إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [65]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن طبيعة المرأة -التي تتسم بالضعف وقلة الصبر- تحملها على الجزع والندب والنياحة عند الموت، وعند زيارة القبور، فإذا كانت زيارة النساء للقبور مظنة وسبباً لحصول أمور محرمة، فإنها تمنع من ذلك؛ لأن من أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو مستترة علق الحكم بمظنتها.

    1.   

    حديث: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أهل السنن ].

    وجه الاستشهاد من الأثر السابق الذي أورده المؤلف: هو أن الغلو في القبور الزيارة التي يكون فيها الاستنجاد بالميت أو طلب النفع منه؛ تجعل القبر وثناً يعبد، ويكون الإنسان واقعاً في الشرك، وفي هذا تحذير الإنسان أن يغلو في القبور غلواً يتجاوز المشروع، وإنما يجب عليه أن يتقيد بالسنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تكون الزيارة لأجل الاتعاظ والاعتبار، ولأجل الاستغفار للميت فقط، ولا يتخذ ذلك عيداً يتردد ويتكرر في اليوم عدة مرات، وإنما يكون في وقت دون وقت، كما هو معروف عن السلف.

    ولهذا لا يقتصر هذا الحكم على قبور المسلمين، بل يجوز أن تزار قبور الكفار، ولكن يجب أن تكون زيارة قبور الكفار للاتعاظ فقط، وليس للاستغفار ولا للدعاء لهم، وإنما يكون للموعظة؛ لأن العلة موجودة وهي الاتعاظ، سواء كان المقبور مسلماً أو غير مسلم، ولكن إذا كان مسلماً يضاف إلى ذلك أنه يستغفر له ويدعو له؛ لأن المسلم أخو المسلم، وينبغي بل يجب عليه أن يود له ما يود لنفسه، وإذا كان في كرب وفي شدة وقد ارتهن بعمله وختم على صحائفه ولم تزدد له حسنة ولم تنقص من سيئاته سيئة؛ فهو في أمس الحاجة إلى من يأتي من إخوته ويستغفر له ويدعو له، لعل حسنة تضاف إليه، أو سيئة تمحى عنه، وهذا من أعظم الإحسان، فيكون هذا شبيهاً بالصلاة على الميت؛ لأن الصلاة هذا مقصودها؛ لأنه انتهى عمله، وطويت صحائفه، فصلاه المسلمين عليه زيادة في صحيفته، ويطلبوا من ربهم جل وعلا أن يحط من سيئاته؛ ولهذا جاء دعاء الجنازة مشتملاً على هذه المعاني، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صليتم على الجنازة فأخلصوا له الدعاء) قوله: (أخلصوا له الدعاء) معناه: اجعلوا دعاءكم له، لا تجعلوه لأنفسكم ولغيركم، أخلصوا له الدعاء ولكن جاء في تعليمه صلى الله عليه وسلم أن دعاء الجنازة كما سيأتي يكون على قسمين:

    قسم يكون دعاء عاماً، ثم بعد ذلك يكون دعاء خاصاً، أول ما تبدأ تقول: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وحاضرنا وغائبنا) وهذا يكون للمسلمين عموماً، ثم بعد ذلك يدعو للميت نفسه بقوله: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ...) إلى آخر الدعاء، والمقصود أن هذا إحسان إليه وهو بحاجة إلى ذلك.

    وزيارة القبور مثل هذا، يعني: يزوره ليدعو له بعدما يتعظ هو بنفسه، أما إذا تعدت هذين المعنيين فهي بدعة، ولا ينتفع بها الإنسان، لا الميت ولا الحي، بل الحي يتضرر، أما الميت ما يضره ذلك؛ لأن هذا فعل الحي.

    قال الشارح: [قلت: وفي الباب حديث أبي هريرة وحديث حسان بن ثابت . فأما حديث أبي هريرة فرواه أحمد والترمذي وصححه، وحديث حسان أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور) .

    وحديث ابن عباس هذا في إسناده أبو صالح مولى أم هانئ وقد ضعفه بعضهم ووثقه بعضهم. قال علي بن المديني عن يحيى القطان: لم أر أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هاني ، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان ، قال ابن معين: ليس به بأس، ولهذا أخرجه ابن السكن في صحيحه، انتهى من الذهب الإبريز عن الحافظ المزي ].

    إذا كان الحديث في سنده من تكلم فيه، ولم يرضه بعض الحفاظ، وبعضهم سكت عنه، ثم جاء الحديث بسند آخر من طريق آخر فهذا الذي يقول الترمذي عنه: إنه حسن، وهذا الحديث جاء من عدة طرق ليس من طريق واحد، بل كثرت الطرق وتعددت، ومع ذلك اختلف الصحابي، فدل هذا على أنه من أقوى ما يقال عنه: إنه من قبيل الحسن، فالحكم عليه بأنه ضعيف غير صحيح؛ لأنه تعددت طرقه، واختلاف الرواة فيه يدل على أن له أصلاً، وأنه ليس غلطاً، وليس وهماً من الراوي، فهذا أقوى مما وسمه الترمذي رحمه الله؛ لأنه إذا قال: هذا الحديث حسن فمقصوده إذا تعددت طرقه، وإن كانت طرقه ضعيفة، بل بسبب التعدد وكونه جاء من أكثر من طريق يحكم عليه بأنه حسن.

    القول الراجح في زيارة النساء للقبور

    سبق أن اللعن من الله جل وعلا: الطرد والإبعاد، فالملعون هو المبعد عن الخير وعن الرحمة، وأن الله جل وعلا يلعن من يشاء كما أنه يرحم من يشاء، ولكن الملعون من حقت عليه اللعنة واستحقها، وسبق أيضاً أنه إذا جاء لعن فاعل فعل من الأفعال فإن هذا الفعل يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ولا يلعن فاعل فعل يكون فعله خلاف الأولى، بل لكونه فعل فعلاً هو معصية وكبيرة من الكبائر فعلى هذه القاعدة يقال: إن زائرات القبور من النساء ملعونات، وأن زيارة القبور منهن كبيرة من الكبائر، ولا فرق بين زيارة قبر أو زيارة قبور، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة:

    فمنهم من قال: إنه لا يجوز للنساء زيارة القبور مطلقاً، بل ولا يجوز اتباع الجنائز لهن، أما اتباع الجنائز فجاء في الحديث الصحيح أنه قال: (ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تؤذين الميت، وتفتن الحي) أو نحو ذلك وهذا يدل على أنه لا يجوز، فإذاً: النساء ممنوعات من اتباع الجنائز، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها واتبعها فله قيراطان) فهنا (من) لفظ عام بالاتفاق، يدخل فيه الرجال والنساء، ولكن جاء دليل خاص أخرج النساء من ذلك، فخرجن من هذا العموم بدليل خاص.

    أما الزيارة للنساء فجاء فيه اللعن، ولكن سبب الخلاف أنه جاء ما يدل على الجواز، فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن فلما قيل لها: (ألم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، نهى ثم رخص، ولو حضرته عند موته ما زرته) فهذا في الواقع ليس فيه حجة ولا دليل فيه؛ لأن ظاهره كما احتجت بأن النهي جاء أولاً ثم جاء بعده الإذن العام، ولم يحتج عليها القائل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى النساء خاصة، فكأنها ما بلغها هذا، فلا يكون في ذلك حجة.

    أما المرأة التي جاءت قصتها في الصحيح أنه مر صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: (اتقي الله، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بما أصبت به، فقيل لها: هذا رسول الله، فندمت وجاءت إلى بيته، فلم تجد عنده بواباً فقالت: يا رسول الله! أصبر، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) فهذا الحديث صحيح، ولكن ما يعرف تاريخه، وإذا كان الأمر هكذا فلا يؤخذ بالشيء العام باتفاق العلماء بل يقدم الخاص على العام.

    ومعلوم أن العلة إذا عرفت فإن الحكم يناط بها، فالنساء قلوبهن أرق من قلوب الرجال، وهن أضعف عقولاً، وصبرهن أقل، فربما يقعن في زيارتهن في الأمور الممنوعة، والنفع الذي يكون فيها هو كونهن يتعظن، وإذا كانت الأمور المحذورة أو الممنوعة أكثر مما يرجى منه النفع فلا يجوز أن يؤذن لهن، ولا يجيز الشارع في مثل هذا، أما مجرد الاستغفار فيمكنهن أن يستغفرن وهن في بيوتهن.

    أما ما جاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم عائشة كيف تقول إذا زارت القبور، فهذا لا يدل على جواز الزيارة، ولكن إذا مرت المرأة في طريقها على القبور فيجوز لها أن تقول هذا الدعاء وهي سائرة في الطريق، وهذا غير ممنوع، فالذي يظهر أنه علمها هذا من أجل أنها إذا مرت على قبور في طريقها وهي سائرة أن تقول هذا الدعاء، فيبقى النهي على بابه، وهذا هو الراجح، فلا يجوز للنساء أن يزرن القبور، بل زيارتهن محرمة، وإذا جاء عن العلماء أنها مكروهة فإن هذه الكراهة تحمل على كراهة التحريم، ولا فرق بين زيارة القبور في المقابر، أو زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لا فرق بين هذا وهذا، فإذا منع النساء من زيارة قبور الناس فهن ممنوعات أيضاً من زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال الشارح: [قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريقين: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن زوارات القبور) وذكر حديث ابن عباس ثم قال: ورجال هذا ليس رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، ومثل هذا حجة بلا ريب.

    وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي ؛ فإنه جعل الحسن إذا تعددت طرقه، ولم يكن فيه متهم، ولم يكن شاذاً أي: مخالفاً لما ثبت بنقل الثقات. وهذا الحديث تعددت طرقه، وليس فيها متهم، ولا خالفه أحد من الثقات، هذا لو كان عن صاحب واحد، فكيف إذا كان هذا رواه عن صاحب، وذاك عن آخر ؟ فهذا كله يبين أن الحديث في الأصل معروف.

    والذين رخصوا في الزيارة، اعتمدوا على ما روي عن عائشة رضي الله عنها: (أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وقالت: لو شهدتك ما زرتك)، وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال، إذ لو كان كذلك لاستحبت زيارته، سواء شهدته أم لا.

    قلت: فعلى هذا لا حجة فيه لمن قال بالرخصة.

    وهذا السياق لحديث عائشة رواه الترمذي من رواية عبد الله بن أبي مليكة عنها، وهو يخالف سياق الأثرم له عن عبد الله بن أبي مليكة أيضاً: (أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين! أليس نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها).

    فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله عن هذا وقال: ولا حجة في حديث عائشة ، فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، ولم يذكر لها المحتج النهي الخاص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة. يبين ذلك قولها: (قد أمر بزيارتها) فهذا يبين أنه أمر بها أمراً يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة. ولو كانت تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور، لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال، ولم تقل لأخيها: لما زرتك. واللعن صريح في التحريم، والخطاب بالإذن في قوله: (فزوروها) لم يتناول النساء، فلم يدخلن في الحكم الناسخ، والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخاً له عند جمهور العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو المعروف عند أصحابه.

    فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص؟ إذ قد يكون قوله: (لعن الله زوارات القبور) بعد إذنه للرجال في الزيارة؛ يدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج المنهي عنها محكم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وكذلك الآخر.

    والصحيح: أن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:

    أحدها: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (فزوروها) صيغة تذكير وإنما يتناول النساء أيضاً على سبيل التغليب. لكن هذا فيه قولان:

    قيل: إنه يحتاج إلى دليل منفصل، وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل.

    وقيل: إنه يحمل على ذلك عند الإطلاق. وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم الضعيف، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة ولا ينسخها عند جمهور العلماء، ولو كان النساء داخلات في هذا الخطاب لاستحب لهن زيارة القبور، وما علمنا أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور.

    ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم علل الإذن للرجال بأن ذلك (يذكر الموت، ويرقق القلب، وتدمع العين) هكذا في مسند أحمد ، ومعلوم أن المرأة إذا فُتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة؛ لما فيها من الضعف وقلة الصبر، وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسبباً للأمور المحرمة، فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب؛ سداً للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة، وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك، وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها.

    ومن العلماء من يقول: التشييع كذلك، ويحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: (ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت) وقوله صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة) ويؤيده ما ثبت في الصحيحين: (من أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز)، ومعلوم أن قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان) هو أدل على العموم من صيغة التذكير، فإن لفظ (من) يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، وقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي صلى الله عليه وسلم لهن عن اتباع الجنائز، فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك في ذلك بطريق الأولى. انتهى ملخصاً ].

    خلاف العلماء في حكم زيارة النساء للقبور

    مسألة زيارة النساء للقبور فيها نصوص منها ما هو مظنة الجواز أو المنع، والراجح المنع مطلقاً، سواء كانت القبور مجموعة أو قبراً واحداً، لا فرق بين المجموع وبين المفرد، فيدخل كل ذلك في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمنع يكون مطلقاً، واللعن معناه الطرد والإبعاد من الرحمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يلعن على الأفعال التي تكون من الكبائر أو تنافي الواجبات التي شرعها الله جل وعلا، والذي يلعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم -سواء قدر أن اللعن دعاء أو أنه خبر- يكون قد فعل فعلاً استحق عليه ذلك اللعن، أما إذا كان في شيء لا يستحق عليه اللعن فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه اشترط على ربه أن كل من لعنه وهو لا يستحق اللعنة أن يجعلها الله جل وعلا عليه صلاة ورحمة.

    ثم هذه الأحاديث جاء ما فيه شبه معارضة لها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، قيل: (فزوروها) عموم يدخل فيه الرجال والنساء، وبهذا احتج من قال: إن زيارة النساء للقبور جائزة، قال: فقوله: (زوروها) عام، والرسول صلى الله عليه وسلم إذا خاطب الأمة بحكم من الأحكام يكون خطابه شاملاً للذكور والإناث إلا أن يأتي مخصص، ونقول: جاء دليل أخرجه من هذا العموم، مع أن الخلاف موجود بين العلماء فيما إذا جاء الخطاب من الرسول صلى الله عليه وسلم للذكور هل يدخل في ذلك النساء؟

    على قولين للعلماء: منهم من قال: لا تدخل فيه النساء، ومنهم من قال: يدخلن، أما في هذه المسألة بعينها فإنه جاء فيها تخصيص يخرج هذا الادعاء، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله زورات القبور، والمتخذين عليها السرج)، فاللعن يكون على شيء محرم ليس على فعل شيء مكروه تركه أولى من فعله، بل يكون على شيء محرم فعله محرم، وبهذا يتبين أن الصواب أن تمنع النساء من زيارة القبور.

    الجواب عن حديث عائشة

    الحديث الذي يروى عن عائشة جاء على وجهين:

    أحدهما: أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ، ولما زارته قالت: لو كنت شهدتك ما زرتك. يعني: لو شهدت موتك ما زرتك، وعبد الرحمن دفن في المقابر، فيكون هذا دليل على الجواز.

    وأما الصيغة الأخرى فإنها جاءت مطلقة، أنها رؤيت قد أقبلت من المقابر فقيل لها: ألم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ فقالت: نهى ثم رخص، وهذا -كما هو ظاهر- لا حجة فيه؛ لأن الترخيص للرجال فقط، فإنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها) فإذا فهمت أن النساء دخلن في هذا العموم فمعنى ذلك أنها لم يبلغها النهي الخاص، وإذا لم يبلغ الإنسان أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يكون معذوراً في ذلك، ولكن لا يكون فعله حجة، مع أن أصل المسألة عند العلماء إذا جاء فعل للصحابي مخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينظر إليه، وإنما الحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    وحديثها الأول كونها تعللت بأنها ما حضرته، ولو حضرته ما زارته، يدلنا بمفهومه أن الزيارة للنساء غير مستحبة، وهذا يدل أيضاً على أن النساء في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن الصحابة ما كان معروفاً زيارتهن للقبور، وهذا أيضاً دليل آخر يضم إلى المسألة، فإنه لم يعرف أن النساء كن يزرن القبور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة، ويكون قولها هذا دليلاً على أنها ما بلغها النهي الخاص الذي فيه لعن زائرات القبور، وبهذا يتبين أن الدليل سالم من المعارضة.

    يبقى ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها دعاء زيارة القبور إذا زارتهم أن تقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)، فهذا الدعاء جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه عائشة لما سألته، وهذا لا دليل فيه؛ لأن المرأة قد تمر على القبور في طريقها، وإذا مرت في طريقها على المقابر تسلم عليهم كغيرها من الناس، ولكن لا يجوز أن تذهب قاصدة للزيارة، فهذا هو ملخص الكلام الذي ذكره الشارح، وهذا هو الصواب في المسألة، وهو أن النساء ممنوعات من زيارة القبور.

    أما مسألة اتباع الجنائز فهذه لا إشكال فيها؛ لأن الأحاديث فيها صحت، ففي الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع النساء من ابتاع الجنائز، وروي أنه قال: (إنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت) وهذا تعليل للمنع، فكيف بزيارة القبور؟ فهي أعظم من ذلك، وهذا ينبغي أيضاً أن يكون دليلاً آخر على منع النساء من زيارة القبور، وإذا كان الإنسان يطلب الخير عند الله جل وعلا فينبغي له أن يتحرى الصواب في الأعمال التي يأتيها، ويجتنب الشيء الذي فيه الخطورة، فهذه المسألة لا أحد من العلماء يقول: إن المرأة إذا لم تزر القبور فإنها آثمة، بل بالعكس فإن أكثر العلماء يقول: إنها مرتكبة كبيرة من كبائر الذنوب، فيجب الابتعاد عن مثل هذا، وهذا ليس في هذه المسألة خاصة، بل في مسائل كثيرة نظير هذه المسألة. ثم الدليل الخاص لا ينسخه الدليل العام، ولا يخصصه كما في هذه المسألة، وهذه مسألة أصولية عند علماء الأصول، وذلك أن الخاص ينص على إخراج أفراد معينين، فيكون الدليل العام ليس متناولاً لذلك، وهذا أيضاً يكون جواباً على من استدلوا بفعل عائشة رضي الله عنها أو نحو ذلك.

    قال الشارح: [ قلت : ويكون الإذن في زيارة القبور مخصوصاً للرجال، خص بقوله : (لعن الله زوارات القبور ...) الحديث فيكون من العام المخصوص.

    وعما استدل به القائلون بالنسخ أجوبة أيضاً:

    منها : أن ما ذكروه عن عائشة وفاطمة رضي الله عنهما معارض لما ورد عنهما في هذا الباب فلا يثبت به نسخ ].

    يعني: ثبت عنهما أيضاً خلاف ذلك، فلا يثبت بهذا النسخ، ثم هو فعل صحابي والفعل لا يعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قال الشارح: [ ومنها : أن قول الصحابي وفعله ليس حجة على الحديث بلا نزاع، وأما تعليمه عائشة رضي الله عنها كيف تقول إذا زارت القبور ونحو ذلك، فلا يدل على نسخ ما دلت عليه الأحاديث الثلاثة من لعن زائرات القبور؛ لاحتمال أن يكون ذلك قبل هذا النهي الأكيد والوعيد الشديد، والله أعلم].

    البناء على القبور ليس من الإسلام

    قال الشارح رحمه الله: [قال محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله في كتابه تطهير الاعتقاد : فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه : غالب بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه، من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به، ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم فيأتي من بعدهم فيجد قبراً قد شيد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور؛ فيعتقد أن ذلك لنفع أو دفع ضر، وتأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضر وبفلان النفع حتى يغرسوا في جبلته كل باطل.

    والأمر ما ثبت في الأحاديث النبوية من لعن من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها، وأحاديث ذلك واسعة معروفة، فإن ذلك في نفسه منهي عنه ].

    مثل هذا الحديث: أنه لعن زائرات القبور والمتخذين عليها السرج، ومقصود الصنعاني رحمه الله أن البناء على القبور ليس من الإسلام في شيء، ولا يمت إلى شيء من الأدلة، وإنما يفعله أناس جهلة أصحاب ثروات أو أصحاب سلطة، ويكون ذلك تعظيماً لقريب لهم ليميزوه؛ لأنه كان متميزاً في حياته فيريدون أن يميز عن الأموات، فيبنون عليه البناء، ويوقدون عليه السرج، وربما وضعوا عليه الفرش، وصار له خدم ينظفون مكانه، ويدعون إلى زيارته، ويلقون على من يأتي إليه من وساوس الشيطان التي يعظم بها الشرك، حتى يخرج الإنسان من دين الإسلام إلى دين المشركين، فإذا قدر أن هذا لأجل تعظيم الميت وإكرامه حسب ما يزعمون أولاً؛ فإن هذا لا يستمر، بل يزول إذا زال أولئك، ثم يأتي من بعدهم ويجد القبر بهذه الحالة فيقر في قلبه أن هذا لأجل نفع من صاحب القبر أو دفع بلاء لمن توجه إليه إذا عظم، وهذا الذي ذكره لا يزال موجوداً في كثير من بلاد المسلمين للأسف، فيتجهون إلى القبور، ويسألون أربابها تفريج الكروب، وكشف الخطوب، والنفع والدفع، وهي رميم لا تسمع ولا تملك شيئاً، مع مخالفة ذلك لأصل الدين الإسلامي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه جاء بوجوب عبادة الله وحده، وأن تكون العبادة خالصة له جل وعلا، ولا يتعلق قلب الإنسان بمخلوق؛ لأنه يكون بذلك شريك لرب العالمين وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وأمر الله جل وعلا بالإخلاص وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، والدين كل ما يتدين به، ويرجى أن يثاب عليه المرء إذا عمله أو يعاقب إذا تركه، فيجب أن يكون هذا كله لله جل وعلا، ليس لأحد من الأموات ولا من الأحياء.

    بعض شبه القبوريين

    هذا الشرك الذي وقع فيه كثير من المسلمين ليس له أصل لا في الشرع، ولا في قول السلف الذين يقتدى بهم من أهل العلم والمعرفة، ولا في قول أحد العلماء المتأخرين، وإنما اغتر بعض المتأخرين بحكايات ودعاوى لا أصل لها، وادعوا أن التوسل بالميت جائز، واستدلوا بشبه لا تدل على ذلك.

    مثل: كون الرسول صلى الله عليه وسلم طلبت منه الشفاعة في حياته، كما في قصة الأعمى الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرد علي بصري، فقال: (أوتصبر، وهو خير لك؟ قال: بل ادع، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويسأل ويقول في سؤاله: اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة أن ترد علي بصري) هكذا جاء في بعض الروايات، فتمسكوا بهذه اللفظة على أنه سؤال بذات النبي صلى الله عليه وسلم، والواقع أنه سؤال بدعائه؛ لأنه أمره أن يدعو وهو دعا له، ولهذا قال في آخره: (اللهم شفعه فيّ، وشفعني فيه).

    وكذلك قصة عمر لما استسقى بالناس وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك، وإننا نتوسل إليك بعم نبيك. فقالوا: هذا يدل على الطلب بالأشخاص، فيطلب بهم من الله، وهذا في الواقع تضليل، ولو كان كما يقولون لما عدل عمر رضي الله عنه عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى عمه؛ لأنه لا فرق بين كونه حياً أو ميتاً إذا كان التوسل بذاته، وإنما هذا يدل على أن التوسل بالدعاء وبالشفاعة، ولهذا طلب من العباس الدعاء والشفاعة فقال: قم فادع يا عباس ! فصار يدعو، وهم يؤمنون على دعائه، هذا هو توسلهم الذي توسلوا به، يعني أنهم قدموه إماماً لهم يدعو ويؤمنون على دعائه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا يقول الفقهاء في كتب الفقه في الاستسقاء: ويستحب أن يتوسل إلى الله بالدعاء كما توسل عمر رضي الله عنه بـالعباس ، وتوسل معاوية بـأبي يزيد الأسود بن أبي يزيد الجرمي ؛ لأن مقصدهم هو أن يقدموا الدعاء، فيدعون ثم يؤمن الحاضرون على دعائهم، فهو توسل بدعائهم وليس بذواتهم.

    أما هؤلاء ففهموا عكس ما أراد أولئك، وهذا فهم خاطئ يجب أن يرد عليهم، ولا يجوز أن يغتر به.

    قال الشارح: [ومنه تعلم مطابقة الحديث للترجمة والله أعلم

    قوله : والمتخذين عليها المساجد تقدم شرحه في الباب قبله ].

    ليس معنى ذلك أنه يشترط أن تكون مساجد مبنية كالمساجد التي تعتاد للصلوات، وإنما يتخذونها مكاناً لسجودهم ولو فرضاً، وكل مكان يسجد فيه فهو مسجد كما قال صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) الأرض كلها مسجد، يعني: كل مكان صحت الصلاة فيه فهو مسجد، ولا يجوز أن يكون القبر محلاً للعبادة من الصلاة وغيرها كما سيأتي أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن تجعل البيوت قبوراً، يعني: أن تجعل مشابهة للقبور؛ لأن القبور مهجورة لا يتعبد فيها.

    حرمة إيقاد السرج على القبور

    قال الشارح: [ قوله : السرج قال أبو محمد المقدسي : لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ لأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، وإفراطاً في تعظيم القبور أشبه بتعظيم الأصنام].

    من الناس من قال: تسريج القبور مستحب، ولا يقول هذا إلا إنسان جاهل أو ضال على عنت، يريد أن يصادم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل النصوص جاءت بالنهي عن تمييز القبر بأي شيء يميزه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث إلى أماكن في الأرض من يسوي القبور، كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي عن علي رضي الله عنه أنه قال: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها)، فكان يرسل الرسل لأجل تسوية القبور بالأرض، لا يجعلها مرتفعة ومشرفة فكيف بإسراجها؟ كيف بوضع القناديل عليها والبناء عليها؟ هذه مصادمة للشرع تمام المصادمة فلا يقول قائل ممن له نصيب من علم الشرع: إن الإسراج مستحب، أو جائز، بل هو من أعظم المحرمات وهو من وسائل الشرك الذي هو أعظم الذنوب، ومن مات عليه يكون خالداً في النار نسأل الله العافية.

    [وقال ابن القيم رحمه الله: اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر].

    هذا من الكبائر لأنه وسيلة إلى الشرك، فكونه يبني على القبر بناء هذا يلفت النظر إلى هذا القبر، ويجعل المغتر يغتر به، وربما وقع في الشرك بسبب ذلك، فيكون الفعل كبيرة؛ لأنه يكون وسيلة إلى أعظم الذنوب الذي هو الشرك، أما مجرد البناء أو الإسراج فليس هذا شركاً إذا انفك عن الاعتقاد بأن صاحب القبر ينفع أو يضر أو يتصرف أو يملك شيئاً، أما إذا وقع البناء أو الإسراج أو الفرش أو الكتابات أو ما أشبه ذلك مما يوضع على القبور باعتقاد أن هذا ينفع، وأنه قد يدفع الضر؛ فهذا شرك، ويكون الفاعل لذلك مشركاً، والشرك هو أعظم الذنوب، وهذا الشرك ليس الشرك الأصغر بل هو الشرك الأكبر الذي يكون مضاداً لقول: لا إله إلا الله، وإن قال الإنسان: لا إله إلا الله، وفعل ما يضادها، وصلى وصام وحج؛ فإنه لا تنفعه صلاته ولا صومه ولا حجه؛ لأنه في الواقع ما فهم معنى لا إله إلا الله؛ لأن هذه الكلمة وضعت لإبطال الشرك كله بحيث لا يبقى عند الإنسان تعلق بغير الله جل وعلا، أو تأله لغيره، سواء كان من الأحياء والأموات أو من الأولياء والنبيين أو غيرهم، فإذا أتى بما يضاد ذلك فمعنى ذلك أنه ما فهم هذه الكلمة التي تميز الرجل المسلم عن الرجل الكافر.

    قال الشارح: [ قوله : رواه أهل السنن يعني: أبا داود والترمذي وابن ماجه فقط ولم يروه النسائي ].

    بلى رواه النسائي ، ولكن هذا فات الشارح رحمه الله، وإلا فهو موجود في السنن مطلقاً، وإذا قيل: أهل السنن فالمراد أهل السنن الأربع: أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي ، هؤلاء يطلق عليهم أهل السنن، وإذا زيد عليهم فلا بد من النص على ذلك، وإذا قيل: متفق عليه فهذا يختلف باختلاف الاصطلاح، فبعض العلماء يجعل المتفق عليه ما خرجه البخاري ومسلم ، وبعضهم يزيد حسب الاصطلاح مثل صاحب المنتقى فإنه جعل المتفق عليه ما خرجه البخاري ومسلم وأحمد ، وكل له اصطلاح يصطلح عليه، ولكن لا بد أن يبين الاصطلاح في أول الكتاب.

    1.   

    مسائل باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله

    معنى الأوثان

    [ وفيه مسائل:

    الأولى: تفسير الأوثان ].

    الأوثان هي كل ما عبد من دون الله من غير تشخيص، فالوثن يكون على صورة الآدمي أو صورة الحيوان، أما إذا كان مصوراً -سواء كان من الطين، أو من الخشب، أو منحوتاً من الحجارة، أو مصنوعاً من الحديد، أو غير ذلك- صورة مجسدة فهذا يسمى صنماً، أما إذا كان يعبد ويقصد سواء كان قبراً أو مكاناً أو شجرة أو حجراً أو حائطاً أو ما أشبه ذلك فهذا وثن، وهذا من ناحية اللفظ فقط وإلا فالمعنى واحد، وما يقع من الفاعل سواء كان للوثن أو كان للصنم لا فرق بين هذا وهذا، وقد جاء أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مر على قوم يلعبون الشطرنج، فقال: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52] ؟ فجعلها من التماثيل وهي من الأصنام، وهذا يدل على أن كل ما شغل الإنسان عن طاعة الله وصرفه عنها فإنه يأخذ هذا المعنى.

    معنى العبادة

    [الثانية : تفسير العبادة].

    العبادة فسرت بتفسيرات وتعريفات مختلفة الألفاظ، ومتفقة المعنى، فمنها التعريف المشهور عند العلماء:

    هي ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، هذا التعريف مشهور عند كثير من العلماء، العبادة: كل ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، يعني: أن العبادة مبنية على الأمر فقط، لا ينظر فيها إلى عرف الناس، ولا إلى عقولهم، ولا كون العرف يطرد في هذا أو يكون جائزاً، أو أن العقل يقتضيه، لا دخل للعبادة في ذلك.

    ومنها التعريف الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو قوله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والمقصود بالباطن أعمال القلوب، مثل الخشية والرجاء والإنابة والحب، وما أشبه ذلك، فإن هذه من أفضل العبادة.

    ومنهم من قال: العبادة هي طاعة الله جل وعلا باتباع أمره، واجتناب ما نهى عنه، مع غاية الحب والتذلل له في هذا الفعل. وهذا تعريف أيضاً صحيح، والمقصود من ذلك أن الإنسان يجب أن يكون عابداً لله، والعبادة تكون خالصة له، وتكون متضمنة للحب والخوف والرجاء، فيفعل هذه الأمور ويخاف أن يعاقبه الله لو تركها، ويرجو ثواب الله عند فعلها؛ وذلك لأن الله جل وعلا جعل الإنسان ضعيفاً لا يستطيع أن يصبر عن رحمة الله جل وعلا، ولا يستطيع أن يصبر على عذاب الله جل وعلا، لا صبر له على عذابه، ولا غنى له عن رحمته، فهو يطلب فكاك نفسه وخلاصها، وليست العبادة لنفع الله، فلا ينبغي أن يقول: أنا أخدم الله جل وعلا! الله جل وعلا غني عن كل أحد، وإنما الإنسان يعبد ربه لفكاك نفسه؛ ولهذا السبب كثر ذكر الجنة والنار في القرآن، تذكر النار ثم تذكر الجنة ترغيباً في الجنة وترهيباً من النار، حتى يفعل الإنسان ما أمر به، وينتهي عما نهي عنه.

    إذاً: العبادة غير محصورة في أفعال معينة من الصلاة والصوم والزكاة والذكر والقراءة، بل هي كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمور الواجبة أو الأمور المستحبة، وكل ما طلب فعله يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، فكل ما كان في فعله ثواب فهو عبادة، أو كان في فعله عقاب، فيكون تركه من العبادة.

    وأكثر الناس جهل معنى العبادة، ووقع في الشرك لهذا السبب، فصاروا يتجهون بالدعاء إلى الأموات وإلى غيرهم ويقولون: هذا توسل، والسبب في ذلك أنهم جهلوا أن هذا عبادة، مع أن الدعاء من أكبر العبادة، كما قال الله جل وعلا: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، فجعل الدعاء عبادة، بل هو من أفضل العبادة، وسواء كان الدعاء دعاء مسألة كأن يسأل شيئاً معيناً من أمور الدنيا أو من غيرها، أو دعاء عبادة كأن يفعل فعلاً من الأفعال التي يتقرب بها كالقراءة أو الذكر أو الصلاة أو الصوم أو الصدقة، فهذه كلها تدخل في دعاء العبادة.

    استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام مما يخاف وقوعه

    [ الثالثة : أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه ].

    المقصود بهذا أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) فاستعاذته بالله جل وعلا وطلبه منه ذلك خوفاً مما يتوقع، فدل على أن الخوف من الافتتان بالقبور وارد، وأنه ليس كما يقول كثير من الناس: إن النهي عن الصلاة عند القبور لأنه مظنة النجاسة، وإنما الواقع أنه مظنة النجاسة المعنوية التي هي نجاسة الشرك؛ لتطهر القلوب وتكون العبادة خالصة لله جل وعلا، هذا معنى قوله: إنه ما يستعيذ إلا من شيء يخاف وقوعه، يعني: استعاذ بربه ألا يجعل قبره وثناً يعبد؛ لأنه يخشى أن يقع ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    [الرابعة : قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ].

    يعني: أنه قرن في هذا الدعاء قوله (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فهذه قرينة تدل على أنه قصد بذلك ألا يتعلق المتعلق بغير الله جل وعلا، حتى لا يصرف لغير الله شيئاً من العبادة.

    شدة غضب الله على المشركين

    [الخامسة : ذكر شدة الغضب من الله ].

    يعني قوله: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والمقصود بهذا أن الله يوصف بالغضب، وغضبه يكون شديداً على بعض الناس، وبعضهم لا يكون شديداً، فمن صفات الفعل التي يتصف بها الله جل وعلا أنه يغضب على بعض خلقه، وإذا غضب جل وعلا فإنه يلعن، وإذا لعن فلعنته تبعد الإنسان كل البعد عن الخير، وقد يكون أثر ذلك في نسل الإنسان؛ ولهذا جاء في أثر -وإن كان لم يثبت ولكن معناه صحيح- أن الله جل وعلا يقول: (إني إذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد) يعني: أثر المعصية يجري على أبناء الإنسان، وأبناء أبنائه، وأبناء أبنائه إلى المرتبة السابعة نسأل الله العافية، وهذا من شؤم ذلك الإنسان.

    ومعلوم أن الفساد الذي يقع في الأرض كله بسبب المعاصي، ولو أن الناس أطاعوا الله جل وعلا وامتثلوا أمره لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولصافحتهم الملائكة على الأرض، ولن يحدث لهم شيء يزعجهم أو يؤلمهم أو يخيفهم، ولكن لا بد أن يحصل ما أراده الله جل وعلا من خلقه، وهو جل وعلا خلق الجنة والنار، وجعل لكل واحدة سكاناً، بل جعل لكل واحدة عليه ملؤها، فإنه أخبر جل وعلا أنه سوف يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119]، فهي لا تمتلئ إلا من الناس والجن فقط، هؤلاء هم الذين يسكنونها، فلا بد أن يعملوا المعاصي ويبارزوا ربهم جل وعلا بالعظائم حتى يستحقوا النار؛ لأن الله لا يدخل النار إلا من يستحقها بفعله، بعدما يعذر منه بإرسال الرسل.

    وقد أرسل الله جل وعلا إلى هذه الأمة رسولاً بلغهم رسالة الله جل وعلا، وأعلمهم كل ما فيه خير لهم، وحذرهم من كل ما فيه شر لهم، ولكن أكثر الناس يعرض عن دعوته، ولا يبالي بها، ولا يرفع بها رأساً، وكأنه يريد أن يدخل عليه الرسول في بيته ويقول له: افعل كذا، ولا تفعل كذا! ما علم أن الله جل وعلا كلفه أن يطلب ويبحث عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتعرف عليها، وإذا لم يفعل فإنه الملوم، وهو المسئول عن ذلك.

    صفة عبادة اللات وقصته

    [ السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان ].

    يقصد بهذا قول مجاهد وغيره: إنه كان رجل يلت السويق، يعني: يجعل فيه السمن ويخلطه به ثم يقدمه إلى من أتى إليه، ثم مات فدفن تحت صخرة فعبدوه، وصاروا يطوفون عليها ويعظمونها تعظيماً لذلك الشخص، فقصده بهذا أن هذا الفعل نفسه هو الذي يفعله كثير من الناس اليوم تعظيماً لذلك الميت كما عظم المشركون اللات، وكما أنها عبادة منهم للات فكذلك الذين يصنعون نظير هذا الصنيع للمقبورين اليوم هم يعبدونهم، هذا هو المقصود.

    [السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح ].

    يعني: اللات رجل صالح، سواء كان صلاحه لأنه متبع لدين الله جل وعلا، ومعروف أن العرب كانوا على بقايا من دين إبراهيم، وبعضهم كان حنيفاً ما كان يشرك، مثل زيد بن نفيل ومثل القس بن ساعدة ، ومثل ورقة بن نوفل وغيرهم ممن كان المشركون يسمونهم الموحدين؛ لأنهم يجتنبون الأصنام، ولا يأكلون مما يذبح لغير الله، ويتعبدون لله وحده، على حسب طاقتهم واجتهادهم وقدرتهم: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وقد استدلوا بفطرتهم على أن الشرك لا يجوز، فإذا كان اللات من هذا الصنف فإنه يكون صالحاً، أو أن معنى صلاحه أنه يفعل الخير ويقدمه للناس، ويحسن إليهم، فلما مات فعلوا به ما صاروا به عبيداً له.

    [ الثامنة : أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية ].

    صاحب القبر اللات، يعني: أنه اشتق له هذا الاسم من فعله وهو اللت، وهذا على قراءة التشديد، وقد يكون أيضاً على قراءة التخفيف؛ لأن التخفيف قد يكون لكثرة الاستعمال، وإن كان الأصل فيه أنه مشدد، فهو مأخوذ من اللت، أما على قول ابن عباس في الرواية الأخرى: أنه اشتق له اسم من الله سموه اللات أخذاً من اسم الله جل وعلا؛ لأنه مألوه، فهذا لا ينافي هذا القول، لأنه يجوز هذا وهذا، فإذا كان يلت، فهم كذلك ألهوه، وجعلوه إلهاً مع الله جل وعلا.

    لعن زوارات القبور والمتخذين عليها السرج

    [ التاسعة: لعنه زوارات القبور ].

    زوارات قيل: إنه جاء بهذا التشديد ليدل على المبالغة والكثرة، وهذا غير صحيح؛ لأن المبالغة تأتي ولا يقصد بها الكثرة، بل الزيارة ممنوعة مطلقاً ولو مرة واحدة، ولا يمكن أن يكون النهي عن المبالغة فقط، فتكون الملعونة التي تكثر من الزيارة، أما من دون ذلك فلا تدخل في هذا كما يقوله من يقوله من الذين لم يفهموا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا قول مخالف للحق ومجانب له.

    [ العاشرة: لعنه من أسرجها ].

    أسرجها: أي: وضع عليها السرج، ويدخل في هذا أيضاً الكتابات عليها، وكذلك تجصيصها أو تلوينها بألوان أو وضع الستور عليها، وكل ما يدل على تعظيمها يكون داخلاً في هذا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010050084

    عدد مرات الحفظ

    721855019