إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [72]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • زعم بعض القبوريين أن الشرك لا يقع في هذه الأمة، وقد رد عليهم أهل العلم بالأدلة القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والواقع أكبر شاهد على ذلك، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

    1.   

    مسائل باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

    قال المصنف رحمة الله عليه: [ فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء ].

    تفسير آية النساء

    سبق تفسيرها، وهذا واضح لا إشكال فيه.

    تفسير آية المائدة

    [ الثانية: تفسير آية المائدة ].

    كذلك آية المائدة يعني: قوله: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60] وتفسيرها واضح أيضاً وقد سبق.

    تفسير آية الكهف

    [ الثالثة: تفسير آية الكهف ].

    وآية الكهف هي قوله: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، وتقدم أن هذا لا يدل على المشروعية؛ لأنه خبر يراد به ذمهم.

    حقيقة معنى الإيمان بالجبت والطاغوت

    [ المسألة الرابعة وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟ وهل هو اعتقاد قلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ ].

    يقصد أنه هو الأخير؛ لأن الدليل على هذا أن أهل الكتاب كـحيي بن أخطب وكعب بن الأشرف يعرفون أن الشرك من أعظم الذنوب، ويعيبون على المشركين؛ لأنهم أهل علم وكتاب، ولكن حملهم الحسد وبغض الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يوافقوا المشركين في الظاهر فقط، لما قالوا لهم: أينا خير وأفضل أنحن أم محمد؟ قالوا لهم: ما هي الأوصاف التي تتصفون بها أنتم وهو؟ قالوا: نحن ننحر الإبل، ونفك العاني، ونسقي اللبن على الماء، ونقوم بخدمة الحجيج، ومحمد قطع أرحامنا، وجاء بما لا نعرف، فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً.

    وكل من يعلم أخبار الناس وعلم التاريخ وما هم عليه يعرف يقيناً أن كلامهم هذا كذب وباطل، وأنهم لا يعتقدونه، وأنهم قالوا ذلك مجرد موافقة، وحملهم على ذلك بغض الرسول صلى الله عليه وسلم وحسدهم له فقط؛ ولهذا آمنوا بالجبت والطاغوت، وهل هو مجرد الموافقة أو إيمان قلوبهم؟ قد عرف أنه ليس إيمان قلوبهم وإنما هو مجرد موافقتهم على ذلك، بغضاً للحق وكراهيةً له.

    فإذا وجد هذا من إنسان يوافق أهل الباطل لأنه يبغض الحق ويكره أصحابه فإنه يكون له هذا الحكم.

    قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلاً من المؤمنين

    [الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلاً من المؤمنين ].

    المسألة التي قالها اليهود من الأشياء التي كفرهم الله جل وعلا بها، ومعلوم أنه يكفي في كفر هؤلاء أنهم ردوا ما جاء به الرسول حسداً، ولم يتابعوه مع أنهم يعلمون أنه رسول الله، فقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فكيف يردونه مع هذه المعرفة؟

    بل قال عبد الله بن سلام : ( والله إننا لنعرفه أكثر من معرفتنا لأبنائنا؛ لأن أحدنا يخرج من بيته فلا يدري ماذا صنعت زوجته، أما هو فعندنا العلم اليقيني أنه رسول الله) يعني: أكثر من معرفتهم لأبنائهم، ومع هذا كله الذين آمنوا به من هؤلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، والبقية كلهم كفروا به صلوات الله وسلامه عليه؛ حسداً وبغضاً للحق، لماذا؟ لأنه فقط ليس منهم؛ ولأنه من ولد إسماعيل، لماذا لم يكن من ولد يعقوب؟ كأنهم يريدون أن يحجروا فضل الله ولا يتعدى إلى غيرهم، وهكذا الحسد يعمل عمله في الإنسان حتى يحمله أن يختار الكفر على الإيمان، نقول: هذا وحده كاف في كفرهم، كيف إذا انضاف إلى ذلك تفضيل الشرك وأهله على التوحيد وأهله؟

    تفضيل بعض الظالمين الكفر على الإيمان

    [السادسة: وهي المقصود بالترجمة: أن هذا لابد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد ].

    يعني: أن تفضيل الكفار ودينهم على المسلمين ودينهم سيوجد في هذه الأمة، وليس معنى ذلك: أنه في هذه الأمة هم هم، هذا يوجد في طوائفنا، والدليل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، فقالوا: اليهود والنصارى -يعني: أتقصد اليهود والنصارى-؟ قال: نعم)، وفي رواية: (فمن؟) وفي رواية: (فمن الناس إلا أولئك) يعني: هم المقصود، فلابد أن يقع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كما سبق لا يدل على جواز ذلك، ولا يدل على إقراره، وإنما هذا خبر يراد به التحذير من الوقوع في ذلك، وأخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حكم قدري حكم الله جل وعلا به وقدره، فلابد من وقوعه، فيحذر أمته أن تفعل ذلك وتقع فيه، هذا هو المقصود.

    التصريح بوقوع عبادة الأوثان في هذه الأمة

    [السابعة: التصريح بوقوعها، أعني: عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة ].

    كما جاء نصه في حديث ثوبان : (حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد قبائل من أمتي الأوثان)هذا نص صريح، وهذا فيه الرد على من يعبدون الأولياء والقبور وغيرها ويقولون: نحن نقول: لا إله إلا الله، ومن قال: لا إله إلا الله فهو في الجنة، يأتون بمتناقضات، يقولون: لا إله إلا الله وهم لا يعرفون معناها، ولا يعملون بما دلت عليه، فوقعوا في التناقض، ويستدلون بأشياء مجرد شبه، فيتمسكون بها ويقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، ويغفلون عن المعنى، فمعنى لا إله إلا الله: أن يكون القائل لها معبوده الله وحده، يعني: لا يتوجه بالعبادة والتعلق والرجاء والخوف إلا إلى الله جل وعلا وحده.

    وكذلك يقولون: إنه جاء في الحديث: (إن الشيطان أيس أن يعبد في جزيرة العرب) وسبق أن معنى هذا: أن الشيطان أيس أن يعود أهل الجزيرة كما كانوا في الجاهلية، ولكن هذا لا ينافي أنه يقع منهم شرك كما صح في الأحاديث الصحيحة: (إنها لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) وذو الخلصة صنم في الجزيرة في بلاد دوس، يعني: تطوف النساء عابدةً لها، فهذا لا يخالف ما ذكر، فيجب على الإنسان أن يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال قولاً فإنه لا يخالف قولاً له آخر قد يتصور الذي ليس عنده علم أنه خلاف هذا، فأقواله كلها تتفق صلوات الله وسلامه عليه، كلها يصدق بعضها البعض وهذا الواجب، كذلك قول الله جل وعلا، ولكن قد يخفى المعنى على بعض الناس، فإذا خفى المعنى يجب أن يسأل من يعلم، وألا يتهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه متناقض، أو يأخذ ما يوافق هواه، أو يوافق الوضع الذي هو عليه، فإنه ليس هذا شأن المؤمن، شأن المؤمن أن يبحث عن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم فيعمل به، ومراد الله جل وعلا فيعمل به، فيعلم أن الدين لله وحده، فهو لا يأمر بعبادة أحد من الخلق؛ لأن هذا الأصل الذي جاءت به الرسل كلها، فإذا قال قائل: إن هذا يجوز؛ دل على أنه إما جاهل وإما متبع لهواه ومذهبه.

    خروج من يدعي النبوة مع تكلمه بالشهادتين

    [ الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه: أن محمداً خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة فتبعه فئام كثيرة ].

    هذا ليس عجيباً في قدرة الله، وهذا المخلوق فيه من العجائب الشيء الذي إذا نظر الإنسان فيه عرف أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، واستدل بذلك على قدرته الظاهرة، وأنه يأتي بالمتناقضات والأمور التي تظهر لمن له بصر أنها آيات لله جل وعلا، هذا شيء.

    الشيء الثاني: أن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، فلا يمتنع أن يكون الإنسان عالماً بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم يزيغ قلبه ويعبد غير الله، أو يترك دين الله نهائياً ويعبد الدنيا، أو يعبد معنى من المعاني.

    والمختار بن أبي عبيد أراد الرئاسة، وصارت الرئاسة هي مقصده ومعبوده، وزين له الشيطان أن أقرب شيء إلى التمسك به؛ أن يزعم أنه يأتيه الوحي، وأن جبريل يأتيه، ولما أسمع أحد الصحابة أنه يزعم أن جبريل يأتيه أو أن الوحي يأتيه قال: صدق، يأتيه الوحي ولكن وحي الشيطان؛ ولهذا كان يأتي بأشياء قد تلتبس على بعض من لا يميز، فكل مدع دعوى لابد له من شبهة ولو حيلة من الحيل التي يستعملها أمام من تنطلي عليه حيل البشر، وهذا كثير وكثير، وكون الإنسان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله لابد أن يكون مؤمناً بكتاب الله، ومؤمناً بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا لا يفيده، وكتاب الله يبين أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ومعنى الخاتم: أنه ختم الأنبياء به، وليس بعده نبي، فهذه الشهادة لابد منها، وكذلك إخباره أنه آخر الأنبياء ولا نبي بعده، وأن على أمته تقوم الساعة، وأن أمته آخر الأمم، هذا أمر ضروري، فكل مسلم لابد أن يعتقد هذا، فكيف يأتي إنسان مؤمن يقول: لا إله إلا الله ويزعم أنه أوحي إليه؟! هذا تناقض، وكيف يصدق المتناقض في الأصل العظيم؟ ولكن للعبرة والاعتبار، فالإنسان عليه أن يسأل ربه الثبات دائماً، ولا يثق بعلمه وقوته وقدرته على كل شيء، والقلب أمره سهل، فقد ينقلب القلب، فبدل ما كان مستقيماً صار منتكساً، ولهذا في الدعاء المشروع: ( اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ).

    أما إذا كان الحق والباطل ملتبساً على الإنسان فإنه لابد أن يضل، فالأمر بيد الله.

    على الإنسان أن يلهج بذلك دائماً، ويسأل الله جل وعلا أن يريه الحق ويثبته عليه، وإلا لا يستطيع أن يعرف الحق بقوته، ويسير عليه بقوته إن لم يثبته الله جل وعلا، ويمن عليه بالثبات، هذا هو الأصل في ذلك، وإذا خذل الإنسان وإن كان عالماً ضل ، وكم من عالم وصل إلى مستوىً رفيع في العلم انحرف وأصبح ملحداً وزنديقاً يكفر بالله جل وعلا بعد العلم، وبعد العبادة، وبعد مضي الوقت في الجد والاجتهاد! خذل في آخر الأمر! وبالعكس قد يكون الإنسان ملحداً كافراً ثم يمن الله جل وعلا عليه ويهديه في آخر حياته، ويعرف ويبصر بعد العمى.

    البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية

    [التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة ].

    الحق في هذه الأمة -والحمد لله- سيبقى إلى قيام الساعة، فلا يزول مثل ما زالت الأديان الأخرى كالنصرانية واليهودية، ولما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان على وجه الأرض رجل أو جماعة على ما جاءت به الأنبياء إلا ربما واحد أو اثنان في بلاد مختلفة أو ثلاثة أفراد، ولهذا جاء في مسند أبي يعلى وغيره: أن الرسول صلى الله عليه وسلم التقى بـزيد بن عمرو بن نفيل فقال: ما لقومك قلوك وآذوك؟ قال: والله ما نقصتهم بمال، ولا خالفتهم في أمر إلا أني أعيب عليهم دينهم؛ لأنه صار يعبد الله، ولكن بأي شيء يبحث عن الدين؟ وذكر أنه ذهب إلى المدينة وسأل اليهود عن ملة إبراهيم؟ فقالوا: هنا لا يوجد، وربما تجده في الشام، فذهب إلى الشام وسأل: هل يوجد؟ فدل على رجل في الجزيرة يعني: في العراق، فذهب إلى العراق، وكل هذا التعب والجهد ليبحث عن دين لله يتمسك به؛ لأنه رأى أن الشرك ليس شيئاً، وإنما هو بلاء،فلما جاء إلى هذا الرجل قال: الدين الذي تبحث عنه وراءك في بلدك، سيأتي يوم يدين بلدك كله بهذا الدين الذي تقول، يقول: هأنا أنتظر ما رأيت أحداً، وهذا الخطاب يقوله للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا قبل البعثة، ثم بعد ذلك مات قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهذا يدلنا على أن الأديان الأخرى لا يبقى عليها جماعات وإن بقي الواحد الفرد، وفي صحيح مسلم : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) يعني: عدد بسيط من أهل الكتاب على الحق؛ لأنهم كلهم على الباطل، فهذه الخاصية لهذه الأمة فضل تفضل الله جل وعلا بها عليهم، وهو أن الحق يبقى.

    ومن المعلوم أن الزمن الذي بين عيسى عليه السلام وبين نبينا صلى الله عليه وسلم قرابة ستمائة سنة فقط، ومع ذلك ذهب الأمر، الآن منذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ألف وأربعمائة سنة وزيادة، والأمر أيضاً أكثر من هذا، وسيبقى الدين إلى أن تقوم الساعة، وهذا الدين -والحمد لله- يوجد عليه من يتمسك به ومن يعرفه ويعمل به ويدعو إليه؛ لأن هذا هو الوصف الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن هذه الطائفة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

    والذي يكون على الحق لابد أن يكون بنفسه ملتزماً بالحق، وأن يدعو إليه، يدعو إلى الحق ويبينه، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ومعلوم أن هذه الأمة أفضل الأمم، أما قول الله جل وعلا في بني إسرائيل: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16] فالمقصود كما يقول المفسرون: فضلوا على عالم زمانهم، أما هذه الأمة فهي أفضل منهم.

    أهل الحق مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم

    [ المسألة العاشرة: الآية العظمى، أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ].

    هذا كما سيأتي في كلام العلماء: أنه لا يلزم دائماً أن يكونوا قلة، فقد يكونون في وقت قلة، ويكونون في وقت آخر كثرة، وهي آية ظاهرة، فإذا كانوا قلة ما يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.

    أما الخذلان فيصدر ممن يرى أنهم على الحق ويوافقهم، فيخذلونهم ولا ينصرونهم عادة.

    وأما المخالفة فلمن يعاديهم ويكون على غير دينهم وعقيدتهم، وكلا الأمرين لا يضر، لا الخاذل ولا المخالف، ومعنى الضرر: يجب أن يفسر بما قلنا: أنهم يتمسكون بدينهم ويبقون عليه حتى الموت، والضرر الذي يجب أن يكون ضرراً هو انحراف الإنسان عن دينه، أما كونه يناله أذى ولو إلى حد القتل فهذا ليس ضرراً حقيقياً، بل قد يكون خيراً له.

    أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة

    [ الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة ].

    قيام الساعة أي: ساعتهم كما في حديث عبد الله بن عمرو ، وساعتهم بهبوب الريح التي تأتي ومسها مس الحرير، وريحها ريح المسك، فتأخذ المؤمنين من آباطهم، كل من كان في قلبه إيمان تأخذهم فيموتون منها، أما غيرهم فلا، فيبقى الناس بعدهم وتقوم عليهم الساعة، والساعة تقوم على شرار الخلق، كما جاء في الحديث: (ويبقى معهم الذين يتخذون القبور مساجد) يعني: شرار الخلق الذين يتخذون القبور مساجد.

    الآيات العظيمة التي ذكرت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم

    [ الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة، منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال ].

    وإخباره بأنه قال: (فرأيت مشارقها ومغاربها) ما قال: رأيت جنوبها وشمالها، فصار الأمر كما أخبر، صار امتداد الأمة وملكها شرقاً وغرباً.

    أما الجنوب معروف أنه ما عدا جزيرة العرب، وملك أمته ما عدا جزيرة العرب لم يجاوزها جنوباً.

    والشمال كذلك ما تعدى وسط آسيا الصغرى إلا فيما بعد امتد قليلاً، فبقيت أوروبا لم يأتها الإسلام التي هي في الشمال، ولن يتمكن المسلمون من ذلك؛ لأن الخبر قال: (زوي لي مشارقها ومغاربها)، أما الشرق فوصل إلى الصين، وهو شيء يتعجب منه الإنسان كيف وصل الصحابة إلى تلك الأماكن؟!

    وأما الغرب فكذلك وصلوا إلى البحر فحال بينهم وبين ماوراءه، ولهذا قال أحد القواد لما وصل إلى البحر الأطلسي فخاضه بفرسه: والله لو أعلم أن خلفك من يقاتل في سبيل الله لتجشمت ذلك، يعتقد أن هذا آخر الدنيا ما وراء ذلك شيء من الأرض.

    [ وإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة ].

    قد سبق أن إجابته: ألا يهلكهم بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وأنه أعطي هاتين الدعوتين، وأما الثالثة فمنع وهي: أن يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، وإذا وجد ذلك يجوز أن يسلط عليهم غيرهم.

    وأما كونه زويت له الأرض ورآها، فهذا سبق أن معناه: أنها جمعت له فصار ينظر إلى البعيد مثل القريب، ينظر إلى الشيء الذي سيصل إليه ملك أمته، وأما الكنزان فالمقصود بهما كما سبق: كنز كسرى، وكنز قيصر، وكسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وهذا اسم لكل ملك، كما أن فرعون اسم لكل من ملك مصر في الكفر، وكذلك النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، وليس اسم علم وإنما هو جنس، فوقع ذلك في زمن الصحابة على أناس معينين لم يكن لهم بعد ذلك دولة.

    [ وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة ].

    هذه كلها أعلام من أعلام النبوة يعني: دلائل على صدقه، وعلى أنه نبي من الله يخبر بالوحي كالذي يوحيه الله جل وعلا له.

    [ وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة، وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحد منها من أبعد ما يكون في العقول ].

    نعم، كون الصحابة على قلة عددهم يستولون على الدول العظيمة الكبيرة دولة الفرس، وفي ظرف خمسة وعشرين سنة فقط أو أقل من ذلك يستولون عليها نهائياً، ويزول ملكهم نهائياً، ويصبح ملكهم للمسلمين مع أنهم قلة، والصحابة قلة في عددهم وعدتهم، فهذا آية من آيات الله؛ ولهذا لا يزال الكفار يدرسون هذا الوضع كيف حصل؛لأنهم لا يرون إلا الأمور المادية، فيحللونها ويدرسونها على أنها أمور عسكرية يدبرونها، وليس الأمر كذلك، هذا من الله جل وعلا، والصحابة عرفوا ذلك وقالوا: نحن لا نقاتل الناس بقوتنا ولا بعددنا؛ إنما نقاتل بإيماننا، الآيات ظاهرة وباهرة، وهذا حتى في أول الأمر ومبدؤه، فالجيش الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم بقيادة زيد بن حارثة وعين عليه الأمراء، وقال: إن قتل فـجعفر ، وإن قتل فـعبد الله بن رواحة ، فقتل كل الذين سماهم، وكان عددهم ثلاثة آلاف فقط، والجيش الذي قابلهم من المؤرخين من يقول: هم ثلاثمائة ألف، ومنهم من قال: كانوا مائتي ألف، مائة من الروم، ومائة من نصارى العرب، وأقل ما قاله المؤرخون: أنهم مائة وخمسون ألفاً، وهذا على أقل قول يقابل ثلاثة آلاف، ثم ما استطاع هؤلاء أن يستولوا عليهم، بل انتصروا، فكل فريق عرض عن الثاني بعدما جهد، يعني: ما استطاعوا أن يستولوا على المسلمين، فالنصر ليس بكثرة العدد، وإنما هو بيد الله جل وعلا، وهذا كثير جداً، كذلك وقعة القادسية وغيرها آيات باهرة، آيات من الله جل وعلا.

    فالمقصود أن هذا من أبعد ما يكون في العقول يعني: الذي ينظر في الواقع ويقيس الأمور المشتبهة على نظائرها وينظر إلى الماديات يرى أن هذا بعيد.

    وكذلك إخباره بأن الله زوى له الأرض، وأن ملك أمته يصل إلى الصين، ويصل إلى أقصى المغرب وغير ذلك، ولو نظر العاقل فيها بمجرد عقله استبعدها جداً، ولما أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله عليهم آمنوا بها كما أخبر، وما صار عندهم في ذلك تردد.

    حصر الخوف على أمة محمد من الأئمة المضلين

    [الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين ].

    الأئمة المضلون سبق أنهم ثلاثة أقسام: علماء وعباد وقادة؛ لأن هؤلاء هم الناس الذين يقتدى بهم، أما بقية الناس فهم تبع لهم؛ فلهذا إذا صلح العلماء والأمراء فالناس كلهم يصلحون تبعاً، وهذا هو الواقع في الناس، فإذا ضل العلماء كان في ضلالهم ضلال الخلق كله نسأل الله العافية؛ لأنه يقتدى بهم، وكذلك العباد لأنه ينظر إليهم ويرى أنهم على الحق، ويحسبهم الناس قدوة.

    التنبيه على معنى عبادة الأوثان

    [ الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان ]

    الوثن: كل ما عبد من دون الله سواءً كان على طريقة الجاهلية أو غيرها، فقد تتغير الأحوال، ويصبح الوثن على وضع آخر، فينبغي أن يعلم ذلك، وكل ما جعل له نصيب من العبادة فهو وثن، سواءً كان مكاناً أو كان قبراً أو كان شخصاً أو غير ذلك، فيكون وثناً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3048346099

    عدد مرات الحفظ

    738678655