إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [105]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يسدي البعض نعماً على بعض عباد الله، فينسى المنعم الحقيقي الذي هو الله، ومن ثم تصرف عبادة الشكر لغيره، وهذا قدح في التوحيد.

    1.   

    باب قول الله: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها)

    قال المصنف رحمه الله رحمة واسعة: [باب قول الله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ [النحل:83]].

    المقصود بهذا الباب بيان أن ما يحصل للإنسان من نعم يجب إضافتها إلى الله جل وعلا، ولا يجوز إضافتها إلى السبب؛ فإن الأسباب خلقها الله جل وعلا، وهو الذي رتب عليها المسببات، وجعلها جزءاً مما يترتب عليه وجود النعم، فإضافتها إلى غير مسديها وموليها يكون من باب الكفر الذي هو كفر النعمة، ويكون أيضاً شركاً، من الشرك الخفي الذي يكون ذاهباً بكمال التوحيد؛ لأن كمال التوحيد أن يكون الإنسان عبداً لله في جميع تصرفاته أفعاله وأقواله، وأن يضيف جميع ما يحدث إلى الله جل وعلا، ولكن هذا في الشيء الذي يكون فيه ثناء على الله جل وعلا فهو نعمة.

    معنى الكفر بنعمة الله تعالى بعد معرفتها

    ومن باب التأدب مع الرب جل وعلا ألا يضيف الإنسان ما أنعم به على عبده إلى غيره، ولو كان ذلك سبباً لوجود تلك النعمة، فإنه لا يجوز إضافتها إلى ذلك السبب؛ لأن السبب مخلوق، والمخلوق ليس له في نفسه تصرف فضلاً عن أن يوجد له على غيره نعمة ولهذا عاب الله جل وعلا على الكفار أنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وسواءٌ أكانت المعرفة جزئية أم كانت عامة، كما سيأتي في أقوال المفسرين في الآية، والصواب أنها عامة في جميع ما يكون فيه خير ونفع للإنسان، فيجب أن يكون مردها إلى الله، ثم يشكر الله جل وعلا عليها، وبذلك يكون الإنسان قد جاء بالمطلوب منه في مثل هذه الجزئية، ولا يكون داخلاً عليه النقص في إضافة النعم إلى غير الله جل وعلا فيكون كافراً بنعم الله ويدخل عليه الشرك الأصغر، وقد جاء في الحديث: (الشرك أخفى في هذه الأمة من دبيب النملة على الصخرة السوداء في ليلة ظلماء).

    قال رحمه الله تعالى: [قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي. وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان ما كان كذا. وقال ابن قتيبة : يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا].

    هذه الأقوال متقاربة ومعناها واحد، وهو أن الإنسان إذا كان عنده مال قال: هذا مالي ورثته عن آبائي. أو يقول: حصلت عليه بكسبي، أو بقوتي، أو بمعرفتي، أو بكوني أستطيع أن أتصرف أو ما أشبه ذلك. أي: أن يضيف المال أو النعمة إلى غير الله فإنه يكون كافراً بنعمة الله بعد معرفته بأن الله هو الذي خلقه، وبأنه هو الذي يتصرف في الكون كله، فهذا معنى المعرفة، فمعناها أنه يعترف بأن الله هو المتصرف في كل شيء، والكفر معناه أن يضيف النعمة إلى السبب، بأن يقول: هذا بسبب كسبي أو بسبب معرفتي. أو ورثته عن آبائي. ويضيف المال إليه فيقول: مالي ورثته. سواءٌ أقال: ورثته عن آبائي أم قال: حصلته بكسبي أو بمعرفتي.

    وكذلك قولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، كما قال ابن قتيبة . يعني أن النعم حصلت بشفاعة الآلهة. والآلهة صماء عمياء ليس لها تصرف، ولا تملك مع الله شيئاً، بل هو كفر بنعمة الله جل وعلا، بل هذا يكون من الكفر الأكبر؛ لأنهم أضافوا شفاعة الآلهة إلى الله جل وعلا مع أنه أبطلها، ومع أنه أخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه تعالى وتقدس، والآلهة هذه لا تشفع، فشفاعتها باطلة.

    والمقصود بالآلهة كل ما عبد من دون الله، وكل ما أله من دون الله، سواءٌ أكانت أصناماً، أم كانت قبور أولياء أم غير ذلك.

    وكذلك قوله: لولا فلان لكان كذا. ولولا فلان لحصل كذا وكذا، فإن هذا أيضاً من الشرك الخفي، وهو أيضاً من إضافة الشيء إلى غير الله جل وعلا.

    كذلك كونه يجعل حصول الشيء بالسبب الذي عمله هو، فيقول مثلاً: ركبت سيارة جديدة وجئت بسرعة لأجل ذلك. فيضيف النعمة التي أنعم الله عليه بها من السلامة والوصول بسرعة إلى السيارة وإتقانها، فهذا أيضاً من هذا النوع.

    فيجب أن يضاف كل شيء يحصل له فيه نعمة إلى الله، وإن كان هناك سبب فالله جل وعلا هو الذي أوجده، ولو شاء لأبطل ذلك السبب وإن كان متقناً.

    تفسير النعمة في آية النحل

    في قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ [النحل:83] أقوال غير ما ذكر للمفسرين في تفسير النعمة.

    منها: أن النعمة الرسول صلى الله عليه وسلم، يعرفون أنه مرسل من عند الله ثم يكذبون ويعرضون عن دعوته، ويكون معنى ذلك أن هذا من الكفر الأكبر.

    ومنها: أن النعمة الإسلام، يعرفون أنه دين الحق ثم يعرضون عنه، ويكون أيضاً هذا من الكفر الأكبر المخرج من الدين الإسلامي.

    ومما لا شك فيه أن الإسلام هو أكبر نعمة على العبد، فأكبر ما أنعم الله جل وعلا على عبده بعد أن خلقه وأوجده أن جعله مسلماً، فيجب أن يشكر الله جل وعلا على ذلك، وألا يضيف إلى المخلوق شيئاً أنعم الله جل وعلا به عليه، وإن كان ذلك المخلوق سبباً، ولا ينافي هذا أن الإنسان يحمد من حصل على يده خير له، بل قد جاء في الحديث: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، ولكن ليس معنى هذا أنه يضيف النعمة إليهم، بل معناه أنه يكافئهم، أو يدعو لهم إن لم يجد ما يكافئهم به، فهذا هو شكرهم، وليس شكرهم إضافة النعم إليهم وأنهم هم الذين صنعوها أو أوجدوها، لهذا جاء الإرشاد إلى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)، فجعل المكافأة أن يعطى مقابل المعروف، فإن لم يكن الإنسان في يده شيء من ذلك فإنه يدعو له، والدعاء يكون مكافأة له.

    أما إضافة الشيء إليه فيقول: أنت الذي جئت بهذا الشيء لي، وأنت الذي كنت، وأنت الذي صنعت وعملت فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من كفر النعمة؛ لأنها كلها بيد الله، والناس كلهم لو اجتمعوا على أن يعطوا الإنسان شيئاً لم يكتبه الله له لم يستطيعوا، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء كتب الله جل وعلا أنه لا يحدث له لم يستطيعوا ذلك، فالأمور كلها بيد الله جل وعلا، فيجب أن يكون العبد عبداً لله جل وعلا وينظر إلى الناس أنهم كلهم عبيد لله، فمن أطاع الله أحبه لطاعته لله، ومن عصى الله كرهه وأبغضه لمعصيته لله جل وعلا، وأن كل نعمة تحدث للإنسان فهي من الله جل وعلا.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [ذكر المصنف رحمه الله ما ذكر بعض العلماء في معناها، وقال ابن جرير : فإن أهل التأويل اختلفوا بالمعني بالنعمة فذكر عن سفيان عن السدي : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل:83] قال: محمد صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.

    وأخرج عن مجاهد : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل:83] قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول : هذا كان لآبائنا فورثونا إياه. وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقروا بأن الله هو الذي يرزقهم ثم ينكرونه بقولهم: رزقنا ذلك شفاعة آلهتنا.

    وذكر المصنف مثل هذا عن ابن قتيبة ، وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي مصر، النحوي اللغوي، صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة، اشتغل ببغداد، وسمع الحديث على إسحاق بن راهويه وطبقته، توفي سنة ست وسبعين ومائتين].

    النعمة الصواب أنها عامة ليست خاصة في معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو فيما عدده الله جل وعلا في سورة النحل، فإنه عدد نعماً كثيرة، وكذلك ما ذكر ابن عباس أنها البيوت، أو أنها اللباس، أو أنها ما يقي من الحرب من الحديد وغيره فإن هذه أمثلة فقط، ولا يقصد بها أنها تجمع النعم، فكل ما أنعم الله به على عباده يجب أن يشكروه عليها، وأن يضيفوها إليه معترفين له بالفضل والكرم والجود، ولا يجوز أن تضاف إلى غيره.

    فالآية عامة، ولكن من أعظم النعم إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن أعظم نعم الله أن أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس يعرفهم بالله جل وعلا ويدعوهم إلى دار السلام، فإذا اعتنق الإنسان دعوته فهذه من أكبر نعم الله عليه، فعليه أن يحمد ربه جل وعلا على ذلك، ويرتبط بهذه النعمة، ويسأل الله جل وعلا أن يثبته عليها حتى يلقاه، وليس هناك نعمة أكبر من هذه.

    قال رحمه الله تعالى: [وقال آخرون: ما ذكره المصنف عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الكوفي الزاهد -عن أبيه وعائشة وابن عباس ، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري ، وثقه أحمد وابن معين ، قال البخاري : مات بعد العشرين ومائة- يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل:83] قال: إنكارهم إياها أن يقول الرجل : لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. واختار ابن جرير القول الأول، واختار غيره أن الآية تعم ما ذكره العلماء في معناها، وهو الصواب والله أعلم.

    قوله: (قال مجاهد): هو شيخ التفسير الإمام الرباني مجاهد بن جبر المكي مولى بني مخزوم، قال الفضل بن ميمون : سمعت مجاهداً يقول: عرضت المصحف على ابن عباس مرات أقفه عند كل آية وأسأله : فيم نزلت ؟ وكيف نزلت ؟ وكيف معناها ؟ توفي سنة اثنتين ومائة وله ثلاث وثمانون سنة رحمه الله].

    الذم لمن يضيف النعمة إلى غير الله تعالى

    قال رحمه الله تعالى: [قال: وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: (أصبح اليوم من عبادي مؤمن بي وكافر..) الحديث. وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير].

    قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وقال أبو العباس ) -هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الإمام الجليل رحمه الله.

    (بعد حديث زيد بن خالد) - وقد تقدم في باب الاستسقاء بالأنواء.

    قال: (وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير) انتهى].

    الحديث تقدم، وهو حديث ثابت في صحيح مسلم وفي غيره عن زيد بن خالد في قصة غزوة الحديبية: (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فقال: أتدرون ما قال ربكم البارحة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب ومؤمن بالكوكب كافر بي. أما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)، وسبق أن معنى الإيمان هنا الاعتراف بالفضل ونسبة النعمة إلى الله جل وعلا، أما الكفر فمعناه جحد النعمة وإضافتها إلى غيره.

    والإيمان بالكوكب هو كونه نسب إليه نزول المطر، فيقال: مطرنا بنوء كذا، ومن المعلوم -كما سبق- أنه ليس المقصود أن الكوكب هو الذي يخلق المطر وهو الذي ينزله، فما كانوا يعتقدون هذا، وإنما كانوا يقولون: إن المطر جاء بسبب هذا الكوكب في طلوعه، لهذا يضيفون إليه ذلك، فيقولون: النوء الفلاني محمود وغزير المطر وكثيره، والنوء في الواقع ليس عنده مطرْ وليس عنده قحط، وليس عنده شيء من التصرفات، إنما هو مسخر مدبر يسير حيث سيره الله، فنسبة المطر إليه أو غير المطر من أعظم جحود النعم، ومن الخطأ الواضح، ومن ذلك ما يحدث اليوم كثيراً في بعض الصحف وفي بعض المجلات، وقد يوجد في بعض الإذاعات أن الطالع الفلاني يكون فيه كذا وكذا، وأن من كان طالعه كذا فسيصيبه كذا وكذا، وأنك في هذا اليوم أو في هذا الشهر ستصنع كذا ويصيبك كذا ويحدث لك كذا، وهذا كله من الكفر بالله جل وعلا، وإذا كان اعتقد الإنسان أن هذا حقيقة فهو كفر أكبر، أما إذا أضافه مجرد إضافة مع اعتقاده بأن الله جل وعلا هو المصرف لكل شيء والمدبر لكل شيء، وإنما جعل هذه أسباباً، فهذا من الكفر الذي لا يخرج من الدين الإسلامي، ولكنه كفر، وهو مذهب لكمال التوحيد، فيجب على الإنسان أن يتنبه لهذه الأمور، والأفعال سواءٌ أكانت في الأجرام السماوية، أو في الأرض مثل هبوب الرياح، أو كون الإنسان يوفق إلى عمل معين وأنه يحدث له شيء وإن كان هو الذي يقوم بالسبب كلها بتيسير الله جل وعلا وبتقديره وبتفضله على العبد، فلا يجوز أن يضيفه إلى غير الله جل وعلا.

    أما الأمور التي وقعت وانتهت مثل شيء عمله فإنها أيضا يجب أن تكون إضافتها إلى الله جل وعلا، ولا يجوز أن تضاف إلى مخلوق من المخلوقات أو جزء ممن جعل سبباً لها.

    والطريق في هذا أنه إذا أراد أن يضيف إلى سبب أو شيء يقول: إن هذا حدث من الله ثم من فلان، ومع ذلك لا يجوز أن يكون هذا على الحقيقة، فهو سبب فقط، بل الذي أوجد كل شيء وتصرف في كل شيء هو الله جل وعلا، والمخلوق ليس له دخل في هذه الأشياء، وربنا جل وعلا يخبرنا أنه جعل لكل شيء سببا، ولكن السبب لا يكون سبباً واحداً مستقلاً، وقد تكون هناك موانع كثيرة، فيكون جزءاً من السبب، وقد تكون هناك أسباب عدة يكون واحداً منها، فلو شاء لعطل الأسباب كلها أو بعضها ولم يحدث شيء.

    وكم يصنع الإنسان من أشياء يقدر في نفسه أنه مهيمن عليها ثم لا يستطيع ذلك وإن وجدت الأسباب التي معه؛ لأن الأمور كلها بيد الله، ولهذا لما قيل لبعض العرب: كيف عرفت الله؟ قال: بنقض العزائم. لأن الإنسان يعزم على الشيء ثم في لحظة يبدو له غير ذلك، فمن أين جاءه هذا؟ فالأمور كلها بيد الله جل وعلا يصرفها.

    فإذا حدث للإنسان حادث هو سبب فيه أو غيره سبب فيه فإنه يجب أن يضاف ذلك إلى محدثه، ولا يمنع هذا من أن الإنسان يؤاخذ بأعماله، ويؤاخذ بما كان سبباً في وجوده؛ لأنه يجب أن يتصرف على وفق الشرع، ولا يكون سبباً في إتلاف شيء أو في منع شيء مما هو لغيره، فإن حصل ذلك فهو مؤاخذ بما كان هو السبب فيه، ومع ذلك كل الأمور بيد الله جل وعلا.

    إضافة النعمة إلى غير الله تعالى سبب لدخول الكفر مع الإيمان

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [وكلام شيخ الإسلام يدل على أن حكم هذه الآية عام فيمن نسب النعم إلى غير الله الذي أنعم بها وأسند أسبابها إلى غيره، كما هو مذكور في كلام المفسرين المذكور بعضه هنا.

    قال شيخنا رحمه الله : وفيه اجتماع الضدين في القلب، وتسمية هذا الكلام إنكاراً للنعمة].

    قصده باجتماع الضدين الإيمان والكفر؛ لأنه قال: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل:83]، فيجتمع في القلب ضدان، المعرفة وضدها الإنكار، والإيمان وضده الكفر، فكونه أخبر أنهم يعرفون النعمة لا ينافي أنهم ينكرونها، وكونه أخبر أنهم يؤمنون لا ينافي أنهم يكفرون، كما قال جل وعلا: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، وقد سبق أن معناها أنك إذا سألتهم: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. فهو إيمان بالربوبية، وأما الشرك فكونهم يعبدون مع الله غيره.

    وكذلك النعم يقرون بأن الله جل وعلا هو الخالق وهو المتصرف في كل شيء، وهو الذي ينزل المطر، ولكن يضيفون نزول المطر إلى الكوكب، وقد يضيفونه إلى ما هو سبب، لهذا جاء عن ابن عباس أنه قال: يشركون بكل شيء حتى بالكلب فيقولون: لولا كلبة فلان لأتى اللصوص، أو: لولا الكلب مع الغنم لعدا عليها الذئب أو لأكل منها الذئب. فكل هذا يكون من جعل الند مع الله جل وعلا؛ لأن النعم يجب أن تضاف إلى الله جل وعلا؛ فهو مسديها، وهو الذي جعل هذه أسباباً وسخرها للعباد.

    وقد أخبر جل وعلا أنه خلق لنا ما في السموات والأرض جميعاً منه، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض، وسخر لنا البحار والأنهار، وسخر لنا الشمس والقمر، وسخر لنا كل ما فيه نفعنا من ملائكة ومن مخلوقات وغيرها، فهي كلها بتسخير الله جل وعلا، وعلى ذلك لا يجوز أن تضاف إلى غيره جل وعلا، فهو المتصرف وهو المنعم، ثم تضاف إلى مخلوق مربوب مقهور ليس له من التصرف شيء.

    1.   

    مسائل باب قول الله: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها)

    تفسير معرفة النعمة وإنكارها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها].

    المعرفة: هي الإقرار بأن الله هو الموجد لها وهو المتصرف في الكون، هذه هي المعرفة، أما إنكارها فإن تضاف إلى غيره جل وعلا؛ فيقول مثلاًً: هذا المال أنا استطعت أن أكسبه وأتصرف فيه. أو أنه جاء به فلان. أو يقول: الريح طيبة والملاح حاذق، وهذا لما كانت السفن تجري بالرياح وليس فيها ما يجريها من المحركات النارية كانوا يضيفون حسن جريها إلى الريح وإلى حذق الملاح الذي يصرفها، وهذا كفر بالله جل وعلا.

    وهكذا السيارة والطيارة وغيرهما، وكل ما هو نعمة أنعم بها على المخلوق يجب أن يعترف أنها من الله؛ لأن الله جل وعلا هو الذي جعل في الإنسان العقل والفكر والقوة على إيجاد الأشياء، ثم هو الذي سخر له ما في الأرض كما هو مشاهد لمن تأمل ونظر، فيجب أن تضاف إليه جل وعلا.

    إنكار النعمة وجريانه على ألسنة كثير من الناس

    [المسألة الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير].

    المقصود: كثير من الناس، ليس الكفار فقط، بل حتى المسلمين، فهذا شيء يجري على ألسنة أكثر الناس، فيقولون: لولا فلان ما صار كذا ولولا كذا صار كذا بالإثبات والنفي، فيجب أن يتنبه الإنسان لمثل هذه الأشياء.

    [المسألة الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكاراً للنعمة].

    [المسألة الرابعة: اجتماع الضدين في القلب].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770