إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. مفهوم التجديد في الإسلام

مفهوم التجديد في الإسلامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحتوي المادة على أهمية الموضوع ومعنى التجديد عند المسلمين والمستغربين، ثم بين من هو المجدد وما هي الشروط التي لا بد أن تتوفر في المجدد.

    1.   

    أهمية موضوع التجديد

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هذا الموضوع هو موضوع مهم وخطير في واقع المسلمين اليوم، ألا وهو: موضوع التجديد، وأهمية هذا الموضوع تأتي من جوانب عديدة.

    فأولاً: التجديد هو: القدر الإلهي القادم لا محالة الذي تنتظره وتتطلع إليه نفوس المؤمنين، بعدما أجهدها السير في الطريق.

    ثانياً: إن التجديد أصبح ادعاؤه مَزْلقاً، سبَّب لكثيرٍ من الناس ألواناً من الانحراف في فهم الإسلام أو تطبيقه باسم التجديد المزعوم.

    إخوتي الكرام: أجزم أن الوقت المخصص لهذه المحاضرة وهو ساعة، إضافة إلى نصف ساعة للأسئلة غير كافٍ نهائياً للحديث عن هذا الموضوع الخطير، ولذلك فإنني منذ البداية سأحرص على التركيز على جوانب أرى أن إبرازها مهم في الموضوع، وربما لا أقف عند أمور مفيدة من الناحية العلمية لكن الأمر بالنسبة لها هين ويسير.

    فالتجديد سنة إلهية شرعية في هذا الدين، وهو ملائم جداً ومناسب لما هو معلوم من أن الله تعالى ختم الأنبياء والمرسلين بمحمد صلى الله عليه وسلم: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] فالعلماء الذين يجددون الدين لهذه الأمة هم -إن صح التعبير- نواب وخلفاء وورثة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، يقومون بدعوة الناس إليه وحثهم عليه، ولذلك يقول أحد العلماء المعاصرين المهتدين: إن العلماء في هذه الأمة هم كالأنبياء في بني إسرائيل، وهذا الكلام -في نظري- صحيح، وهو أن العلماء في أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم كبعض أنبياء بني إسرائيل من الذين لم يكونوا رسلاً يأتون برسالات جديدة، وإنما يجددون شريعة النبي السابق لهم، فعوض الله هذه الأمة ببعثة المجددين على رأس كل مائة سنة ليُحْيُوا ما اندرس من أمر هذا الدين.

    وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، فقال في حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والحاكم والبيهقي وغيرهم: {إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنة مَن يجدد لها دينها}.

    والحديث أولاً: لا إشكال في تقويته وصحته، وقد صححه العلماء، كـابن حجر والسيوطي والسخاوي والمناوي والحاكم، وغيرهم، بل قال السيوطي: اتفق العلماء والحفاظ على تصحيحه، وفعلاً بعد بحثٍ وتَحَرٍّ لم أقف على عالم واحد تكلم في صحة هذا الحديث أو إسناده، بل إن من غرائب الأمور أنه حتى أولئك الذي يرفضون كثيراً من السنة ويشككون في أحاديث الآحاد، ويقفون من الهدي النبوي موقفاً أقرب إلى العداء والرفض، حتى هؤلاء يدندنون بهذا الحديث ويقولون به، وذلك ليس لوجه الله، وإنما لحاجة في نفس يعقوب قضاها، والمهم أن الحديث متفق على صحته على ما ذكره الإمام السيوطي، وكذلك بحثتُ فلم أجد أحداً ضعَّف هذا الحديث في مصادر كثيرة جداً من مصادر السنة النبوية.

    ثم أنتقل إلى نقطة ثانية بعد هذا المقدمة والتمهيد المختصر، فأقول: ما هو جوهر التجديد؟

    أي بالضبط: ما المقصود بالتجديد؟

    وما جوهره؟

    1.   

    الجانب الأول من جوانب التجديد

    ومن خلال هذا العنوان يبدو أن التجديد المنتظر والمطلوب يتلخص في ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: هو: إحياء الفهم الصحيح للإسلام، ونفي جميع الأشياء التي دخلت على الإسلام من تأثيرات الفلاسفة أو الصوفية أو غيرها، أو من تأثيرات البيئة والواقع الذي يعيشه الناس، فهذا الإحياء للفهم الصحيح للإسلام هو من أهم مهمات المجددين، ونحن نعرف جميعاً أنه قد دخل في فهم - لا أقول في الإسلام -الناس للإسلام تأثيرات غريبة جداً، وأصبحت تقرأ في بعض الكتب أشياء لا تفرق بينها وبين ما عند اليهود والنصارى والبوذيين والمجوس والوثنيين وغيرهم، وهي باسم الإسلام تُرتَكَب.

    وأذكر -على سبيل المثال- أنني قرأت في كتاب: الطبقات للشعراني بعض القصص والأخبار في منتهى الغرابة؛ حتى أنهم ذكروا من طرائفها -فنحن إذا كنا نسمع بصكوك الغفران عند النصارى فعند الصوفية ما هو أشنع منها، وإن لم يكن على المستوى العام-: أن النقشبندي شيخ الطريقة الصوفية كان قد أراد أن يشتري من إنسان بستاناً، فاشترط عليه صاحب البستان أن يكون الثمن قصراً في الجنة، -لا يريد ثمناً في الدنيا- فوافق شيخ الطريقة على ذلك، وكتب صكاً أو عقداً -وهو مكتوب معروف-: هذا ما باع فلان بن فلان على الشيخ النقشبندي، باع لي بستانه الواقع في مكان كذا، بقصر أو ببستان في الجنة، يُحد شرقاً: بجنة عدْن، وغرباً: بجنة الفردوس، وشمالاً: بجنة المأوى، وجنوباً: بجنة النعيم، وهذا موجود بهذه الصورة.

    ومن الطريف أيضاً أنهم يقولون: لما مات هذا الرجل البائع رآه رجل في المنام وهو يقرأ هذه الآية: لقَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً [الأعراف:44].

    ويذكر عن أحمد البدوي -المسمى بالسيد-: وهم يقولون: أنه خاتم الأولياء، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، هكذا تقول الصوفية- فيذكرون عن البدوي هذا، أن الله تعالى قال له: سلني يا عبدي -حيث جعل الله له ثلاث دعوات مستجابات، كما جعل للنبي صلى الله عليه وسلم- يقول: سألتُ الله ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة -وهذا تركيب؛ لأن هناك حديث بهذا اللفظ- فأما التي أعطاه الله تعالى هو أنه سأل الله تعالى أن يغفر لكل من كان اسمه أحمد، فأعطاه الله ذلك، وسأله أن يختم به الأولياء؛ فأعطاه ذلك، وسأله أن يدخله النار!! فمنعه ذلك، نعم، منعه ذلك، وقال: لأنه لو دخلها لَتَمَرَّغ فيها ولتحولت إلى حشيش أخضر، أي لو دخل النار لتحولت إلى حشيش أخضر. وهذا ليس فيه فرق -في اعتقادي- عما هو موجود عند الديانات الوثنية والخرافية والمحرفة، لكن ميزة الإسلام أن هناك مرجعاً يمكن التحاكم إليه ونبذ ما يخالفه، وهو: القرآن والسنة، بخلاف الديانات الأخرى، فقد التبس فيها الحق بالباطل على وجه لا يمكن فيه التمييز.

    إضافةً إلى أننا نعلم أن كثيراً من الناس يستقون فهمهم للإسلام من الواقع، ويعتبرون أن الواقع مصدر الإلهام في فهم الإسلام، أيَّاً كان هذا الواقع.

    وأتعجب أن الدكتور: حسن حنفي، وهو من أدعياء التجديد، وله كتاب اسمه: التراث والتجديد، يحاول أن يقرر أن الميزان في معرفة الأشياء الصحيحة من الخاطئة هو الواقع، فكل شيء يثبت في الواقع أنه مفيد فهو صحيح، وكل شيء يثبت في الواقع أنه غير مفيد فهو غير صحيح، يعني: ليس مهماً أن يكون الأمر مشروعاً أو غير مشروع، لكن المهم أن يكون الأمر مفيداً في الواقع، فإذا كانت -مثلاً- الاشتراكية أمراً مفيداً في الواقع، أو من خلال تطبيقها تبين أن فيها -مثلاً- تحريك لطبقة معينة من الناس، وتوزيع عادل -على حد زعمه- للثروة فهي تعتبر تجديداً، وأدهى وأمر من ذلك أن هذا الرجل تكلم عن قضية ما يسمى في التاريخ الإسلامي: بوحدة الوجود، وهي فكرة صوفية تدعي أن الخالق والمخلوق شيء واحد.

    الرب عبد والعبد رب     يا ليت شعري من المكلف

    ومعروفة أبيات ابن الفارض في هذا الباب وغير ابن الفارض.

    فوحدة الوجود هذه عقيدة صوفية إلحادية، يقول حسن حنفي: إن هذه العقيدة قد تكون في الماضي غير مناسبة وغير صحيحة لضررها، لكنها في العصر الحاضر هي عين الصواب، وهي التجديد، -لماذا؟- قال: لأن القول بوحدة الوجود يعطي الإنسان قيمته وماهيته، في الوقت الذي سُحِق الإنسان فيه، وضاعت كرامته، وأُهْدِرت شخصيته، وأصبح مجرد تابع ذليل خانع، فالقول بأن المخلوق والخالق شيء واحد يعيد للإنسان نوعاً من أهميته وشخصيته واستقلاليته!

    إذاًَ ليس المقياس في رفض فكرة ما أو قبولها أن الشرع يرفضها أو يقبلها عند هؤلاء، بل يقيسون الأمر بمدى نفعها في الواقع، فإذا كان الأمر مفيداً في الواقع فهو من التجديد، وإذا كان الأمر غير مفيد في الواقع -في تقييمهم ونظرهم- فهو ليس من التجديد.

    ونعلم أن الخضوع لسياسة الأمر الواقع -على سبيل العموم- اليوم أصبح أمراًَ يهيمن على كثير من مُفَكِّري الإسلام وعلمائه، يعني: الحضارة الغربية اليوم هي الحضارة المسيطرة الغازية، وهي تبسط أجنحتها الغربية والشرقية، وتبسط أجنحتها على الدنيا كلها.

    والشعوب الإسلامية تُصَنَّف فيما يُسمى بدول العالم الثالث، أي: العالم المتخلف، الفقير الجاهل المريض، وبالتالي صار كثير من المسلمين ينظرون إلى الكفار نظرة إعجاب وتقدير، بل إن كلمة: الكفار أصبحت ثقيلة على النفوس، وكثير منا يستثقل إطلاق كلمة: كفار عليهم، مع أنها هي الكلمة الواردة في القرآن وفي السنة، وهي أمر طبيعي، لكن كثيراً منا يمكن أن يعبر بأي لفظ، لكن يستحي من أن يطلق عليهم أنهم كفار، أو يحكم عليهم بما حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكثير من هؤلاء المسلمين بل وربما الدعاة أصابتهم هزيمة داخلية، وصاروا يعيشون ما يسمى: بسياسة الأمر الواقع، فهم يقولون: لا معنى أن نظل ومتشبثين ومتمسكين بأمور معينة، على رغم أن الواقع قد رفض هذه الأشياء.

    إذاً فالجانب الأول من جوانب التجديد: هو: إحياء الفهم الصحيح للإسلام، بنبذ جميع التأثيرات الصوفية والفلسفية والخرافية والبيئية التي دخلت في الإسلام، وبعدم إخضاع فهم الإسلام للواقع الذي يعيشه الناس ويتغير من بلد إلى آخر ومن وقت إلى آخر.

    التجديد في العلوم الإسلامية

    ويدخل في هذا التجديد أيضاً: التجديد في العلوم الإسلامية.

    خذ على سبيل المثال: التجديد في علم التفسير، فما أحوجنا إلى كتاب في التفسير يفسر كلام الله تعالى بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمِرَ وكُلِّفَ ببيان القرآن الكريم، كما قال تعالى: وَأَنـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نـزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44] وفي الآية الأخرى: إِنَّا أَنـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء:105] فالرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بالبيان، وفي سورة آل عمران يقول الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] فلاحظ هذه المهمات الثلاث للرسول عليه الصلاة والسلام:

    أولاً: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2]وهذا هو البلاغ اللفظي الذي قام به الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان يتلو القرآن على الناس، ولا يترك منه حرفاً واحداً؛ حتى الآيات التي نـزلت في معاتبة الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض المواقف، كان يتلوها على الناس عليه الصلاة والسلام، فيقف أمام الناس ويقول لهم -مثلاً-: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37] فينقل الآيات التي فيها عتاب له صلى الله عليه وسلم، كما ينقل الآيات التي فيها مديح وثناء عليه، كما في قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]؛ لأن مهمته صلى الله عليه وسلم هي البلاغ.

    هذا هو معنى قوله: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2].

    ثم ننتقل إلى مرحلة أخرى في الآية: وَيُزَكِّيهِمْ [الجمعة:2] والتزكية هي: تربيتهم.

    إذاً لم تكن مهمته فقط مهمة علمية محضة، مثلما يظن بعض الناس، فيقول: أنا مهمتي أن أقول للناس هذا حلال وهذا حرام، وبعد ذلك يفعلوا ما يشاءون، لا،بل كانت مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام فوق ذلك، ويزكيهم، بمعنى: أنه يربيهم على الالتزام الصحيح والتطبيق العملي للقرآن الكريم، ولذلك صار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تطبيقاً وترجمة عملية للقرآن الكريم؛ حتى قالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم لما سألها هشام بن سعد عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: [[هل تقرأ القرآن؟ قال: نعم، قالت: كان خُلُقَه القرآن]] وكذلك جابر بن عبد الله كما في صحيح مسلم في حديثه الطويل في الحج، يقول: [[ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينـزل القرآن، وهو أعلم به منا، فما عمل من شيء عملنا مثله]] فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يزكي الناس بالقرآن الكريم قولاً وفعلاً: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2].

    ثم المرحلة الثالثة: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2] فما معنى: ويعلمهم الكتاب؟ هل معناه يقرأ عليهم الكتاب؟ لا، فهذه قد مرَّ ذكرها: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2].

    إذاً تعليم الكتاب غير تلاوة الكتاب، فيعلمهم الكتاب معناه: يشرح لهم القرآن الكريم، ولذلك لا شك في أنه ما من آية تحتاج إلى إيضاح إلا وبينها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله أو بفعله، وقد عنِي العلماء بجمع هذا التفسير في كتب كثيرة، بعضها مخطوط، وبعضها مفقود، وبعضها مطبوع، ولو راجعتَ كتاب: الدر المنثور للسيوطي، لوجدته جمع طائفة كبيرة جداً من هذه الأحاديث، ولو راجعت الجزء الثاني من جامع الأصول لوجدتَ معظم الجزء مخصصاً لكتاب التفسير، ونقل التفسير النبوي للقرآن الكريم.

    إذاً الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن كل ما يحتاج إلى بيان من القرآن الكريم، وهذا الأمر في غاية الخطورة؛ لأمور:

    إننا -الآن- نجد طوائف كثيرة من المنتسبين إلى الإسلام -وليسوا بمسلمين- أصبحوا يرفضون السنة كلها، ففي شبه القارة الهندية جماعات يُسَمَّوْن بالقرآنيين، أو بـأهل القرآن، وهذه الجماعات ترفض السنة النبوية كلها، وتعتمد فقط على القرآن الكريم، ومع الأسف قرأتُ قبل أشهر كتاباً اسمه: القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، وهو رسالة ماجستير في جامعة أم القرى بـالمملكة، والكتاب قيِّم وأشيد به وأنصح بقراءته للمهتم بهذا الموضوع، لكن مما أحزنني: أن الكاتب ذكر في إحدى الهوامش أن بعض زعماء القرآنيين قد تزوج بالأمريكية المسلمة مريم جميل، وهي امرأة لها تاريخ مشرق، ومن خلال مراسلاتها مع أبي الأعلى المودودي يبدو أن المرأة كانت تحمل هَمَّ الإسلام، وكانت تلتزم بالفهم الصحيح للدين، حتى في بداية التزامها بالإسلام، فإن كان هذا الخبر مؤكداً فهو يستحق الحزن فعلاً، ولعله أن يكون في الأمر ما فيه.

    والمهم هو أننا نعلم أن هناك من يؤمن بالقرآن ويرفض السنة، كما أننا نعلم في المقابل أن كثيراً من الذين يؤمنون بالسنة أصبحوا يحاولون أن يرفضوا كثيراً من الأحاديث الواردة مما لا يتفق مع أهوائهم وأمزجتهم.

    فنحن بهذا العمل الذي نقوم به -تفسير القرآن بالسنة النبوية- نربط بين المصدرين، نربط القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن؛ بحيث لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر، على الأقل في أذهان جماهير المسلمين، فنقول لمن يؤمن بالقرآن: لا بد أن تؤمن بالسنة، لأن القرآن أحال إلى السنة، ونقول لمن يؤمن بالقرآن -أيضاً- ويرفض بعض السنة: هذه السنة التي ترفضها هي بيان لهذا القرآن الذي تقبله، ولذلك فإن من المهم جداً أن يتجه بعض طلبة العلم كنوعٍ من أنواع التجديد، إلى مشروعٍ من مشاريع التجديد إلى تفسير القرآن الكريم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك لا بد من استبعاد ما لا يتفق مع الأصول الشرعية المقررة، والدلالات اللغوية الصحيحة من التفاسير التي سادت بين الناس، وكثيراً ما تقرأ -وخاصة في هذا العصر- ألواناً من التفسير ليس لها علاقة بالآية، يعني: يُسَرِّح المفسر أو الكاتب طرفَه وفكرَه وخيالَه، ثم يكتب ما شاء له قلمُه أن يكتب، ويسمي هذه الكتابة تفسيراً، ويعتبر أنها شرحٌ للقرآن الكريم، وهذا لا شك أنه مَزَلَّّةُ أقدام.

    ومَثَلٌ آخرُ في مجال العلوم الإسلامية، في مجال الحديث والفقه: مسألة التجديد في دراسة أسانيد السنة النبوية، أي: تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وهذه في أمس الحاجة إلى تجديد، وأعلم أن هناك علماء لهم جهود، ولعل من أبرز من نشاهده في هذا المجال: الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني، فهو مِن أحسن مَن خدم السنة في هذا العصر، وليس هو الوحيد في هذا الباب، بل يوجد من علماء شبه القارة الهندية، ومن علماء مصر كالشيخ: أحمد محمد شاكر، ومن علماء المملكة كسماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز، ومن بعض الشباب الذين يهتمون بالسنة ولهم جهود طيبة، لكن مع ذلك -في اعتقادي- أننا بحاجة إلى التجديد في مجال دراسة أسانيد السنة، فبعض الشباب مثلاً: ظنوا أن دراسة الأسانيد وتصحيح الأحاديث مسألة آلية، يأتي بكتاب: تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر الذي حكم فيه على الرواة إجمالاً، ويأتي بالرجال ويفتح التقريب، ويقول: الرجال ثقات؛ إذاً الإسناد صحيح، أو يعتمد على تصحيح الألباني أو غيره على حديثٍ ما، ويعتبر أنه مُتَعَبَّد بهذا الشيء، وقد ينتقد من يخالفه، وهذه لا شك تحتاج إلى إبعاد هذه المفاهيم عن نفوس الناس.

    فنحن إذا كنا لا نقبل من الفرد أن يقلد إماماً قديماً في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ويعرض عما عداه، فكيف بإمام معاصر! هو أولى أن لا يقبل حكمه على غيره، وليس من المقبول ما ذكره أحدهم في ترجمة الشيخ الألباني حفظه الله أنه قال: إن الألباني معاصر واطلع على ما كتبه السابقون، وبذلك عرف أسانيد وطرق لم يعرفها غيره فجاء حكمه شاملاً، فهذا غير صحيح؛ لأنه لا أحد يمكن أن يدعي أن علم السنة النبوية محفوظ عند شخص واحد أبداً، والألباني في الوقت الذي يتعقب هو غيرَه من العلماء، يتعقبُه غيرُه، فهو بشر كغيره، صحيحٌ أنه أفضل من كثير من معاصريه؛ لكن ليس معنى ذلك أن العلم توقف عند الشيخ الألباني.

    إذاً نحن بحاجة إلى عشرات الرجال من أمثال الشيخ الألباني، والشيخ أحمد شاكر وسواهم، يهتمون بدراسة الأسانيد ومعرفتها معرفة صحيحة.

    وهناك أمر آخر: وهو مسألة نقد المتون، لأنه أحياناً قد يكون السند ظاهره سليم ليس فيه آفة أو علة توجب ردَّه، لكن المتن فيه علة، وهذه أيضاً مشكلة؛ لأن الكلام هذا هو حقٌّ في ذاته؛ لكن أحياناً يكون حقاً يراد به باطل، ولعلكم تذكرون أن الشيخ الغزالي غفر الله لنا وله يتكئ كثيراً على هذه القضية في رد كثير من الأحاديث، بحجة: أن هذا المتن فيه علة فيرده، وقد أكثر من هذا الأمر، وكانت العلة في الغالب -عنده- هي مجرد أن الحديث لا يقنعه هو، حتى أنني سمعت في شريط ما يناقش طالباً جزائرياً في رسالة ماجستير في حديث أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم في النار، فقال: أنا أرفض هذا الحديث لأنه يعارض القرآن، وكل حديث يعارض القرآن -يقول بلهجته-: حُطُّهُ تحتَ رجليك!! فهكذا يقول وهي كلمة بلا شك ثقيلة وصعبة، لكن حدثت منه وهي خطأ كبير لا شك.

    والمقصود أن الشيخ كان يتكئ على قضية أن الحديث في متنه علة.

    ومن الطرائف: أنه بعد فترة من الزوبعة التي أثارتها هذه القضية رأيت شاعرة مصرية -لا أقول: عالمة ولا عالم، ولا طالب علم، ولا عُوَيْلِم، لكن شاعرة مصرية!- ولا أرغب أن أذكر اسمها، ذكرت حديث الأعمى الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إن لي قائد لا يلائمني، فقال: هل تسمع النداء، قال: نعم، قال: فأجب} فقالت: أنا لا أقبل هذا الحديث لأن في متنه علة، فهي حفظت الكلمة نفسها من الشيخ الغزالي وركبتها، لأن في متنه علة، فما هي العلة؟ قالت: لأنه يعارض القرآن، كيف يعارض القرآن يا أمة الله؟!! قالت: يعارض القرآن لأن القرآن جاء بالتيسير والسماحة والرفق، ومن غير المعقول أن الرسول صلى الله عليه وسلم يطالب هذا الكفيف أن يمشي إلى المسجد وهو على هذه الحالة، إذاً الحديث يعارض القرآن!

    وأقول: إن كلمة: إن الحديث في متنه علة، كلمةُ حق، وقد يُراد بها أحياناً باطل، ونحن لا نريد بها الباطل، بل نريد الحق، لأنه هناك أحاديث -وإن كان ظاهر إسنادها الصحة- فيها علة، وتعرف العلل من مخالفة هذه الأحاديث لأحاديث أخرى قد ترد عن نفس الصحابي وبنفس الإسناد، والأمثلة لذلك كثيرة جداً موجودة في كتب أهل العلم، ولعل مِن أكثر مَن عني بهذا الباب هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فله في نقد الأحاديث حاسة قلما توجد عند غيره من العلماء، وأذكر لكم مثالاً واحداً: وهو حديث عائشة عند النسائي والدارقطني وغيرهما أنها قالت: {كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقَصَرَ وأتْمَمْتُ، وأفْطَرَ وصُمْتُ -وذلك في عمرة في رمضان- فلما رجعنا قلت: يا رسول الله، قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ، فقال لي: أحسنتِ يا عائشة} فـابن تيمية رحمه الله قال: هذا الحديث باطل ومكذوب ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن ظاهر إسناده الصحة، والدارقطني يقول: إسناده صحيح، فلماذا باطل؟ قال: باطل من عدة وجوه:

    أولاً: إنه لم يحصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر في رمضان -هذه واحدة- وأما فتح مكة وإن كان في رمضان، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر فيه.

    ثانياً: إن عائشة لا يمكن أن تصوم والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر معها إلا بإذنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه.

    ثالثاً: إن القصر هو السنة. فقد قالت عائشة رضي الله عنها: [[فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في صلاة الحضر، وأقرت في صلاة السفر على الفريضة الأولى]] فكيف تعمد عائشة -مع ذلك- إلى أن تزيد في صلاة السفر لتصبح أربع ركعات! ثم الأغرب والأدهى والأمر: هو أن يقول لها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كله: {أحسنتِ يا عائشة!} فيصف فعلها بالإحسان، مع أنه أقل ما يقال فيه: أنه مخالف للسنة.

    إذاً من خلال هذه الأشياء كلها نكتشف أن هذا الحديث منكر، وهذا نموذج لنقد المتون، ونماذجه كثيرة جداً.

    وأنا أريد أن أذكر رءوس أقلام فقط، وأبَيِّن أن هذا الكلام قد يُسْتَغَل بطريقة غير صحيحة، لكن نحن نريد الطريقة الصحيحة بالشروط التي سوف تأتي الإشارة -إليها عما قريب-.

    الأمر الثالث: مسألة فقه السنة النبوية: فكثير من الناس قد يتعاطون الأحاديث النبوية ويقرءونها، لكن لا يفقهونها فقهاً صحيحاً، ولا يستطيعون أن يفهموا ما دلت عليه هذه الأحاديث، وهؤلاء لا شك أنهم نفعوا الأمة بحفظ الحديث، لكن نحن أحوج إلى من يستطيع أن يستفيد من الأحاديث ويُنـزلها على الوقائع ويستخرج منها حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على المسائل.

    الأمر الرابع: أننا بحاجة إلى مشروع في السنة النبوية، وهو: إيجاد ديوان جامع، يعني: كتاب تُجمع فيه الأحاديث النبوية الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يقول قائل: الأحاديث النبوية الصحيحة مجموعة، فأقول: كلا، صحيحٌ أن البخاري جمع أحاديثاً صحاحاً، ومسلم كذلك، لكن لم يستوعبا كل الصحيح، وهناك علماء آخرون ألفوا في الصحيح، أنا أعتقدُ أن المسلمين اليوم بحاجة إلى كتاب شامل يلتزم فيه مؤلفه أن لا يُورِد إلا ما صح، وكيف يعرف أن الحديث صحَّ أو لم يصح؟ إذاً لا بد من دراسة الإسناد، لكن مع دراسة الإسناد لا بد أن يلتزم -قدر الإمكان- بسرد أقوال الأئمة، وخاصة الأئمة المتقدمين في تصحيح الأحاديث، فأنا عندما تقول لي: إن هذا الحديث صححه الإمام أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري يكون عندي اطمئنان بأن الحديث صحيح، لكن عندما يقول لي -مثلاً- محقق حقَّقَ رسالة ماجستير أو دكتواره أو كتاب صغير: إن الحديث إسناده صحيح، فلا أطمئن؛ لأنني لا أعرف مدى سعة وباع هذا الإنسان في العلم، فنحن بحاجة إلى كتاب كهذا بحيث يجمع ما صَحَّ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي مجال الفقه: نحن بحاجة إلى تنقيح كتب المذاهب، واختيار الأقوال الصحيحة ورد الأقوال غير الصحيحة، وتخريج الأحاديث النبوية؛ حتى يتعبد الناس ربَّهم على بصيرة.

    وكذلك موضوع أصول الفقه: هو بحاجة إلى تنقيح وتصحيح؛ لأن أصول الفقه لا بد من معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة من هذه الأصول والقواعد، وضبطها، واستبعاد ما كان داخلاً في علم الكلام والمنطق، ولا جدوى ولا طائل من تحته، بل هو أقرب أن يكون ترفاً فكرياً، ومعوقاً أمام الطلاب الذين يريدون أن يدرسوا هذا العلم وينتفعوا به، فنحن بحاجة إلى هذا النوع من التجديد في أصول الفقه أيضاً، لكن ليس على طريقة بعض العصريين الذي يريد أن يصنع أصول فقه جديدة تتناسب مع قناعاته الخاصة.

    إذاً هذا جانب، وهو جانب يتعلق بإحياء الفهم الصحيح للإسلام -كما ذكرتُ-.

    1.   

    الجانب الثاني من جوانب التجديد: تطبيق الإسلام في الواقع

    الجانب الثاني الذي يشمله موضوع التجديد هو: تطبيق الإسلام في واقع الحياة، وهذا يشمل جوانب عديدة -أيضاً- منها:

    الصدع بالحق

    أولاً: قضية الصدع بالحق، فإذا كان بعض العلماء عدّوا أبا بكر رضي الله عنه على رأس وقائمة المجددين، فإنني أعتبر أن من أعظم المهمات والأعمال التجديدية التي قام بها أبو بكر رضي الله عنه هو موقفه يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا صنع أبو بكر؟ إن أبا بكر لم يأتِ بشيء من عنده، وكل ما في الأمر أن الناس أمام هذه النازلة الخطيرة، وهي: موت الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فزعوا وصدموا بالأمر الذي لم يكونوا يتوقعونه، فصاروا يضربون أخماساً بأسداس، حتى قام عمر وقال: [[إن ناساً يزعمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد مات، لا والله ما مات، وإنما ذهب كما ذهب موسى، وسوف يعود فيقطع رقاب قوم زعموا أنه مات]] فماذا صنع أبو بكر؟ إن أبا بكر ما زاد على أنه صدع بالحق في هذا الموقف، فصعد المنبر، وقال: [[من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144] فيقول: سبحان الله! ما إن سمع الناس هذه الآية حتى كأنهم يسمعونها لأول مرة، فصاروا يتناقلونها ويقرءونها في بيوتهم]].

    فآية طالما قرءوها في القرآن الكريم، وطالما تلوها، وطالما سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لما ساقها أبو بكر رضي الله عنه في موقعها الصحيح، وفي موضعها الطبيعي؛ كانت هي المهمة التجديدية والعمل التجديدي العظيم الذي قام به أبو بكر أول ما قام، فاقتنع الناس بها، وردَّ الناسَ بها إلى جادة الصواب.

    إذاً نحن بحاجة إلى موقف كموقف أبي بكر، لسنا بحاجة إلى شخص يخترع من عنده أشياء ويمليها على الناس على أنها دين، فهذا النوع ليس تجديداً، بل هذا مسخ للدين، فنحن بحاجة إلى من يستطيع أن يستخرج من الدين المعاني الصحيحة، ويتلوها على الناس بأدلتها، حتى إذا سمعها الناس، قالوا: سبحان الله! هذا كلام الله، وهذا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم يشهد لما قال.

    إذاً لا بد من أن نطرح الإسلام بقوة -وهذه قضية مهمة أيها الشباب- ولا بد أن نتحدث عن الإسلام بقوة وصراحة، وقضية المجاملة والمناورة والمداورة في أمور الدين يجب أن تكون بعيدة عنا، وكل ما كان حديثنا عن الإسلام صريحاً كان أدعى إلى قبول الناس، يعني: ليس من أسباب قبول الناس للدين أن نحاول أن نلطف لهم الحكم الشرعي بالطريقة التي تتناسب مع واقعهم، أو نختار من الأقوال ما يتناسب مع ظروفهم بحجة أننا نريد أن ننقلهم إلى الإسلام؛ لأننا في النهاية سنجد أننا قلنا لهؤلاء الناس: الإسلام لا يكلفكم شيئاً، والإسلام يتناسب مع أوضاعكم.

    وهؤلاء سيقولون: إذاً لسنا بحاجة إلى الإسلام.

    فنحن بحاجة إلى أن نقول -مثلاً- للأمريكان والأوروبيين والروس وغيرهم: إن الإسلام شيء آخر مختلف تماماً عما تعرفون وتعيشون، إن الإسلام يرفع أوضاعكم الاجتماعية، وأوضاعكم السياسية، وأوضاعكم الاقتصادية، والإسلام يقوم على هذه الأسس الواضحة الصريحة، وبالتالي: إن قبلوا فهذا دين الله تعالى، وإن رفضوا فنحن لسنا مكلفين بهدايتهم، كما قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48].

    أما قضية المجاملة ومحاولة تلطيف الأمور، ومحاولة جمع كلمة الناس بدعوتهم إلى الإسلام بهذه الأساليب؛ فهي تهدم ولا تخدم، وتفسد ولا تصلح، وهذه قضية يجب أن تكون واضحة، وقد جربنا أنه حتى في مجال المسلمين أنفسهم، إذا وجدت إنساناً عاصياً، وقد كنت أعجب من ذلك، فإنه وكان في أذهان كثير منا أن الشاب المنحرف الذي تربى على مشاهدة التلفاز، والكرة، وقراءة القصص الغرامية، وتضييع وقته في أمور لا قيمة لها، أن هذا لا سبيل إلى هدايته إلا بأن ينقل إلى جو قريب من جوه، نثل جو الأناشيد الإسلامية، وجو لعب الكرة، وجو الرحلات، وجو المتعة، وشيئاً فشيئاً يُجَر، وأنا لا أقول في هذا الطريق شيئاً، لكنني أقول: وجدنا بالتجربة أن هناك ناساً كانوا في قمة الانحراف، ثم اطَّلَعوا فجأة على جو متمسك جداً وليس لديه استعداد أن يتنازل لهؤلاء عن أدنى شيء، فسبحان الله! بين عشية وضحاها انقلبوا رأساً على عقب.

    فأحياناً المواقف الصارمة القوية الواضحة تدعو الناس إلى القبول أكثر مما تدعوهم قضايا المداهنة والمجاملة، فلا يجوز أن نتدسس بالإسلام، ولا نجامل الناس فيه، وهذا من الاعتزاز بهذا الدين، وهو أن نعرض الإسلام للناس بهذه الطريقة، وأنا لا أقول: أن نكون جفاة غلاظاً، نواجه الناس في وجوههم دائماً بما يكرهون. لا لكني أقول: أننا حين نتحدث عن الإسلام يجب أن نكون على درجة قوية من الأمانة، ونشعر بأننا نوقع عن رب العالمين، فلا نقول شيئاً من عند أنفسنا، بل نحن نملي على الناس دين الله وشرعه، وليس من حقنا أن نحول دينه أو نـزيد أو ننقص.

    وإذا وجد في واقعنا أمر استقر الناس عليه، هل يصلح أن نجاملهم في هذا الأمر أيضاً ونحاول أن نبحث عن معاذير؟! -مثلاً- الربا أصبح اليوم وضعاً مستقراً في بلاد المسلمين، وبيوت الربا تناطح السحاب.

    أيضاً والغناء، والموسيقى، والتصوير -وهي أشياء لا يحلها الشرع- أصبحت واقعة قائمة في بلاد المسلمين، فهل معنى كون الأمر مستقراً أن نعطيه حكماً شرعياً وأنه حلال؟! أبداً، فنحن يجب أن نقول: هذا حلال إذا كان حلالاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونقول: هذا حرام إذا كان حراماً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا عجزنا نحن عن التطبيق أو ضعفنا أو ضغطتنا أوضاع معينة، فقد يستطيع الجيل الذي بعدنا، لكن علينا نحن أن نحافظ على قداسة الحكم الشرعي.

    ولعلي أضرب لكم مثلاً من الأمثلة السياسية التي يتحدث بها الناس اليوم: إن اليهود احتلوا فلسطين، ويملكون قوة وإمكانية هائلة، فهل يعني هذا أن فلسطين تحولت إلى دولة لليهود؟! وأننا -خضوعاً للأمر الواقع- يجب أن نقول: ليس بالإمكان الرجوع إلىما كان، وهذه بلادهم، وينبغي أن نتركها لهم، ونشتغل بإصلاح بلادنا خضوعاً للأمر الواقع؟ كلا، بل علينا أن نقول: فلسطين بلد إسلامي، واليهود طارئون عليها، وإذا عجزنا نحن -الجيل الحالي- عن إنقاذ فلسطين من أيديهم، فقد يستطيع الجيل الذي يأتي بعدنا، أولادُنا أو مَن بعدَهم، وعلى الأقل مهمتنا نحن أن نحافظ على الحق المجرد ولو بصورة نظرية.

    إذاً يجب أن لا نُخضِع الحق للواقع، بل علينا أن نكون واضحين، لا نلف ولا ندور في عرض قضية الإسلام على الناس، سواء كانوا مسلمين عُصاة أم كفاراً.

    التجديد في ميدان الدعوة

    وهناك جانب آخر من جوانب التجديد في تطبيق الإسلام، وهو: التجديد في ميدان الدعوة إلى الله تعالى، والتجديد في وسائل الدعوة.

    والدعوة إلى الله الأصل فيها الإباحة، بمعنى: أن أي وسيلة جديدة يتَفَتَّق عنها العصر الحاضر أو العصور القادمة إذا لم تكن محرمة -لم يقم الدليل على تحريمها- فالأصل جواز استخدامها في الدعوة إلى الله تعالى، ولا يشترط في الوسيلة أن تكون توقيفية، بمعنى: أن تكون منقولة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد استخدم المسلمون في الدعوة وأمور الإسلام وسائل لم تكن موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام: كتدوين الدواوين، وتنظيم الجند، وقضايا بيت المال، وقضايا الكتب، وغيرها من الأمور والوسائل التي جدَّت في عصور متأخرة؛ فأخذها المسلمون عن الأمم الأخرى وانتفعوا بها، فالأصل في الوسائل الإباحة.

    ولا شك أن العصر الحاضر تَفَتَّقَ عن وسائل كثيرة للدعوة إلى الله تعالى، ومما يُعاب على الدعاة أنهم ما زالوا جامدين على وسائل قديمة، ولم يفكروا في الاستفادة من الوسائل الجديدة في الدعوة إلى الله، ولعلَّ أبرز مثال هو وسائل الإعلام: فسائل الإعلام أصبحت تصوغ عقول الناس وحياتهم وأفكارهم في كل مكان؛ لكن آخر مَن يهتم بوسائل الإعلام هم الدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ، وإذا اهتموا بها اهتموا بها بطريقة غير صحيحة -في كثير من الأحيان- وغير مجدية، بل ربما يكون ضررها أكثر من نفعها.

    وقضية الإدارة -مثلاً-: كثير من أعمالِ المسلمين ومراكزِهم وجهودِهم ومؤسساتِهم مَبْنِيَّة على نوعٍ من الفوضى والارتجال، ولم تستفِد من الطرق والنظريات الجديدة في الإدارة، فهناك طرق تطورت الآن تطوراً مذهلاً وهائلاً، وأصبح بالإمكان الاستفادة من الوقت، وضبط الوقت، وحفظ الوقت، وطرد إدارة أعداد هائلة من الناس بسبب كمية قليلة بطرق معينة.

    فنحن نحتاج إلى الاستفادة من هذه الوسائل، وقل مثل ذلك في وسائل كثيرة جداً في هذا العصر.

    ومن الأشياء المهمة أيضاً في قضية تجديد الإسلام ووسائل الدعوة، هي: موضوع مخاطبة الجماهير، فقد آن الأوان ألا تكون الدعوة إلى الإسلام وقفاً على دعوة الشباب والطلاب وغيرهم، لا،بل نحتاج الآن إلى مخاطبة جماهير الناس؛ لأن الجماهير اليوم مستهدفون من أعداء الإسلام، ولعلكم جميعاً تسمعون عما يسمى بالبث المباشر، الذي تخطط له الدول الأوروبية والغربية والشرقية عبر الأقمار الصناعية، بحيث تسقط آلاف البرامج على البلاد الإسلامية ليتلقاها الناس في قعر بيوتهم، وهذا غزو خطير: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب:10] وفعلاً هذا هو الواقع، فأعداء الإسلام يخاطبون جمهور المسلمين اليوم، والضالون والمنحرفون من المسلمين وأصحاب المناهج المنحرفة اليوم يخاطبون جمهور المسلمين. وأيضاً الدعاة بحاجة إلى أن يخاطبوا جمهور المسلمين، وأن نبسط العلم للناس، ونسهله لهم، وأن نحاول أن نخاطب أكبر طبقة ممكنة من الناس من خلال الوسائل المتاحة.

    1.   

    الجانب الثالث في جوانب التجديد: الشمولية والتكامل

    الجانب الثالث في التجديد وهو جانب مكمل، هو: جانب الشمولية والتكامل، فمثلاً:

    الشمولية والتكامل في مجال العلم الشرعي

    في مجال العلم الشرعي: تجد من الشباب اليوم وفي الماضي مَن يُهدرون الفقه المذهبي -فقه المذاهب- ويرون أن هذا الفقه لا قيمة له ولا ثمرة، وأنه مجرد ترف، فيهدرون هذا الأمر ويهملونه، في حين أنك تجد طوائف من الناس يهدرون ما هو أعظم وأجل وهو السنة النبوية، ويعتبرون أن الاشتغال بهذه السنة لا قيمة له، وأن الأولى بالإنسان أن لا يشتغل بها ما دام ليس عالماً؛ لأن هذه السنة قد تفهمه أشياء غريبة، وربما يأتينا من يقول: لا تشتغل بالقرآن، وأذكر أن أحد الفقهاء -ولا أريد أن أذكره- قال في كتاب مطبوع في تفسير القرآن الكريم -في تفسير سورة الكهف- عند تفسير قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً [الكهف:23] إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:24] قال: إن ظواهر القرآن الكريم تقتضي الكفر المحض!! أي: ظاهر القرآن الكريم كفر! أعوذ بالله من ذلك! إذا كان كلام الله ظاهره كفر، وكلام الرسول ظاهره كفر، إذاً ماذا بقي لنا؟! ومن أين نأخذ ديننا؟

    إذاً هناك من يهدر أقوال أهل العلم، وهناك من يهدر ما هو أعظم وأجل منه، وهي السنة النبوية، وقد تجد من يُهدر الأخذ من القرآن الكريم، ويعتبر أن قراءة القرآن الكريم هي لمجرد البركة، ولا شك أن هذا كله خطأ، وأن المطلوب أن نهتم بالقرآن الكريم والسنة النبوية باعتبارها مصادر للتشريع، ونهتم بأقوال أهل العلم باعتبارهم من السلف -من الصحابة والتابعين والسلف- وباعتبارها مشيرة ومبينة لمعاني كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم إنما يبينون ويشرحون القرآن الكريم.

    في مجال العلوم المادية

    وأيضاً تجد من الشباب من يُهدرون العلوم المادية، والعلوم الإنسانية مثل: علم التربية، والاجتماع، وعلم النفس، والعلوم الطبيعية والبشرية: كالطب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء، وغيرها من ألوان العلوم التي يحتاجها المسلمون في حياتهم، ويحتاجونها في نهضتهم، ليس فقط من أجل أن نقول للناس: انظروا من الممكن أن يكون الشخص متخصصاً في الطب وهو متدين، أو متخصصاً في الفيزياء وهو متدين، فهذا أمر مطلوب وليس فيه إشكال لكن نحن الآن نتطلع إلى نهضة إسلامية شاملة في جميع المجالات، ونتطلع إلى بناء حياة إسلامية كاملة، وهذه الحياة -بلا شك- تحتاج بالدرجة الأولى إلى الفقهاء والعلماء الذين يصوغون مناهج الناس على ضوء الكتاب والسنة، وتحتاج أيضاً إلى الطبيب المسلم، بل الفقيه نفسه يحيل إلى الطبيب في كثير من قضاياه، ويأخذ بقوله في كثير من المسائل، ويحيل إلى غيره في التخصصات الأخرى، فنحن بحاجة إلى جميع التخصصات المباحة التي يحتاجها الناس في أمور حياتهم، ولا يكفي الناس شيءٌ من ذلك بل لابد من الشمول والتكامل فيها.

    في المجال العملي

    وكذلك التكامل في المجال العملي: -مثلاً- وأنتم تعرفون أن الخلاف بين الدعاة على أشده، ووعدتكم أنه إذا أتيحت لي فرصة أن أتحدث عن هذا الموضوع، لكن أشير الآن باختصار أن هناك من الدعاة من يهتم بالإصلاح الاجتماعي، مثلاً: إقامة جمعيات خيرية، ومدارس، ورعاية الأيتام، ومساعدة المحتاجين والإحسان إليهم، وما شابه هذا، فهذه لا شك أنها أعمال طيبة وعظيمة وهي من صميم الدين.

    وطائفة أخرى من الناس تجدها تهتم بالجانب السياسي -مثلاً- وتتحدث عن قضية تطبيق الإسلام في واقع السياسات، وضرورة فرض الإسلام على الواقع، وفهم الواقع، وضرورة المناورات السياسية، والنـزول للميدان، والتركيز على ما يسمى بقضية الحاكمية.

    وطائفة ثالثة تجدها تهتم بقضية التعبد، وتطبيق السنة، وكيف يستطيع الإنسان أن يصلي كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي، أو يصوم كما كان صلى الله عليه وسلم يصوم، وهذه الأمور -مع الأسف الشديد أيها الإخوة- أصبحت الآن كأنها أضداد ينقض بعضُها بعضاً، وكل واحد يعمل عملاً ينتقد الآخرين، فهذا ينتقد هذا بأنه إنسان له أغراض سياسية، ويعتبر هذا مَسَـبَّةً له، وهذا ينتقد إنساناً بأنه مشغول بقضايا العبادة، وكيف تركع؟ وكيف تسجد؟ ويترك السياسة للضالين والمنحرفين! وذلك يقول: أنا مشغول مع الفقراء واليتامى والموتى، وتكفين الموت وغسل الموتى؛ ليترك الأحياء، وهكذا كل إنسان أصبح ينتقد العمل الذي يقوم به الآخر، لكن الإسلام أشمل من ذلك كله، وهذه الأعمال كلها يمكن أن تندرج تحت الإسلام؛ بشرط أن تكون أعمالهم يكمل بعضُها بعضاً، ولا ينقض بعضها بعضاً، وليس هذا ينتقد ما قام به هذا، بل على الإنسان أن يفهم أن هذا الدين شامل، يريد من المسلم أن يقوم بهذه الأشياء كلها، وكل إنسان ناجح في تخصصه ومجاله الذي يثمر فيه، وما يتناسب مع طبيعته ومواهبه وإمكانياته وظروفه، وفي كلٍ خير إن شاء الله.

    ولكن بشرط أن نعلم أن هناك القضايا العامة التي لا بد من أن تكون موجودة عند الجميع، مثل: قضية العقيدة الصحيحة، فهي لا بد أن تكون قاسماً مشتركاً عند الجميع، والعلم بفرض العين -كيف تصلي؟ كيف تصوم؟ فهذا فرض عين، يجب أن يعلمه الجميع- ثم بعد ذلك أنا أتخصص في دراسة السنة، ومعرفة التفاصيل، ودعوة الناس إليها، وأنت تتخصص في رعاية الأيتام وكفالتهم، وثالث يتخصص في بناء المساجد، ورابع يتخصص في أمور من هذا القبيل، والأمر في ذلك واسع، وقل مثل ذلك في قضية الجهاد، والجهاد اليوم هَمٌّ من أكبر الهموم التي يعانيها المسلمون، فقد تجدُ أن المسألة صارت على طرفي نقيض، إما أن نخرج جميعاً للجهاد، وإما أن نثبط المجاهدين ونحط من عزيمتهم وقدرهم، فالجهاد باب من أبواب الجنة، بل إن فيها مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ومن أنواع التجديد العملي: التجديد في ميدان الجهاد، ولا شك أن للمجاهدين الأفغان قصب السبق في هذا الميدان، فقد ظل المسلمون فترة منذ سقوط الحكم العثماني وهم لا يسمعون بقضية الجهاد، اللهم إلا أن يكون دفاعاً عن النفس في حدود ضيقة جداً، بل إن قادة الجهاد بحركتهم المباركة رفعت رءوس المسلمين، ونفخت الكرامة والعزة والحماس في الشعوب الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، فأصبحنا نسمع تحركات في فلسطين، وفي اليمن الجنوبي، وفي إريتريا، وفي الفلبين، وفي مناطق كثيرة جداً، حيث انتعش الناس وتحركوا لقضية الجهاد في سبيل الله، فهذه قضية مهمة، ولا يعني ذلك أنه عندما أكون مؤيداً للجهاد أنه من الضروري أن أذهب للجهاد، أو أعتبر أن الجهاد هو المقياس الصحيح وأن كل الناس من الضروري أن تكون مجاهدة، فنحن بحاجة إلى مجاهدين، وهذا صحيح، لكن لا يعني التقليل من جانب المتخصصين في العلم الشرعي، فالعلم الشرعي من أعظم أنواع الجهاد، والدعوة إلى الله تعالى من أعظم أنواع الجهاد، ومقارعة العلمانيين الشيوعيين في بلاد الإسلام من أعظم أنواع الجهاد، فالجهاد ليس ميداناً واحداً فحسب.

    وقد ذكرت آنفاً الأمر الثالث: وهو الشمول والتكامل في الجانب العلمي، وأخذ العلوم كلها، وفي الجانب العملي القيام بالأعمال كلها، فليس بالضرورة أن شخصاً واحد يقوم بالأشياء كلها، لكن المهم أن يكون عنده تصور صحيح؛ حتى يعذر الناس فيما يعملون، وتكون هذه قاعدة لتوحيد وجمع كلمة المسلمين.

    الانحرافات في فهم الشمولية

    والجانب الآخر الذي أرى أنه مهم في موضوع الشمولية: هو ضرورة تغيير طريقة التفكير عند كثير من الشباب، فطريقة التفكير عند كثير من الشباب فيها أخطاء كثيرة، ومن هذه الأخطاء والانحرافات في تفكير بعض الشباب:

    تركيز اهتماماتهم على أمور جزئية حتى تشغل كل أوقاتهم، فكل وقته -مثلاً- أصبح مشغولاً بالحديث في المجالس الخاصة والعامة حول عشر مسائل هي كل ما لديه.

    أما القضايا الكبرى الأصولية والمصيرية، وقضايا الأمة قد انشغل عنها الكثير منا بجزئيات وفرعيات لا يجب الاشتغال بها عن غيرها، فهذا من الخطأ في التفكير، والمصيبة أنه ليس خطأً فردياً، بل هو خطأٌ شامل، ومن خلال تطوافي على كثير من الشباب في عدد من البلاد الإسلامية ساءني جداً أن هذا الأمر موجود، وأن الاهتمامات قاصرة ومحصورة في قضايا جزئية تُعد على رءوس الأصابع، وما عدا ذلك ليس له في عقول كثير من الشباب أي موقع، وهذا خطر كبير، حتى قضايا العقيدة، وقضايا الأصول، وقضايا المنهج ليست معروفة.

    وانحراف آخر في تفكير بعض الشباب يخل بالنظرة الشمولية التكاملية المعتدلة: وهو أن الشباب لا يعرفون أنصاف الحلول، فإما أن يعطوا الشيء: (100%) أو يعطوه: صِفْر%.

    فإذا تكلموا عن شخص، إما أن يرفعوه فوق الثريا، أو يهبطوه تحت الثرى، فهم لا يقفون به عند حده الصحيح المعتدل.

    وإذا تكلموا عن عمل من الأعمال، إما أن يكون هذا العمل عملاً كاملاً، أو لا شيء.

    وإذا تكلموا عن كتاب من الكتب، إما أن يحولوا هذا الكتاب إلى كتاب شعوذة وخرافة، وإما أن يحولوه إلى كتاب أشبه بالكتاب المقدس، وهذا كله انحراف في التفكير، والغالب أن هذه الأمور التي يختلف فيها الناس أن الحق فيها هو الوسط التفصيل، وأن هذا الشخص الذي يختلف الناس حوله بين مُفْرِط ومُفَرِّط، له فضائل وحسنات، وله عيوب وسيئات، وهذا العمل الذي يختلف الناس فيه، سواءً كان جهاداً أو مشروعاً أو مؤسسة أو دعوة فيه فضائل وحسنات، وله أخطاء وسيئات، وهذا الكتاب الذي يختلفون حوله له إيجابيات، وله أخطاء وسيئات.

    1.   

    حقيقة المجدد وشروطه

    من هو المجدد؟ وما هي شروطه؟

    وهذه قضية مهمة جداً، يقول السيوطي في ألفيته المشهورة:

    وكونه فرداً هو المشهور قد نطق الحديث والجمهور

    فهو يرجح أن المجدد فرد واحد، ويزعم أن هذا مذهب الجمهور، وأعتقد أن نسبة الأمر إلى الجمهور فيه نظر، فإن أكثر أهل العلم الذين اطلعتُ على أقوالهم: كالحافظ ابن حجر وابن الأثير والذهبي والمناوي وغيرهم، يذكرون أن الأولى هو أن التجديد ليس مهمة فرد بل مهمة طائفة من الأمة، ومما يرجح ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث رواه واحدٌ وعشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة} فهذه الطائفة المنصورة هي المجددة، وهي التي تقوم بمهمة التجديد، وذَكَرَ المنصورة، بأنهم قائمون بأمر الله، وهذا هو التجديد.

    إذاً التجديد مهمة طائفة وليست مهمة فرد، خاصة في هذا العصر؛ لأننا نعرف أن الأمة كثرت وتوزعت من جهة، ومن جهة أخرى: أن المفاسد والانحرافات عمَّت وطمَّت، ومن جهة ثالثة: فإن المجددين نوعيتهم قلَّت، فمن لنا بمثل: الشافعي، أو عمر بن عبد العزيز، أو أحمد بن حنبل، أو ابن تيمية -والله المستعان- فلذلك القول الصحيح -خاصة في العصور المتأخرة-: أن التجديد مهمة طائفة منوعة، وليست مهمة فرد واحد، لكن لا يمنع أن هذه الطائفة لها رموز وقيادات وزعامات بارزة، وهذه الزعامات البارزة توجَد في كل عصر -لا شك- لكن يشترط لها شروط، وهذه الشروط هي:

    أن يكون المجدد من الطائفة المنصورة

    وهذا معروف مما سبق؛ لأنه إذا كانت الطائفة المنصورة هي المجددة، فمعنى ذلك أن الزعامة، أي: الذي يكون أبرز من غيره في مهمة التجديد لا بد أن يكون من هذه الطائفة المنصورة، ولذلك فإن الذين يُحْسَبون من أهل البدع لا يمكن أن يقوموا بمهمة التجديد في حالٍ من الأحوال، ويجدر التنبيه إلى أنه في هذا العصر قامت حركات قوية تنادي بتجديد منحرف، وأشرت قبل قليل إلى حسن حنفي، وكتابه: التراث والتجديد، وليست القضية قضية حسن حنفي، بل هي قضية اتجاه شامل واسع، فمثلاً: زكي نجيب محمود، الفيلسوف المصري المعروف، صاحب مجموعة كبيرة من المؤلفات، على رأسها: كتاب: تجديد الفكر العربي، وكذلك عبد الله العروي، وغيرهم يحاولون أن يطرحوا قضية التجديد من منطلقاتهم الخاصة، والتجديد عندهم هو: إخضاع الإسلام للعقل والواقع، وهذا هو معناه عندهم باختصار شديد.

    إذاً لا بد أن يكون المجدد من الطائفة المنصورة.

    أن يكون المجدد من العلماء

    ولذلك يقول السيوطي في: ألفيته:

    لأنـَّهُ في رأسِ كُلِّ مـائةِ     يَبْعَثُ رَبُّنا لِهَذِي الأُمَّةِ

    -مَنَّـاً عليها عالِمَاً يُجَدِّدُ     دِيْنَ الْهُدى؛ لأنهُ مُجْتَهِدُ

    ثم قال في وقته:

    يُشارُ بالعلم إلى مَقامِهِ     ويَنْشُرُ السُّنَّةَ في كلامِهِ

    وأن يكون جامعاً لكُلِّ فَن      وأن يَعُمَّ عِلْمُه أهلَ الزَّمَن

    إذاً لا بد أن يكون المجدد عالماً، وليس بالضرورة أن يكون-كما يقول السيوطي-: عالماً بكل فن، فإن هذا أمر قد يكون متعذراً، لكن في نظري أن القضية الأساسية التي نشترطها في الزعماء الذين يقومون بمهمة التجديد: أن يكون عندهم استيعاب للعلوم الشرعية، أي: بمعنى أنه يستوعب ثم يبني على ما استوعب، فيكون عنده فهمٌ، حيث يكون قد دَرَسَ الفقه -مثلاً- ودرس العقيدة الصحيحة، ودرس الحديث النبوي دراسة متأنية بطيئة، ثم بعد ذلك بنى عليها آراءه الجديدة التي تُعْتَبَرُ داخلة في إطار التجديد.

    وخذوا على سبيل المثال: الإمام الشافعي، ما هو العمل التجديدي الذي قام به الشافعي حتى اعتُبِرَ أنه من أول المجددين؟ -هو ثاني المجددين عند كثير من العلماء- أعظم عمل قام به الشافعي: هو تصنيفه لكتاب: الرسالة، والرسالة في أصول الفقه: وهو طرائق الاستدلال من الكتاب والسنة.

    ميزة الشافعي في هذا الكتاب: أنه هضم العلم السابق، واستقرأ الكتاب والسنة وطرائق العلماء، ثم وضع الأسس والأصول التي يُبنى عليها فهم الكتاب والسنة.

    إذاً: الشافعي هضم علم السابقين، أو أسس علم السابقين، ثم بنى عليه عملاً تجديدياً جليلاً وهو: تأليفه لكتاب: الرسالة، الذي يضبط طرق الاستدلال بالكتاب والسنة، فـالشافعي ما جاء من فراغ، أو درس الفلسفة وقام يُنَـزِّلها على الكتاب والسنة، ويحاكم الكتاب والسنة إلى أصولها، بل استقْرَأَ واستوعبَ العلم الشرعي، ثم أفرزَ عملاً تجديدياً.

    وخُذ مثالاً آخر: وهو ابن تيمية رحمه الله، وهو من أئمة المجددين، فـابن تيمية كانت العلوم كلها كأنها بين يديه، يأخذ منها ما يشاء، ويَدَع ما يشاء، وإذا تكلم ابن تيمية عن أي قضية فقهية فإنه يحكي رأي كل مذهب من المذاهب وكأنه من أصحاب المذهب، فإذا قال: مذهب أبي حنيفة كذا فإنه يتكلم وكأنه حنفي، وإذا قال: مذهب الشافعي كذا فإنه يتكلم وكأنه شافعي، وهكذا، وكل مَن يقرأ كتب ابن تيمية يشهد شهادة حق وصدق بأن الرجل استطاع أن يهضم كثيراً من العلوم الضرورية التي سبقه إليها العلماء من قبله، ثم يبني ويستخرج من خلال هذا الكم الهائل الغزير من العلوم آراء وقواعداً وأسساً تجديدية ربما لم يُسْبَق إليها من قبل، ولذلك كان ابن تيمية معلماً بارزاً في تاريخ الإسلام، وفي تاريخ العلم الشرعي.

    إذاً لا بد أن يتصدى للتجديد من يكون -إن صح التعبير- قد طُبِخَ على نارٍ هادئة، ولا يكون إنساناً حطاباً، ثقافته ثقافة صحفيين، قرأ من هنا كتاباً، ومن هنا فصلاً، وسمع هنا محاضرة، ودرس في المدرسة الفلانية أشياء يسيرة، ثم خُيِّل إليه أنه يستطيع أن يجدد ويأتي بآراء؛ لأنه في هذه الحالة سيفسد أكثر مما يصلح، وسوف يخالف الأصول والقواعد والمنطلقات المتفق عليها، وهو يظن أنه يأتي بعمل لم يُسْبَق إليه، خاصة إذا وجد لديه شيءٌ من الجرأة والشجاعة وعدم التورع الذي يمنعه عن الإقدام في مثل هذه الأمور.

    أن يكون المجدد إماماً

    ويقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] والإمامة ليست بالأمر الهين، بل هي مهمة المجددين: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].

    إذاً لا بد من الصبر حتى ينال الإنسانُ الإمامة: الصبر على طول الطريق، وعلى كثرة المخالف، وعلى المشاكل، وعلى الفتن، وعلى البلوى.

    ولا بد من اليقين الراسخ، الذي لا يتزعزع مع وجود المضايقات والمخالفات الكثيرة، ولذلك يقول سفيان: [[بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين]].

    إذاً: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].

    وأخيراً أقول -كما قال الإمام مالك، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهما-: [[لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم]].

    فمن خصائص الأئمة: أن يتجنبوا شذوذات العلماء، يقولون: هذه شذوذات، يُلْتَمَسُ العذرُ لأصحابها، لكن لا يُتابَعون عليها، فالذي يَتْبَع الشذوذات، وينتقي من هنا ومن هنا ومن هنا، ويَختار ما يَتَرَخَّصُ به، هذا لا يمكن أن يكون إماماً في العلم.

    وأرجو الله تعالى أن تكونوا قد استفدتم من هذه الكلمات.

    وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    ضرورة التجديد

    السؤال: ألا ترون أن التجديد ضروري في الآونة الأخيرة، خاصة في فقه المعاملات، وأخص بالذكر فقه الزكاة، وفقه الربا؟

    الجواب: التجديد اليوم ضروري في كل مجال، وليس فقط في فقه المعاملات، بل التجديد ضروري في حياة المسلمين، وفي واقع المسلمين، لكن التجديد اليوم أعتقد أنه مهمة أعسر من أي وقت مضى؛ لأن المسلمين الآن يستيقظون بعد سبات طويل، ويستيقظون وقد أحاط بهم الأعداء من كل جانب، ويستيقظون وقد غُزوا في عُقر دارهم، فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة إلى التجديد في جميع المجالات بدون استثناء، وبحاجة -كما يقول التعبير العصري- إلى كوادر مدربة في جميع المجالات، في العلوم الشرعية، وفي العلوم الدنيوية، وفي العمل، وفي الجهاد، وفي الإدارة، وفي جميع مجالات الحياة بدون استثناء.

    مفهوم تقنين الشريعة

    السؤال: نسمع كثيراً عن النداء إلى تقنين الشريعة، ما المقصود بهذا؟

    وما رأي الإسلام فيه؟

    الجواب: المقصود بتقنين الشريعة: تحويل الأحكام إلى قوانين، أي: على شكل قوانين ومواد مضبوطة.

    وهذا التقنين الذي يبدو لي فيه أن الشريعة لا تتحمل مثل هذا التقنين؛ لأننا نعرف ونعلم أن الأقوال الفقهية تختلف، وسبق ذكر موضوع الخلاف، والأدلة في ذلك، فالتقنين سيكون على أي مذهب؟

    وعلى أي اختيار؟

    ومن هو الذي يقوم بهذا العمل؟

    فالقضية تحف فيها أمور كثيرة جداً، والدعوة هذه ينظر إليها عددٌ من الناس بعين الريبة.

    حقيقة المدرسة العقلية

    السؤال: إلى أي مدى نستطيع أن نأخذ بـالمدرسة العقلية في التفسير؟ وما هي المحاذير الواجب تلافيها في هذا الجانب؟

    الجواب: أولاً: بعض الإخوة ينتقدون.. لماذا يقال: المدرسة العقلية، وأقول لهم: لا مشاحة في الاصطلاح؛ لأننا حين نقول: العقلية لا نقصد أنهم مدرسة عقلية وغيرهم بلا عقول، لا،إنما المدرسة العقلية تقال في مقابل المدرسة العقلية النقلية أو النقلية العقلية، فنحن لا نهدر العقول لكن نقول: لا بد من الأخذ بالمنقول والمعقول، ونجزم بأن صحيح المنقول وصريح المعقول لا يمكن أن يختلفا، كما أننا حين نسمي ناساً بـالقرآنيين، لا يعني أن غيرهم لا يؤمن بالقرآن، بل هم القرآنيين فقط، وهم يقابلون الذي يؤمنون بالقرآن والسنة، فلا إشكال في هذا الاصطلاح.

    أما فيما يتعلق بـالمدرسة العقلية: فإن المدرسة العقلية متأثرة إلى حد بعيد بمدرسة المعتزلة، بل هي امتداد لها في عدد من المسائل، وبعض العقلانيين المعاصرين يصرحون بأنهم معتزلة، وأنهم يؤيدون مذهب المعتزلة، كما يصرح بذلك حسن حنفي -مثلاً- في الكتاب الذي أشرتُ إليه، وكما يصرح به حسني زينة في كتابه: العقل عند المعتزلة، وآخرون لا يستطيعون أن يقولوا هذا بهذه الصراحة؛ لكن بصمات المعتزلة عليهم ظاهرة، حتى الشيخ الغزالي غفر الله لنا وله في مقابلة مع جريدة المساء المصرية قال: أنا تأثرت بكثير من العلماء، وذكر منهم: القاضي عبد الجبار، وهو شيخ من شيوخ المعتزلة مشهور، وذكر غيره من علماء أهل السنة وغيرهم.

    فعلى العموم نقول: المدرسة العقلية كمنهج، يجب محاربته؛ لأنه يقوم على أسس غير صحيحة، لكن الحق في الجزئيات يؤخذ ممن جاء به بغض النظر عمن يكون، ففي التفاصيل قد يكون هذا العالم أصاب في مسألة وأخطأ في مسائل، لكن من حيث المنهج يجب محاربته.

    حكم التفسير العلمي للقرآن الكريم

    السؤال: إلى أي مدى نستطيع الأخذ بالتفسير العلمي للقرآن الكريم؟

    وما هي محاذير الأخذ بهذا النوع من التفسير؟

    الجواب: التفسير العلمي -الحقيقة- كنت أود الإشارة إليه، لكن لا أدري هل نسيت؟

    أم العجلة أخذتني في ذلك؟

    فقضية التفسير العلمي، أو ما يسمى بالإعجاز في القرآن، قضية تحتاج إلى اعتدال؛ لأننا نلحظ من الناس من يرفض هذا الإعجاز، ويقول: هذا تلاعب بالقرآن الكريم، ومن الناس من يقبل على علاته ويتوسع فيه.

    وأذكر على سبيل المثال ولعلكم جميعاً تعرفون رشاد خليفة، وهو موجود في هذه البلاد، وأول ما ظهر اسمه كان يتحدث عن قضية الإعجاز العددي في القرآن الكريم، وأذكر أنه نُشِر في عدد من صحفنا أن هناك معجزة عصرية للقرآن الكريم سوف تُنشَر على كتب وأشرطة، وأن الناس ينبغي أن يساهموا فيها لخدمة القرآن الكريم، وأذكر أن الإعلان هذا مضمونه: إن هذه المعجزة سوف تضطر الناس كلهم إلى الإسلام، يعني: كان فتحاً عظيماً، وكما يقال: تمخض الجبل فولد فأراً، بل ما هو دون الفأر، لأن رشاد خليفة هذا جاءتني رسالة من أحد الشباب قبل زمن فيها مجموعة منشورات، يدَّعي الرجل فيها النبوة، على حسب ما هو موجود في الأوراق، ويقول: إنه نبي، والدليل على أنه نبي: أنه وُلد في: (19/نوفمبر) وحروف بسم الله الرحمن الرحيم (19) حرف، وكذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30].

    فقلت لبعض الشباب: لماذا لا يكون هذا دليلاً على أنه من أهل النار؟! لأن الله تعالى يقول: (عليها) يعني: النار، (تسعة عشر) ونحن لا نحكم على الرجل لأنه قد يتوب فيتوب الله عليه، لكن أقول: إن دعواه النبوة بهذا من السخف بمكان، وليس دعوى النبوة بأولى من دعوى بأنه من أهل النار؛ لهذا الدليل نفسه، لكن بالتأكيد ستجد من يتبعه ويطيعه، فهذا لون من دعوى الإعجاز ينبغي نبذه، كذلك بعض الناس يحملون معاني القرآن على نظريات لم تتقرر بعد، وقد يأتون بنظرية لا زالت موضع أخذ ورد بين العلماء، ويُنَزِّلون الآيات القرآنية عليها، فهذا غلط أيضاً؛ لأننا نعرض القرآن بذلك للتناقض أو الرد، وهناك علماء آخرون يحمِّلون الآية أكثر مما تحتمل، ويَلْوُون عنق الآية حتى تنسجم مع اختراع واكتشاف علمي.

    وأقول: نحن لسنا بحاجة إلى كل هذا، وصحيح أننا نجزم بأن في القرآن الكريم إعجاز، وأن هذا الإعجاز من حُجَّة الله على عباده في هذا العصر، ولذلك -الحقيقة- أنا أشكر للذين يقومون بجهود في مجال الإعجاز، خاصةً إذا كانوا من المعتدلين، الذين يرجعون إلى كتب التفسير ويطمئنون إلى المعنى الصحيح من الآية، ولا يتكلمون إلا في قضايا علمية مقررة، فأشكر لهم هذا، وأعتبر أن هذا من حجة الله على العباد في هذا العصر؛ لأنه يزيدهم إيماناً، كما أسلم عدد غير قليل من الأطباء وغيرهم في مؤتمرات عُقدت في المملكة وفي غيرها من بلاد العالم.

    بين شيخ الإسلام بن تيمية... ومحمد بن عبد الوهاب

    السؤال: يقول: نسمع الآن من يدَّعون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مجدد، في الوقت الذي يقولون فيه أن شيخ الإسلام المجاهد ابن تيمية لم يكن مجدداً، مع العلم أنه يعتبر البحر الذي تتلمذ على يديه الكثير من العلماء، فنريد توضيحاً لذلك، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا شك أنه قام بعمل تجديدي عظيم، وعمله عملي وعلمي في نفس الوقت، لكن جهوده العملمة أوسع وأكبر، فقد عني بتغيير الواقع على ضوء الإسلام، وحاجتنا في هذا العصر إلى الأمرين معاً، ولكن دائماً الحاجة العلمية العملية كبيرة جداً؛ لأنك قد تجد علماء لكن لا يعملون، فهم يعيشون بعيدين عن الإصلاح، وقد انـزوَوا في زوايا معينة وتركوا أمر الناس للناس، فعمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب -بلغة العصر- يُعتبَر انقلاباً في تاريخ الجزيرة العربية، فقد نقل عباد القبور والأشجار والأحجار إلى موحدين مؤمنين صالحين مجاهدين، بل إن حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تقتصر على الجزيرة، بل امتدت آثارها إلى السودان، ونيجيريا، والشام، مصر، وتركيا، الهند، ولذلك يوجد مجددون آخرون في كثير من هذه البلاد، مثلاً: في الهند: نذير حسين، حيث كان معاصراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب -فيما أحسب وأعتقد- وهو من المجددين الذين أحيوا الإسلام والسنة في شبة القارة الهندية، وكذلك جاء بعده علماء آخرون، أذكر منهم: محمد بشير السهسواني، صاحب كتاب: صيانة الإنسان، وفي الشام: جماعة من العلماء، وفي العراق: الآلوسي، وغيره، وفي مصر، وفي جميع البلاد، شخصيات تأثرت إلى حد كبير بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

    وابن تيمية -رحمه الله- أنا أعتبر أنه من المجددين، بل هو من أكبر المجددين، ومن هو الذي نفى أن يكون شيخ الإسلام ابن تيمية مجدداً؟ نعم، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب استفاد كثيراً من علم شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا ظاهر جداً لمن يقرأ كتبه ومؤلفاته، مثل كتاب: التوحيد، ومسائل الجاهلية، وغيرها من الكتب التي خلفها، رحمة الله عليهم أجمعين.

    حقيقة التعارض بين القرآن والسنة

    السؤال: ذكرتم أن قول الغزالي: إذا وجد حديث يُعارض القرآن... إلخ، قلتم: أن هذا خطأ كبير، والمطلوب من فضيلتكم: ماذا لو وُجد حديثٌ فعلاً يعارض القرآن؟

    هل نأخذ بقول الغزالي؟

    أم ماذا نفعل؟

    الجواب: السؤال أصلاً: هل يمكن أن يوجد حديث يعارض القرآن؟ بمعنى: هل الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أنه يخالف القرآن؟ لا يمكن، ولذلك من المصائب افتعال الخصومة بين القرآن والسنة، وهذه هي كارثة في العصر الحاضر، ثم هذا الحديث، مِن أي وجه عرفنا أنه يخالف القرآن، إذا قلنا أنه فعلاً يخالف القرآن فنحن نجزم بأنه لم يقله الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه ليس بحديث، وبالتالي: لا كلامَ في هذا، ولا أحد يخالف فيه، لكنه يخالف في فهمه للقرآن، فأنت فهمت القرآن على وجه معين، وفهمت الحديث على وجه معين، ثم افترضت خصومة بينهما، وبالتالي رفضت الحديث -مثلاً- فأنت تنازع:

    أولاً: في فهمك للقرآن، قد يكون فهمك للآية غلط.

    ثانياً: في فهمك للحديث، لأنه قد يكون فهمك للحديث غلط.

    ثالثاً: في إيجاد التعارض بينهما. وخذ مثالاً: حديث أن والد النبي صلى الله عليه وسلم. في النار، فهذا الحديث في صحيح مسلم، وأنا لا يهمني أن أذكر هذا الحديث في مناسبة أو لا أذكره كمثال لكن الآن أذكره، فقد ردَّه بعضهم بأنه مخالف للقرآن، كيف هو مخالفٌ للقرآن؟ قال: لأن الله تعالى يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15] إذاً هذا الحديث يعارض القرآن، فنقول له: هل تعرف أن فيه معارضة؟ لو كان في القرآن نص -ويجب علينا أن نلاحظ حتى لا ننساق أحياناً وراء بعض الشبهات- لو كان في القرآن نص يقول: والد الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة، ثم جاء الحديث يقول: والد الرسول في النار، فهذا صحيح أنه يكون معارضاً للقرآن، أمَّا أن نأتي بآية عامة ونعارض بها نصاً خاصاً، فهذا في الواقع ليس معارضة؛ لأن هذا النوع معروف عند، الأصوليين فهناك نص عام وخاص: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15] لكن هذا نص خاص، وهو النصَّ على أن والد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل نصَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على جماعة من أهل الجاهلية أنهم في النار.

    ثم قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15] من قال لنا: أن والد الرسول عليه السلام لم تبلغه الدعوة؟ أما كان النصارى موجودين؟ أما كان الحنفاء موجودين في مكة نفسها؟ كـأمية بن أبي الصلت، وكثير من الشعراء الحنفاء، وزيد بن عمر بن نفيل، وغيرهم؟ كانوا موجودين في مكة، ويتحنفون ويدعون الناس، ويتهمون قريشاً بالجاهلية، وكان زيد بن عمر بن نفيل يقف أمام الكعبة، ويقول بأعلى صوته: [[والله يا معشر قريش ما منكم أحد على دين إبراهيم غيري]] ويقولها بأعلى صوته، وكان يحي الموؤدة، وكان لا يأكل ما ذُبح على النُّصُب، فمن قال: بأنه لم تكن هناك شريعة ولا دين؟ وأنه لم يكن عالماً بذلك؟

    التجديد عند حسن الترابي والغنوشي

    السؤال: ما هو تقييمك لدعوة حسن الترابي لتجديد أصول الفقه، ودعوة الغنوشي للتجديد؟

    الجواب: الحقيقة: الحديث في هذا الموضوع يتطلب أمرين:

    أولاً: الوقت.

    ثانياً: يتطلب إلماماً كاملاً، وأنا -حقيقة- قرأت كتاب الترابي حول تجديد أصول الفقه الإسلامي، وقرأت بعض مصنفاته، وكذلك اطلعت على بعض آراء الغنوشي في هذا الباب، وعلى سبيل الإجمال يبدو لي أن الرجلين أقرب إلى أن يُصَنَّفا ضمن المدرسة التجديدية العقلانية، فهذه عبارة على سبيل الإجمال، والتفصيل يحتاج إلى مجال.

    علاقة السياسة بالدين

    السؤال: يقول: ذكرتَ بعض الأفهام الغريبة التي دخلت على المسلمين وهي بحاجة إلى توضيح، أفلا تعتقد أن من بين هذه الأفهام: حصر مفهوم الدين في الشعائر أو الأخلاق، وتفريغ المفهوم السياسي للإسلام من عقول المسلمين؟ فما نصيحتكم في مجال الفهم والعمل السياسي، خاصة في مثل واقعنا المعاصر؟

    الجواب: تقريباً أشرتُ إلى النقطة هذه لَمَّا تكلمت عن الجانب الثالث في جوانب التجديد، وهو: الشمولية والتكامل، سواء في فهم الإسلام أم في تطبيقه، ونحن نعيب على بعض الناس الذين يعتبرون الحديث في قضايا أمور السياسة، وواقع الناس، ومشكلات وأعمال الحكام، يعتبرون هذا الأمر أمراً محظوراً، والمتحدث فيه كأنه يتحدث في أشياء محرمة.

    فالدين جاء ليحكم الحياة، وتأثير الحكام على واقع الناس كثيرٌ، ولا أحد يجادل فيه، فأنا وأنتَ نؤثر على فرد أو فردين أو ثلاثة، لكن الله يَزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن، والوسائل التي تمتلكها السلطات في هذا العصر وسائل جبارة وكبيرة وتساهم مساهمة كبيرة في صياغة حياة الناس وعقولهم وتفكيرهم، فالحقيقة إهمال هذا الجانب، والغفلة عنه، والاشتغال بغيره يعتبر نقصاً أو تقصيراً، لكن الذين يشتغلون به ينبغي ألا يلوموا أو يعاتبوا مَن يَرونه مشتغلاً بجانب آخر، بل ينبغي أن يكون هناك نوع من التكامل في العمل والدعوة إلى الله تعالى.

    هذا، والله تبارك وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.