إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [67]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سد النبي صلى الله عليه وسلم كل طريق يوصل إلى الشرك، ومن ذلك أنه نهى أن يجعل قبره عيداً، وأخبر بأن السلام عليه يصله حيث كان المُسلِّم.

    1.   

    حديث: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات ].

    هذا الحديث من أدلة حمايته صلوات الله وسلامه عليه لجناب التوحيد حتى لا يخدش أو ينال بشيء يكدر صفوه، وحتى لا تكون العبادة فيها شيء لغير الله، قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني) هذه الكلمات فيها إرشاد للأمة، وفيها حماية لعبادة الله جل وعلا، وصيانة لحق الله جل وعلا، ورأفة بالمؤمنين، ورحمة منه صلوات الله وسلامه عليه.

    وقوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) ليس المعنى: لا تقبروا الموتى في بيوتكم، هذا غير مقصود؛ لأن هذا ما أحد يعمله، لا أحد يجعل بيته مقبرة؛ لأن الإنسان إذا مات عنده الميت يضيق به ذرعاً، ويود بكل سرعة أن يخرجه من بيته، ويذهب به إلى المقابر، هذا شيء معروف عند الناس كلهم، وإنما المقصود: لا تعطلوا بيوتكم من الصلاة والذكر والتلاوة والعبادة، فتكون مثل المقبرة، وهذا يدلنا على أنه متقرر عند المسلمين من أول الأمر أن المقابر ليست محلاً للعبادات؛ ولهذا قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) يعني: لا تجعلوها شبيهة بالقبور؛ ولهذا جاء في الحديث الثاني: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإن الشيطان يفر من البيت الذي تتلى فيه سورة البقرة)، فدل على أنه قصد بقوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) تعطيلها من العبادة، لا تعطلوها من العبادة، وذلك أن القبور معطلة من العبادة، ما يتعبد أحد عندها، وليست محلاً لأن يعبد الله جل وعلا فيها، ومن فيها مرتهن ما يستطيع أن يعبد الله، ما يستطيع أن يستغفر، ما يستطيع أن يتوب، ما يستطيع أن يكتسب حسنة واحدة، أو يتوب عن سيئة واحدة؛ لأن الأعمال ختم عليها بالموت، إذا مات الإنسان انقطع عمله، أما ما جاء في صحيح مسلم أنه استثني من ذلك ثلاث، فالواقع أن الثلاث من عمله، يقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فهذه من عمله في الواقع، الصدقة الجارية من عمله، وسميت جارية على حسب الوضع وإلا فلابد أن تنقطع في يوم من الأيام، ولكنها تستمر وقتاً ما ثم تنقطع.

    أما العلم الذي ينتفع به فيقصد به التعليم، إذا كان يعلم الناس الخير بالنية الصالحة والقصد الحسن، لا أن يعلم الناس ويريد أن يثنوا عليه أو يحبوه ويمدحوه، فإن كانت هذه صفته فبئس الحالة حالته، فهو مأزور، ولا يكون له أجر، فضلاً عن أن يجري عليه هذا العمل، وكذلك إذا أبقى بعده علماً مكتوباً ينتفع به إذا كانت نيته صالحة أراد به وجه الله جل وعلا، وأراد الدعوة إليه، وبيان الحق، ونفع العباد، فهذا ينتفع بهذا العلم، أما إذا أراد النقود من كتب العلم، يريد أن يحصل الدنيا فليس له إلا ما حصل، وليس له إلا ما دخل في جيبه فقط، أما الذي يجرى عليه فهو أن يعذب نسأل الله العافية؛ لأن الذي يريد بالأعمال الصالحة عرضاً دنيوياً ليس له إلا النار، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول من تسجر بهم النار ثلاثة: شهيد ومتصدق ومتعلم أو قال: عالم، فيؤتى بالشهيد فيقرر بنعم الله جل وعلا فيقر بها، فيقول الله جل وعلا له: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب! بذلت نفسي في سبيلك حتى قتلت، فيقول الله جل وعلا له: كذبت، بذلت نفسك ليقال: شجاع، جريء، وقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب إلى النار) ما صار له من جهاده ومن قتله وإراقة دمه إلا قول الناس: هذا شجاع، هذا جريء، هذا مقدام، هذا فيه كذا وكذا، يعني: أجره المدح فقط، أما في الآخرة فهو من الخاسرين نسأل الله العافية، وذلك لأنه قصد الترفع على الناس، هذا قصده؛ لأنه إذا أثني عليه ومدح صار فوق الناس في ذلك.

    (ويؤتى بالمتصدق ويقرر بنعم الله فيقرر بها) ومعنى يقرر أن تذكر له، ألم يخلقك الله ولم تكن شيئاً؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم يجعل لك سمعاً وبصراً وعقلاً؟ فيقول: بلى يا رب، ألم يفضلك على كثير من خلقه؟ فيقول: بلى يا رب، ألم ينعم عليك بالنعم من الأرزاق؟ألم يزوجك؟ ألم يجعل لك أولاداً؟ إلى غير ذلك من النعم، فيقر بها ولا يستطيع أن ينكر، ويقول: بلى يا رب، عند ذلك يقول: (ماذا صنعت؟ -يعني: ماذا عملت مقابل هذه النعم؟ -فيقول: يا رب! ما تركت باباً من أبواب الخير إلا أنفقت الأموال في سبيلك ابتغاء وجهك، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، تبعاً لقول الله جل وعلا، ولكنك تصدقت ليقال: هو جواد، هو كريم، وقد قيل -يعني: قد أخذت أجرك من قول الناس - فيؤمر به فيسحب إلى النار.

    ويؤتى بالعالم أو المتعلم، فيقرر بنعم الله فيقر بها، فيقول الله جل وعلا: ماذا صنعت فيها؟ فيقول: يا رب! تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقول الله جل وعلا: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم، وقد قيل -يعني: قد أخذت أجرك واستوفيته- فيسحب إلى جهنم)، هؤلاء أول من تسجر بهم جهنم.

    وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن

    يلقى في جهنم قبل عباد الوثن نسأل الله العافية، وهو مسلم في الظاهر، بل عالم في الظاهر، فهكذا إذا كان الإنسان ترك علماً أو ترك صدقة جارية فإنه متوقف على نيته وقصده ومراده وإخلاصه، إن كان قصده صالحاً ونيته طيبة مخلصاً لله فليبشر بالخير، وإن كان العمل قليلاً، فإن الله جل وعلا يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ يعني: مثقال الذرة (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40] .

    إذا بقي للإنسان من الحسنات بعد المحاصة والمقاصة والموازنة مثقال ذرة ضاعفها الله جل وعلا له وأدخله بها الجنة.

    إذاً: ليس الاهتمام بالكثرة، وإنما الاهتمام بالصفة، بالإخلاص، بالمقاصد، أن تكون نيته ومقصده لله جل وعلا، وأن يكون عمله موافقاً لسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، هذا هو أهم ما لدى الإنسان، فعلى هذا نقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أمر منه صلى الله عليه وسلم بأن نجعل شيئاً من عبادتنا في البيوت، من الصلاة، ومن الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وغير ذلك، ولا يجوز أن يكون البيت محلاً لمأوى الشياطين نسأل الله العافية، والغناء، والصور، والأمور التي ترضي الشيطان، وتغضب رب العالمين، فإنه إذا كان كذلك فإنه يكون مأوى للشياطين، ولهذا يكثر تلبس الجن بكثير من الناس لأجل تعطيلهم ذكر الله جل وعلا، ولأجل كونهم لا يتلون آيات الله؛ ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: (فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، فلا يمكن أن يدخل فيه، بل يهرب منه، فتلاوة القرآن تطرد الشياطين؛ ولهذا الأمر قال صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي: لا تعطلوها من التلاوة ومن الصلاة ومن الذكر فتكون مثل القبور.

    قوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً)

    قوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) وهذا أيضاً نهي أن نجعل قبره عيداً، والعيد اسم لما يعود ويتكرر من الوقت أو من الفعل أو المكان، إذا جعل الناس مكاناً معيناً ليفعل فيه أشياء معينة، فهذا المكان يكون عيداً، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في السنن لما جاء الرجل الذي نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا، قال: فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) ، فقوله: (هل كان فيها عيد من أعيادهم؟) يعني: هل كانوا يعودون إلى هذا المكان لصنع أشياء معينة من أعمالهم، فهذا يدل على أن المكان قد يسمى عيداً، وكذلك بعود الفعل يكون عيداً أو بعود الوقت والزمن وتكراره.

    النهي عن التردد إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم

    قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تجعلوا قبري عيداً) يعني: لا تترددوا على قبري، وهنا لم يذكر لا سلاماً ولا غيره مطلقاً؛ ولهذا قال: (وصلوا علي أينما كنتم) يعني: أنه لا داعي لأن تذهبوا إلى القبر وتصلون علي هناك، بل في أي مكان صليتم علي (فإن صلاتكم تبلغني)، فهو المبلغ صلوات الله وسلامه عليه الصلاة، الصلاة التي يصليها عليه المسلم تبلغه، سواء كان المصلي عليه بعيداً وقريباً؛ ولهذا فإن الترداد على القبر ممنوع مفهوماً ونصاً، فالنص في قوله: (لا تجعلوا قبري عيداً)، والمفهوم في قوله: (فإن صلاتكم تبلغني) بعد قوله: (وصلوا علي أينما كنتم) فدل على أنه لا داعي للذهاب إلى السلام عليه عند قبره صلوات الله وسلامه عليه، فإنك أينما صليت عليه في أي مكان كنت فإن الصلاة تبلغه صلوات الله وسلامه عليه، يعني: أنها تعرض عليه، هذا معنى تبلغه، تعرض عليه ويقال له صلى الله عليه وسلم: فلان يصلي عليك أو فلان يسلم عليك.

    ومن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة صلى الله عليه بها عشراً، فهي حسنة بعشر أمثالها، بل من أفضل الحسنات الصلاة عليه، فهذا حماية منه صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، حتى لا يجر الشيطان من كان عنده ضعف إيمان أو ضعف علم فيدعوه إلى أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم، وهذا ممنوع، وربما إذا وصل إلى هذا الحد دعاه إلى أن يتجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه بأن يشفع له، فيقول: يا رسول الله اشفع لي أو أعطني كذا، أو أنا جئت إليك أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك مما يقع لكثير من الناس، فهذا شرك؛ لأنه دعوة للرسول صلى الله عليه وسلم بالشيء الذي يجب أن يكون لله جل وعلا، وكل هذا نفاه صلى الله عليه وسلم، وحمى الأمة من أن تقع فيه بهذا الحديث وأمثاله.

    ومن الجهل ما يقع من بعض الناس إذا علم أن صاحبه أو قريبه أو من يعرفه سيذهب إلى المدينة قال: سلم لي على رسول صلى الله عليه وسلم، وربما كتب كتاباً وقال: ضعه عند قبره، فهذا عمل باطل، وهو خلاف ما جاء به المصطفى، وكل ما كان خلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد على صاحبه كما قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فهذا ليس عليه أمره، وأمره صلى الله عليه وسلم واضح وجلي قد بينه، ويجب أن يعلم، فتبين بهذا أن هذا كله صيانة لحق الله جل وعلا أن ينتهك، ورحمة بالأمة أن تقع في العنت ومواقع العذاب الذي يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فصلوات الله وسلامه عليه الذي نصح الأمة وأدى الأمانة، وقام بكل ما وجب عليه للأمة، بل وأكثر من ذلك رأفة بهم ورحمة.

    الحث على النوافل في البيوت

    قال الشارح: [قوله : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) قال شيخ الإسلام : أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة ].

    ليس معنى ذلك أنه خص البيوت بالتعبد، وإنما حث على أن يجعل فيها شيء من العبادة، والمقصود بالعبادة هنا النوافل، أما الفرائض فيجب على المسلم أن يؤديها في المساجد حيث ينادى لها، ولا تكون في البيت، وإنما الذي يكون في البيت النوافل، والمسلم مطلوب منه أن يتزود من الخير، والذي يقتصر على الفرائض فقط على خطر؛ لأن الإنسان يعتريه النسيان، ويعتريه التقصير، ويعتريه الجهل، تعتريه نواقص كثيرة جداً، وقد جاءت النصوص بأن الإنسان يوم القيامة تكمل فرائضه من النوافل والتطوعات، جاء في الحديث أن أول ما يحاسب عليه الإنسان صلاته، فإذا نقص منها شيء قيل: انظروا هل له تطوع؟ فيكمل من التطوع، وهذا من فضل الله جل وعلا وإحسانه، وإلا له الحق بألا يقبل التطوع إذا نقص الفرض؛ لأن الفرض يجب أن يؤتى به على الوجه المطلوب، فإن لم يأت به على الوجه المطلوب فقد قصر الإنسان، فالصلاة والذكر والتلاوة وغيرها من العبادة إذا كانت تطوعاً ففعلها في البيت أفضل، حتى وإن كان الإنسان في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي الصلاة فيه بألف صلاة، فربما ركعة في البيت تساوي ركعات كثيرة في المسجد لماذا؟ لأنه في البيت يكون وحده، ويأمن نظر الناس الذي قد يدعوه إلى تزيين الصلاة وتطويلها وتحسينها فيكون ذلك لغير الله، ويكون العمل مردوداً، أما في بيته فهو يأمن هذا، لأجل هذا حث الشرع على الصلاة في البيوت صلاة التطوع، وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن تكون صلاة التطوع في البيوت، فعلى هذا لا يكون تناقض أو تضارب بين قوله: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة) وبين حثه وأمره على الصلاة في البيوت؛ لأن الصلاة في البيت وإن لم تكن الركعة بألف ركعة تكون أفضل من حيث الصفة من الإخلاص، ومقصد الإنسان، وبعده عن المراءاة، من هذه النواحي، والعبرة بالصفة وبالكيفية وليست بالكمية.

    والله جل وعلا ينظر إلى القلوب، أما الصور الظاهرة فهذه لا تجزي بشيء، فهذا هو الذي اقتضى الحث على العبادة في البيوت، ثم لا يجوز للإنسان أن يكون بيته معطلاً من ذكر الله ومن تلاوة القرآن، ومن المعلوم أن أكثر البيوت الآن فيها من المزامير والأغاني والصور والمسلسلات، وغير ذلك من أمور كثيرة داعية إلى المعاصي، والنظر إلى كثير منها معصية، فهي من دواعي حضور الشياطين إليها؛ لأن الشيطان يحب المعاصي ويحضرها، فينبغي أن يقاوم المسلم هذا الشيء، وربما كانت المقاومة ضعيفة، ولكن إذا كان الإنسان عنده إيمان وعنده إخلاص طرد الشياطين بإذن الله.

    المسلم مبارك أينما كان

    يجب على المسلم أن يكون مباركاً أينما كان، وإذا حل في أي مكان نفع، هذا هو المبارك، إذا كنت عند أهلك نفعت، وإذا كنت في السوق نفعت، إذا كنت في مسيرك نفعت، والنفع هو الدعوة إلى الله جل وعلا، والتذكير بآيات الله، وبالرجوع إليه، فإننا سائرون، نحن نسير في الطريق سيراً حثيثاً أعظم من سير الطائرة، فكل لحظة تقربنا إلى المقبرة، فضلاً عن اليوم والليلة والشهر والسنة، وما أسرع ما يقال: فلان مات، ثم إذا مت من يصلي لك؟ من يتصدق عنك؟ من يصوم عنك؟ انتهت القضية، لا يوجد عمر يعود مرة أخرى، وعندها يقول: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] فيقال له: (كَلَّا) كلا، لا رجوع، انتهت القضية، كم جاءك من النذر ومن الآيات ولكنك لم تتعظ، وتستبعد هذا؟ فيندم حين لا ينفع الندم، وينبغي للإنسان أن يتنبه ما دام بإمكانه أن يتنبه ويعمل، ولا يقول: أنا صحيح، وأنا شاب، ربما اغتبط بشبابه ثم يموت وهو شاب ، وهذا كثير، فيجب أن يحذر الإنسان وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، فاحذروا احذروا أن تقعوا في المعاصي ثم يموت الإنسان بإثر معصية -نسأل الله العافية- فيلقى ربه وهو عليه غضبان، فماذا يكون مصيره؟

    إذا كنت مثلاً عند الملك، يعرفك، ويغدق عليك بالنعم، ويعطيك ما تريد وأكثر مما تريد، ثم بعد ذلك تعصيه معصية بارزة ظاهرة وهو يراك ويشاهدك، فتفر منه؛ لأنه سيعاقبك، ثم بعد ذلك تمسك مكبلاً، ويؤتى بك على رغم أنفك، ماذا تكون حالتك؟ هذا تقريب فقط، وإلا فالله جل وعلا يقول: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50]، فإنه لا يعذب عذابه جل وعلا أحد.

    1.   

    فضل سورة البقرة

    قال المصنف: [ وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعاً : (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً) وفي صحيح مسلم عن ابن عمر مرفوعاً : (لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ) ].

    خص سورة البقرة لما فيها من الأحكام والآيات والصفات العظيمة، ولأنها أطول سورة في المصحف، فهي (286) آية، مع أن فيها آيات طويلة، فأطول آية في القرآن فيها، وأعظم آية في القرآن فيها، وفيها ألف أمر، وألف نهي، وفيها أشياء عظيمة جداً؛ ولهذا كان الصحابة يعظمونها، وإذا كانوا في معركة حامية وحصل ارتباك صار ينادي بعضهم بعضاً: يا أهل سورة البقرة! يا أهل سورة البقرة! يذكر بعضهم بعضاً بهذه السورة العظيمة، فلهذا الشيطان يفر منها.

    وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن المسلمين جمعوا صدقة الفطر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عادتهم أن يجمعوا الصدقة عند الرسول صلى الله عليه وسلم فيفرقها، فجمعت في المسجد، لا يوجد خزائن وأبواب ووزراء، فجعل أبا هريرة حارساً لها، وهي تمر، ومعروف أن أهل المدينة أكثر طعامهم التمر، فاجتمع كوم من التمر من صدقة الفطر، فأمر أبا هريرة أن يحرسها في الليل، وبينما هو يحرس جاء رجل فصار يحثو من التمر في حجره فأمسكه، فقال: ما لك؟ لأرفعنك إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني، والله! إني فقير، وعندي عيال، والصدقة هذه للفقراء، قال: فرحمته، وتركته، وذهب.

    وفي الليلة الثانية أتى فصار يحثو فقلت: هذه ثاني ليلة تأتي! فقال: دعني فإني فقير وعندي عيال، وأنا ذو حاجة، قال: فرحمته وتركته، ولما غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما فعل أسيرك يا أبا هريرة ؟ فقلت: يا رسول الله! زعم أنه ذو حاجة وأنه فقير وعليه عيال فرحمته وتركته، فقال: أما إنه سيعود، قال: فعلمت أنه سيعود، فجاء وصار يحثو فأمسكته وقلت: هذه ثالث ليلة، والله! لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني أنا فقير وذو عيال، ودعني أعلمك شيئاً ينفعك الله به، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال: نعم، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقربك شيطان، ولا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح، قال: فلما غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما صنع أسيرك يا أبا هريرة ؟ فقلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني شيئاً ينفعني فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يقربك شيطان، ولا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح، فقال: (صدقك وهو كذوب، أتدري من تخاطب منذ ثلاث؟ قلت: لا، يا رسول الله! قال: ذلك الشيطان)، لماذا أتى الشيطان يأخذ تمراً؟

    لم يستطع أن ينقص الصحابة بشيء من أديانهم، فهذه آخر حيلة له، يريد أن ينقصهم من التمر فقط، وهذا أمر سهل، وكيده أضعف الكيد، والمقصود قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (صدقك وهو كذوب) يعني: أن الإنسان إذا أوى إلى فراشه وقرأ آية الكرسي فإنه لا يقربه شيطان تلك الليلة، ولا يزال عليه من الله حافظ حتى يصبح، وهذا أمر سهل، وآية الكرسي في سورة البقرة، فكيف بالذي يقرؤها كلها؟

    جاء في بعض الآثار: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة فإن الله يحفظه من كل سوء، وإذا مات مات مغفوراً له، والعشر الآيات ثلاث من أولها، وواحدة من وسطها: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، وآية الكرسي وآيتان بعدها، وثلاث من آخرها: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284]، وبعدها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285] وقد صح أن (من قرأ الآيتين الأخيرتين منها في ليلته كفتاه)، من قرأ: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] حتى يختم السورة في ليلة كفتاه، قيل: كفتاه عن قيام الليل، والصواب أن معنى (كفتاه) أي: أن الله يحفظه بهاتين الآيتين.

    وفضائل سورة البقرة كثيرة جداً، وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن كلام الله يتفاضل، فبعضه أفضل من بعض، وهذا الذي عليه أئمة السلف، أن كلام الله بعضه أفضل من بعض، وكذلك صفاته جل وعلا، وأسماؤه كذلك بعضها أفضل من بعض، حسب ما تدل عليه من المعاني والجوامع، فالحي القيوم يجمع معاني الأسماء كلها، الحي يجمع معاني أسماء الذات كلها، والقيوم يجمع معاني أسماء الأفعال كلها، وهما في سورة البقرة.

    1.   

    النهي عن جعل القبر عيداً

    قال الشارح: [ قوله : (ولا تجعلوا قبري عيداً) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائداً إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك.

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة وغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيداً للحنفاء ومثابة للناس ].

    المثابة الرجوع، وهو بمعنى العيد، ثاب يثوب، ثاب مرة بعد أخرى، يعني: أن الإنسان إذا ذهب إلى مكة يعود مرة أخرى، ويجد في نفسه دافعاً يدفعه، وحادياً يحدوه إلى أن يعود مرة أخرى، وكل إنسان إذا جاء وقت الحج وكان عنده إيمان ومحبة للخير؛ تجد في قلبه ما يدعوه إلى ذلك، ويحن إلى هذه الأماكن، ويقال: إن هذا أثر دعوة إبراهيم عليه السلام: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم:37] فإن الله استجاب له هذه الدعوة، ويقول بعض العلماء: لولا أنه قال: من الناس لكان هذا عام شامل لجميع الخلق، فتجد الخلق كلهم يريدون المجيء إلى مكة.

    فالمقصود أن معنى المثابة هو بمعنى العيد، فهم يثوبون بمعنى: يرجعون مرة بعد أخرى، ويكررون ذلك، ولو لم يكن من رجل واحد ولكن من الجميع.

    قال الشارح: [ كما جعل أيام العيد فيها عيداً، وكان للمشركين أعياد زمنية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم من أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر ].

    الواقع أن أعياد الجاهلية زادت الآن وكثرت، من قبل كانت أقل، أعياد الجاهلية التي كانت قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست كثيرة مثل أعياد الجاهلية اليوم، فجاهلية اليوم لا تحصى أعيادها، عيد مولد، وعيد شجرة، وعيد أم، وعيد أمة، وعيد اعتلاء العرش، وعيد وطن، وعيد كذا، تجد أعياداً كثيرة جداً، وكلها بدع وضلالة، وكلها مخالفة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فإن الله عوضكم عن أعياد الجاهلية بعيد الفطر والأضحى)، ليس للمسلمين إلا هذين العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى. الأسبوع له عيد وهو الجمعة، ولكن العيد لا يعطل فيه العمل كما يتصور بعض الناس، فإن الله أمرنا بالسعي في يوم الجمعة لطلب الرزق، يقول الله: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الجمعة:10]، ولكنه عيد بمعنى أنه فيه عمل صالح، وفيه اجتماع على عمل صالح، هذا معنى كونه عيد الأسبوع، فيه اجتماع في بيت من بيوت الله على عمل صالح، وليس معنى ذلك ترك الأعمال.

    أما الأعياد الأخرى -وإن زعم أن فيها منفعة- فالواجب أن يكون المسلم مكتفياً بما في تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس فيها شيء فيه تقصير أبداً، النفع كله موجود في تعاليم الإسلام، وكل ما يزعم في هذه الأعياد من منافع ففي تعاليم الإسلام أكثر منه وأعظم، ولكن ليس على ذلك الوجه، بل على وجه يرضي الله جل وعلا ويرضي رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أما البدع فإنها ترضي الشيطان، وتبعد عن الله، وتجعل العمل لا خير فيه ولا بركة فيه، ولا جدوى فيه في الآخرة، بل هو ممحوق البركة.

    قال الشارح: [ قوله (وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيداً.

    قوله : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) تقدم كلام شيخ الإسلام في معنى الحديث قبله. انتهى ].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011119589

    عدد مرات الحفظ

    722091004