مدمن خمر، أو متعاطي مخدرات، أو آكل ربا، أو واقع في فاحشة، أو صاحب أسفار، أو زميل لشلة من شلل الفساد والريب، أو رجل لا يعرف إلا في أماكن السوء والانحلال.

    أيها الإخوة! هناك فرق بين من يتمتع بما أحل الله عز وجل له، فتجد أن صحته سليمة، وحياته مستقيمة وراحته تامة ونومه هنيء؛ لأنه قد أرضى الله عز وجل فأرضاه الله تعالى، وبين إنسان يتقلب على فراش المعصية، قد امتلأ جسمه بالأمراض والأوبئة، بسبب معصية الله عز وجل، وفقد الهدوء والأمن والاطمئنان، فهو يتقلب على مثل شوك السعدان يأوي إلى الفراش يريد النوم فيطير من عينيه؛ لأن الأحزان والمصائب التي ملأت قلبه، لم تدع للنوم إلى عينه سبيلاً.

    فرق بين من أرضى الله عز وجل، وبين من أسخط الله عز وجل. الله تعالى بيده ملكوت السماوات والأرض، من رضي الله عنه فالدنيا في عينه واسعة، حتى ولو تقلب على جمر الغضى، وحتى لو كان يعيش على سرير المرض، فإن الله عز وجل إذا رضي عن عبد فإنه لا خوف عليه.

    وإذا العناية لاحظتك عيونها      نم فالمخاوف كلهن أمان

    وبين إنسان آخر سخط الله عز وجل عليه، فجعل كل ما عنده سبباً في شقاوته فيتعبه ويقلقه، فالصحة كانت سبباً في وقوعه في الرذائل والمعاصي، والولد كان وبالاً عليه، والشهادة كانت سبباً في شقائه، فكل ما أعطاه الله تعالى من عطايا هذه الدار، أصبحت سبباً في شقائه؛ لأن الله تعالى سخط عليه فجعل كل ما في هذه الدنيا وبالاً عليه.

    أيها الإخوة! وكذلك فرق بين من يتمتع برضاء أمه وأبيه، فإذا خرج من البيت، قالت له أمه: يا ولدي! حفظك الله في حلك وترحالك! فقبل رأسها ودعا لها، وخرج وملء قلبه الرضا والسرور وبين إنسان آخر يدخل على والديه، فلا يلتفت إليهما، ولا يلتفتان إليه، هم يدعون الله تعالى عليه بكرةً وعشياً أن يهديه أو أن يهلكه، حتى يرتاحا من شره.

    أيها الإخوة! هؤلاء شباب هذه الأمة، منهم ومنهم، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ومنهم الصالحون ومنهم القاسطون.

    مبشرات في نتائج الاستبيان

    أخي الشاب! "أنت مع من أحببت" ولعلي لا آتي بجديد إذا قلت: إن كل امرئ محاسب عن نفسه، حتى الأب لا يجزي عن ولده، والزوج لا يجزي عن زوجه والولد لا يغني عن والده شيئاً، مع كل هذا فإني أضع بين يديك هذا السؤال لماذا يحرص الشباب الملتزمون على هداية الناس؟

    لماذا يحرصون على ذلك؟

    ولماذا يتكدر هؤلاء إذا سمعوا الأخبار السيئة عن انحراف بعض الناس؟

    بل لماذا يشتدون أحياناً ويغضبون إذا سمعوا أو رأوا ما يسخط الله عز وجل؟

    هل تعتقد -أخي الحبيب- أن هناك سبباً آخر غير محبتهم الخير لك؟

    كلا، إنهم لا يضيرهم أبداً أن ينحرف من ينحرف، ويضل من ضل، ويهلك من هلك: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105].

    إذاً: لا يضرهم أن يهتدي الناس أو يضلوا، يستقيموا أو ينحرفوا يصلحوا، أو يفسدوا, لكن الله عز وجل جعل في قلوبهم رحمة، فإذا رأوا الفاسق والعاصي حزنوا لذلك وابتأسوا حتى كأنهم سوف يعذبون بمعصيته وإثمه فيحرصون من ثَمَّ على هدايته وجلب الخير له. إنها محبتهم للخير للأمة، وحرصهم على هداية الناس، وكراهيتهم أن يروك وأنت تعذب في النار.

    أحبابنا كم كان سرورنا بالغاً- ولعله يشاطرني السرور كل من علموا بهذه النتيجة- أنه خلال استفتاء أشرت إليه سابقاً وأجري مع مجموعة تربو على مائتين من شباب الأرصفة، من الشباب الذين يقيمون في الأرصفة، أو يجلسون في جنبات الطريق بارك الله فيهم وهدانا الله تعالى وإياهم إلى سواء السبيل، ونفع الأمة بنا وبهم، كم كان السرور بالغاًُ حين نعلم جميعاً أن (70%) من هؤلاء الشباب أعلنوها صراحة أنهم يحبون الشباب المتدينين، جملةً وتفصيلاً، وأن (10%) يحبون بعض الشباب المتدينين، وأن (10%) هم الذين لا يحبون المتدينين، لسبب أو لآخر.

    إذاً: (80%) يحبون الشباب المتدينين، وحين سئل كثير من هؤلاء الشباب: هل تحب أن تكون شاباً متديناً؟

    قد تتعجبون إذا علمتم أن أكثر من (99%) منهم قالوا: نعم، نحب أن نكون شباباً متدينين، (99.5%) يرغبون أن يكونوا شباباً متدينين، وهذه إحصائية دقيقة، وليست كإحصائيات الانتخابات في بعض البلاد التي تخرج بنسبة (99.999%) بالموافقة. هذه إحصائية مكتوبة على الورق أن (99.5%) من الشباب، يتمنون أن يصبحوا شباباً متدينين، لماذا؟ لأنهم يريدون رضوان الله والجنة، وبعضهم قال: ويريد الراحة في الدنيا.

    عن أنس رضي الله عنه: {أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: والله ما أعددت لها كثير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت}رواه البخاري وغيره.

    وأيضاً عن ابن مسعود وأبي موسى: {أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم -كما في البخاري-: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم -يعني: يحبهم، ولكنه لم يعمل مثل عملهم- فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب}

    وقائل: هل عملٌ صالح      أعددته ينفع عند الكرب

    فقلت حسبي سنة المصطفى           وحبه فالمرء مع من أحب

    أيها الإخوة: إنك حين ترى كثيراً من هؤلاء الشباب، تعلم أنهم يحبون الطيبين من خلال عيونهم ونظراتهم ووجوههم، فإن الوجه يعبر عما وراءه:

    والنفس تعرف في عيني محدثها      إن كان من حزبها أو من أعاديها

    عيناك قد دلتا عينيَّ منك على      أشياء لولاهما ما كنت أدريهـا

    وأحياناً لغة العيون تدل على ما في الضمائر والقلوب.

    فيا أخي الشاب الحبيب، أولاً: أبشر بالخير الآجل والعاجل، فإن قدمك قد وضعت في الطريق الصحيح حيث جعلت ولاءك لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وأعلنت إعلاناً صريحاً أنك تحب الشباب الملتزمين المتدينين، ولا تعدل بهم أحداً، لا فناناً ولا مطرباًُ ولا لاعباً ولا تاجراً ولا أميراً ولا وزيراً.

    فضل الحب في الله

    أخي الكريم! هذا حب في الله عز وجل، فهل ذقت طعم المحبة في الله تعالى، إنها محبة في الله ليست محبةً في الفريق، فلم تحب فلاناً لأنه يشجع النادي الذي تشجعه، وليست محبة من أجل المال، فلست تحبه لأنك تستفيد منه مالاً، وليست محبة في الشكل، تحب فلاناً لحسن شكله وحسن هيئته وجمال خلقته، لا. وليست محبة الهوى التي يتبعها الذل، فإن محبة الهوى ذل في الوجه، وذل في الحياة، وذل بعد الممات.

    مساكين أهل الحب حتى قبورهم      عليها غبار الذل بين المقابر

    إن المحبة في الله طعم آخر غير ذلك كله، إنها طعم لا يمكن وصفه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار}.

    أخي، هل اقتربت من الطيبين؟

    هل نظرت في وجوههم المشرقة بنور الإيمان؟

    هل سمعت لذيذ كلامهم وحلاوة حديثهم وبرد أنفاسهم؟

    عن أبي إدريس الخولاني رضي الله عنه قال: {دخلت مسجد دمشق فإذا فيها فتىً براق الثنايا، وإذا الناس حوله، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه فيه، قال: فوقع حبه في قلبي، فسألت عنه فقيل لي: هذا معاذ بن جبل، هذا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما كان من الغد بكرت فوجدته قد سبقني في التبكير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى إذا قضى صلاته أتيته من قبل وجهه، فجلست بين يديه، وقلت له: والله إني لأحبك في الله. فنظر إليّّ، وقال: آلله -تحلف بالله- قلت: آلله. قال: آلله قلت: آلله. قال: فأخذ بحبوتي فجذبني إليه -جرني إليه- فقال لي: أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: {وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، ووجبت محبتي للمتجالسين فيَّ، ووجبت محبتي للمتزاورين فيَّ، ووجبت محبتي للمتباذلين فيَّ}.

    أخي الحبيب.. أخي المسلم

    هل تريد في دنياك شيئاً أعظم من أن الله تعالى يحبك؟

    من أحبه الله تعالى، فماذا يضره أن يبغضه الناس كلهم لو أبغضوه؟

    مع أنه تعالى إذا أحب شخصاً كتب له الحب بين الناس، إذا أحب شخصاً نادى في السماء إني أحب فلاناً فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، ينادي جبريل في السماء إن الله يحب فلاناً فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض فيحبه الناس المؤمنون كلهم أجمعون.

    هل تريد شيئاً أكثر من أن يحبك الله عز وجل فيجعل كل طرائقك وكل مسالك خطاك مآلها إلى النجاح؟

    إن هذا غاية ما يتمناه كل إنسان، وطريقه سهل يسير، هو: أن يخفق قلبك بمحبة المؤمنين. فهل جربت هذا؟

    هل تحرك قلبك بحب أصحاب الوجوه النيرة؟

    هل خفق قلبك بحب أصحاب النوافل؟

    هل خفق قلبك بحب أهل الصيام والقيام؟

    هل خفق قلبك بحب أهل العلم والدعوة والجهاد؟

    هل خفق قلبك بحب أهل الصدقة والبذل والإنفاق في سبيل الله؟

    عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن من الناس أناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء بمكانهم من الله عز وجل، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم قوم تحابوا في ذات الله، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:62-64] }.

    هذه المحبة الإيمانية الأخوية، هي أدوم شيء في هذه الدنيا، فإن المتحابين في الله لا يتفرقون أبداً، لقد خفقت قلوب المؤمنين بحب بعضهم بعضاً منذ عشرات السنين، وما زال هذا الحب لا تزيده الأيام والليالي إلا ثباتاً ورسوخاً ومضاءً، وأحلف لكم بالله -أيها الأحبة- إنني أرى بعض الشباب الطيبين منذ سنين طويلة، وبينهم من الألفة والود والتراحم والتحاب والصداقة، أشد مما بين الأخ الشقيق مع أخيه، فكنت أقول في نفسي: ربما تكون هذه عاطفة مؤقتة وتزول، ولكني وجدت الأيام لا تزيدها إلا ثباتاً ورسوخاً وعمقاً، فهم منذ سنين طويلة على غاية من الحب فيما بينهم والتواصل والتراحم لم يجد الشيطان سبيلاً إلى فصم عرى هذه المحبة، فهي محبة باقية، بخلاف المحبة في غير الله، كالمحبة في الفريق -مثلاً- أو المحبة في المال، أو المحبة على معصية، فما أسرع ما تزول، يقال: من أحبك على شيء أبغضك على فقده، فكم من تاجر افتقر تفرق عنه أصحابه وأحبابه، وكم من رئيس أو مسئول لما أُعفي من منصبه، أو ابتعد عنه أو تقاعد؛ تركه الناس وأعرضوا عنه، وكم من إنسان كان يتمتع بشيء فلما زال وذهب عنه هذا الشيء؛ أعرض عنه الناس؟!

    حتى ربما يرونه في الشارع فلا يسلمون عليه!

    فهل تريد يا أخي الحبيب شيئاً أدوم وأثقل وأثبت من المحبة في الله تعالى؟

    ما كان لله دام واتصل، بل إن هذه المحبة تدوم حتى بعد الموت، ألم تر إلى الطيبين، إذا ذُكر بعض أحبابهم الذين ذهبوا إلى قبورهم، دمعت أعينهم، وقالوا: رحمة الله على فلان، ووالله إننا نتلذذ بأن نردد أسماء بعض أحبابنا وأصحابنا الذين لقيناهم يوماً من الدهر، ثم سبقونا إلى الدار الآخرة، فكلما ذكرناهم ترحمنا عليهم، قلنا رحمة الله عليهم، وكلما عرف الطيبون والصالحون أن صديقهم فلاناً له أولاد بعد وفاته، أو زوجة أو أم أو قريب، أو عليه دين؛ سارعوا في سداد دينه، أو إعانة ورثته أو ما أشبه ذلك.

    فالمحبة باقية بعد الموت، بل وباقية في الدار الآخرة، قال الله عز وجل: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] أما غير المتقين فالمودة بينهم في الحياة الدنيا فقط، أما يوم القيامة فكما قال الله عز وجل:ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت:25].

    فاختر يا أخي الحبيب، لنفسك أي الطريقين شئت! وأنا واثق كل الثقة أنك لن تختار لنفسك طريقاً تدري أن فيها العطب في الدنيا والآخرة، فإن العاقل لا يختار لنفسه إلا أسلم الطرق وأحسنها.

    1.   

    الالتزام واللباس

    يا أخي الحبيب ما الذي يمنعك من الالتزام الكامل بدين الله عز وجل وشرعه؟!!

    أنت -مثلاً- تريد أن تكون جميل الثياب، جميل السيارة جميل المظهر نظيفاً، فهل تعتقد أن التزامك بالإسلام يمنعك من ذلك؟

    كلا! فالله جميل يحب الجمال! كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحدهم يحب أن يكون ثوبه حسناً نظيفاً ويحب أن يكون نعله حسنةً جميلة، وقد سألوا رسول لله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فوافقهم عليه وأقرهم، وفي سنن أبي داود وغيره، عن جابر رضي الله عنه قال: {أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى رجلاً أشعث، قد تفرق شعره -شعره فيه تفرق وشعث- لم يسرح شعره منذ أيام وما أصابه دهن منذ أيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره؟! أي: ما كان يجد دهناً أو غيره يسرح به شعره؟ قال: ورأى رجلاً آخر، عليه ثوب وسخة، فقال صلى الله عليه وسلم: أما كان هذا يجد ماءً يغسل به ثوبه؟}.

    والنظافة لا تحتاج إلى كبير جهد، غسل الثوب، وتسريح الشعر، وإصلاح النعل، ونظافة السيارة، هذه لا تحتاج إلى كبير جهد، وليس معنى هذا أن الإنسان يصرف أربع ساعات أو خمس ساعات في اليوم والليلة على تسريح الشعر أمام المرآة، وعلى تصفيفه أو تسريحات غربية في أماكن الحلاقة وغيرها كلا؛ وليس مطلوب من الإنسان أن يشتغل طول وقته بثيابه، وكيها وغسلها وتلوينها وتنويعها، كلا؛ وإنما المطلوب قدر معتدل من النظافة، يكون به الإنسان حسناً جميلاً بين الناس، دون أن يفضي به ذلك إلى إسراف أو غلو أو إهدار وقت فيما لا فائدة فيه.

    عن أبي الأحوص رضي الله عنه، قال: {أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب غير جميل -ثوب متسخ أو قديم- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قلت: من كل المال آتاني الله عز وجل! من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمته عليك. وفي لفظ: إن الله تعالى يحب إن يرى أثر نعمته على عبده}.

    ولذلك ابن عباس رضي الله عنه لما ذهب إلى مخاصمة الخوارج ومناظرتهم ومجادلتهم قال: [[لبست أحسن ما يكون من حلل اليمن -كان عنده ثوباً ثميناً غالي الثمن، من حلل اليمن فلبسه رضي الله عنه وأرضاه- وكان ضخماً جهوري الصوت، فجاء إليهم، فقالوا له: مرحباً بك يا ابن عباس، ما هذه الحلة؟ قال: ما تعيبون عليّ، لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل]]

    فنحن لا نعترض عليك -أخي الحبيب- في لباسك، ولا في حذائك ولا في سيارتك، ولا في مظهرك، مادام في حدود المباح، هل لبست ثوباً من حرير؟ لا. لم تلبس من حرير، وكيف تلبسه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة} ويقول عليه الصلاة والسلام، وقد خرج ومعه قطعة من حرير، وقطعة من ذهب: {هذان حلال لإناث أمتي حرام على ذكورها} هل لبست ثياباً شفافة لا تستر؟

    وليس تحتها ما يستر؟

    كلا لم تفعل ذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {احفظ عورتك إلا من نفسك أو ما ملكت يمينك} والله تعالى يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] هل لبست ثوباً صنع لغيرك؟

    كلا؛ وأنى لمثلك -ممن من الله عليهم بالرجولة- أنى لمثلك أن يلبس ثوباً صنع لغيره، سواء صنع لكافرٍٍ أو صنع لجنس آخر هل خرجت إلى حد البذخ والإسراف في لباسك؟

    كلا. إذاً فكل والبس واركب وتصدق، في غير إسراف ولا مخيلة.

    الالتزام والرياضة

    أخي الكريم! أنت تحب الرياضة وتلعب الكرة، وقد تحضر بعض المباريات الرياضية، وتقضي جزءاً غير قليل من الوقت مع الفريق أو النادي الذي تشجع، فهل ترى أن تبخل على نفسك بدقائق تقضيها في المسجد أو في المحاضرة أو مع بعض الرفقة الصالحين؟

    هل يمنعك ذلك من أن تأخذ ولو ساعة أو نصف ساعة أو ربع ساعة تسمع فيها كلمة قد ينفعك الله تبارك وتعالى بها؟

    فربما أن الكلمة التي كتب الله سعادتك بها لم تسمعها حتى الآن، فإذا سمعت متحدثاً فاستمع إليه ربما يصل كلامه إلى قلبك.

    شبهة من يقول: إن جلوسي في مجالس اللهو ثم في مجالس الصالحين من النفاق

    بعض الإخوة من الشباب يقولون: نحن لا نريد أن نكون منافقين وهذا صحيح، ونحن نوافقهم ونؤيدهم على أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وأن المنافق أكفر من الكافر وأكفر من اليهودي أو النصراني، لكن كيف يكونون من المنافقين؟ بعضهم يقول: ليس صحيحاً أن أجلس اليوم على مدرجات الكرة، ومعي الطبل في حجري، وأستمع الغناء وأفعل الحرام، ثم غداً تجدني أصلي في المسجد، أو أجلس في حلقة، أو أقف مع شباب طيبين، هذا نوع من النفاق. هكذا يتصور بعض الشباب، وهذا خطأ كبير، بل هي ضحكة من إبليس على أولئك الإخوة، فإن العكس هو الصحيح.

    الله عز وجل يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ هود:114] وكان الأولى بك أن تدعو نفسك إلى ترك المعصية حتى تكون مستقيماً منسجماً، وتكون حياتك كلها براً وصلاحاً واستقامة وصحبة للأخيار وحضوراً للمساجد، لكن إذا عجزت عن ذلك، فإنه يجب عليك أن تصر على فعل الخير، رجاء أن يوفقك الله إلى التوبة.

    فإذا ترك الإنسان الطاعة، ترك الصلاة -مثلاً- وترك صحبة الأخيار، وترك حلقة العلم وحضور المحاضرة ودرس القرآن، بحجة أنه يقول: أنا مقيم على معاصي، لو علم بها هؤلاء الشباب الذين إلى جواري؛ لتركوني وبصقوا في وجهي، وأعرضوا عني وركلوني بأقدامهم، فإن الإنسان حينئذٍ يكون قد اختار لنفسه والعياذ بالله -طريق النار، ما هو طريق النار؟

    هو ترك الطاعة والإقبال على المعصية، هذا هو طريق النار فالمعاصي الصغيرة قد تجتمع على الرجل العظيم حتى ترديه نار جهنم.

    إن مجرد صحبتك للأخيار، وجلوسك معهم وحبك لهم، قد تكون سبباً في شمول الرحمة، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه {اجتمع قوم في مجلس يذكرون الله عز وجل، فصعدت بعض الملائكة إلى الله عز وجل، فقال: كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم يذكرونك ويسبحونك ويحمدونك ويسألونك فقال الله عز وجل، ماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة ويستعيذون بك من النار، فقال الله عز وجل: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قالوا: يا رب إن فيهم فلاناً ليس منهم وإنما جاء لحاجة -رجل في الواقع ليس منهم، ولا من عادته أن يحضر معهم، لكن أدركته حاجته، كان يريد شخصاً فجلس ينتظر قيامه حتى يخرج معه- فقال الله عز وجل: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم}.وهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله.

    فجلوسك مع الطيبين سبب في نـزول الرحمة، وتشملك الرحمة وعند حلقات ذكر الطيبين، تنـزل الرحمة.

    1.   

    المجاهرة بالذنوب والمعاصي

    أخي الحبيب! هل تريد أن تكون مجاهراً بمعصيتك، حين تركت صحبة الطيبين، وقلت: لا أريد أن أكون من المنافقين؟

    هل تريد أن تعلن معصيتك وتجاهر بها، حتى يتكلم الناس عنك: فلان بن فلان عنده من المعاصي كذا وكذا؟

    هذا لا يصلح أخي الحبيب، كون أن عندك معصية تستتر بها بينك وبين رب العالمين، فهي سر تسأل الله: يا رب سرٌّ بيني وبينك، أسألك لا تفضحني في الأرض ولا يوم العرض هذا شيء، وكونك تعلن المعصية على الملأ وتتبجح بها، هذا شيء آخر. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح:{كل أمتي معافى إلا المجاهرين} أي: المعلنون للمعاصي. من هم المجاهرون؟

    كونك -مثلاً- تشغل المسجل على صوت أغنية يسمعها الناس من مسافة مائة متر أو أكثر، وتمر وتمشي بسيارتك بهدوء، تستعرض وكأنك تريد أن تلفت إليك الأنظار، هذه مجاهرة؛ لأنك تقول للناس اسمعوا، أنا الآن أستمع إلى أغنية وإن كان الله تعالى قد حرمها؛ فهذا من المجاهرين.

    ومن المجاهرة أن الإنسان يفتخر بالمعصية أمام زملائه أحياناً، فإذا اجتمع بعض الشباب يبدأ بعضهم ممن ليس عنده دين، يجاهر بأنه فعل كذا، وفعل كذا، ويذكر مغامرات وجرائم وذنوب فعلها، وكيف أنه أوقع امرأة في الحرام، وكيف شرب وسافر وسكر، ويبدأ يسرد قائمة من المعاصي، هذا لا يغفر له إلا أن يتوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم عليه أنه لا يعافى؛ لأن هذا الإنسان لو كان يعلم أن هذا الأمر يسخط الله عز وجل ويدري أن الله عز وجل يسمعه الآن، ما أقدم على ما أقدم عليه، ولجعل الأمر سراً بينه وبين الله عز وجل.

    وأخبث وأعظم من ذلك، أن بعضهم إذا سمع زملاءه يقولون هكذا، فإنه ربما افتعل واختلق شيئاًلم يحدث وبدأ يجاريهم فيما يقولون، فقال: إن لي علاقات محرمة، وأنا لي صديقات وأنا فعلت، وبدأ يسرد قصصاً مكذوبة عن بعض المعاصي التي لم تقع، وهذا والعياذ بالله لاشك أنه ليس أعظم إثماً ممن فعلها وجاهر بها، لكن إثمه أيضاً عظيم، وبعضهم يتعدى به المجاهرة إلى أن يسجل المعصية على شريط، كما فعل بعض المغنين ولا كرامة لهم؛ لأنهم مرتدون بفعلهم هذا، فعندما يسجل أغنية، كيف أنه غرر بفتاة وجرها إلى المنـزل، وارتكب معها الفاحشة، ويذكر تفاصيل كثيرة، ويجعل هذا في شريط يسمع عند بعض السفهاء، وبعض الفساق، فإن هذه ردة عن الإسلام، وهذا مخلد والعياذ بالله في نار جهنم إلا أن يتوب، لماذا؟

    لأنه لا يؤمن بقول الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].

    حال المؤمن مع المعاصي

    بالله عليكم! الذي يعرف أن الزنا حرام وفاحشة ويسخط الله عز وجل، هل يفتخر أمام الناس وأمام الملايين أو مئات الألوف من الناس، بأنه غرر بفتاة وزنى بها. لا يفعل هذا مؤمن، المؤمن لو فُرض أنه وقع في زلة أو جرته قدمه إلى معصية، يكون حاله كحالة ماعز الأسلمي، ظل بعد ما زنا أياماً لا يذوق لذيذ الفراش، ولا طعم النوم، ولا يهنأ بعيش، ولا أكل ولا شرب، حتى يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، زنيت فطهرني، ثم يقام عليه الحد، فيصبح في أنهار الجنة ينغمس فيها، المؤمن الذي يعلم أن الزنا فاحشة يعمل كما عملت الغامدية -لو جره الشيطان إلى معصية- ما زالت حتى أقام الرسول صلى الله عليه وسلم عليها حد الزنا، بعد سنتين وتسعة أشهر من وقوع الجريمة، وهي مع ذلك تطالب بإقامة الحد عليها.

    المؤمن يحرقه الندم على معصيته، أما الذي يقف أمام الناس، ويقول: فعلت وذهبت وجئت وارتكبت، ويفتخر بجرائمه ومغامراته المحرمة، فهذا لا يؤمن بقول الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] وقل مثل ذلك بالنسبة للمخدرات والسرقات واللواط ولأي معصية يعصى الله تعالى بها، ولعل أبشع وأقبح من ذلك، أن بعض الذين طمس الله على أعينهم ومسخ أفئدتهم، وكتب عليهم الدمار والبوار -إلا أن يعودوا إليه ويرجعوا إلى دينهم- يتعدى الأمر بهم إلى أن يصوروا هذا على أشرطة مصورة، وغرضهم من ذلك أمور، من أهمها: توريط الأطراف الأخرى حتى يضمنوا أن لا يتوبوا، وكثير من الشباب يريدون أن يتوبوا، ولكن يحاول أصدقاؤهم السيئون أن يحولوا بينهم وبين التوبة بتهديدهم ببعض الصور الموجودة عندهم.

    أو يبيعون هذه الأشياء ليتكسبوا من ورائها، وهؤلاء والعياذ بالله بلغ بهم الانحطاط والوقاحة والضلال مبلغه، حتى إنني لا أجد وصفاً إلا أنهم قد تشبهوا بأعداء الله من الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، والذين عُجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، فغاية ما يطمح أحدهم أن يتمتع بشهوة عابرة، ولا يهمه أن يكون مصيره إلى النار وبئس القرار.

    الفرق بين العاصي المؤمن والعاصي الفاجر

    إخوتي الأحبة! يجب أن نفرق بين العاصي المؤمن، وبين العاصي الفاجر، المؤمن يحزن لمعصيته، ويتحرق قلبه ويتقطع ويتحسر ويندم، وينـزل دموعاً لا عداد لها على ذنوب بارز الله بها، وعلى لحظات غفل بها عن ربه، فوقع في معصية أو زلة أو خطيئة، أو نظرة أو حركة أو خطوة، أما الفاجر فإنه يمضي قدماً لا يلوي على شيء، وإنما يقول: زدني زدني؛ لأن هذه المعاصي أصبح يتلذذ بها ولا يحزن عليها، هذا هو الفاجر، والعياذ بالله.

    المؤمن يستغفر ويرجو التوبة، وكلما عصى الله عز وجل وضع جبهته في التراب، وقال: يا رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، أما الفاجر فإنه لا يستغفر الله من ذنبه ولا من معصيته؛ بل إنه معرض عن الله تعالى، وربما بلغت به الوقاحة إلى أن يغفل عن ربه، أو يهزأ بأوليائه وحزبه.

    والمؤمن يتستر في معصيته، فإذا عصى الله عز وجل حاول أن لا يعلم ذلك أحد؛ ليكون الأمر سراً بينه وبين الله، أما الفاجر فإنه يعلن معصيته، ويفخر بها بين الناس، هاأنا قد عصيت ربي، كأنه يتحدى الله تعالى، والله تعالى بالمرصاد لكل من يبارزه بالمعاصي، يفضحه في الدنيا، ويفضحه على رءوس الخلائق يوم القيامة.

    المؤمن وإن عصى فإنه يحب الطائعين ويواليهم، ويتمنى أن يكون مثلهم، ويبغض العاصين وإن كانت بضاعتهم واحدة. أما الفاجر فإنك تجد ولاءه وحبه وقلبه مع أهل المعصية والفساد، فإذا رأى رجلاً عليه علامة الإيمان والصلاح أعرض وأشاح عنه بوجهه، وربما أغمض عينيه، وربما طأطأ رأسه، وربما أطلق بعض الكلمات التي تنم عن كراهيته وتذمره لرؤيته ولمشاهدته، المؤمن لا يتبجح بمعصيته، ولا يعتبر المؤمن أن من المروءة أن يكون ارتكب ما يسخط الله عز وجل.

    إن المؤمن لا يسخر بالمطيعين ولا يسخر بالذين يتركون الربا؛ لأنهم لا يعرفون البيع والشراء في زعمه، ولا يسخر من الذين يتركون الزنا؛ لأنه يحسب أنهم ما جربوه، أو أنه ليس في قلوبهم شهوات، كلا. كلا؛ إنهم في نفوسهم من الشهوات للمال ولغيره، مثل ما في نفسه أو أعظم، لكنهم ألجموا أنفسهم بلجام الخوف من الله عز وجل، فنهوا النفس عن الهوى قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37-41].

    هل تحسب يا أخي أن المؤمن لا يوجد في نفسه هوى؟

    وهل تظن هذا؟

    ومن قال لك هذا؟

    بل في نفسه مثل ما في نفسك، بل يمكن أشد، ولكنه مع ذلك نهى النفس عن الهوى؛ لأن عنده شيئاً اسمه: الآخرة، يستعدون له ويضعونه في الحسبان، فإن الجنة هي المأوى.

    هل يمنعك -يا أخي الكريم- زملاؤك الذين تصحبهم من الخير والاستقامة؟

    إن كان زملاؤك كذلك فلا خير فيهم، فإن كل شيء حال بينك وبين الله عز وجل فهو شر يجب أن تبتعد عنه. فإن كانوا لا يحولون بينك وبين الطاعة، فحبذا وحيَّهلا، وعليك أن تعمل على جرهم إلى أماكن الخير والطاعة وإلى مناسبات الاستقامة بقدر ما تستطيع، عسى الله أن يكتب لك أجر استقامتهم.

    1.   

    الشباب والشهوة

    أخي الكريم! لعل أكثر ما يزعج الشباب ويقلقهم، ويدعوهم إلى الوقوع في بعض المعاصي: قضية الشهوة، الشهوة التي تدعو إلى النظر، النظر في الوجوه، سواء في وجوه المردان أو وجوه النساء، أو الصور في المجلات أو في الأفلام أو المسلسلات أو غيرها، وهذا مدعاة إلى العشق؛ حيث يتعلق القلب بهذه الصور حتى تصبح هذا الصور كل همه وغاية قصده، فيشتغل بذلك عن الله عز وجل، وبذلك يكون الإنسان قد مشى إلى الشرك بالله تعالى قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] كحب الله، حتى يقول أحدهم عن معشوقته:

    لا تدعني إلا بيا عبدها      فإنه أشرف أسمائي

    فاعتبر عبوديته لهذه المرأة هي أشرف الأسماء التي يدعى بها، وقال آخر يخاطب امرأةً أو شاباً أحبه:

    وصلك أشهى إلى فؤادي      من رحمة الخالق الجليل

    انظر والعياذ بالله كيف استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، إن هذا الإنسان الذي قال هذا البيت، أتدرون أين هو الآن؟ إنه في قبره، قد وسد وتحول جسده إلى تراب، وبلي ولعبت به الديدان، حتى لو رآه أحد، بل لا يراه أحد؛ لأنه أصبح كومة من تراب، وأصبح مرتهناً بعمله، لكن لازالت الأجيال تحفظ هذا الكفر البواح الصراح:

    وصلك أشهى إلى فؤادي      من رحمة الخالق الجليل

    ولو لم يكن من مضار العشق والتعلق بالصور، والانصياع إليها والاشتغال بها، وامتلاء القلوب بحبها، إلا أنها تحول بينك وبين الله عز وجل، لكفى بهذا عيباً وداءً؛ ولذلك يعذب الله تعالى الإنسان بهذا المحبوب الذي أحبه، كما قيل: من أحب غير الله عُذِّب به، كم من إنسان أحب إنساناً وتعلق به، فكان سبباً في شقائه في الدنيا والآخرة، تركه وأعرض عنه في الدنيا، فعاش حياته كسيفاً حسيراً كسيراً؛ لأن محبوبه قد تركه وأبغضه، أو حتى مات، وفي الآخرة مرتهن بما عمل، حيث ملأ قلبه بغير حب الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] هذا حب العبادة، شرك المحبة في القلب.

    ألم تر إلى المرض والسقم في وجوه من ابتلوا بمثل هذا الداء الدوي، حتى إذا رأيت وجوههم وجدت عليها صفرة، ووجدت عليها كدر، ووجدت فيها ظلاماً كظلام الليل والعياذ بالله كأنها ما أشرقت بلا إله إلا الله، وما ذاقت طعم القرآن وكأنها ما خشعت لله عز وجل، وكأنها ما بكت من خشيته، وكأنها ما عفَّرت جباهها في التراب، ذلاً بين يدي الله تعالى، فضربهم الله تعالى بظلم في وجوههم: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يونس:27] وهذا الظلام في الدنيا هو آية الظلام في الآخرة، كما قال عز وجل: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس:38-40] (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:27].

    هذا فضلاً عن السقم في البدن، فإن العشق يؤدي بالإنسان إلى المرض، بل ربما آل به إلى الموت، وكثير منهم يموتون بسبب هذا المرض الذي ابتلوا به، وهم لاشك ماتوا في غير سبيل الله، وقد كتب جماعة من العلماء في مصارع العشاق.

    أخطار جريمة اللواط

    أيها الإخوة! من المشاكل الكبيرة التي يشتكي منها أو يقع فيها كثير من الشباب هي: قضية الوقوع في اللواط والعياذ بالله، واللواط من الكبائر بإجماع العلماء، قال الله عز وجل:إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً النساء:31].

    فاللواط من كبائر الذنوب التي تحتاج إلى توبة، ولو لقي صاحبها بها ربه عز وجل فقد يعذبه يوم القيامة، وقد عاقب الله عز وجل قوم لوط بالعقوبة المعروفة، حيث رفع قراهم -قرى سدوم- حتى سمعت الملائكة أصوات حيواناتهم وصياحهم، ثم قلبها عليهم، ثم أمطر عليهم بعد ذلك حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، فكل من فعل مثل فعلهم فإن الله تعالى يمسخه، يمسخ قلبه إذا ما أسرع بالتوبة، وقد يحال بينه وبين التوبة كما أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم في الجواب الكافي: أن المبتلى باللواط ربما يصعب عليه التوبة، ولو تاب منه يبقى في قلبه آثار كثيرة؛ إلا من رحم الله وقليل ما هم، ما لم يتدارك نفسه عاجلاً غير آجل وإلا فيمسخ قلبه، وكذلك تمسخ مشاعره وعواطفه، فإن هذا اللوطي منتكس الفطرة، لا يتلذذ بما أباح الله تعالى له، لا يتلذذ إلا بالحرام، وحتى هذا الحرام بعدما يبتلى به ويتورط فيه، يصبح وبالاً عليه ويصبح هماً وغماً يجثم على صدره وقلبه، فلا يهدأ له عيش، فيكون حاله كما قال الأول الذي يشرب الخمر:

    وكأسٍ شربت على لذة      وأخرى تداويت منها بها

    فهو يفر من المعصية إلى المعصية، ومن الإثم إلى الإثم، ومن الذل إلى الذل، وهذا الذنب العظيم هو سبب في مقت الإنسان وهوانه على الله عز وجل، فإن الله تعالى إذا نظر إلى عبده وهو يواقع هذه المعصية المقيتة الخبيثة العظيمة الكبيرة عند الله تعالى، فإن الله تعالى يمقت هذا العبد ويبغضه، ويسقط من عين الله تعالى. وقد توعد الله تعالى أقواماً، بأن الله تعالى لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فما يؤمنك أن تكون من هؤلاء على لذة عابرة أو شهوة عابرة، كان الإنسان يستطيع أن يقاومها بأن يبتهل إلى الله عز وجل، وما عودنا الله تعالى أنه يرد مبتهلاً قط، وما من عبد انكسر بين يديه وبكى بقلب صادق إلا رفعه الله ونفعه، وأجاره مما يخاف وأمنه منه.

    وهذا الإنسان الذي ابتلي باللواط، قد يبتلى في نفسه أو أهله، أو ولده أو ماله بعقوبة دنيوية عاجلة، ولعل من البلاء ما تسمعونه اليوم من الأمراض الجنسية التي أصبحت مخصصة بالشاذين، فبعضها لا يصيب إلا أصحاب الشذوذ الجنسي مثل الرجل مع الرجل، أو المرأة مع المرأة، فسلط الله عليهم الأمراض الجنسية الفتاكة، التي أعلن الطب عجزه بالكلية عن علاجها، كالهربس والإيدز والكلامديا وغيرها من الأمراض القديمة كالزهري والسيلان وغيرها، هذه الأمراض مخصصة بمن يرتكبون الحرام وخاصة بالشاذين الذين يرتكبون ما يسمى بالشذوذ الجنسي، كاللواط أو السحاق.

    أسباب العادة السرية

    كثير من الشباب يقعون في ما يسمى بالعادة السرية، وهي الاستمناء باليد وللوقوع في العادة السرية أسباب منها:

    ضعف الوازع الديني، فإن المؤمن عنده الصبر والعفة، وعنده الخوف من الله عز وجل، فينهى النفس عن الهوى، أما ضعيف الإيمان فإنه كلما تحركت في نفسه شهوة أسرع إليها.

    ومن الأسباب: عدم الزواج المبكر، فتأخير الزواج بسبب عقبات كثيرة قد تواجه الشاب في بيته أو مجتمعه، ومنها الشبق والإثارة الجنسية، حيث إن الإنسان إذا شاهد المشاهد المثيرة، سواء امرأة أو صورة أو منظراً يثيره، فإن هناك ما يسمى بالهرمونات التي تزيد الإفراز؛ حينئذٍ يوجد عند الإنسان شيء من الشبق والإثارة.

    ومن أسبابها: العادة فإن الإنسان الذي يفعل العادة السرية مرة أو مرتين أو ثلاث، ثم بعد ذلك تصبح العادة عادة كما سميت، وأصبح يفعلها وإن لم يكن هناك دافع لها كبير، لكن بمقتضى العادة التي هيمنت على بعضهم، حتى أن البعض يتزوج ويغنيه الله تعالى بالحلال، لكن لا يجد لذة إلا في ممارسة هذه العادة التي كان يفعلها من قبل.

    ومن أسبابها: أنه بعد ذلك تحول الأمر من قضاء للشهوة إلى رغبة في تحصيل اللذة، أول مرة يفعل الشاب العادة السرية؛ لأنه يريد أن يتخلص من هذه الشهوة، التي تفور في جسده كالنار، لكن بعد ما يعتاد فإنه يبدأ يفعل العادة لتحصيل اللذة، وإن لم يكن هناك شهوة تتأجج في نفسه.

    ومن أسباب العادة السرية الخلوة والانفراد، خاصة للذين يكثرون مشاهدة الصور المحرمة، فإن الواحد منهم إذا خلى أو انفرد بدأت الصور التي سبق أن رآها تتراقص في عينيه وبدأ يتذكرها، ثم يدعوه ذلك إلى فعل العادة السرية وهو يتصور هذه الصور.

    ومن أسباب الوقوع فيها: الجهل، فإن كثيراً ممن يفعلونها، قد لا يكونون يعلمون أنها حرام، وأن الله تعالى قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج:29-30].

    ولا يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطيع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء} ولو علموا أنها حرام وأنها اعتداء، لربما أقلعوا عنها.

    آثار العادة السرية

    ومن الأسباب: عدم الخبرة وعدم المعرفة بأضرارها، بعض الشباب لا يعرف ما هي الأشياء المترتبة على العادة السرية، فهناك آثار على الوجه، تجد الإنسان الذي يمارس العادة السرية، يبدو على وجهه أثر ذلك -أحياناً- احمرار -وأحياناً- اصفرار، وأحياناً آثار ظاهرة على وجهه، يعرفها الناس منه إذا داوم عليها، وأيضاً أثرها على الأعصاب: تجد الشاب الذي يمارس العادة السرية، في أعصابه شيء من عدم الانضباط، واهتزاز واضطراب وعدم قدرة على التحمل وأيضاً أثرها على النفس: تجد الإنسان كثير القلق والخوف والتفكير، سارح شارد، عنده خجل وعدم قدرة على مواجهة الناس، وعدم قدرة على الحديث، وعنده ضعف.

    وأيضاً أثرها على ترك الطاعة؛ لأنها تجر إلى معصية أكبر منها، فالذي وقع في العادة السرية، قد يجره الشيطان إلى الوقوع في الزنا، ثم يجره الشيطان إلى الوقوع في اللواط، ثم يجره للوقوع في معاصي أخرى، ثم يجره إلى ترك الصلاة، ثم يجره إلى الكفر والعياذ بالله وهي سلسلة يجر بعضها بعضاً.

    كذلك هذه العادة من الآثار السيئة لها أنها تكون سبباً في سلب القوة، وأنها تقوض الأجهزة الجنسية للإنسان، حتى أن كثيراً من الأطباء، أثبتوا أن الذي يقع في ممارسة العادة السرية يكون عنده ضعف في أجهزته، فبعد الزواج قد يصاب بما يسمى بالعنة وهو العجز عن المعاشرة الزوجية.

    كما أنها تضر الذاكرة ضرراً كبيراً وتكون سبباً في التأخر الدراسي، حيث تظل هذه الأفكار والصور التي في ذهن الإنسان يفكر بها بشكل دائم، فتؤثر على حفظه وذاكرته.

    أخي الكريم.. أخي الحبيب.. أخي الشاب...!!!

    ألم تقارن مقارنة سريعة بين شؤم المعصية وبركة الطاعة؟

    ألم تر المعصية سبباً في حرمانك من العلم؟!

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نور     ونور الله لا يهدى لعاصي

    فتجد أن الشاب المنحرف متأخر في دراسته، وربما يؤول الأمر بكثير منهم إلى ترك الدراسة، فإذا ترك الدراسة قد يلتحق ببعض المعاهد المهنية أو غيرها، ثم لا يواصل فيها، وترك الدراسة يجر له مشاكل أخرى بسبب الفراغ، فيضيع مع زملاء يقضي معهم كل وقته، ولا يصبح له مستقبل يهمه ويفكر فيه، بخلاف الشاب الطيب الصالح المستقيم فإنك تجده مبرزاً في دراسته، تجده من الأوائل في فصله وفي مدرسته، محبوب لدى مدرسيه، وقلما تجد شاباً طيباً يفكر بترك الدراسة، مجرد خواطر تمر بفكره ثم يتركها؛ لأنه يدري أن هذا فيه خير، وفيه مصلحة وخير للأمة، أما ذلك الشاب المنحرف، فإنه يستثقل هذا الأمر ويتركه؛ لأنه قد عصى الله عز وجل فحرم بركة العلم.

    من آثار المعاصي

    ِومن آثار المعصية: الوحشة بينك وبين الله، الوحشة في قلبك، فإنك إذا عصيت الله استوحشت منه، كيف تدعوه وقد عصيته؟

    كيف تسأله وقد عصيته؟

    وهذا يجرك إلى معاصي أخرى، في الإعراض عن الله عز وجل، بخلاف المؤمن فإنه قريب من الله تعالى، دائم الابتهال إليه دام الدعاء، إذا دخل قال: بسم الله، وإذا خرج قال: بسم الله، وإذا أخطأ قال: أستغفر الله، وإذا سمع منادياً ينادي قال: سمعنا وأطعنا.

    ومثله الوحشة بينك وبين الناس، فإنك تجد العاصي -سبحان الله- كأن بينه وبين الناس حجاب، لا يحبونه ولا يطمئنون إليه، بخلاف العبد المطيع، فإن الناس يألفونه ويرتاحون إليه ويسرون لرؤيته، ويثقون به، ليس بينه وبينهم وحشة؛ لأن الله عز وجل جعل في قلوبهم محبته. ومن ذلك: تعسير الأمور أيضاً، فإنك تجد العاصي كلما ذهب إلى أمر يغلق عليه الباب، إذا أراد أن يقبل في مدرسة لم يقبل، أو في وظيفة لم يقبل، وإن اشتغل في تجارة فشلت التجارة، أو في مؤسسة انهارت، أو اشترى سيارة، بعد فترة صار عليه حادث وتلفت عليه السيارة وهكذا.

    تجده حيث ما يمم تغلق الأبواب أمامه، للسبب الذي ذكرته أولاً، وهو أن الله إذا أحب العبد يسر له الأسباب، وإذا أبغض العبد منعه، وقد يكون هذا خير، وقد تكون هذه منبهات، ضع في ذهنك أن هذا العمل يقول لك: انتبه انتبه!! غير الطريق، اختر لك طريقاً آخر، هذا الطريق الذي تسلكه لا يرضي الله عز وجل، ولا يصلح لك في دنيا ولا في آخرة، والعكس من ذلك الإنسان الطيب أينما وجه وفق.

    خطر الدوام على المعصية

    أخي الكريم.. أخي الحبيب..!!

    إنك إذا داومت على فعل المعصية، بعد حين لا تستقبحها وتصبح عادة؛ بل وتستحسنها، فتكون ممن قال الله تعالى فيهم: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر:8] وإن ذلك سبب في هوانك وسقوطك من عين الله عز وجل، وأخيراً فربما كان سبباً في أن يطبع على قلبك، قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] فإذا طبع على الإنسان كان من الغافلين، فأصبح لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، حتى ربما ارتكب أبشع وأفضع الجرائم، وهو يضحك ولا يبالي، حتى كأنه حيوان أو بهيمة، حتى أنني قرأت في بعض الكتب قصة في غاية العجب، وهي تمزق القلب تمزيقاً، ولا يكاد الإنسان يصدق بها، لولا أننا في عصر العجائب.

    ذكر مؤلف ذلك الكتاب، أن فتاة في العشرين من عمرها، ذهبت إلى إحدى المستشفيات، وكانت حاملاً لتضع مولوداً، وفعلاً وضعت مولوداً، كان بأتم صحته وأتم حاله، وليس فيه ما يعيب، لكن هذه الفتاة كان يسيطر عليها خوف شديد، وارتباك ظاهر، وكانت مسودة الوجه، كثيرة البكاء، فلما أرادوا منها أن تخرج، وطلبوا أن تبعث إلى وليها ليحضر، ارتبكت وبكت بكاءً مراً، واستمرت حتى كاد يغمى عليها من شدة البكاء، فانفردوا بها في غرفة، وسألوها عن الأمر.

    وبعد جهد جهيد، قالت لهم بصوت متقطع" إن والد هذا الطفل هو أبوها نفسه، أي أن الوقاحة بلغت به لشدة جراءته على الله وعلى معاصيه، أنه كان يتعاطى المخدرات، ثم يقع على من بحضرته، سواءً كان أجنبياً، أم ذات محرم أم غير ذلك، وربما جاءها وهي نائمة، فارتكب معها هذه المعصية، ولو أخبرنا أن هذا الأمر وقع في الأمم السابقة من بني إسرائيل، للمَّ الواحد رأسه وقال: إننا لله وإنا إليه راجعون، ولو أخبرنا أن هذا وقع في بلاد الكفر والإباحية؛ لاستعظمنا ذلك، فكيف وصل الحال أن يحدث مثل هذا من قوم ربما نطقوا بالشهادتين بأفواههم، وربما سمعوا آيات الله عز وجل تتلى، ثم انسلخت قلوبهم ومسخت إلى هذا الحد، وأصبح الواحد منهم لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.

    يا أخي الحبيب! لا تستعظم مثل ذلك، وتقول: كل ذلك بعيد عني. لا، ربما كانت بداية هذا الوحش الكاسر ربما كانت بدايته شربة من خمر، وربما كانت بدايته نظرة من حرام، وربما كانت بدايته أغنية سمعها، وربما كانت بدايته تمثيلية شاهدها جرته شيئاً فشيئاً، حتى وصل إلى الحضيض، إلى القرار، إلى الوادي السحيق الذي لا مخرج منه إلا إن يشاء الله عز وجل.

    1.   

    حقيقة الحياة الدنيا

    أخي الكريم.. أخي الحبيب..!!

    هل تذكر أن هذه الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، وأن لنا ولك موعداً لن نخلفه أبداً؟ ألم يخطر في بالك يوماً من الأيام، أن تذهب في زيارة قصيرة إلى تلك الدور التي هي في ازدياد؟:

    أتيت القبور فناديتها      فأين المعـظم والمحتقـر؟

    وأين المذل بسلطانه      وأين العظيم إذا ما فتخر؟

    تنادوا جميعاً فلا مخبرٍ      وماتوا جميعاً وأضحوا عبر

    ألم تروا القبور؟

    {زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة} كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قف بالمقابر وانظر وتأمل، كم من الأجيال والقرون الغابرة، دفنت وأفنيت وانتهت، وأنت على الأثر؟!

    كنت أقول لبعض الشباب يوماً من الأيام وأنا أعظهم -وكانوا تقريباً أربعين- أيها الإخوة! تذكروا أنتم الآن أربعون، والزملاء الذين بجواركم في الفصل الآخر والرابع والخامس، فلو نظرنا إلى هذه الأعداد الكبيرة، هل ترون أنه لم يكتب أن يموت منا في هذه السنة أحد؟

    فسبحان الله! كان من بين الطلاب الذين أحدثهم، شاب ما مر عليه نحو أسبوع، إلا وذهب يسبح مع بعض زملائه، وغرق ومات في تلك البركة.

    فسبحان من يحيي ويفني وتخلف      الدهور دهور والأنام أنام

    وقال آخر:

    وكائن ترى من دار حيٍّ قد اقفرت     ودار لميت بالفناء جديد

    هم جيرة الأحياء أمـا محلهـم      فدانٍ وأما الملتقى فبعيد

    يقول مجاهد رحمه الله: [[ما من ميت يموت، إلا مُثِّل له جلساؤه]] يعني عند الموت، كأن جلساءك وأصدقاءك الذين تجلس معهم في الحياة يجلسون بين يديك، إن كانوا طيبين فطيبين، وإن كانوا سيئين فسيئين.

    ولذلك يتكلم أهل العلم عن سوء الخاتمة وحسن الخاتمة، بأمور يشيب لها رأس الصالحين، وأهل الخير والقيام والصيام، فكيف بنا نحن المقصرين المسرفين على أنفسنا.

    سوء الخاتمة

    ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله: في كتاب الثبات عند الممات، أن رجلاً احتضر، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: هو كافر بها، نعوذ بالله، وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، قال: حيل بيني وبينها، حيل بيني وبينها، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سبأ:54] وقال ابن الجوزي: إنه يعرف رجلاً اشتد به الألم، وزادت عليه المصائب، فافتتن -أصابته فتنة- فكان يقول وهو في مرض الموت: لقد قلّبني -يعني ربه- في أنواع من البلاء، فلو أعطاني الفردوس لما وفّى بما يجري علي -يعني وما الفائدة من هذا الابتلاء- لو كان الموت وأنا صحيح فنعم، لكن هذا الابتلاء ما هي الفائدة منه؟

    هكذا يخاطب ربه وهو في مرض الموت، بلغ به الجزع والفزع وعدم الصبر وسوء الخاتمة إلى ذلك.

    قال ابن الجوزي: وسمعت آخر وهو في مرض الموت يقول: ربي يظلمني.

    وأذكر أيها الإخوة شاباً سافر إلى إحدى دول جنوب شرق آسيا، وقد كان في العشرين من عمره، وكان يتعاطى مخدراً اسمه: الهيروين، جرعة فجرعة، ويزيد شيئاً فشيئاً، وذلك لوفرته في تلك البلاد وغناه، حيث كان شاباً غنيًا ثرياً مترفاً، واستمر هناك ما يزيد على سنة ونصف، بعد ذلك أحضر بالقوة قسراً، وأدخل في مستشفى الأمل في إحدى المدن، بعد ذلك وجد الراحة من العلاج واستمر فترة طويلة، ثم علم زملاؤه الأشرار بحاله، فاتصلوا به وطلبوا منه الخروج، وأغروه بذلك، فخرج ولما خرج صحبوه معهم، وفي أول جلسة معهم أعطوه جرعة ضخمة من المخدر، فشربها أو تعاطاها ومات في ساعته.

    وآخر سمعت قصته بنفسي، حين زرت بعض تلك البلاد، وحدثني بعض العاملين في تلك البلاد، يقول: كان هناك رجل من هذه البلاد من دول الخليج -وكان يزيد على الستين من عمره، فجاء إلى بلاد الإباحية والرذيلة والفساد، قال: واستأجر غرفة في أحد الفنادق، فبدأ يعب الخمور عباً، ففي اليوم الأول شرب ست قارورات من الخمر والعياذ بالله ثم أتبعها بثلاث، ثم أتبعها باثنتين، فشعر بالامتلاء وشعر بوضع غير طبيعي، فذهب ليتقيأ في دورة المياه، فسقط وبعد ما طال الأمر به ولم يخرج، طرقوا عليه الباب ثم فتحوا الباب، فوجدوه ميتاً في أخس وأحط مكان، رأسه في دورة المياه.

    فانظر كيف يجر الشيطان الإنسان إلى أمور مما يعاب عليه فيها في الدنيا والآخرة، ومن الأشياء التي إذا رآها الناس، ظهر عليهم الامتعاض والانـزعاج والتأثر والحزن، فسبحان الله! ما أعظم الفرق بين من يموت هكذا، وبين من يموت شهيداً في سبيل الله عز وجل: تتلقاه الملائكة، وتتلقاه الحور العين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له عند أول قطرة من دمه، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته، ويأمن من عذاب القبر، ويلبس تاجاً، الياقوتة فيه خير من الدنيا وما فيها} يا سبحان الله! الفرق بين الثرى والثريا، إنه بون شاسع، وكلهم من أولاد آدم، وكلهم مكلفون، ومطالبون، ولكن: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20].

    وحدثني ثقة أنه يذكر أن صديقاً له كان له أخ يعتقد العقائد الخبيثة الكفرية، من عقائد العلمانيين والشيوعيين وغيرهم، فكان يناصحه ويكلمه، وهو لا يستجيب له، وعمل ما يستطيع، قال: فمرض أخي مرضاً شديداً، أصيب بالسرطان، فكنت آتيه وأتحدث معه، وأرجو هدايته لعل الله يختم له بخير، فلما كان في أحد الأيام قال لي: ائتني بالمصحف هات المصحف -قال: فقمت فرحاً مسروراً خفيفاً، لعل الله أن يكتب لأخي خاتمة سعادة، قال: فلما رأى المصحف، قال: هذا المصحف! قلت: نعم، قال: هو كافر بهذا الكتاب -والعياذ بالله تعالى- ثم قُضي ومات في لحظته تلك. ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجلس معهم، فيتكلمون في سب الله ورسوله، وشتم الدين والسخرية من أهله، تمثلوا له في مجلسه ذلك، فأغروه بأن يصر على ما هو عليه من الكفر والإلحاد.

    وكذلك الذي يتعاطى المخدرات -مثلاً- مع قوم، إذا كان في ساعة الموت مثلوا له بين يديه، والذي يرتكب المعصية معهم إذا جاءته ساعة الموت مثلوا له بين يديه.

    من قصص السلف في حسن الخاتمة

    فقارن هذا مع من كتب الله تعالى لهم حسن الخاتمة مجاهد بن جبر رضي الله عنه مات وهو ساجد.

    ولما احتضر حذيفة رضي الله عنه قال: [[اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، لا أفلح من ندم، مرحباً بالموت حبيب جاء على فاقة]] وكذلك بلال رضي الله عنه، لما احتضر كان يقول: [[غداً نلقى الأحبة، محمداً وحزبه؛ فلما بكت زوجته وقالت: وابلالاه! واحزناه! قال لها: وفرحاه! وسروراه]].

    خيثمة بن عبد الرحمن، دخلت عليه امرأته وهي تبكي، فقال لها: [[ ما يبكيكِ؟! الموت لابد منه. فقالت: الرجال بعدك عليَّ حرام، فقال: ما كل هذا أريد منك -ما كنت أريد منك كل هذا الشيء- إنما كنت أخاف رجلاً واحداً، وهو أخي فلان- حيث كان له أخ، يقول: أخشى أن يتزوجك بعدي، وكان رجلاً فاسداً يتناول الخمر- فكرهت أن يشرب في بيتي الشراب، بعد إذ كان يتلى فيه القرآن]] فهو يقول: بعد أن كنت أختم القرآن في كل ثلاثة أيام مرة، يشرب أخي الخمر في بيتي: هذا الذي كنت أخشاه. انظر كيف ختم الله له بهذه الخاتمة الحسنة.

    مالك بن دينار لما حضره الموت قال: [[لولا أنني أكره أن أصنع شيئاً لم يصنعه أحد من قبلي من الأنبياء والصالحين؛ لأوصيت أهلي إذا مت أن يقيدوني ويجمعوا يديّ إلى عنقي، فينطلقوا بي على تلك الحال، فإني عبد آبق من مولاه]] يقول: لا أريد أن ابتدع في الدين وإلا أنا أتمنى أن تربط يدي إلى عنقي ويفعلون بي فعلهم بالأسير العبد الذي هرب من مواليه فأمسكوا به؛ لعل الله عز وجل أن يراني على تلك الحالة فيرحمني.

    عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: [[اخرجوا فلا يبقى عندي أحد، فخرج من كان عنده وجلسوا عند الباب يستمعون، فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جن، ثم قال: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] ثم مات رحمه الله]]

    آدم بن أبي إياس ختم القرآن وهو مسجى على سريره ثم قال: " يا رب، بحبي لك إلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، ثم قال: لا إله إلا الله ثم لفظ روحه ".

    الإمام أحمد قال لولده عبد الله: " جئني بالحديث عن طاوس، أنه كان يكره الأنين -هات الحديث- فجاء ابنه وقرأ عليه الحديث عن طاوس: أنه كان يكره الأنين -يكره أن المريض يئن- فقرأه عليه فلم يئن الإمام أحمد إلا في الليلة التي توفي فيها. يقول ابنه عبد الله: كان يغمى عليه ثم يفيق، فإذا أغمي عليه فتح عينيه، ثم قال بيديه هكذا: لا بعدُ بعدُ، قال: ففي المرة الثالثة قلت: يا أبه ما هذا، إنني أراك تحرك يدك وتقول: لا بعدُ بعدُ، قد لهجت بهذا الكلام ولا أدري له معنىً، فقال الإمام أحمد: إبليس -لعنه الله- قائم بحذائي عاض على أنامله، يقول: يا أحمد فتني يا أحمد، فتَّني، فتَّ علي فأقول له: لا بعدُ بعدُ حتى أموت " يعني ما دام الروح في الجسد، فلا زال هناك خوف من كيد الشيطان.

    ولما احتضر أبو الوقت السجزي رحمه الله، أسنده بعض تلاميذه إلى صدره، فقال: قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27]

    ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة قال: " يادنيا ما أطيبك، إن طويلك لقصير، وإن كثيركِ لحقير، وإن كنا منك لفي غرور" ثم أنشأ يقول:

    إن تناقش يكن نقاشك يا     رب عذاباً لا طوق لي بالعذاب

    أو تجاوز فأنت رب صفوح      عن مسيء ذنوبه كالتراب

    محمد بن واسع رحمه الله، كان عنده قوم جلوس وقوم قيام، فقال: ما يغني عني هؤلاء إذا أخذ بناصيتي وقدمي وألقيت في النار، ثم تلا قول الله عز وجل: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41]

    قصة معاصرة في حسن الخاتمة

    أذكر -أيها الإخوة- قصة لشاب معاصر من الدعاة إلى الله عز وجل قضى عمره في الدعوة، وكان معتمراً في أحد السنين فأصابه مرض ذهب على إثره إلى المستشفى، ثم جاءت اللحظات الأخيرة من حياته، فيحدثني بعض من كانوا قريبين منه: أنه في أحد الليالي طلب المصحف فأخذه، ثم تلا منه ما تيسر، ثم وضعه على صدره وأغمض عينيه ثم قضى وقد كنت ممن صلى عليه في تلك الليلة، فرحمة الله عليه، كيف كتب الله له بخاتمة خير إن شاء الله.

    شاب آخر، ذو سمعة حسنة، وكان في الحي معروف بصلاحه واستقامته، فغضب زملاؤه منه، وحاولوا جره إلى المخدرات ففشلوا، فجاءوا يوماً من الأيام، وكان يشرب شيئاً من الشاي، فوضعوا في الشاي مخدراً دون أن يعلم، وبعد ذلك أصبح مدمناً للمخدرات، ثم مُسك في قضية المخدرات وسجن فيها فترة، وبعد ذلك خرج، فحاول أهله أن يقنعوه بالإقلاع عن المخدرات وما زالوا به حتى أقنعوه، وأقنعوه أنه سوف يتزوج، فأعلن توبته إلى الله عز وجل، وترك قرناءه السيئين، وأتلف ما عنده من المخدرات وأقبل على الصلاة، وبدأ يستعد ليوم الزواج، وكان زواجه في يوم السبت، ولما كان في ليلة الخميس، نام وكانت تلك الليلة هي ليلته الأخيرة، فقد قبضه الله تبارك وتعالى.

    أيها الإخوة.. أيها الشباب..

    !!

    ولو أنا إذا متنا تركنا     لكان الموت راحة كل حيِّ

    ولكنا إذا متنا بعثنا     ونسأل بعدها عن كل شيءِّ

    ما هي المشاهد التي ينتظرها الإنسان في موقف القيامة:

    عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لو تعلمون ما أعلم؛ لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل} وكما في الحديث القدسي: {أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال أبو هريرة: [[اقرءوا إن شئتم قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[السجدة:17]]]}.

    1.   

    الجنة ونعيمها

    النار وحال أهلها فيها

    عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته -يعني إلى وسطه إلى أسفل بطنه- ومنهم من تأخذه إلى عنقه، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته}رواه مسلم

    وعن ابن عباس رضي الله عنه قال في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] عن النبي صلى الله عليه وسلم {لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم } فكيف بمن تكون طعامه؟ والحديث رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح.

    ما بالكم -أيها الأحبة- ونحن نتكلم الآن عن الغازات السامة، والقنابل الجرثومية، وننسى قطرة الزقوم، تصور قدرة الله عز وجل، الغازات السامة والقنابل الجرثومية فعل البشر، ومهما كان فهو ضعيف ومحدود، لكن قطرة من الزقوم قال تعالى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46] لو أن قطرةً واحدة قطرت في الدنيا؛ لأفسدت على أهل الأرض كلها معايشهم، فكيف بمن يكون هذا طعامه.

    قال الله عز وجل: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19] ليست كثياب الدنيا، ليست كالثياب التي نتجمل ونباهي بها، إنها ثياب من نار، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22].

    هذا كلام الله تعالى، ليس بحديث فتقول: هذا حديث ضعيف، هذا كلام الله تعالى، من ينكره كافر مرتد، والمؤمن عجب له كل العجب، كيف يعصي الله تعالى ويبارزه بالمعاصي وهو يؤمن بهذا؟

    نحن لا نلوم الكافر الذي لا يؤمن بيوم الحساب حين يعصي أو يقع في الإثم والزور؛ لأن هذا ينسجم مع العقيدة التي اعتقدها بالكفر بيوم الحساب، يريد أن يأخذ من الدنيا قبل أن تفوت، لكن المؤمن الذي يدين بهذا ويؤمن بهذا، ويوقن بهذا كيف يعصي ربه؟!

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: {سمع وجبة -أي صوتاً شديداً- فقال لأصحابه: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي في النار منذ سبعين خريفاً، فالآن انتهى إلى قعرها} هذه الصخرة تتدهده في النار على مدى سبعين سنة وصلت إلى قعر نار جهنم والحديث رواه مسلم.

    وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{إن أهون أهل النار عذاباً رجل له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه، وإنه ليرى أنه ليس في النار أشد عذاباً منه}

    ما بالك بمن يقاسي نار جهنم ويصلى بها؟

    ما بالك بمن يأكل الزقوم؟

    ويشرب الغسلين؟

    ما بالك بمن يضرب بالمطارق والمقامع من حديد، كلما أراد أن يخرج أعيد فيها؟

    المبادرة بالتوبة قبل الموت

    أيها الإخوة...

    قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    يقول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي موسى الأشعري: {إن الله يبسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها} رواه مسلم.

    وفي حديث صفوان بن عسال أيضاً: أنه ذكر باباً للتوبة، مسيرة سبعين عاماً، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها.

    وعن عبد الله بن عمر {إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرر}

    إذاً عجل يا أخي الحبيب، عجل ما دام الباب مفتوحاً، قبل أن تطلع الشمس من مغربها، وما يدريك متى تطلع الشمس من مغربها، ربما نكون في أشراط الساعة الكبرى، ونحن لا ندري ولا تقل: هذا بعيد، فنقول لك: عجل قبل أن تغرغر، قبل أن تكون الروح تتردد في حلقك، وحينئذٍ لا تقبل منك التوبة لأنك رأيت الملائكة الذين جاءوا لقبض روحك فحين، فحينئذٍ لا ينفعك الإيمان.

    وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون} فيا أخي الحبيب والله إني لك محب وعليك مشفق ولك ناصح، حاول أن تكون من التوابين، كلنا خطائين فمن منا التوابين؟

    التائبون -أيها الإخوة، كثير ولعلي أختم هذا المجلس -وهذا الموضوع الميمون في التوبة، لعلي أختمه بهذه القصة الطريفة، التي ذكرها أحد الإخوة، وهو صاحب كتاب: العائدون إلى الله.

    قصة تائب

    ذكر أن هناك شاباً، توفي والده، فكان له أم تسهر على رعايته وتربيته، وتشتغل بالخدمة في بيوت الجيران، حتى تجمع له ولإخوانه المال، فلما كبر هذا الشاب ذهب إلى الخارج للدراسة، وأتى بشهادة عالية، ولكن بعد ما غُسل مخه وانحرف فكره! وتغيرت أخلاقه! ونسي فضل الأم، فلما أراد الزواج عرضت عليه أمه فتاة طيبة، صالحة، فكره ذلك ولم يتزوج بها، وذهب يبحث، كما يقول هو: عن فتاة تكون من بيئة أرستقراطية، يعني يريد الترف، يريد النعيم، يريد أناساً من بيئة معينة، فتزوج هذه الفتاة وجلست عند أمه في البيت، يقول: بعد ستة أشهر من الزواج، دخل فإذا زوجته تبكي، فقال مالكِ؟ قالت: أما أنا أو أمك! لا أستطيع أن أجلس مع أمك في هذا البيت، ولا أستطيع أن أصبر أكثر من ذلك.

    يقول هذا الشاب في قصته: بعد ذلك غضبت وفي ساعة غضب نسيت فيها الواجب، طردت أمي من البيت، فخرجت أمي التي طالما سهرت على رعايتي وتربيتي وغادرت البيت وهي تلتفت إليَّ وتبكي، وتقول: يا ولدي أسعدك الله! يقول: بعد ذلك ذهب الغضب وذهبت السكرة، ورجعت الفطرة فذهبت أبحث عن أمي، فلم أجدها في ذلك الوقت، ورجعت إلى البيت، فاستطاعت هذه الزوجة بذكائها وجمالها أن تنسيني أمي الغالية، فانقطعت أخبارها عني، فأصبت بعد ذلك بمرض خبيث ودخلت المستشفى، وعلمت أمي بالخبر، فجاءت تزورني، يقول: وكانت زوجتي عندي، فقابلتها عند الباب، فقالت لها: ارجعي ابنك ليس هنا، ماذا تريدين منا؟

    نحن لا نريدك، يقول: فرجعت أمي من المستشفى، وبعد ذلك خرجت أنا، ثم عدت مرة أخرى، وانتكست حالتي الصحية وفقدت الوظيفة التي كنت فيها، وتراكمت عليَّ الديون، وتخلى عني أصدقائي وأصحابي، وهرب الناس من حولي.

    يقول: في آخر ذلك كله جاءتني زوجتي يوماً من الأيام، وقالت لي: أنا لا أريدك طلقني! ما دام ليس لك وظيفة ولا مكانة في المجتمع، فأنا لا أريدك فطلقني! قال: فكانت تلك صفعة شديدة على وجهي، لكني بالفعل كنت أستحقها واستيقظت من السبات الذي أنا فيه، وخرجت أهيم على وجهي، أبحث عن أمي وفي النهاية وجدتها، ولكن أين؟

    في أحد الأربطة تعيش على صدقات المحسنين، وقد أثر فيها البكاء فبدت شاحبة ضعيفة، وما إن رأيتها حتى ألقيت بنفسي عند رجليها، وبكيت بكاءً مراً، وما كان منها إلا أن شاركتني بالبكاء، واختلطت الأصوات وظللنا على هذا المشهد ساعة أو أكثر، بعد هذا أخذتها معي في السيارة إلى البيت، وآليت على نفسي طاعتها ما حييت.

    يقول هذا الشاب: وأنا الآن أعيش أحلى وأسعد وأجمل أيامي مع حبيبة العمر، أمي حفظها الله تعالى، فقد تركت النساء بعد تلك المرأة.

    أيها الإخوة... كان الموضوع طويلاً، وكان هناك أشياء وأشياء، لكنني شعرت بأن الموضوع أكثر مما أريد، وأعتذر إليكم عن التقصير، وأسأل الله عز وجل أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يتقبل منا أعمالنا كلها، وأن يوفقنا للتوبة النصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح، وأن يجعل ما نقول ونسمع حجة لنا لا حجة علينا.