إسلام ويب

دعاة في البيوتللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن أهمية البيوت وحاجة الإنسان إليها واهتمام الإسلام بها، وحرمة الدخول إليها بغير إذن وحرمة النظر إليها، والوصية بالجار، وجعل النافلة فيها، ثم تحدث عن أهمية الدعوة إلى البيوت وأنها أثر للصحوة الإسلامية. ثم تحدث عن ثلاثة واجبات في البيوت وهي: أولاً: القيام بمصالح الأهل وإثبات الشخصية. ثانياً: التوعية والإرشاد والتعليم. ثالثاً: المراقبة والمحاسبة.

    1.   

    أهمية البيت في الإسلام

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...وبعد:

    لقد كنت ألاحظ وأنا في كلية الشريعة وأصول الدين في القصيم، نخبة من الطلاب هم من خيرة الطلاب، لا تفارق البسمة شفاههم، والسرور يبدو على محياهم، والحب يغمر قلوبهم، فكنت أجد هؤلاء الشباب حين أسأل عنهم في كثير من الأحيان من هذه المنطقة المباركة، وكنت أظن هؤلاء نخبة قد اختاروا هذا الطريق، فلما أتيت إلى هذه المنطقة هذا العام، وفي العام الماضي ومن قبله، وجدت أن هذا الأمر الذي لاحظته على أولئك النخبة من الشباب البررة الأخيار الأطهار، وجدته وضعاً عاماً لدى السالكين إلى الله، والمستقيمين على صراطه في هذه الأرض، فهنيئاً لهذه المنطقة بأهلها من المؤمنين الصادقين، المحبين للخير، المجتمعين عليه، الفرحين بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    أحبتي! هذه المحاضرة عنوانها: (دعاة في البيوت) وأعتقد أن موضوع هذه المحاضرة من أخطر الموضوعات التي يجب أن يتحدث عنها الخطباء والمحاضرون، ويجب أن يستمع إليها الناس من كافة الطبقات، وذلك بسبب أن كل أسرة -في الدنيا كلها- لابد أن يكون لها بيت يئويها، وهذا البيت الذي تأوي إليه الأسرة يحوي جميع شرائح المجتمع، ففيه الأبوان، والأولاد، والصغار من الأطفال، وفيه الذكور وفيه الإناث، فهو عبارة عن مؤسسة متكاملة، وهذه المؤسسة في النهاية: هي التي تكِّون المجتمع الأكبر.

    ومن جهة أخرى، فإننا نجد أن كثيراً من المجتمعات، قد تفتقد بعض المؤسسات، فهناك مجتمعات -مثلاً- قد لا يوجد فيها مدارس، وهناك مجتمعات أخرى قد لا يوجد فيها أماكن العمل ومؤسسات العمل، وهناك مجتمعات أخرى قد لا تجد فيها الأصدقاء والقرناء، بل هناك مجتمعات كثيرة قد لا يوجد فيها حتى المسجد، وحتى المجتمعات الإسلامية مر عليها وقتٌ من الأوقات لم يكن يوجد فيها مساجد بصورة كافية، ففي مكة -مثلاً- لم يكن يوجد في أول عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، إلا المسجد الحرام فقط، وكان تحت قبضة قريش وسطوتها، حتى كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً محيطة بها، وكان المسلمون لا يستطيعون أن يؤدوا عباداتهم، ولا أن يقرءوا القرآن في ذلك المكان الطاهر الأمين المبارك.

    لكن البيت، هات لي منذ وجدت الدنيا إلى اليوم مجتمعاً لا توجد فيه البيوت التي تأوي إليها الأسر، بغض النظر عن كون هذا المجتمع مسلماً أو كافراً، غنياً أو فقيراً، كبيراً أو صغيراً، فالأسرة تأوي إلى بيت، والبيت موجود في كل مجتمع.

    ألا تعتقدون أن مؤسسة بهذا الانتشار، وبهذه السعة، وبهذا الشمول، جديرة وحقيقة منا بأن نخصص لها جزءاً من وقتنا للحديث عنها؟ بلى.

    نجد أن الإسلام منذ نـزل كتابه الأول -القرآن الكريم- نجد أن قضية عناية الإسلام بالبيت كمؤسسة مثلاً، خذ على سبيل المثال بعض التشريعات الإسلامية المتعلقة بالبيت -ليس طبعاً هذا موضع الحديث لكن هذه أمثلة فقط لبيان أهمية البيت في الإسلام-:

    تحريم دخول البيت إلا بإذن أهله

    مثلاً تحريم دخول المنـزل إلا بإذن أهله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] معنى تستأنسوا: أي تستأذنوا، السلام عليكم، أأدخل؟ السلام عليكم، أأدخل؟ السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن لك وإلا فارجع، فلا يجوز للإنسان أن يدخل بيت أحد إلا بعد الاستئذان، فإن أذن له وإلا رجع، ومن أجل هذا فرض الاستئذان لحماية البيوت، وبيان كرامتها.

    تحريم النظر إلى البيوت

    بل الأمر أشد من ذلك، حتى مجرد النظر حرمه الإسلام، ففي يوم من الأيام، كما في الصحيح: {كان الرسول عليه الصلاة والسلام في غرفته، وكان معه مشط يمشط به رأسه عليه الصلاة والسلام، فنظر رجل من خلل الباب، نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال لو علمت أنك تنظر لضربت بها عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر} حتى عندما تجد الباب مفتوحاً، أو النافذة مفتوحة، أو يكون بيتك أرفع من بيت الجيران، يحرم عليك حينئذ أن تنظر في داخل البيت، لأن للبيوت كرامة وحرمه، حتى بمجرد النظر إليها، فإن هذا ممنوع، بل بلغ من عناية الإسلام بهذا الأمر، أنه لو أن إنساناً نظر في بيتك، وتيقنت هذا، ففقأت عينه، فعينه هدر، لا قيمة لها؛ لأنه قد أهدر كرامتها حين استخدمها فيما لا يجوز وما لا يسوغ، وقد سمح لبصره أن يتسلل إلى بيوت الآخرين، لأن بيوت الناس فيها عورات محفوظة مصونة، ومن أجل ذلك وضع الإسلام هذا السياج.

    حقوق الجيران

    قضية الجيران: التشريعات الإسلامية كثيرة في حقوق الجار، والجار هو جارك في المنـزل الذي إلى جوارك، فله حقوق حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح: {مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه} إلى هذا الحد كثرت الوصايا بالجار، حتى توقع الرسول عليه السلام أن الأمر يؤول إلى أن الجار سيرث مثلما يرث الأخ والابن، ومثلما يرث الزوج وترث الزوجة.

    جعل النافلة في البيت

    ومن ذلك -أيضاً- تجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يأمر أصحابه ويأمر المؤمنين بأن يصلوا في بيوتهم -أحياناً- صلاة النافلة، ففي الصحيحين عن ابن عمر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً} يعني صلّ في البيت، حتى قال عليه الصلاة والسلام، في الحديث الآخر: {أفضل صلاة الرجل في بيته، إلا المكتوبة} فالنوافل يستحب أن يؤديها الإنسان في المنـزل لأسباب:

    أولاً: أنه أبعد عن الرياء.

    ثانياً: حتى يراك أهل البيت فيقتدون بك في عملك، وعبادتك، كيف تصلي، وكيف تركع، وكيف تسجد.

    ثالثاً: وحتى تطرد الشياطين عن هذه المنازل؛ بذكر الله تعالى فيها، وإقام الصلاة، فإن هذه البيوت إذا أقيمت فيها الصلاة أصبحت تشبه المساجد، لكن إذا تركت الصلاة فيها، فإنها تصبح كالقبور التي لا تجوز الصلاة فيها، فتشبه القبور من هذه الناحية، فما بالك إذا تحولت البيوت إلى أماكن للفساد وللرذيلة وللانحلال وأصبح فيها قنوات كثيرة، ونوافذ كثيرة، توصل إلى البيت ورياح الفساد، رياح الانحلال، فحينئذٍ تصبح ليست كالقبور، فالقبور ليس فيها هذا، بل تصبح أشبه ما تكون بالمواخير، وأماكن الفساد، وبيوت الحرام.

    1.   

    توجيه الدعوة إلى البيوت

    إخوتي الكرام: الإسلام جعل للبيوت هذه الكرامة، وهذه المكانة، ومن ذلك وجوب التوجه إلى البيوت بالدعوة إلى الله تعالى، ولو نجحنا في إقناع الناس بالاهتمام ببيوتهم، وتوجيه الدعوة إليها، فإننا سنجد أمراً عجيباً.

    إخوتي الكرام: إن أكبر دولة، وأقوى دولة، وأغنى دولة، لو أرادت أن تجند دعاة لأي مذهب أو لمبدأ الإسلام أو أي دين آخر، ولو مبدأ آخر، ممكن أن تجند ألف أو ألفين أو ثلاثة آلاف داعية، خذ على سبيل المثال: هذا البلد الذي نحن فيه الآن: لو أردنا تجنيد دعاة على أحسن الأحوال -وهذا أمر أعتبره ضرباً من الخيال لكن جدلاً- ممكن أن تجند ثلاثمائة داعية في هذا البلد، وهذا أمر كلكم توافقون على أنه ضرب من الوهم، لكن لنفرض هذا جدلاً، لكن ما الذي يحدث لو استطعنا أن نقنع كل شاب، وكل إنسان متدين، بأن يقوم بدور الدعوة في منـزله؟ الذي يحدث أننا جندنا ألوفاً من الشباب، يقوموا بمهمة الدعوة، فهذا أمر، وهو بدون مرتب -أيضاً- بل أجر من الله تعالى.

    الأمر الآخر: لو أنك جندت دعاة يستطيعون أن يقتحموا البيوت، فالداعية يخاطب الناس في المسجد، أو في المركز، أو في النادي، لكن لا يستطيع أن يقتحم بيوت الناس ليخاطبهم وهم في قعر بيوتهم، ولو فرض جدلاً أن الداعية استطاع أن يقتحم بيوت الناس، فإنه لا يملك من وسائل التأثير والقوة ما يملكه الشاب، أو تملكه الفتاة في بيتها، ففي البيت أنت عنصر من عناصر تكوين المنـزل، فهذا أبوك، وهذه أمك، وهذا أخوك، وهذه أختك، وهذه زوجتك، وهذا طفلك وولدك، فأنت ترتبط معهم بوشائج وروابط من ارتباط العائلة، والأسرة، والنسب، والمعرفة، والتاريخ، قوية وكبيرة تستطيع من خلالها أن تفعل في هذا البيت مالا يستطيع أن يفعله غيرك بحال من الأحوال.

    إخوتي الكرام: ومن يتصور أن أي مسلم في الدنيا، ينتظر أن يأتي داعية يدخل بيته؛ ليصلح أخته، أو زوجته، أو أمه، أو أباه، هذا لا يتصور بحال من الأحوال.

    الصحوة الإسلامية

    إخوتي الكرام: اليوم -ولله الحمد- نحن نجد إقبال الناس على الإسلام بشكل غريب، منقطع النظير، سرت له قلوب المؤمنين، وفرحت وأشرقت، وأصبح حديثاً على ألسنتهم، كمال قال الأول:

    أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره     هو المسك ما كررته يتضوع

    فنحن كل ما تحدثنا عن قضية الصحوة، والإقبال على الإسلام نفرح؛ لأننا نتكلم عن واقع شاهدناه، نتكلم ونعلن انتصار الإسلام في هذا الزمان على يد أولئك القوم الذين آمنوا بربهم، وزادهم الله تعالى هدى، أما أعداء هذا الدين، وأعداء هذه الصحوة، فهم يتحدثون حديث المسعور: الذي فوجئ بما لم يكن له في حساب، حتى أصبحت مراكز القوة الغربية، تصدر التقارير بعد التقارير عن أخطار هذه الصحوة، وأهمية وكيفية مواجهتها.

    هذه الصحوة المباركة الكبيرة، لا شك أنك تجد لدى نفوس الكثير من شبابها آمال وتطلعات عريضة كبيرة، أي شاب تجده يقول: أطمع في انتصار الإسلام، وأن ترفع راية الإسلام خفاقة في كل الأرض، وأن يطرد اليهود من فلسطين، ومن أفغانستان، وأن تعود بلاد الإسلام المنكوبة المسلوبة، وأن نسر بتحكيم الإسلام في أنفسنا ودمائنا وأموالنا وأعراضنا، وأن يقوم الإسلام من جديد، كما قام أول مرة، ويكتسح الدول الكافرة، كما وعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وهذه لا شك آمال، وطموحات، وتطلعات، عزيزة في نفس كل إنسان، ومهما كان الأمر لا تجد مسلماً إلا ويخطر في باله هذا الأمر، حتى كان أحد الشعراء يتكلم على لسان الجميع، حين قال، وهو يرى الظلمات تتكاثف من حول المسلمين:

    سنصدع هذا الليل يوماً ونلتقي     مع الفجر يمحو كل داج وغاسق

    ونمضي على الأيام عزماً مسدداً     ونبلغ ما نرجوه رغم العوائق

    ونصنع بالإسلام دنياً كريمة      وننشر نور الله في كل شارق

    فهو يتكلم بلسان الجميع.

    البيت هو الخطوة الأولى

    لكن السؤال المهم: ما هي الخطوة الأولى لهذا الهدف الكبير؟ هدف بناء الإسلام، وإقامة الإسلام، ونشر الإسلام في الدنيا كلها، ما هي الخطوة الأولى؟

    وهناك مثل صيني يقول: رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، فما هي الخطوة الواحدة؟

    أقول: الخطوة الواحدة، بعد إيجاد الداعية: هي البيت، ومن المؤسف أن تجد بعض الشباب، وبعض الفتيات الذين يطمعون في تغيير الدنيا -كل الدنيا- عاجزين عن تغيير بيوتهم، فمن عجز عن حمل هذه الأمانة القليلة، كيف يستطيع أن يحمل الأمانة العظمى؟ هذا لا يكون.

    ولذلك نجد أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانت تنفعل نفوسهم بأحلام، وتطلعات انتصار الإسلام، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسلمان، وبلال، وعمار، وصهيب، يوم كانوا في مكة تحت التعذيب، والإيذاء، والتكذيب، والسخرية، كانوا يتوقعون ذلك اليوم الذي ترفع فيه كلمة لا إله إلا الله، ولذلك صبروا وصابروا؛ حتى رزقهم الله تعالى النصر، ومكَّن لهم في الأرض.

    فكانوا يعرفون أن انتصار الإسلام يمر من خلال بيوتهم، ولذلك خذ أبا بكر -مثلاً- أبو بكر من أولاده؟! أولاد أبي بكر في ضمن قافلة الإسلام، حيث كانوا من المؤمنين بالرسول صلى الله عليه وسلم، والمجاهدين في سبيل الله، وأنتم تعرفون دور أبنائه في قضية الهجرة وبناته أيضاً، وخذ عمر لما أسلم، عمر أولاده من أكبرهم، وأكثرهم شهرة؟ عبد الله بن عمر الذي رُشِّح للخلافة رضي الله عنه بعد عهد الخلفاء الراشدين، وعلي بن أبي طالب أولاده الحسن والحسين، وأمثالهم من المؤمنين الصالحين الذين أراقوا دمائهم طاهرة زكية؛ لترتفع لا إله إلا الله، وخذ الزبير من أولاده؟ عبد الله بن الزبير، وأمثاله من الرجال الصالحين الصادقين الذين تربوا على الإسلام، وضحوا في سبيل الإسلام، وهكذا بقية البيوت -بيوتات الصحابة- كان كل بيت محضن للتربية، كل واحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم خرج لنا مجموعة من الشباب المؤمنين المجاهدين، ومن خلال هذه الأعداد التي تخرجت من البيوت تكون جيش الإسلام، وتحقق انتصار الإسلام، وجاء وعد الله تعالى بالنصر والتمكين.

    1.   

    واجباتنا في البيوت

    أيها الأحبة: ثلاث واجبات أساسية أريد أن أقف عندها هي واجباتنا في البيوت.

    القيام بمصالح أهل البيت

    أما الواجب الأول فهو: أن يحرص الشاب الداعية، بل والفتاة على أن يقوموا بمصالح أهل البيت، المصالح والاحتياجات الدنيوية، وذلك من أجل تحقيق مكاسب عديدة في نفس الوقت -فمثلاً- حين يوجد شاب صالح في البيت، لا يتصور أن يصبح هذا الشاب، إما مع مجموعة من زملائه ذاهباً أو آيباً في رحلة، أو في مركز، أو في حلقة علم، أو في مدرسة، وإما أن يكون في عمله الخاص يقرأ في كتاب، أو يحفظ، أو يسمع شريطاً، أو نائماً، وليس له دور في البيت، فمن يشتري الحاجيات، من يذهب بالأهل إلى هنا أو هناك من الأمور التي لا بد لهم منها؟ من يقوم بهذه الوليمة التي عندنا الليلة؟ من يستقبل الضيوف؟ من يودعهم؟ من يستقبل فلان في المطار؟ من يذهب بفلان للمطار؟ هذا الشاب يقول: والله ليس عندي وقت، وأنا مشغول!! فتخلى هذا الشاب عن دوره، وبالتالي جاء دور غيره، جاء دور الشاب المنحرف، فقد يكون هناك شاب آخر أخ له منحرف ينافسه، فأصبح هذا الشاب المنحرف هو الذي يقوم بكل الاحتياجات والمتطلبات، وبالتالي أصبح الشاب المنحرف هو القيم الحقيقي على البيت، وهو الشخصية المؤثرة، وهو الشخص المقبول، فكلامه مؤثر، وأمره نافذ، ونهيه مطاع، لا يعصى له أمر ولا إشارة، لأن له كلمة وله تأثير في البيت، لكن الشاب الطيب ليس له وزن؟ لأنه لا ينفعهم بشيء.

    وهذا واقع في عدد من البيوت، ولا أقول: إنه ظاهرة موجودة، لا؛ لكنه موجود إلى حد ما في عدد غير قليل من بيوت بعض الشباب الصالحين.

    وأحياناً: يكون الشاب الصالح ترك البيت ليس لأخ آخر، بل قد يكون تركه للسائق والخادم، فالسائق يذهب بالبنات إلى المدرسة، ويذهب بهن إلى السوق، وقد يجلس معهن في السيارة وفي السوق ساعات طويلة، وإلى المدرسة، ومن المدرسة، وإلى المطار ومن المطار، وإلى آخره، فيكون الشاب ترك حاجيات البيت ومتطلباته، ليس لأخ آخر قد يكون منحرفاً، أو فاسقاً، بل للخادم والسائق، ونحوهم فهذا من الأخطاء التي يقع فيها بعض الشباب الطيبين.

    1- أعذار الشباب والفتيات:

    والذي يتوجب على الشاب أن يصون أهل بيته عن كثرة الذهاب، والإياب، بأن يقوم هو بقسط من هذا الواجب، خذ مثلاً: لهم حاجة في السوق، تذهب أنت لتأتي بهذه الحاجة، غير معقول أن تقول لأخواتك:لا أريد أن تذهبوا إلى السوق فإذا قالوا لك: لكن اذهب أنت لتأتي بحاجياتنا، يقول: لا والله أنا مشغول.

    فدعونا نحلل كلمة مشغول، فقد جاء إلىَّ أحد الشباب يشتكي إلى أمراً كهذا، فقلت له: بارك الله فيك، اعرض عليَّ وقتك، وما هو برنامجك؟ قال: من الساعة الثامنة إلى الثانية عشرة أجلس للقراءة في الكتب، قلت له: جيد؛ متي تصلي الفجر؟ قال: الساعة الرابعة. قلت: كم بين الساعة الرابعة والساعة الثامنة؟ أربع ساعات، ماذا تصنع بها؟! نائم على فراشك، هذا لا يكون، ليس البيت -بارك الله فيك- فندقاً تأوي إليه؛ لتنام وتأكل وتشرب، ثم تصبح إمبراطوراً يصدر الأوامر هنا وهناك: لا تخرجوا، لا تدخلوا، لا تذهبوا، وتريد أن تطاع، في الوقت الذي لم تقدم أنت فيه البديل الصالح، فإذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع، ومن ذلك أن تبذل من وقتك وجهدك ما يحقق لأهل البيت متطلباتهم، فتخصص جزءاً من وقتك للذهاب بالأهل إلى بعض الحاجيات، وأن تقوم بنفسك بتلبية بعض المطالب التي يحتاجون إليها، وبعض الشباب يعتبر هذا مضيعة للوقت.

    ونفس الكلام بالنسبة لبعض الأخوات الطيبات -بعض الفتيات المتدينات- تجد أنها إذا أتيتها في شغل البيت -أعمال البيت التي يحتاج إليها- لا تقوم بها، تقول: أنا والله مشغولة، وأريد أن أقرأ قرآن وأسبح وأهلل وأصلي لله عز وجل، وأحيناً تخرج في الدعوة إلى الله تبارك تعالى، وبالتالي تجد الفتاة تسأل كيف أؤثر في البيت؟! وكيف أعمل؟! البيت فيه تلفاز، وفيه فيديو، وفيه خادمة، وفيه سائق، وتأتي بالسلسلة، ويأتي الشاب -أيضاً- بسلسلة من المنكرات الموجودة في البيت، يتساءل كيف أقضي عليها؟!

    يا إخوة: القضاء على المنكرات وإصلاح أحوال البيوت، يـبدأ أولاً: بأن يبني الشاب، وتبني الفتاة مكانته في المنـزل، عن طريق الخدمات التي تقدمها شخصياً لأهل المنـزل، فلا تكن صفراً على الشمال، فلا تعرف إلا في حالات معينة، بل أثبت وجودك وشخصيتك، من خلال القيام بالأعمال التي يحتاجون إليها، حتى الأعمال الدنيوية لابد أن تشارك فيها بصورة جيدة.

    2- الهروب من واقع البيت:

    وبعض الشباب -بصراحة- وإذا أردنا أن نضع النقاط على الحروف، يعانون حالة هروب من المنـزل، كيف حالة هروب؟! يعاني حالة هروب لأن هذا الشاب لما صحا واستقام وهداه الله عز وجل، وجد البيت مليء بكثيرٍ من المنكرات -كما أسلفت- فوجد أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ماذا أفعل؟ حاول ينتزع نفسه من هذا المنـزل، أين تذهب بارك الله فيك؟ قال: إلى أفغانستان، وهذا جيد، فالجهاد في أفغانستان من أعظم صور الجهاد التي تحققت للمسلمين في هذا العصر، ويعجبني أن بعض الشباب في سؤال وجهوه لي بالأمس سموها أرض الكرامة، وهذا اسم أطلق على لسان عدد من الدعاة والمصلحين. وفعلاً، هي أرض الكرامة.

    أفغانستان رفعت رءوسنا عالية، وأفغانستان هي رقم واحد في تقديري في الجهاد الإسلامي، الحقيقي الذي حقق الله تعالى به للمسلمين ما لم يتحقق في غيره، وهذا لا جدال فيه، لكن فرق بين أن أذهب هارباً من وضع أعيشه في المنـزل، وبين أن أذهب بطوعي واختياري.

    أحدهم يقول: عجزت عن أهل البيت، والله أنا أريد أن أخرج من المنـزل، وأصدقكم الحديث، وبعض الشباب صارحوني بهذا، حتى إن أحدهم كتب لي رسالة طويلة، ومن ضمن الرسالة يقول لي بالحرف الواحد، بعدما ذكر مشكلة طويلة قال: وأقول لك بصراحة: لقد حاولت الانتحار!! هكذا يقول ولكن بصورة شرعية، كيف؟ حاولت أن أذهب إلى أفغانستان، وأنا لا أوافقه على هذا، فهذه شهادة في سبيل الله إن كتبت له، وقتل مقبلاً غير مدبر، وكانت نيته صالحة، فلا شك أنها -إن شاء الله- شهادة، نرجو له بها الخير والنجاة عند الله تعالى يوم القيامة، ونسأل الله أن يكتب للمسلمين في أفغانستان وغيرها النصر.

    لسنا مع مثل هذا الشاب، لكن أنا أحدثكم عن مشاعر بعض هؤلاء الشباب، ولذلك ربما بعضهم، عندما يذهب إلى هناك لا يقوم بالواجب المنتظر منه، لأنه لم يكن يقصد فعلاً أن يحقق للإسلام نصراً، وأن يشارك في الجهاد، وإنما كان قصده أن ينـتزع نفسه من بيت لا يطيق البقاء فيه، وبعضهم قد يهرب بصورة أخرى، فينتقل ليدرس في بلد آخر، أو ينتقل ليسكن في بيت آخر، أو ما أشبه ذلك، والمهم أن بعض الشباب يعيشون حالة هروب -مما يدلك على أنه فعلاً مجرد هارب من البيت- وأنك قد تجد بعض الشباب يذهبون إلى أماكن كثيرة، بدون إذن أبويهم، بما في ذلك الذهاب للجهاد، وينسون حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الصحيح: {أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد} والرجل الآخر كما في الحديث الصحيح أيضاً لما جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: {ألك أم؟ قال: نعم. قال: الزم قدمها فثم الجنة} فإذا كنا نريد الجنة، فمن أقرب الطرق إلى الجنة أن تلزم قدم الأم، ولذلك من القصص العجيبة -القصة ربما تعرفونها- رجل كان في عهد عمر رضي الله عنه خرج إلى الجهاد وترك والديه، وما كان لهم غيره، فخرج في الغزو، فكان أبوه يبكي الليل والنهار على ولده، وكان اسم الولد كِلاب، فكان يبكي الليل والنهار، ويقول:

    ألا من مبلغ عني كلابا     كتاب الله لو عقل الكتابا

    تركت أباك مرعشة يداه     وأمك لا تسيغ لها شرابا

    فكان عمر يسمعه مرة بعد أخرى، وفي أحد المرات هذا الرجل بدأ يتكلم على عمر نفسه ويقول:

    سأستعدي على الفاروق رباً      له دفع الحجيج إلى بساط

    يعني سوف أشكو عمر إلى الله تعالى، لأنه كان سبباً في ذهاب ولدي مع الجيش، فدعاه عمر وهو يبكي، فقال له: ماذا؟ قال: ولدي خرج في الغزو وتركني كما ترى، فأرسل إليه عمر أن يأتي، ولما جاء هذا الشاب قدمه عمر لوالده، فبدأ الأب يشمه ويقبله ويبكي، فشاركهما عمر في البكاء رضي الله عنه وأرضاه، وقال له: لا تخرج من عند والديك ما داما حيين، ولا تخرج من المدينة ماداما حيين.

    إذاً: قضية الجهاد التي هي ذروة سنام الإسلام، الأصل أنها مرتبطة بأن يستأذن الإنسان من والديه، فإن لم يأذنا له فيحرم عليه الخروج، اللهم إلا في حالة واحدة فقط لا غير، وهي ما لو كان العدو على أطراف المدينة، وقيل: والله إذا لم تحرج أنت سوف يقتحم العدو المدينة، ويقتلك ويقتل والديك، فهنا نقول: اخرج ولو بدون إذنهم، أما حين يكون العدو بعيداً، فحتى لو كان الجهاد فرض عين، أرى أنه لا يمكن إلا أن يستأذن الأبوان في ذلك.

    وعلى كل حال القضية أن الإنسان أحياناً يعجز عن المجاهدة القريبة، ومن عجز عن مجاهدة الموقع القريب، فمن باب أولى أنه يعجز عن مجاهدة الموقع البعيد، فمن عجز أن يقوم بواجبه في المنـزل، فهو أن يقوم بواجبه على مستوى الأمة الإسلامية كلها أعجز وأعجز.

    إذاً الواجب الأول باختصار: أن يثبت الشاب لنفسه شخصية، من خلال القيام باحتياجات الأهل، ويحرص على أن يبقى في المنـزل مهما كانت العقبات والظروف، ويجاهد كما سيأتي بقدر المستطاع.

    التوعية والإرشاد والتعليم

    الخطوة الثانية وهي ضرورية -أيضاً- وهي: قضية التوعية والإرشاد والتعليم، فالرسول عليه السلام يقول: {الأقربون أولى بالمعروف} ولاشك أن التوعية والإرشاد من المعروف، والرسول عليه الصلاة والسلام وُجِه بقول الله عز وجل: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] فجمعهم {يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، وقال: أنقذوا أنفسكم من النار، لا أغني عنكم من الله شيئاً} فالأقربون أحق وأولى بأن توجه الدعوة إليهم، وغير صحيح أن تدعو البعيد وبيتك نفسه مليء بالمنحرفين والمنحرفات، وألوان الفساد وصوره.

    فلابد أن تبدأ بالبيت من خلال التوعية، والتوجيه، والتربية، والإرشاد، وفي ذلك صور منها:

    1- التعليم:

    التعليم: اجعل عندك حلقة في التعليم في المنـزل، وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: {أن بعض النساء جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله! غلبنا عليك الرجال -مجالسك كلها عامرة بالرجال- فاجعل لنا يوماً تأتينا فيه فتحدثنا، فواعدهن فقال: موعدكن بيت فلان، فجاء إليهن النبي صلى الله عليه وسلم، ووعظهن وذكرهن، وقال لهن: ما منكن من امرأة يموت لها ثلاثة من الولد، فتحتسبهم إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: يا رسول الله! واثنان، قال: واثنان} وجاء في رواية أخرى: {أن امرأة قالت: وواحد، قال: وواحد} فالمهم في الحديث أن الرسول عليه السلام خصص للنساء يوماً معلوماً، والبخاري بوب على هذا الحديث: باب من جعل للنساء يوماً على حده، فهذا من ناحية.

    الناحية الأخرى: أنك تلاحظ في الكلام الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام أنه تكلم مع النساء، ومع أهل البيت بالأمور التي يحتاجونها، إذن لابد أن تحرص على التوجيه والتربية في البيت، خاصة فيما يحتاجه أهل المنـزل، وصور التربية كثيرة، ممكن أن تجعل في البيت مكتبة صغيرة فإذا كان عندك كتب ورسائل صغيرة للنساء والفتيات والأولاد، وعندك قصص للأطفال، وعندك مجلات مفيدة، وعندك بعض الكتب التاريخية، وبعض كتب الوعظ والإرشاد، فتجعلها في مكتبة صغيرة، وفي متناول أهل البيت، هيئ لهم أسباب الخير، وبجوار هذه المكتبة مكتبة أخرى صوتية، ومجموعة من الأشرطة المتعلقة بأهل البيت-مثلاً- فيها أشرطة للصغار وأناشيد وقصص وخطب مؤثرة ومواعظ ومحاضرات وأشياء تتعلق بأحكام العبادات أمور تخص المرأة، واجعلها -أيضاً- في متناول أهل المنـزل، واجعل هناك برنامج للاستفادة من هذه المكتبة، ومن تلك الكتب.

    وفي نفس الوقت، لابد من أمر ثالث، من الضروري أن نفعله جميعاً أيها الإخوة وهو أن يقيم كل واحد منا في البيت درساً، ولو في الأسبوع مرة، إذن الأمر الثالث مع المكتبة الصوتية، ومع المكتبة الصغيرة، هو أن تجعل في البيت جلسة في الأسبوع -جلسة منوعة- للكبار وللصغار وهذه الجلسة تحتوي على، حفظ القرآن، حفظ حديث، مسابقة، شعر، أسئلة، تدريب على بعض العبادات، تنبيه على بعض الأخطاء، ترقيق وتحريك للقلوب، بحيث أنك تستطيع أن تؤثر في أهل البيت، وتعلمهم الضروريات.

    وكثيراً ما استشهد -أيها الإخوة- بقصة ذكرها لي بعض الشباب، يقول: عنده جدة عجوز كبيرة في السن، فيوم من الأيام -هذا الشاب- يقول: قلت لجدتي، -يقول في الحقيقة: أنا غافل لكن أحببت يوماً من الأيام أن أسأل- فقلت لها: يا جدة، إقرئي عليَّ بعض القرآن حتى أنظر إن كان عندك أخطاء أو لا، قالت: يا ولدي أنا لا أحفظ شيئاً من القرآن إلا سورة واحدة فقط، أقرأها في كل صلاة، والله عفو كريم، قال: إقرئيها، وظن أنها الفاتحة، يقول: فقالت لي:

    إن لله عباداً فطنا     طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    نظروا إليها فلما علموا     أنها ليست لحي وطنا

    جعلوها لجة واتخذوا     صالح الأعمال فيها سفنا

    تقول: والله أنا أحفظ هذه من مطوع من زمان، وأقرأها في كل صلاة، والله غفور رحيم، يا سبحان الله! إن هذا الوضع ليس بغريب، وجاءني شاب آخر حدثني عن زوجته، وقال: إنها لا تصلي، ولما أمرها بالصلاة، قالت له: أول مرة أسمع أن المرأة مطالبة بالصلاة، والذي نفهمه أن الدين للرجال، وما عمرنا سمعنا آية تخاطب النساء ولا حديث ولا عالم، ونحن نعرف أن الصلاة للرجال، والنساء ليس عليهن صلاة، وهذا واقع، وقد أعطيته بعض الأشرطة، وسمعت أنه تحسن حالها، وأصبحت تصلي مع المسلمين، وتصلي في رمضان مع الناس، فهذا واقع.

    وثالث حدثني عن أخته، وأنه مضى عليها وقت، وهي فتاة لا بأس بسنها، لا أقول: كبيرة لكنها امرأة، لم تكن تعلم بقضية البعث والنشور -لم تعلم- خاصة إذا كانت لم تدرس، ولم تتعلم شيئاً من ذلك، ربما تعرف الصلاة، وتعرف القراءة في الصلاة، وتصلي، لكن قضية بعث ونشور لم تعلم بها.

    إذاً هذه الجلسة المقترحة في البيت تعطيهم الضروريات من الدين وتفهمهم وتصحح الأخطاء الموجودة عندهم أياً كانوا، للكبار وللمتوسطين وللصغار وللذكور وللإناث، المهم أنها جلسة، ويكون فيها متعة، ويكون فيها طرافة، وفيها جاذبية، ويجعل الإنسان فيها أشياء من شأنها أن تشد الحضور، وتشد أهل البيت إلى الحضور إلى هذه الجلسة.

    2- الأمر بالمعروف النهي عن المنكر:

    القضية الثانية التي من ضمن التعليم والتوجيه والتربية: قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالكلمة وبالإصلاح، وبالوعظ، ولذلك أنتم تعرفون قصة الرسول عليه السلام، كما في الصحيح: {أن الرسول عليه السلام مر على امرأة، وهي تبكي على قبر -تبكي عند قبر- فقال لها: يا هذه اتق الله واصبري، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، فذهب الرسول عليه السلام وتركها، قالوا لها: تعرفين من هذا؟ قالت: لا. قالوا: هذا رسول الله، فأصابها من ذلك هم شديد، وجاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام -فلم تجد عنده بوابين- قالت: يا رسول الله، لم أعرفك، سامحني، قال لها عليه الصلاة والسلام: إنما الصبر عند الصدمة الأول} فأمرها بالمعروف أولاً: بالصبر والتقوى، وأمرها ثانياً: بأنه كان يجب عليها أن تصبر عند الصدمة الأولى، حين سمعت بخبر موت ولدها.

    ومرة أخرى: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب -على بنتها ذهب- وهو حديث عمرو بن شعيب وسنده حسن، قال لها عليه الصلاة والسلام: {تؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ فخلعتها وألقتهما، وقالت: هما صدقة لله ولرسوله}.

    إذاً الرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث إذا وجد أمراً مما ينكر أو يستنكر نبه عليه، من خلال الوعظ، والإرشاد، والتذكير بالله تعالى، لأن الموقف الآن ليس موقف القوة، واستخدام السلطة، بل الآن نحن في موقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتذكير بالله: {اتق الله، إنما الصبر عند الصدمة الأولى} والوعيد بالنار: { أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار }.

    إذاً نحن مطالبون بأن نحيي قلوب أهل البيت، ونربطها بالخوف من الله تعالى، والطمع في رضوانه وجنته، وهذا أمر مبني على تحريك الإيمان في النفوس.

    إذاً القضية الثانية هي قضية التربية، والتوجيه، والتوعية، في داخل المنـزل، فالآن أمامنا شاب بنى له مكانة جيدة في البيت، فأصبح محترماً، خدوماً، يبذل من وقته لأهل البيت، ثانياً: قام بجهد في التربية، فجعل هناك نشاطاً داخل البيت، تدريس، تعليم، توجيه، إرشاد، فبعد ذلك تأتي الخطوة الثالثة.

    المراقبة والمحاسبة

    الخطوة الثالثة وهي خطيرة جداً، وهي: قضية المراقبة والمحاسبة، مراقبة أهل البيت ومحاسبتهم على الأخطاء،و أذكر أيها الإخوة إنساناً من أحد البلاد العربية، كان عمره ستين سنة، وكانت رتبته وكيل وزارة في بلده، يقول والدي حتى هذا السن يحاسبني على ذهابي وإيابي، فإذا أردت أن أخرج في غير وقت العمل كان يقول لي: -وأنا ابن خمسة وخمسين، أو ستين سنة، وكيل وزارة، كان أبوه يوقفه- ويقول له: إلى أين؟ فيقول: إلى المكان الفلاني، فإذا رجع متأخراً -مثلاً- سأل ما سر التأخر؟ من أين أتيت؟ يقول: كان يحاسبني وأنا بهذا المستوى، وفي هذا الموقع الوظيفي الهام.

    إذاً القضية ليست مربوطة بسن معين، أبداً. حتى كبير السن ممكن أن يساءل ويناقش، فأب عنده فتاة مزوجة، لا يقول: أنا زوجتها وهي الآن في عنق زوجها وفي ذمته، لا. بل يمكن أن يحاسبها ويسألها، فالرسول عليه الصلاة والسلام في يوم من الأيام، كما في سنن النسائي بسند -إن شاء الله- لا بأس به: {جاء من عند جنازة -دفن رجلاً من الأنصار- فأقبل فوجد ابنته فاطمة رضي الله عنها عند الباب -قابلها عند البيت، وفاطمة متزوجة، وفاطمة رضي الله عنها لا تحتاج إلى كلام، فهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن نساء أهل الجنة- فقال لها: من أين أقبلت؟ -من أين؟ هذا سؤال- قالت: يا رسول الله، أتيت من عند أهل هذا الميت، فعزيتهم بميتهم، قال عليه الصلاة والسلام: لعلك بلغت معهم الكدى -وصلت معهم إلى المقابر- قالت: لا يا رسول الله -معاذ الله- وقد سمعتك تذكر فيما تذكر، لا يمكن أن أذهب للمقبرة، وأنا سمعت الوعيد الشديد على المرأة التي تذهب إلى المقابر، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: والله لو بلغت معهم الكدى ما رأيتِ الجنة حتى يراها جد أبيك} وجد أبيها كان كافراً، وهو عبد المطلب فالمهم: من أين أقبلت؟

    ومرة أخرى: {جاء الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيت علي بن أبي طالب، ولم يجد علياً -والحديث في الصحيح- فوجد فاطمة، قال لها: أين ابن عمك؟ -أين علي؟- قالت: يا رسول الله! كان بيني وبينه مغاضبة! مثلما يحدث بين أي رجل وزوجته، وهناك سوء تفاهم -فخرج مغضباً- وكان هذا وقت القيلولة، ولذلك الرسول يسأل أين علي؟ فحسب العادة الإنسان يكون موجوداً فيه في بيته فخرج الرسول عليه السلام يبحث عن علي فوجده مضطجعاً في المسجد، نائماً على جنبه، وقد انحسر الرداء عن جنبه، فنام على التراب، ولصق التراب بظهره وجنبه، فضربه الرسول عليه السلام وقال له: قم يا أبا تراب} فكان علي رضي الله عنه يفرح بهذا اللقب، ويفخر به، لأن الذي سماه به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    و أعجب من ذلك وأغرب، في صحيح مسلم قصة عائشة رضي الله عنها: {في يوم من الأيام دخل الرسول عليه السلام في ليلة عائشة عليها في حجرتها، ووضع ثيابه ووضعت هي ثيابها -يعني يتهيئوا للنوم- ونامت رضي الله عنها ونام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوارها، حتى ظن أنها قد رقدت، فقام بهدوء صلى الله عليه وسلم، ولبس ثيابه ثم خرج -كانت عائشة لم تنم بعد، وإنما تظاهرت بالنوم، فلما رأته خرج، قالت: الآن ذهب إلى بعض أزواجه، أو بعض إمائه، فقامت ولبست ثيابها، وخرجت وراء الرسول عليه الصلاة والسلام -لكن من بعيد تلاحظه، وتمشي وراءه- فخرج الرسول عليه الصلاة والسلام حتى وصل إلى البقيع، فوقف قليلاً ثم رجع، فلما رأته رجع أسرعت. قالت: فهرول فهرولت، فأحظر فأحظرت، فسبقته فدخلت -دخلت الحجرة- ثم تغطت بلحافها، وأغمضت عينيها -وشخرت وتظاهرت رضي الله عنها بأنها نائمة ومستغرقة في النوم- وجاء الرسول -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- وجلس إلى جوار حبيبته عائشة رضي الله عنها أمنا، فلحظها صلى الله عليه وسلم، ووجد أن نفسها سريع، فهي تتنفس بسرعة شأن الإنسان المتعب، قال: مالي أراك يا عائشة حشي الرابية؟ لماذا صدرك ملآن من الهواء؟ ففتحت عيناها، وقالت: لا شيء يا رسول الله! قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، خرجت وراءك، قال: فأنت السواد الذي رأيته أمامي؟ قالت: نعم، فلكزها، قالت رضي الله عنها: فلكزني في صدري لكزة أوجعتني، فضربها، وقال: أخشيت أن يحيف الله عليك ورسوله، قالت: يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله. قال: يا عائشة إن جبريل أتاني حين دخلت، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعتِ ثيابك، فتكلم لي فخرجت إليه، فقال لي: إن الله تعالى يأمرك أن تستغفر لأهل البقيع، فخرجت واستغفرت لهم}.

    فانظر مساءلة الرسول عليه الصلاة والسلام لـعائشة، لماذا؟ أين كنت؟ ما الذي دفعك إلى الخروج؟ ثم انظر إنه يؤدبها، ويضربها في صدرها ضربة توجعها، لأن مثل هذا العمل لا يكون ولا يصير، ولـعائشة رضي الله عنها أخبار عجيبة في هذا الباب.

    والمقصود من هذه القصص، أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحاسب زوجاته، ويحاسب بناته، ويحاسب الآخرين، ويأمر الناس أن يحاسبوا من تحت أيديهم على الحركات، والتصرفات، والذهاب، والإياب، وعلي كل شيء كبيراً كان أو صغيراً فهذا لا يمنع من المحاسبة.

    1.   

    أجهزة ووسائل تحيط بالبيت

    إخوتي الكرام: البيت اليوم تحيط به -في داخله، أو في خارجه- أجهزة ووسائل عديدة، تتطلب أن نلقي نظرة ولو سريعة عليها، وخذوا بعض الأمثلة، ولو كنت لا أستطيع أن أحيط بكل شيء.

    المدرسة

    المدرسة -مثلاً- فهذه فتاة تدرس في المدرسة، معنى ذلك أن البيت لا ينفرد بها، فهناك وسيلة أخرى، ومؤسسة أخرى، وهي المدرسة، من التي تدرسها في المدرسة؟ ماذا تتلقى؟ وما هو تأثير المدرسة عليها؟ فهذا أمر أنت لا تستطيع أن تعرفه إلا من خلال أن تفتح عينيك. فانظر ماذا ترجع به هذه الفتاة من المدرسة، هل ترجع بعلم صحيح، وبأخلاق عالية، وبخوف من الله، بدين، بإيمان، بيقظة، أم أنها تنقص يوماً بعد يوم؟ فمن غير المناسب، أن يُلقي الإنسان بفلذة كبده إلى مدرسة، ويقول: والله أنا وضعتها في أيدي أمينة، بل تأكد أن هذه الأيدي أمينة -فعلاً- قبل أن تطمئن إليها اطمئناناً كاملاً، وحتى حين تطمئن إليها لا تتخلى عن دورك أنت، فدورك مكمل لدور المدرسة.

    الأصدقاء والصديقات

    أمر آخر، قضية الصديقات لهذه البنت، لها مجموعة صديقات في المدرسة وفي غيرها، وقد يحصل بينهن لقاءات، وفي بعض المدارس -كما علمت ذلك واطلعت عليه، وتأكدت منه- بل في أكثر المدارس يوجد نوع من الشلل، مجموعة فتيات، خمس أو عشر أقل أو أكثر، بينهن روابط عميقة، واتصالات دائمة، تناول الفطور -مثلاً- في الفسخ، في الدراسة، في المزح، في المخاطبات، في المراسلات مشتركة بين هذه المجموعة، قد تكون فتيات طيبات، وهذا -ولله الحمد- كثير ولا غبار عليه، لكن الذي أُحذِّر منه هو الأمر الآخر، قد تكون هذه المجموعة مجتمعة على قيادة فتاة غير مستقيمة فـتجرهن إلى الهاوية.

    ويؤسفني -أيها الأحبة- أن أقول لكم: قد اطلعت بنفسي على أوراق مكتوبة من قبل هذه الفتيات، والله يندى لها الجبين، ولا يتصور إنسان -لم يكن يخطر في بالي وعقلي- أن فتيات في سن المرحلة المتوسطة يفكرن هذا التفكير، أو يصلن إلى هذا المستوى، لكن إذا وجد الإنسان ذلك ورآه بعينه، بدأ يفكر عن الأسباب، فتذكر أموراً كثيرة، والمقصود أن (90%) من هؤلاء الفتيات عندهن بساطة، وعلى الفطرة، وفيهن غرارة، وطيبة قلب، وسذاجة، وسماحة، لكن توجد واحدة يكون فيها شر، وفيها قوة شخصية، فتكون قائدة فتجر هذه المجموعة من الفتيات إلى المهاوي.

    ونفس الكلام يقال بالنسبة للشباب في مدارسهم، فيجرهم ذلك إلى الوقوع في الانحرافات، وتعاطي المخدرات، وعلى أقل تقدير: التدخين والفساد وترك الصلاة والسهر على الأرصفة، إلى غير ذلك من الصور والأشياء التي أنتم خبيرون بها.

    إذاً الأصدقاء من الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يراقبها جيداً، فيعرف من الأصدقاء الذين يذهب معهم ولده، ومن الصديقات اللآتي ترتبط بهن بنته.

    الهاتف

    جهاز ثالث، وهو من الخطورة بمكان وهو: قضية الهاتف، أي بيت اليوم، بل أي غرفة في بيت لا تخلو من هذا الهاتف، فكيف يستخدم هذا الهاتف؟ المؤسف -أيها الإخوة- أن عدداً ممن لا يخافون من الله عز وجل، قد يستخدمون هذا الهاتف بصورة سيئة، وليس سراً أن نقول: إن كل جريمة وأقول هذا الكلام من واقع معرفة ومن واقع سماع من بعض الإخوة العاملين في هذه المجالات -أن كل جريمة في المجتمع، فالهاتف وسيط فيها، في أحد مراحلها إما في البداية وإما في الوسط، أو في النهاية، وكل لقاء بين اثنين كان بدايته الهاتف، وكيف تم الأمر؟! الأمر في ذلك بسيط، شاب يعبث في الأرقام، ويتصل -أحياناً- يجد فتاة مثله ليس له ولا لها هدف، والهدف من ذلك هو قضاء وقت الفراغ، وهذه هي البداية، ولا يزال الأمر يتدرج من التسلية وقضاء وقت الفراغ، إلى اللقاء، وإلى معرفة الاسم، وإلى اللقاء مرة أخرى، إلى ارتكاب الحرام، كما قال الأول:

    نظرة فابتسامة فسلام     فكلام فموعد فلقاء

    سلسلة يجر بعضها بعض.

    أحياناً قد يكون الشاب يعرف البيت لأنه بيت صديق، وأحد زملائه في هذا البيت، ويعرف أن في هذا البيت أخوات لصديقه، فيقوم يتصل أين فلان؟ فيقولون: غير موجود، فيقول: قولوا له فلان اتصل بك، وقد يعطي اسماً غير صحيح حتى يوجد نوعاً من الطمأنينة عند من يكلمهم، وبعد ذلك يتدرج في الحديث، متى يأتي؟ أين ذهب؟ ويسأل عن بعض أموره الخاصة، حتى يوجد أرضية مناسبة.

    وأقول لكم: أنا مطلع على بعض الأشياء من هذا القبيل، ورأيتها بعيني وأوقفت عليها بنفسي، ومن خلال تدرج وخداع، ولم يكن الأمر مقصوداً من الطرفين، لكن أحياناً يصل إلى نهاية بائسة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

    فالهاتف من أخطر الأجهزة، وبعض الناس يقول لك: أنا ليس أمامي إلا أن أضع جهاز تصنت، وأشتري المسجل الذي يباع ويسجل المكالمات، بمجرد ما ترفع السماعة يتحرك جهاز التسجيل، فيقول أتصنت على المكالمات، وأنا لا أقول: إن هذا غير صحيح، لكن يمكن أن تستخدمه في وقت الحاجة، إذا وجد عندك قرائن قوية على أن هناك أمراً يدار في الخفاء، أما الأصل فليس كذلك، فالأصل هو أن تحرص على التربية والتوجيه، وعلى أن تراقب الجهاز مراقبة صحيحة، وعلى توجيه الإخوة والأخوات إلى الخطر الذي يداهمهم من خلال سوء استخدام هذا الجهاز.

    السوق

    ومن الوسائل التي أصبحت تساهم في ذلك: قضية السوق، واليوم أصبحت أسواقنا عامرة بكثير ممن يرتادونها من الفتيات، والبنين، والشباب، والرجال، وكثير من البيوت -مع الأسف- التي يوجد فيها عناصر صالحة، تجد أن المرأة سواء أكانت زوجة، أو أختاً، تذهب إلى السوق، وتطيل البقاء فيه، وتذهب اليوم لشراء حاجة، وتذهب غداً لتردها، وتذهب بعد غد لتشتري لبنت الجيران مثلها، وتذهب في اليوم الرابع لتشتري لصديقتها مثلها، وتذهب في اليوم الخامس، حتى أصبح الذهاب ديدناً وعادةً لا تستطيع أن تتخلى عنه، مع من تذهب؟! مع السائق، وقد تجلس في السوق ساعات طويلة، لا يدري صاحب البيت أين كان هذا الذهاب، هل كان فعلاً للسوق أم لغير السوق؟!

    ونحن نفترض السلامة في كثير من الحالات، لكن نضع -أيضاً- احتمال وجود حالات ليست كذلك، ولا يمكن أن تؤخذ على ظاهرها، فلابد من أن يضع الإنسان حماية، فأنا عندما أجد تردداً للسوق، فأولاً: ينبغي أن أباشر هذا العمل بنفسي، فإذا كان أهل البيت يجتاجون شيئاً آتي به، وإذا لم أستطع أذهب معهم، ولا مانع أن أضحي بالوقت من أجل الحفاظ، يا أخي حتى -والله- لو كانت بنتي، أو أختي، أو زوجتي أحميها حتى من النظرة الخاطفة النهمة المسعورة، حتى النظرة، ومن هو الذي لا ينظر؟ أحميها من الكلمة العابثة، حتى لو لم تستجب لها وما التفتت إليها، وأحميها من اليد الطائشة، أحميها من الذئاب المسعورة.

    وفي الواقع لو اطلع الإنسان -أحياناً- على بعض القضايا، وبعض الأعمال، وبعض الناس الذين تركوا البيع والشراء في هذه الأسواق، يقولون لي: لا يبيع ويشتري في أسواق النساء إلا مفتون، وهم يعممون هذا الكلام من واقع أنهم وجدوا واقعاً معيناً، ورأوا بأعينهم، ونحن لا نوافقهم على هذا التعميم ولاشك، لكنا نقول: ينبغي أن نضع في الاعتبار أن الإنسان بشر من لحم ومن دم، وإذا كان الإنسان الطيب الخير -أحياناً- قد يفتن، فما بالك بالإنسان الذي ليس كذلك، وليس عنده رادع قوي من إيمانه، ويرى المناظر والمشاهد صباحاً ومساءً، وقد يجد فئاة متطيبة، أو متبرجة، أو متزينة، تجذبه صورتها بأي شكل من الأشكال، فهنا الفتنة ممكنة وقريبة، فينبغي للإنسان أن يحرص على حماية أهل بيته من خلال مراقبة هذه الأجهزة، وغيرها من الأجهزة المؤثرة في المنـزل.

    1.   

    خلاصة ما سبق

    إذاً أختم هذه المحاضرة بتلخيص لما ذكرته.

    البيت مهم، لو نجحنا في تجنيد الشباب ليكونوا دعاة في البيوت، لنجحنا في تجنيد ألوف مؤلفة، يستطيعون أن يدخلوا إلى أعماق البيوت، ويؤثروا فيها من الشباب ومن الفتيات.

    وسائل التغيير والإصلاح في المنـزل:

    أولاً: أن يكون للشاب والفتاة شخصية قوية من خلال الخدمات، والإصلاحات، والمشاركات.

    ثانياً: من خلال قنوات التوجيه، والتوعية، والإرشاد، والتعليم.

    ثالثاً: من خلال الرقابة الصحيحة على المنـزل وعلى من فيه.

    وأسأل الله عز وجل أن تكون هذه الكلمة أو المحاضرة، سبيلاً إلى أن يقف كل شاب منا ليؤدي الدور المطلوب منه من خلالها، فلا شك أنكم تعرفون أن المقصود من هذا الكلام هو أن نحققه عملياً، خاصة وأنتم تدركون أن البيوت اليوم لا أستبعد صحة أن نقول: إن كل بيت اليوم، فيه مؤامرة تدار بشكل أو بآخر، وكما قال الشاعر:

    مؤامرة تدور على الشباب     ليعرض عن معانقة الحراب

    مؤامرة تدور بكل بيت     لتجعله ركاماً من تراب

    فالمغني الذي يطل على بيتك، والراقصة، والمتحدث، والشريط، والكتاب، وديوان الشعر، والصورة، والمجلة، كلها وسائل تشترك في هذه المؤامرة التي تدار في جميع بيوتنا إلا ما رحم الله.

    فأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لأن نكون قائمين على بيوتنا كما يجب، مصلحين فيها، محققين للأمانة التي حملنا الله تبارك وتعالى إياها.

    وأستغفر الله تعالى لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده، ورسوله بنينا محمد وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية معالجة المنكرات في البيوت

    السؤال: كيفية معالجة المنكرات في البيوت، وحكم العيش معها، مع المقابلة بالعناد، والاستهزاء -مثلاً- أنت قليل الحياء، وأنت كذا وأحدهم يسأل -مثلاً- عن الأغنية في التليفزيون، وكيفية إمكانية مواجهتها والتخلص منها، وكيفية إقناع الوالد بأخطاره ومضاره، لأنه أصبح بالنسبة لهم عادة، ونقاط توجيهية للتخلص من منكرات البيوت، فضلاً عن المنكرات التي تكون من خلال اجتماع الرجال، والنساء في مجلس واحد في المنـزل، إلى غير ذلك؟

    الجواب: لاشك، أن هذه الأسئلة مندرجة تحت النقطة التي ذكرت، وهي قضية التوجيه أولاً، فيجب أن يكون التوجيه أولاً، لأنك في الغالب في البيت لا تملك سلطة، فنحن حين نقول للشاب: عندما تكون أنت بيت وتتزوج، وتسكن في بيت مستقل، هنا اصنع البيت على عينك وكما تشاء، فلا يدخل في البيت إلا ما تحب، وافعل في البيت كما تحب، لكن إذا كنت أنت عنصر في البيت، وقد تكون أصغر الأولاد، وقد تكون البنت أصغر البنات، ويريد أن يغير أشياء كثيرة ويصلح، هنا الأمر فيه شيء من الصعوبة، وإن كان ممكناً -والله- أيها الإخوة، وأعرف بيوتاً كثيرة تغيرت بسبب صلاح إحدى البنات، أو أحد الأولاد، وحدثني أحد الإخوة عن بيت وأشار إليه، كان فيه سائق وخادمة، حتى يقول لي: إنه كان السائق والعياذ بالله يلعب الكرة -كرة السلة- مع البنات في المنـزل، وكان في البيت أجهزة فساد، وهدم، وتخريب، وكل ما يخطر على بالك، يقول: سبحان الله! الأب لا يعرف المسجد، وأحد الأولاد دخل في كلية الطب، فوفقه الله بقوم صالحين واهتدى، يقول: فبدأ يؤثر في بقية إخوته، ثم في بقية أخواته، حتى خرج السائق، وخرجت الخادمة، خرجت الأجهزة، وما هي إلا أشهر يسيرة، يقول: حتى لاحظت أن الأب بدأ يتردد على المسجد، ويصلي الصلوات الخمس في جماعة، وهناك بيوت كثيرة أعرفها من هذا النمط.

    فقضية الإصلاح ممكنة، لكن اصبر، ولا تتعجل الخطوات، لأنك لست سلطاناً تأمر فيطاع، أخرجوا الجهاز؟! فيخرج، لا. ليس ضروري، قد تجد نفسك محتاجاً إلى أن تعطي الأمر نفساً، وتصبر بعض الشيء، وتتريث، وتحاول أن تقنع الأهل بمفاسد التلفاز، وتقنع إخوانك الصغار وأخواتك، شيئاً فشيئاً حتى يقل الراغبون فيه، ويمكن إخراجه، إلا إذا كانت الظروف مواتية، مثل: أن تكون أنت الابن الأكبر، ولك مكانة، ولك تأثير، ولك قبول عند الوالد، فهنا لا مانع أن تستخدم مكانتك في ذلك، لكن الغالب أن كثيراً من الشباب موقعهم ضعيف، وقد يصعب عليهم أن يقوموا بهذا الأمر من أول وهلة، ويحتاج الشاب إلى صبر.

    أما موقف الشاب من المنكرات مثل: سماع الغناء، فالأصل أن الشاب ينبغي أن يحرص ألَّا يسمع الغناء، والغناء ليس هناك شك أنه محرم، وسماع الموسيقى حرام بإجماع العلماء أيضاً، لكن في حالة إذا لم تستطع، فما الحل؟ حتى لو فرض أنك دخلت المنـزل أو خرجت وهناك موسيقى، أو غناء، وأنت لم تقصد أن تسمعه، فحينئذ أنت سامع، ولست مستمع، بمعنى أنه وصل إلى أذنك بغير اختيارك وبغير إرادتك، فلست آثماً لكن عليك أن تعمل على تغيير هذا المنكر بالوسائل التي أشرت إلى شيء منها سابقاً.

    كيفية دعوة الزملاء

    السؤال: هذا سؤال آخر حول كيفية التعامل مع الزملاء غير الملتزمين حيث يريد السائل دعوتهم؟

    الجواب: بالنسبة للزملاء:

    أولاً: نسأل: ما موقعك منهم؟

    فالواقع أن هناك قضية وهي قضية الحب والإعجاب، ومن أعظم وسائل الدعوة المحبة، فإن الإنسان إذا أحبك أصبح مستعداً أن يبذل من أجلك الشيء الكثير، ومستعد أن يستمع إليك، وإذا أعجب بك، يعجب بما يأتي عن طريقك، ولذلك على الداعية أن يكون أريحياً، شهماً، قوياً، مقدماً في الأمور إن كان مع مجموعة من الزملاء -مثلاً- كان طالباً في المدرسة، فينبغي أن يكون مبرزاً قدر المستطاع، ومتقدم في دراسته، وإن كان موظفاً ينبغي أن يكون نموذجاً في الالتزام بالدوام، والقيام بالعمل، وخدمة الإخوان والزملاء، والإحسان إليهم، والخلق الفاضل معهم، وإن كان مع مجموعة في رحلة فيكون سباقاً في الخدمة، ومحاولة تسهيل المهمة لزملائه، وهكذا، ومن خلال هذه الوسائل يستطيع أن يكسب ثقتهم، ويضمن وجود نوع من التقبل عندهم، ثم يوجه إليهم الدعوة.

    من وسائل الدعوة وهي كثيرة: الشريط، حتى لو كنت لا تعرف الشخص، فدعك من كونهم زملاء يمكن تتدرج في دعوتهم، وافترض أنهم أناس لا تعرفهم، فقد لا تلتقي بهم يوماً من الدهر، فأعطه شريطاً إسلامي، أو أعطه كتاباً، إن لم ينفعه لم يضره، وافترض على أسوأ الأحوال أنه ألقى بالشريط، لم يسمعه، فيمكن يأخذه واحد آخر يسمعه، وإن لم يحصل هذا فما ضرك شيء، والمال الذي بذلته موفور ومحفوظ لك عند الله تعالى، فساهم في نشر الخير، كتاب، رسالة صغيرة، اتصال هاتفي، إهداء مجلة، كلمة طيبة، نصيحة، وسائل الدعوة كثيرة، المهم أن يوجد من بيننا وأناس تتحرق قلوبهم إلى إصلاح الناس، أناس يغلي في قلوبهم همُّ يجعلهم لا يهنئون بنومهم، ويقظتهم، وأكلهم، وشربهم، يدعوهم ويحفزهم إلى الدعوة إلى الله تعالى، يحرصون على كسب الناس يوماً بعد يوم، وجلبهم إلى طريق الخير، فإذا وجد هذا الهم في نفس الإنسان، فحينئذٍ سوف تكون الطرق كلها أمامه مفتوحة.

    حكم الأناشيد

    السؤال: مجموعة أسئلة حول الأناشيد الإسلامية؟

    الجواب: الأناشيد الإسلامية أصح وأعدل الأقوال فيها، أنها شعر وكلام حسنها حسن، وقبيحها قبيح، ويوجد من الأناشيد الإسلامية أناشيد فيها -مثلاً- أمور محرمة، مثل الطبول، فهذه محرمة، أو يكون معنى الأنشودة -أحياناً- معنىً صوفياً، أو بدعياً، وأذكر أنني سمعت أنشودة، وكررتها حتى حفظت بعض أبياتها، وأذكر من الأبيات التي وردت في تلك الأنشودة يقول:

    أو سترت اسمكم غيرة هاأنا     ألوث بالشعب والمنحنى

    فما في الغنى أحدٌ مثلكم     وفي الفقر لا أحد مثلنا

    فأنتم هو الحق لا غيركم     فيا ليت شعري أنا من أنا

    ففيها أبيات موحشة وأقل ما يقال فيها أنها ذات معان غامضة، وتقرب أن تكون من عبارات الصوفية واستعمالاتهم، فهذه ينبغي طرحها، وإبعادها -أحياناً وهو أمر مؤسف- ذكره لي بعض الشباب، توجد أناشيد بأصوات فتيات ولو صغيرات، فهذا لا يصلح -مثلاً- فتاة في سن الحادية عشرة والثانية عشرة تنشد، هذا لا يصلح، لأن صوتها، خاصة بإنشاد الشعر هذا مدعاة لفتنة كبيرة، أما إذا كان النشيد فيه معاني طيبة، إثارة حماس، دعوة إلى خير، تربية على الأخلاق الفاضلة، ويؤدى بأصوات قوية، بعيدة عن التكسر، والتثني، ومحاكاة أصوات وأنغام الفساق من المغنيين والمغنيات، فلا حرج في ذلك.

    لكن أنبه إلى محذور وهو بشرط ألَّا يغلب على الإنسان، لا يغلب عليك، فبعض الشباب يفطرون على أناشيد، ويتغدون على أناشيد، ويتعشون -أيضاً- على أناشيد، فهذا لا يصلح، ويجب عليه أن يغير الوجبات، ولذلك البخاري رحمه الله قال في صحيحه: باب من كان الغالب عليه الشعر، ثم ساق فيه حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم: {لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً وصديداً خير له من أن يمتلئ شعراً} وهذا إشارة إلى أنه يمتلئ جوفه، أي أصبح كل أكله أناشيد، حتى امتلئ بطنه منها، أما شخص يسمع أنشودة وهو في السيارة، أو في سفر، أو عمل، فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا ينشدون ويرتجزون:

    لأن قعدنا والنبي يعمل     لذاك منا العمل المضلل

    لا يستوي من يعمر المساجدا     يدأب فيها قائماً وقاعدا

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    إلى غير ذلك من الأناشيد التي كانوا يقولونها في أسفارها وفي قتالهم وفي أعمالهم، في بناء المسجد، وهذا كله ثابت في الصحيح، فلا حرج فيها ما لم تغلب على الإنسان، وما لم يكن فيها آلات محرمة، وما لم تكن معانيها -كما أسلفت- سيئة أو رديئة.

    تعدد المناهج في الدعوة

    السؤال: هذا يسأل عن قضية تعدد الأفكار والمناهج في الدعوة، وما السبيل إلى تلافيها؟

    الجواب: في الواقع أن الخلاف إذا كان داخل إطار أهل السنة والجماعة، والمنهج الصحيح، فالأمر فيه يسير، وينبغي أن نعود أنفسنا والناس على أن الخطب هين، ونحن نشترط شروط:

    أولها: أن تكون عقيدتك عقيدة أهل السنة والجماعة، فلا تأتنا ببدعة من بدع الصوفية، أو المعتزلة، أو الرافضة، أو الباطنية، أو غيرها، بل تلتزم بالمنهج الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات، وغير ذلك.

    الشرط الثاني: الانصياع للدليل الشرعي، فلا تقدم على كتاب الله، وسنة رسوله أحداً، فإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل:

    دعوا كل قول عند قول محمد     فما آمن في دينه كمخاطر

    فإذا جاءك قال الله، فلا تقل: قال الشافعي، قال مالك، قال أحمد، قال أبو حنيفة، فإذا قال الله، سقط كل قول عند قول الله تعالى، مع أنك تعلم أن هؤلاء الأئمة، وغيرهم ليسوا إلا مقتبسون من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، مغترفون من بحره.

    وكلهم من رسول الله ملتمس      غرفاً من البحر أو رشفا من الديم

    فتعظم الأئمة، وتتبعهم، لكن بالدليل، إنما في البداية أنت موافق معنا على أنه إذا استبان الدليل، لم يكن لأحد أن يدعه لقول إنسان كائناً من كان، فهذا الشرط الثاني، فإذا وجد عندك هذان الأمران، فإنك من أهل السنة والجماعة، كيف تدعو إلى الله تعالى؟ تقول: أريد أن أُعلِّم الناس العلم الشرعي، لأن الناس في حاجة إليه، فجلست في المسجد حلقات بعد حلقات فهذا جيد وحسن، والناس في أمس الحاجة إلى هذا الأمر، لكن لا تخطئ من يشتغل في مجال آخر، فإنسان يشتغل بالوعظ، يقول: الناس ليس عليهم قصور من جهة العلم، وهكذا يتصور، والناس يعرفون أشياء كثيرة لكن ما عملوا بها، فيعرفون أن الربا حرام، ويأكلونه ليلاً ونهاراً، ويعرفون أن الغناء حرام ويستمعونه سراً وجهاراً، فالناس الناس بحاجة إلى أن نحرك قلوبهم بالإيمان، والناس بحاجة إلى سياط الوعظ، فمن هنا من سلك طريق الوعظ، فقل هذا جيد وحسن، فالناس محتاجون إليه. وشخص ثالث: قام بالتربية، قال: الوعظ والعلم كلها جيدة، لكن نحن بحاجة إلى شباب يتربون، ويطبخون على نار هادئة، حتى يكونوا جنوداً للإسلام، فاشتغل بتربية الشباب، وإعدادهم من خلال المدارس، والمراكز، وحلقات التعليم، وغيرها، فهذا كله جيد -أيضاً- وحسن، وبعض هذه الأمور يكمل بعضاً.

    والمهم -أيها الأحباب- ألَّا يكون بعضنا يشتغل ضد البعض الآخر، وألَّا تتناقص هذه الجهود، وأن تتكامل: {كلٌ ميسر لما خلق له} قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء:84] فأنت على ثغرة أنا لا أستطيعها، وأنا على ثغرة أنت لا تستطيعها، ربما يكون العالم الشيخ في حلقته، لو وعظ ما حرك القلوب، وهذا ملاحظ، والواعظ لو تكلم في الفقهيات والشرعيات لأتى بالعجب العجاب، وهكذا كل إنسان يصلح في مكانه، وحسن في موقعه، فإذا خرج عن موقعه فسد وأفسد.

    إذاً لا ينبغي أن ينتقص بعضنا جهد بعض، أو يقلل منه.

    العلم الشرعي للداعية

    السؤال: هل العلم الشرعي مهم للداعية قبل البدء في الدعوة؟ إذ يوجد بعض الإخوة -هداهم الله- يربون أفرادهم على الحماس، دون علم شرعي؟

    الجواب: هذه من القضايا التي يخفى أمرها على كثير من الشباب، فنحن نقول: العلم الشرعي شرط لئلا تدعو إلى شيء لا تعلمه، فغير صحيح أن تدعو إلى أمر وأنت لا تعلم هل هو مشروع أو غير مشروع، أهو حلال أم حرام، مستحب أم مكروه، فهذا لا يصلح، فلا تدعُ إلى أمر إلا وأنت تعرف أنه مطلوب، ولا تنهى عن منكر، إلا وأنت تعرف أنه منكر فعلاً، فمن أول وأهم شروط الداعية العلم بما يدعو إليه، لكن ليس شرطاً أنك لا تدعو إلا بعد أن تصبح علامة زمانه، وفريد عصره، ووحيد دهره، فهذا ليس شرطاً وهذا لا يمكن أن يكون لأحد، وقد لا يتيسر لك ولا لكثير من أمثالك، والرسول عليه السلام يقول: {بلغوا عني ولو آية}.

    فإذا عرفت شيئاً ادع إليه، لكن لا تدع إلى ما لم تعلم، فتقول: أنا داعية، فتصبح تتكلم في كل شيء، لأنه -مع الأسف- بعض الناس لا يفرقون، فيتكلم في كل شيء، فإن سألته في الفقه أجاب! وإن سألته في الحديث أجاب! وإن سألته في الشعر أجاب! وإن سألته في التوحيد أجاب! وإن سألته في الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة أو أوضاع العالم، كأنه موسوعة، وهذا لا يكون إلا لأفراد قلائل من الناس، وإنما ممكن أن أعد موضوعاً وأجهزه وألقيه أحسن ما يكون، ولكن حين تسألني عن موضوع آخر أقول: أنا لا أعلم، اسألوا أهل الذكر، واسأل العلماء، وإذا لم تستطع فأنا أسأل، وليس هناك حرج في هذا، أما أن أقول: لا أدعو إلا بعد أن أتعلم، فمتى أتعلم؟!

    وبالعكس أنا ألاحظ نقطة مهمة أيها الإخوة! وكنت أحذر منها بعض طلاب العلم، ورأيتهم وقعوا فيها، فالإنسان الذي يقول: أتفرغ لطلب العلم حتى أحصل منه على شيء كثير، وبعد فترة لما يكبر يكون قد تعود على معاشرة الكتب، ومجالستها، والعيش بينها، فلا يطيق فراقها، فإن قيل له: هذا درس، هذه محاضرة اعتذر منه، وإذا جُر بالقوة جاء للناس مرة فتكلم، فشعر بشيء في قلبه، وشعر بشيء من الوحشة من الناس، لأنه لم يتعود، قال: الكتب ممتازة، والكتب مريحة، ولذلك ربما يـبدأ، ثم ينقطع لأنه لم يتعود على الدعوة، فمن المهم أن طالب العلم يتعود على الدعوة من خلال أنه إذا حصّل شيء يوصله للناس، وتعرفون أنتم موضوع الزكاة، فالآن عندما يكون عندك مبلغ من المال، نقول: أخرج زكاته، وعندك مقدار من العلم، فأخرج زكاته، لكن إذا كثر مالك فالزكاة المطلوبة منك أكثر، أي تتناسب طردياً مع كثرة المال الموجود عندك، أما إذا كنت ليس عندك نصاب فالزكاة ساقطة عنك، فإنسان يقول: لا أعرف شيئاً فهذا نقول له: لا تعلم إذاً فمن هو المسلم الذي لا يعرف شيئاً؟! فهذا يعرف الوضوء، يعرف الصلاة فعليه أن يعلمها.

    كسب بائع الدخان والجراك

    السؤال: والده يبيع الدخان والجراك، وعنده محل مخصص لذلك، يقول: نصحته بعدم إقامة هذا المحل، وسألني بعض النقود لإعانته على إقامته، فرفضت طلبه؛ لأنه حرام، وبينت له هذا، بم تنصحني أن أفعل مع هذا الوالد؟ وهل يجوز أن آكل من أكل البيت، وهو مصدره من نقود من هذا المحل؟

    الجواب: الواقع، بالنسبة لمسألة الأكل من هذا البيت إن كان كسب الوالد كله من الجراك، فلا تأكل في هذا البيت، لأنه مال حرام، أما إن كان مال الوالد مختلط، بعضه من الجراك، وبعضه ورثه من جده، وبعضه من إيجار المحل الذي يؤجره، يعني مال مختلط بعضه حلال وبعضه حرام، فلا حرج أن تأكل منه، أما إعانته فلا تعينه على ذلك، لكن أنصحك بأن تقترح على الوالد -كن إنساناً عملياً- فاقترح على الوالد مشروع تجاري، وقل له: أنا مستعد أن أعمل معك في هذا المحل، وأساعدك بالمال، وبنفسي، وبكافة الاحتياجات والمتطلبات، بشرط أن تترك هذا الجراك الذي تبيع فيه، وأعتقد أن الوالد يفعل إن شاء الله تعالى.

    الجهاد الأفغاني

    السؤال: هذه أسئلة عن أفغانستان يقول: الجهاد في أفغانستان، وفي الفلبين، وفي فلسطين قبلة المسلمين الأولى فرض عين -الأخ أفتى بأنه فرض عين، وهذا حسب وجهة نظره- لأنه لا يزال العدو في بلاد المسلمين، وبذلك يجب على كل مسلم أن يخرج للجهاد دون إذن أبيه أو أمه، وهذا فيه إجابة لقوله تعالى: انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً [التوبة:41] وهذه فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز؟

    الجواب: هذا الأخ وَهِمَ، فهذه ليست فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ولا غيره من علمائنا، بل علماؤنا في المملكة خاصة -حسب ما أعلم- متفقون على أنه لا يجوز الخروج للجهاد في أفغانستان، ولا في غيرها من بلاد المسلمين الآن، إلا بإذن الأبوين، وهذه فتوى ثابتة عنهم ومكتوبة في أوراق ومسموعة في أشرطة، وسمعتها منهم مشافهة أيضاً.

    أما مسألة أن الجهاد فرض عين، فهذه كلمة يجب التفصيل فيها، وأنا مع الأخ أن الجهاد فرض عين، لكن ما هو الجهاد الذي هو فرض عين؟ الجهاد بالاصطلاح الشرعي ففرض عين، فرض عين أن تجاهد نفسك في ذات الله تعالى، والمجاهد، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: {المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله} والمشاركة في الجهاد بأي صورة من الصور، مساعدة المسلمين، إعانتهم بالمال، والدعاء، بتبني قضيتهم إعلامياً، بالدفاع عنهم، بالمساعدة بالنفس، إن كنت تغني عنهم، هذا كله صحيح.

    ولذلك أقول أيها الإخوة: طبيب يريد أن يذهب للتمريض حبذا وحيَّ هلا، وينبغي أن يذهب عاجلاً، غير آجل. وإنسان خبير عسكري، يقول: أستطيع أن أنظم صفوف المجاهدين وأنفعهم، وربما أقوم بما لا يقوم به غيري، نقول له: هلم الليلة قبل الغد، داعية، معلم، طالب علم يقول: أريد أن أنشر بينهم الخير، والعلم، والاستقامة، والصلاح، وأصحح الأخطاء الموجودة عندهم، نقول: هلم الآن قبل فوات الأوان.

    لكن شاب قد لا يغني وقد لا ينفع، نقول: هل هناك فعلاً حاجه إليك أنت شخصياً في الجهاد؟! لا أعتقد أن هناك حاجة له، بل بالعكس أنا سمعت شفهياً من عدد من قادة الجهاد، أنهم يحتاجون إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال، ويمكن قيمة التذكرة التي سوف تسافر بها تنفع أكثر، وأنت اجلس جاهد في موقعك، لأن الجهاد كما قال الأخ السائل: في جميع بلاد المسلمين، وهذه من بلاد المسلمين، وهناك بلاد للمسلمين كثيرة فيها لا أقول: كفار، بل فيها منافقون، يحاولون هدم الإسلام، ويحاولون تخريب البيوت، ويحاولون تلويث البيئة، ونشر الفساد، فهل ننتظر في كل بلد إسلامي حتى يحتله العدو، ويصبح مثل أفغانستان ثم نجاهد، لماذا لا نجاهد بالحماية وبالوقاية؟ وقاية بلاد المسلمين من أذى الأعداء الظاهرين، والمستترين، خاصة جهاد المنافقين، فحين نقول: الجهاد فرض عين، أقول: صحيح، لكن الجهاد بشكل أعم جهاد النفس، جهاد الكفار، جهاد المنافقين، هذا يعني في المجمل هو فرض عين: جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73].

    بل إن جهاد المنافقين -أحياناً- قد يكون أعظم وأخطر من جهاد الكفار، لأنه عدو مستتر يحتاج إلى قوة، ومقاومة، وكشف، وتعرية، أما الجهاد في أفغانستان، وفي الفلبين، وفي فلسطين، فنحمد الله تعالى، أن في هذه المواقع وفي غيرها رايات إسلامية مرفوعة، نعتقد -إن شاء الله- أنها رايات صادقة، ففي أفغانستان عدد من الأحزاب الإسلامية الموثوقة، وفي فلسطين عدد من الجهات الإسلامية، وفي الفلبين كذلك جهات إسلامية صادقة موثوقة، تتبنى الجهاد في سبيل الله، وتحيي ما اندرس من أمر الإسلام، لأن الناس يوماً من الأيام، كادوا أن ينسوا هذه الفريضة الغائبة والشعيرة العظيمة، فلما قام الجهاد في هذه المواقع ألهبت الحماس في نفوس المسلمين، وحركت الهمم، وبينت للناس أن الجهاد كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام: {الجهاد ماض إلى يوم القيامة} ولا يمكن أن يتوقف بحال من الأحوال، فجددوا ما اندرس من أمر هذا الدين، وأحيوا في نفوس المسلمين أهمية هذه الشعيرة، والشريعة، والفريضة، وكفاهم ذلك فخراً.

    جهاد الأعداء

    السؤال: قلت إن الجهاد يكون بدون استئذان من الوالدين عندما يكون العدو في أطراف المدينة، فإذا كان المجاهدين يقاتلون العدو لمدة عشر سنوات، ولم يستطيعوا حتى الآن إقامة حكم الإسلام، فهل ننتظر أن يقوم أعداء الله باحتلال دول المسلمين دولة دولة، حتى يصلوا إلى المدينة التي أنا فيها، ليجدوها لقمة سهلة للقضاء عليها؟

    الجواب: أخشى أن هذا الذي يقع، إذا قلنا للناس: هاجروا إلى مكان كذا، فلو قلنا للشباب: هاجروا إلى أفغانستان، معناه: أنَّا وضعنا البيض -كما يقول المثل-: في سلة واحدة، فلو فرض أنه لم تنجح قضية المسلمين في أفغانستان، معناه أن بلاد المسلمين كلها صارت مجالاً مفتوحاً، فعندنا باب واحد انكسر ساح العدو إلى نهاية المطاف، لكن نحن نقول: لا. ضعوا أسواراً خلف أسوارٍ خلف أسوار، والعدو قوي أكثر مما نتصور، ومستميت أكثر مما نتصور، وموحد أكثر مما نتصور، ومخطط أكثر مما نتصور، ولذلك ضعوا أسواراً بعد أسوار بعد أسوار، واجعلوا الجهاد في كل بلد إسلامي، ولنعلم أن كل بلاد المسلمين مستهدفة، من عدو ظاهر أو مستتر كما ذكرت، فليس صحيحاً أن نفكر ونجعل في بؤرة الشعور عندنا موقع، وننسى مواقع أخرى، وأستغرب أن بعض الإخوة قد ينسون حتى الفلبين الآن، الفلبين -ممكن تذكر الأسئلة- لكن قل من يذهب إليها، فلسطين كذلك، خاصة في موضوع المساعدة والدعم المادي، ليس هناك مساعدة بدرجة كافية، صحيح أن أفغانستان لها ميزة، ميزتها أنها بلد مفتوح، بإمكان أي إنسان أن يذهب، والميزة الثانية: أن فيها راية إسلامية صافية ولله الحمد إلى حد بعيد، وقيادات جهادية موثوقة، فلذلك أقبل الناس عليها، ونحن ممن يشجع على ذلك على سبيل الإجمال، لكن بالصورة التي ذكرتها في إجابة السؤال السابق.

    أفضل أماكن الجهاد

    السؤال: هذا يذكر ويقول: إني أحبك في الله، وأتابع محاضراتك عن طريق الأشرطة، زادنا الله وإياك علماً، ثم يقول: أزمعت الرحيل إلى أرض الجهاد برضى والدي، فأي الجهاد تنصحونني أن أنضم إليه هناك؟

    الجواب: في الواقع -إن شاء الله- أن هناك جهات عديدة كلها فيها خير وفيها بركة، ولا أستطيع أن أذكر لك جهة دون أخرى، فإن عدداً من الجهات الإسلامية -حسب ما وصلني من معلومات- موثوقة، يقوم عليها أناس -إن شاء الله- صالحون، وفيهم خير، وفيهم إيمان، وفيهم استقامة، وإن كان بعضها قد يفضل بعض من نواحي، فبعض الجهات قد تكون أصفى عقيدة، وأسلم منهجاً، وبعضها قد تكون أقوى تنظيماً وأدق وأبلغ نكاية في العدو، وبعضها قد تكون أنشط في مجال الدعوة إلى الله، لكل وجهة هو موليها، وفي كل خير، ونسأل الله تعال أن يرزقنا وإياك الشهادة في سبيله.

    عتاب للرجال من النساء

    السؤال: هذه أسئلة من النساء تقول: كلمة للأزواج الذين ينشغلون عن زوجاتهم وأولادهم في الدعوة؟

    الجواب: وهذه مشكلة أيها الإخوة -كما أسلفت إليها- ربما تجد زوجة الواحد منا عليها نواقص كثيرة، في ملبسها، وفي علمها، وفي فهمها، وفي يقينها، وفي إيمانها، لأن الزوج مشغول، وفي الواقع أن للزوجة لشغلاً، فينبغي للإنسان أن يشتغل بأهله، مثلما يشتغل بغيرهم، يدعوهم إلى الله، يصلحهم، يعلمهم، يبين لهم ما يجب عليهم، وأنصح الأزواج أن يلتفتوا إلى زوجاتهم، ويجعلوا للزوجة -كما أسلفت- درس أسبوعي على الأقل، حفظ سورة من كتاب الله، حديث، شرح الحديث، مناقشة، بيان بعض الأحكام الشرعية.

    منكرات الأسواق

    السؤال: أذهب إلى سوق النساء لحاجة هامة جداً، وقد تكون في الشهور العديدة مرة واحدة، وذلك لأنني أجد من المنكر ما يعلم به الله، فإذا ذهبت إلى هناك أتألم جداً لذلك المنكر الذي لا أستطيع أن أغير منه إلا اليسير، وقد أجد صعوبة لكثرته بين النساء والباعة هناك، فما هو المطلوب! هل أجعل إنكاري في القلب أم ماذا؟ وهل أحاسب على ما أجد، مما لا أستطيع فعله وتغييره، وما هو دورنا إزاء ذلك؟

    الجواب: بطبيعة الحال الأخت لم تذهب لتنكر، إنما ذهبت لقضاء حاجتها، ولو وقفت عند كل منكر ما استطاعت أن تقضي حاجة، لأن المنكرات كثيرة لا أقول: بعدد الأشخاص؛ بل تجد على الشخص الواحد عدة منكرات، فبعض المنكرات الظاهرة المعتادة بين الناس لا يلزم الأخت أن تغيرها، مادام لها غرض معين محدد تريد أن تقضيه، وتعود إلى منـزلها، لكن لو رأت منكراً ظاهراً مستغرباً مثل رجل يخاطب امرأة بكلام لا يليق، أو امرأة بالغت في التبرج بصورة غير مألوفة، أو ما أشبه ذلك من المنكرات الشاذة، التي ينفرد بها أفراد رجال أو نساء، فحينئذٍ عليها أن تقوم بواجبها تجاه هذا المنكر، وكذلك إن استطاعت أن تغير بعض المنكرات القليلة بما لا يؤثر عليها، مثل: امرأة جلست بجوارها، فأعطتها كتاباً أو شريطاً، ونصحتها، وقالت لها كلمة طيبة.

    حكم حضور حفلات الزواج

    السؤال: ما حكم حضور حفلات الزواج لأننا نشعر بالخجل من ردهم، لأنهم من الجيران؟

    الجواب: هذه من القضايا فأحياناً شاب داعية، لا يحضر حفلة الزواج، ويريد أن يدعو ويغير الدنيا، فاحضر حفلة الزواج إلا إذا كان في حفلة الزواج منكر محرم لا تستطيع تغيره، أما إذا لم يكن فيها منكر ظاهر، والزواج يباح فيه الدف الذي يضرب من جهة واحدة إذا كان في وسط النساء، وليس فيه أشرطة أغاني مسجلة، أو الميكرفونات التي تذيع وما أشبه ذلك، فلا بأس أن يحضر الإنسان حينئذٍ، ولم يكن فيه تصوير، ولا غير ذلك من الاختلاط، والمنكرات، فيحضر، أو كان فيه منكر يستطيع أن يغيره، أو يقلل منه بقدر ما يستطيع فيحضر أيضاً، ويحرص ويحاول أن يكون له دور.

    وهذا مثال -أيها الإخوة- افترض أن هناك زواجاً عند الجيران أو عند بعض الأقرباء، فأنت قمت بدور كبير في موضوع الزواج، ذهبت وأتيت بعقود الكهرباء والمصابيح، وأتيت بالفرش، ووزعت الدعوات، وجهزت المكان، ثم شاركت في إعداد أمور كثيرة، ألا تعتقد حينئذ أنك لما تقول لهم: لا نريد الأغاني، أن يقولوا لك: سمعنا وأطعنا، لأنهم يقولون: نستحي منك، لأنك إنسان صنع لنا معروفاً، واشتغل معنا الأيام السابقة، فصعب أننا نخالف أمره، فتجد حينئذٍ عندما تأمر وتنهى أن لك موقعاً، ولك مقام يؤثر، أما حين تكون إنساناً أجنبياً، أول مرة تحضر، وفي طرف المجلس، فقد لا يقبلون منك، ونحن بحاجة إلى أن نهيئ الناس لقبول دعوتنا، والاستجابة لأوامرنا.

    وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.