إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [88]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى، والمشركون -قديماً وحديثاً- لم يخصلوا خوفهم لله تعالى، بل خافوا غيره كخوفهم إياه أو أشد، وذلك حينما عظم الشيطان في قلوبهم معبوداتهم، وخوفهم بها. وما كان لمؤمن أن يخاف غير الله تعالى، أو أن يرتجف فؤاده من سواه، لأن الخوف عبودية القلب، فلا يصلح إلا لله. أما عمارة المساجد فتكون حساً ومعنى: بإقامة بنيانها، وإقامة الطاعة فيها، ولا تقبل كلتا الإقامتين إلا فمن آمن بالله واليوم الآخر.

    1.   

    بيان عظم الخوف من الله تعالى وأقسامه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب قول الله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] ].

    لما ذكر المؤلف رحمه الله وجوب محبة لله جل وعلا، وأن حب العبادة يجب أن يكون خالصاً لله؛ ذكر أن من لوازم حب الله جل وعلا -حب العبادة والخضوع- أن يحب الإنسان ما يحبه الله، وأعظم ذلك حب الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر أن من لوازمه أيضاً: أن يبغض ما يبغضه الله من الأعيان والأفعال، كالأشخاص والمعاصي، ولما ذكر أن هذا واجب أراد أن يبين أن الخوف يجب أن يكون لله ومن الله وحده؛ لأن الخوف من أعظم المقامات -مقامات الإيمان- التي أوجبها الله جل وعلا؛ فيجب إخلاصه لله، ومن أشرك فيه مع الله غيره فإنه لا يكون مخلصاً في التوحيد، بل يكون توحيده ناقصاً - لذهاب كماله الواجب- أو معدوماً، ولهذا ذكر الآية: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] ( إن ) هنا: شرطية، والمعنى: إن كان عندكم إيمان يلزم أن تكون هذه صفتكم وهذا شأنكم.

    كما قلنا: لما كان الخوف من أعظم مقامات الإيمان, وهو خصلة عظيمة وواجبة على الإنسان أراد المؤلف أن يبين وجوب إخلاصها لله، ولا يجوز أن يشرك معه فيه أحد من الخلق. هذا مقصود الباب؛ لأن المؤلف رحمه الله سبق أن ذكر أن التوحيد: هو معنى لا إله إلا الله، وبين معناها، وقال بعد ذلك: (وشرح هذا في الأبواب التي بعده)، أي: الأبواب التي جاءت في الكتاب هي شرح لتلك الترجمة؛ فمرة يذكر ما يجب من حقوق هذه الكلمة، ومرة يذكر ما هو خادش لمعناها، أو منافٍ لشيء من شروطها أو أركانها أو واجباتها.

    والخوف من أركان لا إله إلا الله، ولهذا يقول العلماء: يجب على المسلم المؤمن أن يكون دائماً خائفاً من ربه، راجياً لرحمته، فالخوف عند المخالفة والتقصير، والله جل وعلا قد أثنى على عباده الذين يخافونه في آيات كثيرة. قوله: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)، والمعنى: يخوفكم أولياءه، يعني: يعظمهم في صدوركم ويكبرهم، ويقول: إنهم ذوو بأس ولهم شدة، وعندهم قوة، ولهم كثرة وأنصار تخافونهم، هكذا يقول الشيطان، والله يقول: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)، و( إن ) هنا كما سبق شرطية، يعني: إن كان الإيمان مستقراً في نفوسكم فلتمتثلوا هذا الأمر، ومعنى ذلك: أن من لم يكن خائفاً من الله جل وعلا، لا يكون عنده الإيمان الذي أوجبه الله جل وعلا، هذا معنى قوله: (إن كنتم مؤمنين).

    ثم جاء في آيات كثيرة الثناء على الخائفين وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41]، وقوله: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، وكذلك يقول جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ويقول: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب:39], والخشية هي: الخوف، وكذلك أخبر جل وعلا أن من كان يخاف ربه؛ فإن الله يجعل له من جميع ما يكيده مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب.

    1.   

    أقسام الخوف ودرجاته

    ذكر العلماء أن الخوف على أقسام ثلاثة، وبعضهم يجعلها أربعة:

    القسم الأول: الخوف مما يعبد من دون الله

    هذا الخوف الذي يسمى: خوف غيبي، يخافه أي: يخاف شيئاً وهو غائباً عنه، لا يشاهده وليس حاضراً عنده، ولكن يخاف أن يصيبه بمصيبة مستقبلة، أو بألم في بدنه، أو بمصائب في ماله أو أهله، أو ما يستقبله من حياته. وهذا يسمى خوف السر، ومعنى خوف السر: أنه يخافه لسر فيه، وأنه يأتي عقابه سراً، لا يأتي بجيوش ولا بدبابات ولا مدافع، يأتيه ويصيبه ولو كان في عقر بيته.

    وهذا الخوف لا يجوز أن يكون إلا من الله وحده، وهو الذي ذكر الله جل وعلا أنه يقع من المشركين، ويقع من المشركين سابقاً ولاحقاً، فسواء زعموا أنها كرامة يعطيها الله جل وعلا بعض أوليائه، فيؤثر في قلب من يبغضه أو يخالفه، أو في بدنه أو ماله أو أهله، أو يصيبه بخبل أو ما أشبه ذلك، أو أن ذلك من باب الشفاعة: أن الوليّ يطلبه من ربه ويشفع فيه، ثم يصيبه به جل وعلا؛ لأنه خالف هذا الولي. فهذا من الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان يكون خالداً في النار، وهذا الذي أراد المؤلف أن يبين أنه لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا.

    وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه عن أوليائه المرسلين أن المشركين خوفوهم بآلهتهم، كما قال جل وعلا في قصة إبراهيم: وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأنعام:80]، وهذا يدل على أنهم خوفوه بشركائهم، ثم قال: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81]، ثم قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، أي: الذين آمنوا وأخلصوا إيمانهم وخوفهم لله جل وعلا، فلم يداخل إيمانهم وخوفهم ظلم - يعني: شرك - هم الحقيقون بالأمن والاهتداء.

    وكذلك قال جل وعلا في قصة هود عليه السلام عندما قالوا له: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود:54]، يقولون له: إن ما أصابك هو بسبب بعض آلهتنا، فأصبحت تقول ما تقول، وتنهانا عما تنهانا عنه، فقال جواباً لهم: قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:54-56]، فتحداهم، وقال: اجتمعوا أنتم ومعبوداتكم، ثم كيدوني بما تستطيعون، ولا تتأخروا وعجلوا ذلك، فلن تستطيعوا؛ لأن وليي الله، وهكذا قالوا لنوح عليه السلام بل وسائر الأنبياء، وقالوا لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم ذلك أيضاً، فقال جل وعلا: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36]، يعني: بما يشركون من أصنامهم، وهكذا المشركون اليوم، إذا نهيت الذين يعبدون الأولياء والأضرحة، قالوا لك: أما تخاف من الولي؟ فإذا نهيت عن الشرك أو أمرت بالتوحيد وبإخلاص الدعوة لله، والتوجه إليه، يخوفونك به وقالوا لك: يمكن أن يصيبك الولي بالعذاب؛ لأنك خالفته، وأنت تبغضه ولا تحبه، فطريقة المشركين طريقة واحدة، سواء في أول الزمان أم في آخره، فبعضهم يتابع بعض، فالله جل وعلا ذكر أن كل أمة كانت تخوف نبيها بمن يعبدونهم مع الله جل وعلا، ولهذا وجب أن يكون الخوف لله وحده، هذا قسم.

    القسم الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفاً من بعض الناس

    قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... [آل عمران:173]

    وسبب نزول هذه الآية، كما قال ابن إسحاق وغيره من العلماء: أنه لما صارت واقعة أحد يوم السبت في منتصف شوال، ثم كان يوم الأحد في السادس عشر من شوال نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهاب خلف قريش، وأنه لا يذهب خلفهم إلا من حضر الواقعة بالأمس؛ لأن الذين تخلفوا منافقون لا يحضرون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا خير فيهم ولا في حضورهم؛ فانتدب لها المسلمون فقط، وكان فيهم الجراحات والآلام؛ حتى إنه جاء أن أخوين من بني عبد الأشيم كان فيهم جراحاً كبيرة، فيقول أحدهم: فخرجت أنا وأخي وقلت: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا عجز حملته عقبة - يحمله على ظهره إذا عجز عن المسير - فساروا إلى أن بلغوا حمراء الأسد، فلما جاءوها ألقى الله جل وعلا الرعب في قلب أبي سفيان ومن معه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجنده، فخافوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يلحقهم، فلقيهم ركب يريدون المدينة ليشتروا منها طعاماً، فقال أبو سفيان لهم: بلغوا عني محمداً وأبدلكم رحائل جديدة يوم عكاظ، قالوا: نعم، قال: قولوا له: إن أبا سفيان يجمع لك الجموع، وأنه أسف على ترك المدينة، فإنه يقول: لا محمد قتلنا ولا الكواعب أردفنا، فقالوا: نعم، فمروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأخبروهم بهذا الخبر، فقالوا الصحابة: حسبنا الله ونعم الوكيل، أي: هو كافينا ولن نخاف هؤلاء، فنزلت الآية: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:173-175]، والمعنى: أن الشيطان يخوفكم بالكفار، فالخوف الذي يلقى في قلب المؤمن من الكفار من جراء تخويف الشيطان، والواجب أن يكون الخوف من الله وحده.

    وهذا الخوف محرم؛ لأنه ترك ما يجب عليه خوفاً من بعض الناس، وهو أيضاً نقص في الإيمان؛ لأنه نفث من الشيطان، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد وغيره أن الله جل وعلا يقول للعبد يوم القيامة: (ألم تر منكراً فلم تغيره ولم تنه عنه، فيقول: يا رب! خفت الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف)، وهذا السؤال سؤال عن واجب تركه، وقد يعاقب عليه. وهذا النوع أقل من الذي قبله، أما الذي قبله فهو شرك أكبر، أما هذا فقد يصل بالإنسان إلى الشرك وقد لا يصل به إلى الشرك، ويكون قد ترك واجباً، إذا حمله خوف الناس على ترك الواجب، وهو نقص في توحيده وإيمانه، ويخشى أن يعاقب على تركه هذا الواجب.

    القسم الثالث: الخوف الطبيعي

    الخوف الطبيعي: هو الذي يكون مطبوعاً عليه الإنسان في نفسه، كخوفه من السبع، والحية، وجدار أن يسقط عليه، أو ماء يغرق فيه، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا لا بأس به؛ لأن هذا أمر مطبوع عليه الإنسان، وليس هو مثل خوف السر الذي يجتمع فيه شيئان: الخوف والإجلال، وخوفه منه كان لسر فيه.

    والواجب أن يخاف الإنسان من ربه، وأما الأسباب الظاهرة المؤدية للهلاك أو التلف فإنه لا يجوز له أن يلقي نفسه فيها ولا يجوز له أن يلقي نفسه في الأشياء الخطرة التي لا له عنها محيص ولا منجى، مثل: كونه يجلس تحت جدار مائل أو ما أشبه ذلك، أو كونه يلاقي السباع أو الحيات أو ما أشبه ذلك، ويقول: أنا لا أخاف، كما يحدث من بعض قاصري النظر أو الفكر.

    كما ذكر ابن الجوزي رحمه الله: أن رجلاً من الصوفية -الذين يقولون: إنهم يتوكلون على الله ولا يخافون غيره- ذهب حاجاً ماشياً على سبيل التوكل، وليس معه زاد وراحله، يقول: فصادفته سباع في الطريق، فكأن نفسه خافت -الخوف الطبيعي الذي في النفوس- فعاد على نفسه باللوم، وقال: كيف تخافين، لابد أن أقصد هذه السباع في وسط الطريق، فحمل نفسه على ذلك، فما تحملت النفس ذلك، فعندما وصل إلى السباع ذهب عقله وسقط مغشياً عليه، فبقي كذلك إلى أن أيقظه حر الشمس، وقد تفرقت عنه السباع! ومثل هذا العمل لا يجوز.

    والله جل وعلا أخبر عن موسى عليه السلام أنه خرج من المدينة خائفاً يترقب من عدوه أن يدركه ويقتله، وهذا خوف طبيعي، وليس الخوف الذي يمكن أن يكون فيه نقص في توحيد الله جل وعلا، والمقصود: أن هذا النوع من الخوف لا ضير على الإنسان فيه إذا حصل.

    القسم الرابع: الخوف من عذاب الله

    أما القسم الرابع الذي قسمه بعض العلماء من القسم الأول؛ حيث جعلوا قسماً منه أعلى مما ذكرنا، وهو الخوف من عذاب الله، فهذا أعلى المقامات والنسبة إليه -نسبة الذي ذكرنا إلى هذا- كنسبة الإيمان إلى الإحسان، والإحسان أعلى من الإيمان، ولهذا أثنى الله جل وعلا على الخائفين.

    ففي هذه الآية يقول جل وعلا: فَلا تَخَافُوهُمْ ، يعني: لا تخافوا الكفار، ولا يؤثر فيكم تخويف الشيطان وتعظيمه إياهم في نفوسكم ووسوسته لكم، واجعلوا خوفكم من الله وحده، فإنه يكفيكم ويحميكم إذا كنتم مؤمنين بخبر الله جل وعلا، وبما أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن تتحلوا بذلك وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .

    وبهذا يتبين أن ترك أمر من أمور الدين، مما أوجبه الله أو التقصير فيه خوفاً من الخلق أنه من تخويف الشيطان، وأنه يجب على المؤمن أن يمتثل أمر ربه جل وعلا ويجتنب نهيه، وإن اعترض عليه من يعترض من الناس فإنه لا يخافه، بل يجب أن يكون الخوف من الله وحده، فإن ترك واجباً مما أوجبه الله، أو فعل محرماً مما حرمه الله خوفاً من الناس؛ فإن هذا يكون نقصاً في الإيمان والتوحيد وقدحاً فيهما، وربما كان دليلاً في النهاية على زوال الإيمان، كما تدل عليه الآية: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، وقد يكون دليلاً على ضعفه.

    1.   

    خوف السر الواقع من عباد القبور

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [ الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى، قال تعالى: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28]، وقال تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50]، وقال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، وقال تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]، وقال تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44]، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير.

    والخوف من حيث هو على ثلاثة أقسام:

    أحدها: خوف السر: وهو أن يخاف من غير الله، من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره، كما قال تعالى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود:54-55] ].

    معروف عند عباد الأولياء والقبور ما يسمى بخوف السر، أي: أن صاحب القبر فيه سر، فمن قدم له طاعة ونذوراً نفعه سره وجاءه النفع منه، ومن لم يفعل ذلك فإن سره يضره، وقد يميته أو يمرضه أو يفقره، أو يميت أولاده وما أشبه ذلك، هكذا يتصورونه.

    والمعنى: أنه خوف غيبي؛ فهو يخافه وهو غائب عنه، وهذا المخوف إما غائب مجهول، وإما في بلد آخر، وإما أنه مما لا يسمع الكلام كشجرة العزى أو حجر كاللات ومناة، أو غير ذلك من المعبودات التي تعبد، ولولا أنهم يرجون نفعها ويخافون ضرها ما عبدوها وما قدموا لها.

    وذكر عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنه قال لما كان في الشرك: أرسلني أهلي بلبن وزبد للصنم، وكنت محتاجاً له، ولكن منعني خوف الآلهة أن آكل منها شيئاً، فجئت ووضعتها عنده، فجاء الثعلب فأكلها وشربها، ثم بال عليه.

    سبحان الله! كيف ينطلي على عقل الإنسان أن يخاف حجراً أو شجرة، ويقدم لها ما يقدم؟ وهكذا فعل بعض شباب الأنصار في أحد ساداتهم لما تأخر إسلامه، وهو عمرو بن الجموح حين كان له صنم، فكانوا يجتمعون في الليل، فيأتون الصنم وينكسونه على رأسه، ثم إذا جاء الصباح أخذه ومسح عنه الغبار، وقال: لو أعلم من صنع بك هذا لفعلت به كذا وكذا، وفي الليلة الأخرى جاءوا وألقوه في مزبلة منكساً، فجاء وغسله، وقال: لو أعلم من صنع بك هذا لفعلت به كذا وكذا، وفي الليلة التي تليها جاءوا ونكسوه وربطوا فيه كلباً ميتاً، ثم جاء ونظر إلى حالته وفكر في نفسه، قال: والله إنه لهين! ما قيمة هذا الإله الذي يربط به كلب، ويلقى في المزبلة في النجاسات والقاذورات؟! هل هذا يجوز أن يعبد؟! فانتبه وهداه الله جل وعلا.

    عقول سخيفة لعب عليها الشيطان، فصارت تخاف إما من ميت مقبور تحت الثرى، لا يستطيع أن يمتنع من الديدان التي تمزق بدنه، ولا يستطيع أن يضع من صحيفة سيئاته سيئة واحدة، ولا أن يضيف إلى صحيفة حسناته حسنة واحدة.

    فالحي أقدر منه على الاستغفار والعمل وغير ذلك، وأما ذاك فهو مرتهن بعمله، فكيف يرجى؟ وكيف يخاف؟ وكيف يتجه إليه؟ لولا أن الشيطان يلعب على الإنسان ويفسد عقله، ويأتيه بالأمور التي تكون عنده معظمة، مثل أن فلاناً وفلاناً يعمل هذا، وأن فلاناً عمل هذا وصار له كذا وصار له كذا، وهكذا الذين يعبدون الأولياء عمدتهم كلها خرافات، إما منامات يأتي بها الشيطان، أو حكايات مكذوبة لا أصل لها، أو توهمات يوهمهم إياها الشيطان.

    ولهذا يذكر الله جل وعلا أنه ليس لهم على ذلك من دليل ولا برهان.. بل الأدلة والبراهين على خلاف ذلك، والمقصود: أن خوف السر يعني به الخوف الغيبي، فهو يخاف منه وهو غائب عنه ليس حاضراً، إما أن يكون مدفوناً، أو لا يسمع، أو بعيداً في بلد آخر، أو أنه في بيته معلقاً عليه بابه ويخاف أنه يصيبه شيء إذا خالف معبوده، كما هو الواقع من المشركين قديماً وحديثاً، والشرك وإن اختلفت أساليبه وأسبابه فهو شيء واحد.

    1.   

    الخوف من أولياء الشيطان

    قال الشارح رحمه الله: [ وقال تعالى: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36]، وهذا هو الواقع من عباد القبور ونحوها من الأوثان، يخافونها ويخوفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها، وأمروا بإخلاص العبادة لله، وهذا ينافي التوحيد.

    الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفاً من بعض الناس، فهذا محرم، وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد ].

    أي: المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لأن كمال الإيمان نوعان: كمال واجب، وكمال مستحب.

    فالكمال المستحب قد لا يصل إليه أكثر الناس، ولكن الواجب يتعين على كل فرد أن يفعله، وهذا من الكمال الواجب، وإذا فقد الكمال الواجب صار الإنسان من أهل الكبائر، من أصحاب الكبائر المعرضين للعذاب.

    قال الشارح: [ وهذا هو سبب نزول هذه الآية، كما قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:173-175]، وفي الحديث: (إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر ألا تغيره؟ فيقول: رب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى).

    الثالث: الخوف الطبيعي: وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك، فهذا لا يذم، كما قال تعالى في قصة موسى عليه السلام: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21].

    ومعنى قوله: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)، أي: يخوفكم أولياءه، (فلا تخافوهم وخافون)، وهذا نهى من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمر لهم أن يقصروا خوفهم على الله، فلا يخافون إلا إياه، وهذا هو الإخلاص الذي أمر به عباده ورضيه منهم ].

    يعني: يخوفكم بأوليائه، وأولياؤه هم الكفار والفجار والعصاة، ومعنى ذلك: أنه يجعل لأوليائه في صدوركم مقاماً، ويعظمهم ويجلهم في نفوسكم، هكذا يوسوس الشيطان في الصدور والواقع خلاف ذلك.

    والواجب على الإنسان ألا يخاف إلا من ربه جل وعلا، وإذا خاف الله ولم يخف الناس كفاه الله جل وعلا الناس كلهم، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك بشيء، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك بشيء).

    معنى قوله: (وقالوا حسبنا الله ..)

    قوله جل وعلا: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]، الحسب: هو الكافي، يعني: أننا نكتفي بالله ونعتصم به، ونعم الكافي ونعم من يتوكل عليه؛ فإن من استكفى به وتوكل عليه لن يصل إليه عدو، ولن يضره شيء.

    أما الأقدار التي يقدرها الله جل وعلا على الإنسان فلابد من نفاذها وحصولها، ولكن لا يكون ذلك بسبب فعل الواجب الذي أوجبه الله أو اجتناب المحرم الذي حرمه الله، لكنه شيء أراده الله جل وعلا إما تمحيصاً للذنوب أو زيادة في الحسنات للمؤمن؛ فإذا أصيب المؤمن بأذى من عدوه؛ فلا يخلو: إما أن يكون ذلك رفعاً لدرجاته وزيادة في حسناته، أو تكفيراً لسيئاته وتمحيصاً لما صنع وفعل.

    وهو في كلا الحالتين على خير، ولا يكون المؤمن إلا على هذه الطريقة، فإن أصابته النعمة فهي من الله، وإن أصابه شيء من النقم فهو بسبب ذنوبه أو أيضاً نعمة: ترفع بها درجاته يوم القيامة ويزاد في حسناته.

    وقد جاء أن العبد يكون له الدرجة عند الله لا يصلها بعمله، فيبتليه الله جل وعلا بالمصائب؛ حتى يصل إليها بسبب ذلك.

    وجاء عن ابن عباس أنه قال: (قوله: (حسبنا الله ونعم الوكيل)؛ قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173].

    ومعنى ذلك: أن هذا قول أفضل الرسل، وكلاهما خليل لله جل وعلا: إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، والخلة هي غاية المحبة ونهايتها، وليس كما يقول بعض قاصري المعرفة: إن إبراهيم خليل الرحمن ومحمد حبيبه، وأن المحبة أبلغ. كلا هذا ليس بصحيح، بل الخلة أعلى وأجل، ولهذا كان يقول صلى الله عليه وسلم: (لو اتخذت منكم خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) يعني: نفسه صلوات الله وسلامه عليه، ومن كان خليله الرحمن جل وعلا لا يتخذ من الخلق خليلاً.

    قال الشارح: [ فإذا أخلصوا له الخوف وجميع العبادة أعطاهم ما يرجون، وأمنهم من مخاوف الدنيا والآخرة، قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36].

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن كيد عدو الله: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه لئلا يجاهدوهم، ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهانا أن نخافهم. قال: والمعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه.

    قال قتادة : يعظمهم في صدوركم، فكلما قوي إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان من قلبه، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم، فدلت هذه الآية: على أن إخلاص الخوف من شروط الإيمان].

    1.   

    إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18].

    أخبر تعالى: أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا بقلوبهم ].

    معلوم أن سورة التوبة من آخر ما نزل من القرآن، فإنها نزلت في غزوة تبوك في السنة التاسعة، وفيها ما هو متقدم نزوله، فبعض آياتها نزل متقدماً، وبعضها نزلت متأخرة، ثم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بوضعها في المكان المناسب، فالمشركون افتخروا بأنهم أهل البيت وأنهم عُمَّاره، أي: يقومون على صيانته ونظافته وإكرام من يثب إليهم، فيقولون: هذا أفضل من كونكم اتبعتم الرسول.

    فأخبر الله جل وعلا أن عمارة المسجد لا تحصل من المشرك، وإنما تحصل ممن آمن بالله واليوم الآخر، أما المشرك الكافر فعمله (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً فإذا جاءه لم يجده شيئاً)، أو: كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18] لا يقدر عليه، وإذا عمل شيء فإن الله يجعله هباءً منثوراً؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون العامل مؤمناً: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [طه:112]، أما إذا كان كافراً فأي عمل يعمله فإنه لا ينفع ولا يجدي؛ لأن الأساس فاسد.

    وكذلك يجب أن يكون العمل على وفق أمر الله، لا على هوى النفس، أو كونه وجد آباءه يعظمون هذا الشيء ويعملونه، فصار يعمله ويفتخر به، هذا لا يجدي شيئاً ولا ينفع.

    وأخبر جل وعلا أن الذي يعمر المساجد هو المؤمن، وعمارتها بالطاعة والتقوى، وبعبادة الله فيها بالتوحيد وإخلاص العمل له. هذه عمارتها.

    ولهذا كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم -في وقته- أعمدته جذوع النخل، وسقفه جريد النخل، وإذا جاء المطر يغرق المسجد، ثم يسجد الرسول صلى الله عليه وسلم على الماء والطين، ويصبح أثره في وجهه، وهو معمور أعظم العمارة؛ لأنه يعبد فيه الله جل وعلا، ويطاع ويمتثل أمره، وينتهى عن نهيه.

    إذاً: المقصود بعمارة المساجد: أن يطاع الله فيها، وتقام شعائر الدين، وينطلق منها الجهاد، أما المشركون فليسوا أهلاً لذلك، ولو قدر أنهم يبنونها، أو يقدمون نفعاً لمن يقصدها أو ما أشبه ذلك كما كانت قريش تفعل، فقد كانوا يسقون الحجيج، ويقدمون لهم الكسوة ويعملون في خدمتهم، ولذلك قالوا: إنهم أفضل من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآية نزلت لما افتخروا بذلك، وأخبر الله جل وعلا أن هذا لا يحصل منهم، وأنه ليس كما يقولون، وإنما عمارة المساجد تكون لمن آمن بالله واليوم الآخر، واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، وسواء كانت العمارة عمارة بالبناء وصيانة المساجد أو بالطاعة، فكلها مما يحبه الله ويأمر به، ولهذا جاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)، يعني وإن كان صغيراً يبني الله جل وعلا له بيتاً في الجنة، ومعلوم أنه من شرط العمل أن يكون خالصاً لله، وأن يكون على وفق سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. كل عمل لابد له من هذين الشرطين حتى ينفع، أما إذا دخل في العمل إرادة الدنيا أو وجوه الناس أو غير ذلك فهو لا ينفع ولا يفيد عند الله.

    فإذاً: العمارة تشمل عمارة المسجد بطاعة الله جل وعلا، وتشمل عمارته الفعلية بالبناء والصيانة، وهذه كلها من عمارة المساجد، وجاء في الحديث: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان)، أي: يتردد عليها لأداء العبادة لله جل وعلا فيها.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [ أخبر تعالى أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، وأخلصوا له الخشية دون من سواه، ثبت لهم عمارة المساجد بعد أن نفاها عن المشركين؛ لأن عمارة المساجد بالطاعة والعمل الصالح، والمشرك وإن عمل فعمله: كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور:39]، أو كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18]، وما كان كذلك فالعدم خير منه، فلا تكون المساجد عامرة إلا بالإيمان الذي معظمه التوحيد مع العمل الصالح الخالص من شوائب الشرك والبدع، وذلك كله داخل في مسمى الإيمان المطلق عند أهل السنة والجماعة ].

    إذا قيل: الإيمان المطلق فمعناه: الكامل، وإذا قيل مطلق الإيمان، فهو: الإيمان الناقص.

    فالكمال المطلق للإيمان المطلق، بمعني أنه يشمل جميع فعل الواجبات والمستحبات، وترك جميع المحرمات مع المكروهات، وهذا هو الصواب عند أهل السنة: بأنه لابد من القول باللسان، ولابد من عقيدة القلب -أعني: علم القلب ومعرفته- ولابد من عمل الجوارح.

    كل هذا من الإيمان، فالإيمان إذاً يكون مركباً من أمور ثلاثة: عمل اللسان الذي هو قول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ولا يكون الإنسان مؤمناً إلا بهذا، هذا مبدأ الإيمان.

    ثم لابد أن يعرف معنى هذه الكلمة، فيعتقد قلبه ما دلت عليه، ثم لابد أن ينبعث من القلب ما يدعوه إلى فعل الواجبات، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم وغير ذلك.

    أما أن يأتي بقول: (لا إله إلا الله)، ثم لا يصلي، ولا يزكي، ولا يصوم ولا يفعل شيئاً من الواجبات؛ فهذا لا يكون مؤمناً؛ أو أنه قال بلسانه، وقلبه يعتقد خلاف ذلك؛ فهذا يكون منافقاً، والمنافق يكون في الدرك الأسفل من النار.

    فمقصود الشرع في ذلك: أن يبين أن قول أهل البدع مثل قول المرجئة: إن الإيمان هو مجرد المعرفة، أو أنه قول اللسان فقط، باطل، أما الأول: فيلزم منه أن يكون الشيطان مؤمناً، لأن الشيطان يعلم ويعرف ربه، ولكنه كفر بعد المعرفة، فليست معرفة القلب كافية ولا نافعة إلا إذا وافق معرفة القلب العمل والقول، وأما الثاني: فيلزم منه إيمان المنافقين.

    فإذاً: الأعمال من الإيمان، والأعمال يدخل فيها قول اللسان من الشهادة ومن الذكر والتلاوة والتسبيح والتكبير، وأعمال الجوارح وجميع الأعمال، وكلها إيمان، ولهذا يقول جل وعلا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، والإيمان هنا المقصود به الصلاة التي صليت إلى الشام، لا يضيعها الله عليكم بل يجزيكم بها.

    قال الشارح: [ قوله: (ولم يخش إلا الله)، قال ابن عطية : يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه.

    وقال ابن القيم رحمه الله: الخوف عبودية القلب؛ فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب.

    قوله: فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18]، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (يقول: إن أولئك هم المهتدون، وكل (عسى) في القرآن فهي واجبة) ].

    السبب في هذا: أن (عسى) من أدوات الترجي، فعسى أن يكون كذا، يعني: يرجى أن يكون كذا، وهذا يكون لمن لا يعرف العواقب، أما رب العالمين جل وعلا فإنه لا يخفى عليه شيء، فإذا جاءت عسى في كلامه فمعناها أنها واقعة، ولهذا قالوا: عسى من الله واجبة، وعسى من الله حق، يعني إذا قال: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، فسوف يبعثه المقام المحمود، فهو خبر، وليست على بابها من الترجي؛ لأن الله جل وعلا يعلم ذلك ويخبر عما سيقع، إلا أن الكلام جاء على أسلوب العرب؛ لأنه بلغتهم، فخاطبهم بلغتهم التي يعرفونها، وقد علم المقصود.

    فالله جل وعلا يعلم ما يكون، وأنه سوف يكون على كذا وكذا، ولا يمكن أن يتجاوز علمه شيء، ولهذا يخبرنا جل وعلا عن الشيء الذي لا يكون لو كان كيف يكون، كما قال جل وعلا عن الكفار الذين في النار، حينما يتمنون، أنهم يقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام:27]، يقولون هذا وهم في النار، ليتنا نرد إلى الدنيا فنؤمن بآيات ربنا وبرسله، ونتقي ونعمل العمل الصالح، فماذا قال الله جل وعلا؟ قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، وهذا لن يحصل، ولكن لو قدر أنه يحصل فسوف يكونون على كفرهم السابق، فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، ولهذا السبب قالوا: إن (عسى) من الله واجبة.

    قال الشارح: [ وفي الحديث: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:18])، رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري ].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011797880

    عدد مرات الحفظ

    722216368