إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [26]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجهاد في سبيل الله باقٍ إلى قيام الساعة، والغرض من الجهاد هو الدعوة إلى الله عز وجل وإدخال الناس في دين الله، وللجهاد شروط وآداب وضوابط يجب معرفتها، ومن تلك الضوابط أنه لابد أن يعرض المسلمون على الكفار قبل قتالهم الدخول في الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال.

    1.   

    من علامات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم

    قال الشارح رحمه الله: [وقوله: فقال: (أين علي بن أبي طالب؟) فيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقد أحوالهم .

    قوله: (فقيل: هو يشتكي عينيه)، أي: من الرمد. كما في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: (ادعوا لي علياً . فأتي به أرمد ...) الحديث، وفي نسخة صحيحة بخط المصنف: (فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسل إليه) مبني للفاعل، وهو ضمير مستتر في الفعل راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

    ويحتمل أن يكون مبنياً لما لم يسم فاعله .

    ولـمسلم من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه رضي الله عنه قال: (فأرسلني إلى علي فجئت به أقوده أرمد).

    فقوله: ( فبصق ) بفتح الصاد، أي: تفل .

    وقوله: ( ودعا له فبرأ ) هو بفتح الراء والهمزة، أي: عوفي في الحال عافيةً كاملة كأن لم يكن به وجع من رمد ولا ضعف بصر.

    وعند الطبراني من حديث علي رضي الله عنه: (فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي صلى الله عليه وسلم إليَّ الراية) . ] .

    هذا أيضاً من علامات النبوة، كونه لما تفل في عينيه وهو أرمد ودعا له زال الرمد في الحال وذهب، حتى أفضل العلاجات الناجحة لا تعمل هذا العمل، فلابد أن يكون هذا من الله جل وعلا.

    والتفل والبصاق من غير النبي صلى الله عليه وسلم قد يزيد الرمد رمداً، ويزيد المرض مرضاً، كما يذكر عن الكذاب مسيلمة الذي زعم أنه نبي فصار أضحوكة للناس، ذكر بعض المؤرخين عنه أنه جيء له بمريض حتى يبارك عليه أو يدعو له فتفل عليه فأصيب بالقرع وذهب شعر رأسه، وكذلك ذكروا أن عمرو بن العاص -وكان صديقاً له في الجاهلية- جاء إليه فسأله: ماذا أنزل على صاحبكم؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة عظيمة بليغة، فقال: ما هي؟ فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] ففكر مسيلمة قليلاً ثم قال: وأنا أنزل علي مثلها. فقال: ما هي؟ فقال: يا وبر! يا وبر! إنما أنت رأس وصدر، وباقيك حقر نقر. ماذا تقول يا عمرو ؟! فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب .

    فهذا كلام الرب جل وعلا، وهذه الآيات الباهرة المعجزة التي يجريها الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تلتبس .

    1.   

    وجوب الإيمان بالقدر

    قال الشارح: [ وفيه دليل على الشهادتين.

    وقوله: (فأعطاه الراية) قال المصنف: فيه الإيمان بالقدر؛ لحصولها لمن لم يسع ومنعها عمن سعى ].

    الإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان.

    وقوله (فيه الإيمان بالقدر؛ لحصولها لمن لم يسع، ومنعها عمن سعى) أي: الذين تعرضوا لها وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يتطاولون عنده لعله يراهم فيدفع لهم الراية، فمنعوها، وسأل عن علي الذي لم يكن موجوداً فقال: (أين علي بن أبي طالب ؟) فدفعت إليه وهو ليس مع الموجودين، يقول: إن هذا يدلنا على وجوب الإيمان بالقدر؛ لأن الشيء الذي قدره الله لابد من حصوله، وهذا لا ينافي فعل الأسباب، بل يدعو إلى أن الإنسان يفعل السبب؛ لأن الإنسان مأمور بفعل السبب، وفعل السبب لا يتأتى به المطلوب على كل حال؛ لأنه إن كان قدر الله جل وعلا ذلك وقع المسبب مطابقاً للسبب ووقع كما قدره الله، وإن لم يقدره الله أتت أمور وأسباب أخرى تمنع وقوعه.

    ثم إن الإنسان إذا عمل السبب ولم يحصل له المراد فلا يجوز أن يلوم نفسه، ولا أن يقول: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا؛ لأنه فعل الذي في مقدوره، ثم تبين أنه ما استطاع؛ لأن هذا ليس بقدرته، بخلاف ما إذا جلس ولم يعمل السبب فإنه يكون عاجزاً؛ لأن ترك الأسباب عجز، بل ومنافٍ ومخالف للشرع؛ لأن الله أمر بفعل الأسباب، والقدر عبارة عن الإيمان بعلم الله الأزلي، فإنه علم كل شيء، وكتابته للأشياء التي تقع؛ لأنه جاء في الحديث: (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) والكتابة هي لكل شيء، فكل صغيرة وحقيرة قد كتبت، وكل ما يقع فهو مكتوب، فلا يقع شيء إلا ما كتب في ذلك الكتاب، ثم كذلك الله جل وعلا هو الذي مشيئته نافذة، فإذا شاء وجود شيء وجد، وإذا شاء ألا يوجد لا يوجد، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، ثم كذلك الله جل وعلا هو الخالق وحده، وكل ما سواه مخلوق، تعالى الله وتقدس.

    مراتب القدر

    فهذه الأمور الأربع هي التي تحقق إيمان الإنسان بالقدر.

    الأمر الأول: الأيمان بعلم الله الشامل القديم الأزلي لكل شيء، وأنه لا يفوت علمه شيء.

    الأمر الثاني: كونه سبحانه وتعالى كتب ما سيقع، فكل ما سيقع مكتوب في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

    الأمر الثالث: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    الأمر الرابع: أنه خالق لكل شيء، وما سواه مخلوق.

    وهذه تسمى درجات الإيمان بالقدر، ولا بد من الإيمان بها.

    العمل بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر

    إذا آمن الإنسان بالقدر فلا ينافي أنه يعمل، بل أُمر الإنسان بالعمل فقيل له: افعل الأسباب. كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، فالتوكل في الواقع هو فعل السبب، ثم الاعتماد على الله جل وعلا في حصول المقصود المطلوب.

    وحقيقة التوكل أن تفعل السبب ثم تعتمد بعد فعلك السبب في حصول مطلوبك على الله جل وعلا، فلا يعتمد الإنسان على علمه، ولا على قوته، ولا على ماله أو سلطانه أو غير ذلك، بل يعتمد على ربه جل وعلا؛ فإن الله جل وعلا قد يجعل السبب غير مؤثر، وقد يجعل للسبب موانع كثيرة إذا شاء، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم؛ لأن مثل هذا لا يعهد، وكما جعل مريم عليها السلام تلد بلا اتصال ذكر بها، وكذلك الأمور التي هي أدنى من هذا إذا شاء جل وعلا أن يمنع السبب منعه، فلابد من الاعتماد على الله؛ لأن كل شيء بيده.

    إذاً لابد من فعل السبب، وليس الجلوس في البيت -مثلاً- وتعطيل الأسباب من التوكل في شيء، بل هذا عجز يلام الإنسان عليه، وهذا أمر العقلاء لا يقبلونه، فهل يمكن للإنسان أن يقول: إذا كان قد قدر لي ولد فسوف يحصل بلا زواج؟! لو قال الإنسان هذا لقيل: إنك مجنون فلابد من فعل الأسباب، لذلك لا يجوز للإنسان أن يجلس في البيت ويقول: إذا قدر لي أكون عالماً فسأكون، ولا داعي للذهاب والتعلم. لأن في هذا الفعل مخالفة للشرع، ومخالفة للأسباب التي جبل الله جل وعلا الناس عليها، فلا بد من فعل السبب، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فالطير ليست جالسة في أوكارها، بل تغدو لطلب الرزق وتروح، فأخبر أنها تغدوا جياعاً خماصاً ليس في حواصلها شيء، ثم ترجع إلى أوكارها في آخر النهار، تروح بطاناً قد شبعت وهي لا تزرع ولا تعمل ولكن يرزقها الله، فأثبت الغدو والرواح لها، فهكذا العاقل يجب أن يعمل، ولا يكون توكله عجزاً، كما يدعي بعض الذين لا يعرفون الشرع ولا يعرفون سنن الله جل وعلا، فالتوكل هو أن تفعل السبب وتعتمد على ربك جل وعلا في حصول المطلوب.

    وقد أخبر الله جل وعلا أنه ينصر رسله والمؤمنين، ومع ذلك يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، فلابد من الإعداد، ولا نقول: قد أخبرنا صلى الله عليه وسلم فلا داعي لأن نستعد. بل يجب أن نعد أنفسنا ونتجهز ونطلب السلاح الذي يجب أن يُطلب، كذلك يقول الله تعالى في آية أخرى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:102] فأمرهم أن يأخذوا أسلحتهم في الصلاة، وأن يقسموا أنفسهم، فقسم يصلي وقسم يحرس ينظر العدو، ومع ذلك حذرهم.

    1.   

    حقيقة الإسلام، ومعنى الشهادة

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [فلابد من أخذ الأسباب، فالأسباب لا تنافي التوكل، بل فعل الأسباب هو التوكل، ولكن لا يجوز أن يعتمد على السبب، فالاعتماد على السبب شرك، وتعطيل السبب عجز وقدح في العقل، فالمؤمن يفعل السبب ويعتمد على الله جل وعلا .

    قوله: (فقال: انفذ على رسلك) بضم الفاء. أي: امض، و(رسلك) بكسر الراء وسكون السين، أي: على رفقك من غير عجلة. و( ساحتهم ) فناء أرضهم وهو ما حولها .

    وفيه الأدب عند القتال، وترك العجلة والطيش والأصوات التي لا حاجة إليها .

    وفيه أمر الإمام عماله بالرفق من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة، كما يشير إليه قوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام) أي: الذي هو معنى شهادة أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله. وإن شئت قلت: الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وما اقتضته الشهادتان من إخلاص العبادة لله وحده، وإخلاص الطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    ومن هنا طابق الحديث الترجمة كما قال تعالى لنبيه ورسوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له والعبودية له. كذا قال أهل اللغة].

    هذه الجملة من الحديث هي محل الشاهد للباب؛ لأن الباب باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وهنا يقول: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم لله فيه)، فقوله: (ادعهم إلى الإسلام) هذا هو المراد من سياق الحديث.

    وشهادة أن لا إله ألا الله هي الإسلام في الواقع؛ لأن معناها: ألا يكون للمسلم مألوه غير الله، وألا يكون المسلم منقاداً ومطيعاً في الحلال والحرام وما يتقرب به إلى الله إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، فلابد يكون الدين كله لله خالصاً.

    وقوله: (وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه) يعني: في الإسلام، مثل وجوب الصلاة، ووجوب الزكاة، وصوم رمضان، والحج على من استطاع إليه سبيلاً، هذا هو الذي يجب عليهم لله جل وعلا فيه، فدل هذا على أن الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت واجبات في الإسلام.

    وأما حقيقة الإسلام فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإسلام هو: استسلام القلب بالطاعة، والانقياد لله جل وعلا بالإخلاص، وكذلك متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي: طاعته فيما جاء به من عند الله جل وعلا، وألا يُعبد الله جل وعلا إلا بشرعه الذي شرعه، هذا هو الذي يجب على المسلمين عموماً أن يعلموه ويعملوا به، ويدعوا الناس إلى أن يكون المعبود هو الله، والمشرع هو الله الذي يأمر وينهى في كل ما يتصل بهم في حياتهم من التحليل والتحريم؛ لأن المسلم مقيد بشرع الله لا يجوز أن يخرج عن شرع الله، فإن خرج عن شرع الله سواء في المعاملات أو فيما هو خاص بنفسه من العبادات فإنه يكون مخلاً بشهادة أن لا إله إلا الله، فإما أن يكون ذلك منافياً لها، أو يكون قادحاً في كمالها منقصاً لها، فيكون مستوجباً للعذاب، وقد يعذبه الله وقد يتوب عليه، أما إذا جاء بالمنافي فإنه يكون من أهل النار -نسأل الله العافية!- وذلك فيما إذا جاء بالشرك؛ لأن الذي ينافي شهادة أن لا إله إلا الله هو أن يعبد غير الله، والعبادة لغير الله جل وعلا أنواع يفعلها الإنسان وهو لا يدري، مثل الذي يتجه إلى الضريح ويسأله النفع، أو يسأله أن يدفع عنه ضراً من مرض أو عدو أو ما أشبه ذلك، ويقول: إن هذا توسل، وإن صاحب الضريح يدعو الله فيحصل المراد فقط وإلا فهو لا يملك شيئاً مع الله. وهذا شرك أكبر؛ لأن هذا هو شرك المشركين الذين كانوا يجعلون أصنامهم وأوثانهم وسائط بينهم وبين الله ويزعمون أنها تشفع لهم فقط، ولم يكونوا يعتقدون أن الأصنام والمعبودات التي جعلوها معبودات لهم وسموها آلهة لم يكونوا يعتقدون أنها تتصرف مع الله، وإنما كانوا يقولون: إنها تشفع لنا عند الله، فهذه الشفاعة التي يزعمونها هي الشرك بعينه.

    و المقصود أن معنى الإسلام هو ما اقتضته شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن قول الإنسان: أشهد أن لا إله إلا الله معناه: أن لا أعبد إلا الله. والأفعال التي يفعلها تكون تبعاً للعبادة، سواء في المعاملات التي تكون في البيع والشراء، أو المعاملات التي تكون مع الناس، أو غير ذلك، أي أنه لا يجوز أن يحل حراماً أو يحرم حلالاً ويقول: إنني حر أتصرف كيف أشاء فإنه ليس حراً، بل هو عبدٌ لله، يجب أن يمتثل لأمر الله جل وعلا وينقاد مطيعاً خاضعاً له، فإذا خرج عن ذلك فإنه يخرج عن عبادة الله إلى عبادة هواه أو الشيطان.

    1.   

    القلب أصل الإيمان والأعمال

    قال الشارح رحمه الله: [وقال رحمه الله: ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام له وحده، فأصله في القلب، والخضوع له وحده بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبده وعبد معه إلهاً آخر لم يكن مسلماً، ومن استكبر عن عبادته لم يكن مسلماً، وفي الأصل هو من باب العمل عمل القلب والجوارح، وأما الإيمان فأصله تصديق القلب وإقراره ومعرفته، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب . انتهى].

    قول القلب وعمل القلب: هو عبارة عن الأمور التي تكون في القلب من العلم والخشوع والخشية والخوف الرجاء والإنابة والاستسلام والانقياد .

    فهذه هي أعمال القلب، ثم تنبعث هذه على الجوارح، ويأتي العمل تبعاً للقلب؛ فلهذا قال: (الأصل في القلب) يعني: أصل الإيمان في القلب. بل أصل الأعمال كلها في القلب؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات) والنية هي: عمل القلب.

    1.   

    وجوب تخيير الكفار قبل قتالهم إذا لم تكن الدعوة قد بلغتهم

    قال الشارح رحمه الله: [فتبين أن أصل الإسلام هو التوحيد ونفي الشرك في العبادة، وهو دعوة جميع المرسلين، وهو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة فيما أمرهم به على ألسن رسله، كما قال تعالى عن نوح أول رسول أرسله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3].

    وفيه مشروعية الدعوة قبل القتال، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداءً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وإن كانوا لم تبلغهم الدعوة وجبت دعوتهم .

    قوله : (وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه) أي: في الإسلام، إذا أجابوك إليه فأخبرهم بما يجب من حقوقه التي لابد لهم من فعلها، كالصلاة والزكاة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، ولما قال عمر لـأبي بكر في قتاله مانعي الزكاة: (كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ قال أبو بكر : فإن الزكاة حق المال، والله! لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها).

    وفيه بعث الإمام الدعاة إلى الله تعالى، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يفعلون، كما في المسند عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في خطبته: (ألا إني والله! ما أرسل عُمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم).

    قوله: (فوالله! لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) (أن) مصدرية، واللام قبلها مفتوحة لأنها لام القسم، و( أن ) والفعل بعدها في تأويل مصدر رفع على الابتداء، والخبر (خير)، و(حمر) بضم المهملة وسكون الميم، جمع أَحْمر. و( النعم ) بفتح النون والعين المهملة، أي: خير لك من الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب.

    قال النووي : وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها .

    وفيه فضيلة من اهتدى على يديه رجل واحد، وجواز الحلف على الخبر والفتيا ولو لم يستحلف].

    هذا الحديث سيق لأجل قوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب لله عليهم فيه، فإن هم فعلوا ذلك ...) معنى هذا: أنه يكف عنهم.

    وقوله: (إن هذا يدل على وجوب الدعوة إذا لم تكن قد بلغتهم) معنى هذا: أنه إذا كان المسلمون يقاتلون كفاراً، فإن كان الكفار لم تصل إليهم دعوة المسلمين والمعرفة بدينهم فلا يجوز أن يبدءوهم بالقتال حتى يعلموهم ويبينوا لهم ذلك، فإن قبلوا الدين وجب أن يكفوا عنهم؛ لأن القتال شرع حتى لا يكون في الأرض شرك، كما قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، والفتنة هي الشرك، فالقتال شُرع لهذه الغاية، فإذا تركوا الشرك وجب أن يكف عنهم.

    هذا بالنسبة لمن يقاتل من الكفار الجاهلين بالدين الإسلامي، فإنه يجب أن يدعوهم إلى الإسلام أولاً، ويبين لهم أن هذا أمر متعين يجب قبوله على كل عبد، فإن أبوا عن قبوله وجب على عباد الله أن يقاتلوا عباد الشيطان، والله جل وعلا جعل العداوة بين أوليائه وأولياء الشيطان، ثم المقاتلة لابد منها، فإن لم يحصل القتال حصلت الفتنة والفساد العريض في الأرض، فإذا أصبح المسلم مخالطاً للمشرك، وأصبح لم يتبرأ منه ولم يظهر له العداوة، فسينتشر الفساد العريض في الأرض، كما أخبر الله جل وعلا في آخر سورة الأنفال لما ذكر أن المؤمنين أولياء المؤمنين وأن بعضهم ينصر بعضاً.

    وإذا استنصر المؤمن أخاه المؤمن وجب عليه أن ينصره، ثم ذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض فقال: إِلَّا تَفْعَلُوهُ [الأنفال:73] يعني: إلا تفعلوا هذا الشيء بأن يكون المؤمن ولي المؤمن تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73]، والفساد الكبير في الأرض هو بأن تفسد الأخلاق وتفسد الأديان، ولهذا يقول في الآية الأخرى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22].

    فالمقصود أن مشروعية القتال هي لأجل أن يكون الدين كله لله، وليس من أجل أموال يحصل عليها المسلمون، أو بلاد يستغلونها، أو تكون تحت أيديهم، أو فدية تدفع لهم، أو ما أشبه ذلك من أمور الدنيا، ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم عند أن كانوا يقاتلون الفرس والروم وغيرهم في بلاد الله كانوا يخيرونهم بين ثلاث، وكانوا يبينون لهم أنهم كانوا في جاهلية وكانوا فقراء وكانوا من أضعف الناس فمنَّ الله جل وعلا عليهم بأن أرسل إليهم نبياً يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، وأنزل عليهم كتابه، فآمنوا به واتبعوه، فأبدلهم بالقلة كثرة، وبالذلة عزة، وصاروا يقولون للناس: إن قبلتم هذا الدين فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وأنتم إخواننا، ونرجع عن بلادكم، ولن ندخل في شئونكم وإن أبيتم فأمامكم أمران -هذا إذا كانوا من أهل الكتاب-: إما أن تدفعوا الجزية وأنتم صاغرون أذلاء، وإما القتال بيننا وبينكم، ويد الله مع من شاء، ونصره لعباده المؤمنين. هكذا كانوا يقولون لمن أتوه ليقاتلوه، وهذا هو الذي تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    استحباب تخيير الكفار الذي قد بلغتهم الدعوة

    وأما قوله: (فإن كانت الدعوة قد بلغتهم) أي: فإن الدعوة تكون مستحبة. وهذا لأن يهود خيبر الذين ذكر فيهم هذا الحديث كانوا قد بلغتهم الدعوة، وكثير منهم أُخرج من المدينة؛ لأنهم حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وحاولوا قتله وحاولوا مظاهرة الكفار عليه، وحاولوا بكل وسيلة أن يقضوا على الإسلام وعلى رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، ثم أجلي بعضهم إلى الشام وبعضهم إلى خيبر، فهم كانوا عارفين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وبالإسلام، ومع هذا قال صلى الله عليه وسلم لـعلي رضي الله عنه لما دفع له الراية : (امض على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام).

    ولابد في الدعوة إلى الإسلام من أن يبين ما هو الإسلام، ولا يكفي أن يقول: أدعوك إلى الإسلام، بل يبين له أن الإسلام هو عبادة الله وحده، وترك عبادة كل معبود سواه، وأنه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته في كل ما أمر واجتناب كل ما نهى عنه، وأنه إقامة الشرائع التي شرعها الله جل وعلا، فإذا بين لهم فعند ذلك يقاتلهم إذا امتنعوا من القبول.

    فأخذ من هذا أن تكرار الدعوة للكفار قبل القتال مستحبة، وإن كانوا قد دعوا قبل هذا فتعاد عليهم الدعوة مرة ومرة لعلهم يدخلون في الإسلام؛ لأن هذا هو المقصود، وأما القتال فليس مقصوداً لذاته، وإنما يقصد القتال لتكون كلمة الله هي العليا ويظهر دينه وينكف من يمنع انتشار الدين الإسلامي، فالذين يقومون في وجه الدعوة يجب أن يقاتلوا حتى ينكفوا عن ذلك ويتركوا الدعوة تمضي إلى عباد الله في الأرض كلها.

    الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة وهو سبب عزة المسلمين

    ثم من المعروف من شرع الإسلام وعليه علماء الإسلام أن الجهاد مشروع إلى آخر من يكون على هذا الدين من هذه الأمة إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها، فما دام الدين الإسلامي قائماً فمشروعية الجهاد قائمة لم تنسخ، حتى إذا نزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان فإنه ينزل حاكماً بهذا الدين، ولا يأتي بشرع جديد، بل يكون من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند أن ينزل يقاتل الكفار بهذا الشرع الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الدين هو آخر الأديان وهو خاتمها، كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل فليس بعده رسول.

    والله جل وعلا يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، إذا شاء نصر عباده أظهرهم وصار الجهاد ظاهراً، وجعل راية الإسلام مرفوعة، وإذا شاء ضعف المسلمين جعلهم تحت حماية الكفار، وجعل الكفار هم الظاهرين، ولكن هذا لا يكون إلا بسبب أفعال المسلمين أنفسهم، وبسبب عدم تمسكهم بدينهم وبسبب رغبتهم في الدنيا، كما قال صلوات الله وسلامه عليه: (إذا رضيتم بالزرع واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم).

    وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكله على قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يا رسول الله؟! قال: لا؛ أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تُنزع من قلوبكم المهابة ويُقذف فيها الوهن، فقالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، فإذا أحب المسلمون الدنيا ورضوا بها وكرهوا الموت في سبيل الله فهنا يأتي الذل وتأتي المهانة، ويأتي تسلط العدو عليهم، ولا يكون العز إلا إذا سلكوا مثل مسلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان قائدهم إذا أتى الكفار يقول لهم: يا هؤلاء! والله لقد جئتكم بقوم يحبون الموت، كما تحبون الحياة.

    هكذا كانوا يحبون الموت في سبيل الله، يحبونه كما يحب الكفار الحياة، وكانوا إذا قُتل واحد منهم يهنئونه، ويقولون: هنيئاً لك الشهادة. وكل واحد يودُّ لو أنه هو الذي قُتل، فإذا كانوا بهذه المثابة كانوا أعزاء وأقوياء، ونصر الله معهم.

    ولما ذهب عمرو بن العاص رضي الله عنه لافتتاح مصر وحصل ما حصل بينه وبين الروم جمعوا له جمعاً كثيراً قيل: إنهم بلغوا ما يقرب من أربعمائة ألف مقاتل. وكان معه عدد قليل لا يمكن أنه يصمد بهؤلاء أمام الروم، فكتب إلى عمر رضي الله عنه يخبره بالأمر ويستحثه بأن يرسل له مدداً ويقول: أقل ما ترسل إلي أربعة آلاف.

    فكتب إليه عمر رضي الله عنه يعاتبه ويقول له: احترسوا من المعاصي أشد من احتراسكم من عدوكم؛ فإنكم لا تنصرون بعددكم وعدتكم، وإنما تنصرون بطاعتكم لربكم جل وعلا وإتباعكم لسنة رسولكم صلى الله عليه وسلم، فإذا حصلت المعصية تسلط على المسلمين عدوهم ثم أرسل له أربعة رجال فقط بدل أربعة آلاف؛ ومع ذلك نصره الله جل وعلا نصراً ظاهراً على الكفار.

    فالمقصود أن الله جل وعلا وعد عباده النصر بشرط التقوى والطاعة، فإذا اتقوه وأطاعوه فإن الله جل وعلا ينصرهم، وقد كان الأمر في أول الإسلام أنه لا يجوز أن يفر المسلم من عدد ضعفه مرات، فكان العشرون مأمورين بمغالبة مائتين في أول الأمر، ثم خفف عنهم وصار الضعف، فإذا كان أمام المسلمين ضعفهم فهذا أمر قد وعد الله جل وعلا بأن النصر لهم، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يُغلب عشرة آلاف من قلة)، أي: مهما كانوا أعداؤهم لأن الكثرة ليس لها معنى إذا لم يكن فيها تأييد من الله، فلابد أن يكون هناك ثقة بالله، والتأييد والنصر لا يكون إلا مع الطاعة والإتباع، فإذا وجد هذا فالنصر لابد منه بإذن الله تعالى؛ لأن وعد الله حق، والله لا يخلف وعده.

    وإذا ترك الجهاد في سبيل الله فالمسلمون ضعفاء ولابد، ولهذا من السنة الدعاء بإعلاء كلمة الله وإقامة الجهاد في سبيله، بل من الأمور الواجبة على المسلم أن يهتم بهذا؛ لأن الذي لا يهتم بأمر المسلمين ليس منهم، والمسلمون اليوم تمزق أشلاؤهم في كل مكان وتنتهك أعراضهم وتمتهن كرامتهم، ولا أحد ينتصر لهم مع الأسف، وهذا بسبب إعراضنا عن ديننا، أما لو كنا مهتمين بذلك فلن يتجرأ أعداء الله على شيء من ذلك، وقد عرف أن الإسلام يبني الرجال الأبطال الذين لم يسبق لهم نظير في التاريخ، ولهذا الصحابة رضوان الله عليهم فتحوا البلاد في وقت وجيز حتى وصلوا إلى المحيط الأطلسي وإلى حدود الصين، فدخلت تحت حكمهم هذه البلاد الواسعة العريضة، مع أنهم ليسوا كثرة كاثرة، بل كانوا يواجهون قوماًً يفوقونهم في أسلحتهم وفي كل إمكانياتهم، وكانت أسلحة المسلمين سيوفاً مؤثرة بالقد، وخيولهم مخطومة بالليف، وثيابهم قصيرة، وهؤلاء -أحياناً- يقاتلونهم على الفيلة، ومع ذلك نصرهم الله جل وعلا؛ لأن من صبر وأطاع الله ورسوله ينتصر على عدوه بلا شك، وهكذا إذا عاد المسلمون إلى ربهم جل وعلا وراجعوا دينهم فستعود لهم الكرة، ويصبحون قادة وسادة الدنيا؛ لأن وعد الله باقٍ، وكما كان لأول الأمة فهو لسائر الأمة بشرط الصبر والمتابعة والتقوى.

    هذا مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقاتل مقاتلة عظيمة، وكان إذا اشتد القتال تدرع به الأبطال، كما جاء أنهم رضوان الله عليهم كانوا إذا اشتد القتال يتقون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يباشر القتال بنفسه صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول: (لولا أن أشق على أمتي ما تركت سرية تخرج إلا وخرجت معها)، ومن باب أولى ولا جيش ولا غيره؛ ومع ذلك خرج خرجات كثيرة جداً يقاتل بنفسه صلوات الله وسلامه عليه، ولما كان في غزوة حنين كان مسروراً، والكفار قد كمنوا لهم دون علمهم، فسار المسلمون في الوادي على غفلة فرشقوهم بالنبل وهم غافلون ما استعدوا ففروا وهزموا، فعند ذلك نزل الرسول صلى الله عليه وسلم من على بغلته وصار يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، هلم إلي) فصار المسلمون يرجعون إليه شيئاً فشيئاً حتى حمي القتال، وصاروا يأتون بالأسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا غاية الشجاعة، فكون الصحابة ينهزمون ثم يترجل عن دابته ويعلن للناس:

    أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

    يعني: كأنه يقول: هلم إليّ إذا كان عندكم قوة وشجاعة

    الواجب على المؤمن أن يكون واثقاً بالله

    وهكذا المؤمن يجب أن يكون قوياً واثقاً بالله، ويكون أيضاً ضعيفاً إلى ربه جل وعلا ومستنصراً يدعوه بكل افتقار ولهف، كما كان صلوات الله وسلامه عليه كذلك، فإنه يوم بدر صار يمد يديه إلى السماء ويقول: (يا رب.. يا رب! وعدك الذي وعدتني، يارب! أنجزني وعدك) حتى سقط رداؤه من على كتفه من شدة مبالغته في رفع يديه في الدعاء، فأخذ رداءه أبو بكر ووضعه على كتفيه، وقال: حسبك مناشدتك لربك، والله! لينصرنك الله. وهذا ثقة بوعد الله جل وعلا؛ لأنه وعد رسوله والمؤمنين بالنصر.

    فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله

    وعلى كل حال فالجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، كما قال صلوات الله وسلامه عليه في الإسلام: (وذروة سنامه الجهاد) فذروة سنام الإسلام هو الجهاد في سبيل الله، أي: أعلى خصال الإسلام الجهاد في سبيل الله.

    ومن دخل الجنة لا يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد؛ فإنه إذا رأى من الكرامة التي أعدت عند ربه يتمنى أنه يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى حتى يحصل له أيضاً مما يرى من الشيء العظيم، أما غيره من الأموات من أهل الخير فإذا مات فما عند الله خير له مما خلف، فلا يتمنى الرجوع إلى الدنيا.

    الدعوة إلى الله تكون بالجهاد وبغيره

    ثم إن الدعوة إلى الله مطلقة في غير الجهاد على حسب طاقة الإنسان، فيتعين على المسلمين أن يقوموا بها، فإذا قام بها من يكفي تسقط عن البقية وإلا أثموا جميعاً، وأهم من يقوم بهذا هم أهل المقدرة في المال، وكذلك من كان في السلطة، فهؤلاء الذين يستطيعون أن يقوموا بهذا، فإذا لم يقوموا بهذا فإنه أيضاً واجب على جميع المسلمين كل بحسبه وقدرته.

    أجر الداعي إلى الله جل وعلا وإثم الداعي إلى الضلال

    فيجب أن يدعو الإنسان إلى الله عز وجل، وفي الدعوة الخير الكثير.

    ومما بين لنا صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث قوله (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) أي: خير لك من النوق الحمر، وهذا في وقته صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن في وقته كان أفضل الأموال وأنفسها هي النوق الحمر، أما في هذا الوقت فقد تغير الحال، وكما قال النووي : هذا تقريب للأذهان فقط، وإلا فذرة من أمور الآخرة خير مما طلعت عليه الشمس. يعني: خير من الأرض كلها وما عليها، وإنما يقول صلوات الله وسلامه عليه ذلك تقريباً للأفهام فقط، يقول: لرجل يهتدي على يديك فيدخل في الإسلام خير لك من الدنيا لو قدر أنها تحصل لك هذا معنى الكلام، وذلك أن بهدايته يحصل لك من الأجر مثل الأجر الذي يتحصل عليه هو من غير أن ينقص من أجره شيء، وزيادة في ذلك أنك أنقذت إنساناً من النار.

    وقد قال الله جل وعلا في قتل الأنفس: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] أي أن الذي يحيي النفس كأنما أحيا الناس جميعاً، وليس المقصود بالحياة هنا البعث بعد الموت، فهذا ليس إلى الخلق، ولكن المقصود أن يحول بينها وبين الموت، ومن أعظم الموت موت الكفر، فكل إنسان كافر فإنه ميت، وإذا دخل في الإسلام فقد حيي، كما قال جل وعلا: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] يعني: كان ميتاً كافراً فأحياه الله بالهداية إلى الإسلام، وجعل له نوراً يهتدي به إلى الله. فمن اهتدى على يده رجل يكون بهذه المثابة، وكأنما أحيا الناس جميعاً، كما أن الذي يضل على يديه رجل فيخرج من الإسلام إلى الكفر فإن يكون كأنه قتل الناس جميعاً، فبدل كونه يحصل على الفضل يحصل على الإثم العظيم، وذلك أن الله جل وعلا خلق الناس لعبادته وبين لهم طرق الخير وطرق الشر، وجعل الأمر إليهم باختيارهم؛ لأن هذا هو الذي يستحق عليه الإنسان الثواب أو العقاب، فإذا فعل الخير واقتدى بالرسول صلى الله عليه وسلم واتبعه استحق الجنة والثواب العظيم، أما إذا أبى وزُين له سوء عمله وصُد عن هدى الله فإنه لن يعجز الله، وله العقاب الشديد الذي ينتظره بعد الموت.

    وقد بين ربنا جل وعلا لنا شيئاً من ذلك، أخبر أن الكفار لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها شيئاً، بل يبقون خالدين فيها أبداً ما دامت السماوات والأرض، وجهنم نارٌ تتلظى لا ينطفئ لهبها ولا ينقطع عذابها -نسأل الله العافية!- كما قال سبحانه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56] والإنسان لو سقط في النار لحظات لمات، ولكن في الآخرة ليس هناك موت، والله جل وعلا القادر على كل شيء يمنع الموت منه، وإلا فالموت يأتيه من كل مكان، ولهذا ينسى الدنيا، وينسى كل ما حصل له من النعيم؛ ولهذا يخبرنا ربنا جل وعلا أنهم إذا وقفوا بين يدي الله يسأل بعضهم بعضاً: كم لبثتم في الدنيا في الأرض؟ فواحد يقول: لبثنا يوماً وبعضهم يقول: لبثنا ساعة، وواحد يقول: لبثنا بعض ساعة. لأن هذا العذاب العظيم لا يُتصور أنه مثل عذاب الدنيا، وهكذا النعيم لا يتصور أنه مثل نعيم الدنيا، بل هو أعظم بمرات، لكن هذا من باب التقريب للأذهان والأفهام، ثم إن الإنسان ليس له أن يقول: لست مكلفاً بالدعوة. كلا، بل الله كلفك، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وهل هذا يخص قوماً دون قوم أم يعم الأمة كلها؟ يعم الأمة كلها.

    الواجب على الداعي إلى الله جل و علا

    يجب على الذي يدعو أن يكون عارفاً بالدعوة، وأن يكون عالماً بما يدعو إليه، عالماً بأن هذا منكر فيدعو إلى تركه، وأن هذا معروف فيدعو إليه، ولا يدعو بالعادات أو بالجهل؛ فإنه إذا كان بهذه المثابة فإنه يفسد أكثر مما يصلح، بل يجب أن يبدأ بنفسه فيعرف دين الله، فإذا عرفه فلا يقتصر على نفسه، وإنما يدعو الخلق على حسب حاله، والله جل وعلا لم يكلف الإنسان شيئاً لا يستطيعه، فإن استطعت أن تغير بيدك فذاك إليك، وإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاسكت عنه، ويبقى الإنكار في القلب، فهو كراهة المنكرات وبغضها وكراهية أهلها وبغضهم، هذا هو إنكاره في القلب، وهذا لا يسقط بحال من الأحوال؛ لأن القلب ليس لأحد عليه سلطة.

    فالمقصود أن الدعوة واجبة على حسب المقدرة، وبحسب الحال، سواء كانت دعوة الكفار أم دعوة الفسقة والعصاة، كلٌ على حسب المقام والوضع والمكان الذي أنت فيه، ولو أن المسلمين تظافروا على الدعوة إلى الله لتبدلت مجتمعاتهم خيراً، ولكانت أحوالهم أحسن من أحوالهم اليوم، ولكنهم يتساهلون في هذا أو يقصرون فيه أو يجهلونه أو لا يبالون به فحصل بذلك التقصير والنقص كما هو الحال، والله المستعان.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011666850

    عدد مرات الحفظ

    722197682