إسلام ويب

صفات الداعيةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الدعوة إلى الله هي من أفضل الأعمال والواجبات، وهي مهمة الأنبياء والرسل، وهي من أفضل مقامات العبودية كما قال ابن القيم، ولا يقوم بها إلا من وفقه الله تعالى لذلك، فحري بالداعية إلى الله أن يتصف بالأخلاق الحسنة حتى يقبل الناس دعوته، ويسمعون لما يقول، فيا ترى ما هي صفات الداعية؟ هذا ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله، فقد ذكر جملة من الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، كالإخلاص، والعلم الشرعي، والصدق، والعدل، والحكمة، والصبر.

    1.   

    الدعوة إلى الله مهمة الأنبياء والمرسلين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعــد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    إن الدعوة إلى الله عز وجل هي مهمة الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] فالدعوة إلى الله جل وعلا، هي أعظم ميزة أو صفة يمكن أن يتميز بها الإنسان، وعلى مدى العصور السابقة كلها، كان الله عز وجل يقيض لهذه الدعوة من يحملها، من العلماء العادلين، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين} وقد جاء هذا الحديث من طرق عديدة، وحسنه بعض أهل العلم.

    1.   

    على الداعية أن يتصف بالصفات الحميدة

    وفي هذا العصر الذي نعيش فيه؛ نسمع ونرى كثيراً من الناس، من العلماء والشباب وغيرهم، ممن يحملون هم الدعوة إلى الله عز وجل، ويصنفون أنفسهم في قائمة الدعاة إلى الله تعالى، ولا شك أن هذا الانتساب انتساب شريف، يجب أن نـزكيه بتصحيح هذه النسبة وتحقيقها، بحيث تكون اسماً على مسمى، ويكون المنتسب إليها جديراً بالتحلي بها وتمثيلها أمام الناس تمثيلاً صحيحاً، وكل خلق حميد يطلب من المسلم أن يتحلى به؛ فإنه مطلوب من الداعية -بصفة خاصة- أن يتحلى به، فحين نقول مثلاً: إنه مطلوب من كل مسلم أن يكون كريماً جواداً سمحاً؛ فمن باب أولى أن يكون الداعية كذلك، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أكمل خصال الكرم والجود، فكان جواداً في ماله وعلمه وجاهه، لا يُسأل صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه إياه، حتى إنه يعطي غنماً بين جبلين، ويعطي مائة من الإبل، وكان الرجل يذهب إلى قومه ويقول: يا قوم أسلموا، فوالله لقد جئتكم من عند رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

    إذاً فكل خصلة طيبة مطلوبة في المسلم؛ فهي مطلوبة في الداعية من باب الأولى.

    والكلام على الخصال والأخلاق الحميدة المطلوبة من المسلم أمر يطول، لكنني سأقف الآن على بعض الخصال المطلوبة من الداعية بصفة خاصة، وهي خصال معينة لا بد أن يتنبه لها الداعية أكثر من غيره؛ لأن فقدها في الداعي قد يجعل النتائج عكسية، ويجعله بدلاً أن يكون داعية إلى الله، يقول للناس: هلموا إلى الله والدار الآخرة، يجعله يحذر الناس من سلوك هذا الطريق بفعله وواقعه، وإن كان يدعوهن إليه بلسانه وقوله!

    1.   

    الإخلاص لله عز وجل

    أول خصلة لا بد من الإشادة بها هي: الإخلاص لله جل وعلا.

    ولذلك يقول الله تعالى:قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] فالدعوة إلى الله عبادة، وكل عبادة لابد فيها من الإخلاص، قال الله جل وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

    معنى الإخلاص

    والإخلاص معناه: أن يقصد الإنسان في عمله وجه الله تبارك وتعالى والدار الآخرة، فلا يقصد من وراء دعوته طمعاً دنيوياً، ولا يقصد من دعوته سمعة ولا جاهاً ولا منصباً، ولا لفت أنظار الناس إليه وتكثير الأتباع، وغير ذلك من المقاصد الدنيوية، التي قد تخطر في بال الداعية إلى الله جل وعلا.

    وقد يقول القائل: وماذا يقصد الداعية إلى الله إلا الإخلاص ورجاء ما عند الله؟! فأقول: كلا! فلا نظن أبداً أن الخطر الوحيد الذي يهدد الداعية، هو أن يكون قاصداً للدنيا وقاصداً للمال، هذا خطر، ولكن هناك ما هو أشد خطورة منه، فإن كثيراً من الناس ربما يكون الحصول على الثناء الحسن والمديح من الناس؛ أغلى عنده من الذهب والفضة، ومستعد أن يضحي بالأموال الطائلة من أجل السمعة الحسنة.

    فالداعية قد يكون مهدداً بأن يكون قصده كسب ثناء الناس ومديحهم.

    وهناك مقصد آخر قد يلقي به الشيطان في نفس الداعية، وهو تكثير الأتباع، والتكاثر بالأتباع، وكثيراً ما كان بعض الناس يفتخر بأنه يحضر مجلسه ألف أو ألفان من الناس! ويحضر درسه المئات أو الآلاف من الطلاب! ويحضر خطبته جماهير غفيرة تكتظ بهم المقاعد والمواقع! فينبغي أن يتنبه الداعية إلى أن يكون دافعه إلى الدعوة هو ابتغاء ما عند الله تعالى، لا أكثر من ذلك ولا غير، لا يريد دنيا ولا منصباً، ولا مكانة عند الناس، ولا مديحاً منهم، ولا تكثيراً للأتباع والتفاخر بذلك، بل هو يقصد أن يقوم بمهمة، يشعر بأن الله تعالى أو جبها عليه وألزمه بها، فهو أجير ينفذ ما أمره الله تعالى به.

    ولا شك أن الداعية يفرح بكثرة من يستجيب له، وهذا أمر طبيعي، ويحزن حين يرى إعراض الناس، لكن انظر؛ هل أنت تفرح بكثرة الناس حول داعية آخر؟ إن كان كذلك فحسن، وهذا يدل على الإخلاص، أما إن كنت تحزن، وتتمنى أن يكون حضورهم عندك وقبولهم لك، وإنصاتهم لما تقول وسماعهم لما تأمر، فحينئذٍ عليك أن تتهم نيتك، وتسارع إلى تجديد قصدك، قبل أن يفوت الفوت ولا ينفع حينئذٍ ندم.

    والإخلاص لابد منه -كذلك- في العلم والتعليم، وهو جزء لا يتجزأ من الدعوة، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم وغيرهما بسند على شرط الشيخين -كما يقول الحاكم- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله يريد به عرضاً الدنيا، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا} وفي الحديث الآخر، من حديث أبي هريرة، في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أول من تسعر بهم النار، وهم ثلاثة منهم: {رجل عالم قارئ جيء به، فعرفه الله جل وعلا نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته} هذا رجل كان في الدنيا علماً يشار إليه بالبنان، وهو أيضاً ممن لم يكتم علمه، بل علمه وبذله في المساجد والمداس والحلق وغيرها، {فقال: يا رب، تعلمت فيك العلم وعلمته. قال الله جل وعلا: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو قارئ فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجه وألقي في النار}.

    فينبغي على الداعية أن يصحح مقصده، ولذلك قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108][يوسف:108] فجعل أول شرط من شروط الداعية: أن تكون دعوته إلى الله.

    هل تعلم أن الإنسان -أحياناً- يدعو إلى نفسه؟

    ويعجبني في هذا المقام أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، كان يمشي يوماً في المسجد الحرام، فمر برجل يقص -والقُصَّاص نوع من الوعاظ، كانوا يجلسون فيتحدثون ويذكرون القصص، فيلتف الناس حولهم- فقال رجل لـعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، أتدري ما يقول هذا؟

    قال: نعم، يقول: انظروا إلىَّ انظروا إلىَّ. فابن عمر لا يعنيه ما يقول هذا القاص، قد يكون يتلو آية أو حديثاً، أو يقرر حكماً شرعياً، أو يقول كلاماً ليس خطأ، لكن ابن عمر رضى الله عنه، شعر من حال هذا القاص وصفته وهيأته، أن حاله أقرب إلى الرياء منها إلى الإخلاص، فقال: إن هذا القاص يقول: انظروا إلي انظروا إلي، كأن القضية قضية إثبات وجود.

    فالأمر خطير ومصيبة؛ أن يصبح الداعية -أحياناً- مثل الشمعة التي تضيء للناس وتحرق نفسها، قد ينتفع الناس بعلمك ودعوتك، ويدخلون بذلك الجنة، ويكون سبباً لدخول صاحبه النار، أي أن هذا العلم الذي استنار الناس به ودخلوا به الجنة، قد يدخل به صاحبه النار؛ لأن الناس أخذوه بصدق وجد وعملوا به؛ فدخلوا الجنة، وصاحبه أخذه برياء أو سمعة فدخل به النار.

    وحين نقول: الداعي إلى الله، نقصد كل من يدعو إلى الله في أمر عظيم أو يسير، لأن الدعوة ليست حكراً على طبقة معينة، أو على طائفة معينة، فكل إنسان يعلم شيئاً من الخير؛ يجب أن يدعو إليه بقدر ما يستطيع- فيا أيها الداعي إلى الله، صحح نيتك فيما تعمل وتدعو إليه، حتى يكون عملك لك لا عليك.

    1.   

    العلم الشرعي

    الشرط الثاني أو الصفة الثانية من صفات الداعية -بعد أن يتحقق عنده الإخلاص-: أن ينطلق ليتعلم حدود ما أنـزل الله على رسوله.

    اسمع ماذا يقول الله جل وعلا: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] الاهتمام بالدعوة، هو مهمة طائفة من الناس من المؤمنين يتخصصون لهذا الأمر، لإنذار قومهم، فينفروا في طلب العلم فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة:122] فينبغي لطائفة الدعاة إلى الله تعالى، أن ينفروا للتفقه في الدين، فلا بد من العلم بجميع أنواعه وألوانه، والعلم ليس علم اللسان فقط، بل علم اللسان وعلم القلب، علم القلب الذي يورث الخشية من الله عز وجل، والخوف منه، والعمل الصالح، ولذلك يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: عالم عامل معلم، يدعى كبيراً في ملكوت السماوات.

    أنواع الناس في العلم والعمل

    وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته أنواع الناس وطبقاتهم، ففي حديث أبي موسى الأشعري المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً} انظر هذا المثل النبوي، فالإسلام أصوله وفروعه مثل المطر الذي نـزل على أرض، والأرض ليست سواء، والبقاع تختلف، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الأرض أنواعاً، ذكر منها طائفة طيبة قبلت الماء، إذ هي أرض خصبة عندما نـزل الماء عليها شربته وقبلته؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فهذا مثل للإنسان الذي تعلم العلم وشربه وامتلأ به قلبه، وخشعت به جوارحه؛ فأثمر العمل والدعوة والصدق والإخلاص، هذه طائفة، وهذا هو ما يجب أن يكون عليه الداعية.

    وهناك أرض أخرى عندما نـزل عليها المطر كانت أرضاً تمسك الماء لكن لا تنبت الكلأ والعشب، فنفع الله بها الناس حيث شربوا منها وسقوا وزرعوا، فهذا مثل إنسان تعلم العلم وحفظه، لكن لم يستفد منه الفائدة المطلوبة، فالناس ينتفعون بما عنده من العلم لكن هو لم ينتفع، فهو مثل الأرض التي حفظت الماء، لكن ما شربت الماء ولا أنبتت العشب.

    القسم الثالث أو الطائفة الثالثة: أرض قيعان، لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، إذا ما جاءها ماء شربته ثم لم تنبت شيئاً، فلا هي أمسكت الماء لينتفع به الناس، ولا هي عندما شربت الماء أنبتت العشب، فما استفاد الناس منها لا عشباً كلأً ولا ماءً تحفظه، فهذا مثل إنسان لا تعلم ولا عمل ولا دعا.

    فانظر يا عبد الله، في أي هذا الطبقات أو الطوائف أنت، ولا شك أن الجدير بكل داعية؛ أن يجعل نفسه من الطبقة الأولى، التي انتفعت بما أنـزل الله على رسوله من الهدى والعلم، فعلمت وعملت ودعت إلى ذلك. ولذلك نجد في الآية الكريمة التي تلوتها شرط البصيرة أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] فلابد من البصيرة فيما تدعو إليه.

    طلب العلم يحفظ الداعية من الانحراف العقدي

    إن طلب العلم الشرعي الصحيح، هو ضمانة تحفظ الدعية بإذن الله عز وجل من ألوان الانحراف، وإن من ألوان الانحراف الذي قد يقع للداعية: الانحراف في معتقده، ونحن نجد على مدار التاريخ؛ أن هناك دعاة لكن إلى ضلاله، ومن أمثلة ذلك: انحراف الخوارج، الذين كانوا يكفرون المسلم بالمعصية، ويقابله انحراف المرجئة، الذين كانوا يقولون: كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، كذلك لا يضر مع الإيمان معصية، وكلاهما غلوّ وانحراف، ونحن نجد حتى في واقع الدعاة في هذا العصر، في بعض البلاد الإسلامية، هذا الانحراف أو ذاك موجود، والسبب هو فقدان العلم الشرعي، فتكون علوم الإنسان في الدعوة، مبنية على اجتهاد شخصي وعلى ميزاته، فإذا وُجد إنسان حاد المزاج، حاد الطبع شديد الانفعال قوي الغيرة، ثم شاهد الانحرافات والمعاصي والأخطاء، قام وقال: هؤلاء الناس فيهم وفيهم، وربما أطلق عليهم ألفاظ الكفر دون تبصر أو تثبت، فهذا انحراف، فما الذي يعصم الإنسان من الوقوع في هذا الانحراف؟ يعصمه بإذن الله جل وعلا العلم، فالعلم نور في قلب الإنسان.

    كذلك الانحراف في الوقوع في التجهم أو الاعتزال أو التأويل أو التحريف أو التبديل، إنما العاصم من ذلك -بإذن الله جل وعل- هو العلم الشرعي.

    العلم الشرعي يعصم الداعية من الانحراف السلوكي

    كذلك العلم الشرعي يعصم صاحبه من الانحراف السلوكي، وقد تجد بعض الدعاة منظرين أو نظريين، قد يتحدث الواحد منهم -مثلاً- عن الإسلام وقضايا الإسلام وشئون المسلمين ومشاكل الأمة الإسلامية، وقضايا كثيرة قد يتحدث عنها بكلامٍ جيد، لكن حين تنظر في سلوك هذا الداعية؛ لا تجد سلوك الإسلام كاملاً متمكناً فيه، قد تجد أن هذا الداعية يمشي وهو مسبل ثوبه، حالق لشعر وجهه، تارك للصلاة مع الجماعة، أو مقصر في ذلك، وأنا لا أقول: إن هذه الأشياء لا يمكن أن تقع من مسلم، كلا بل قد يقع المسلم في بعض هذه المعاصي، وهو يعلم أنها معاصٍ أو لا يعلم، لكن المصيبة كل المصيبة، أن تقع من داعية يدعو إلى الله جل وعلا، فهنا لا يمكن أن يُتسامح بحال من الأحوال في داعية إلى الله تعالى يقع في مثل هذه الأمور، لأن الناس يقتدون به في مثل هذا الأمر، ويعتبرون أن ما يفعله حجة -على الأقل- على سبيل التسامح والتساعد، ومن المعروف أن الناس إذا وجدوا أن العالم أو الداعية يقع في أمر؛ فإنهم يلتمسون في ذلك العذر ويتوسعون فيه، ويقولون: لو أن هذا الأمر ممنوعا لما وقع فيه فلان وفلان وفلان! فلا يمكن أن يقول جمهور الناس: إن هذا الإنسان أخطأ، بل بالعكس، جمهور الناس يفرحون بخطأ هذا الداعية أو العالم ليقتدوا به، ولذلك قيل: إذا زل العالِم زلَّ بزلته عالَم.

    وكان عمر رضي الله عنه يقول لـزياد بن حدير: [[أتدري ما يهدم الإسلام؟

    قال: لا. قال: يهدم الإسلام ثلاث: زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين]] فزلة العالم تساهم في هدم الإسلام، ولذلك كثير من الناس اليوم حين تقول له: يا أخي، هذا العمل محرم، والدليل قول الله تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لك: يا أخي، لو كان حراماً ما فعله فلان وما فعله فلان، فيحتج عليك بفعل فلان وفلان من الناس، ولذلك قال بعض أهل العلم: إن علماء السوء وقفوا في طريق الجنة، يدعون الناس إلى الجنة بأقوالهم ويحذرونهم منها بأفعالهم، فهم قطاع طريق في الواقع وليسو أدلاء، وهذا أمر مشهود، فكم حال خطأ العالم أو الداعية بين الناس وبين ترك المعصية، تأتي إلى إنسان مثلاً يشرب الدخان، فتقول له: يا أخي، التدخين حرام ثبت طبياً ضرره وكل ما ثبت ضرره فهو حرام، ولا ضرر ولا ضرار، وفيه إتلاف للمال، وفيه وفيه...، فيقول: يا أخي، هناك عالم في بلد كذا يشرب الدخان، وقد رأيته بعيني، وتأتي إلى آخر فتقول: يا أخي، الغناء فيه من النصوص والوعيد كذا وكذا، وقد أجمعت الأمة على تحريمه فيقول لك: يا أخي، أنا سمعت بأذني العالم فلان يفتي بأن الغناء حلال!!

    وهكذا تجد أن الناس يلتقطون أي زلة أو غلطة من داعية أو عالم فيتشبثون بها، وهذا لا شك أنه خطأ، بل العكس، إن الإنسان الذي يأخذ زلات العلماء؛ يجتمع فيه الشر كله، فمنهج هؤلاء العامة ليس سليماً، لكن نحن نقول: الداعي إلى الله جل وعلا وطالب العلم، ينبغي أن يكون مستقيماً في سلوكه، فلا يدع للناس فرصة ليتشبثوا بخطأ وقع فيه، حتى لو كان أمراً مباحاً قد يتوسع الناس فيه، فينبغي للداعية أن يتجنب هذا الأمر المباح، حين يكون أمام العامة على الأقل؛ لئلا يعطي للناس فرصة للوقوع في الحرام، بحجة أن فلان فعل ذلك، فطلب العلم الشرعي يعصم الداعية بإذن الله من الوقوع في الانحراف السلوكي.

    طلب العلم الشرعي يعصم الداعية من الانحراف في منهج الدعوة

    كذلك طلب العلم الشرعي يجعل الداعية بعيداً عن الانحراف في منهج الدعوة.

    والانحراف في منهج الدعوة يتمثل في صور كثيرة، منها -على سبيل المثال-: أن يشتغل الداعية بالتجميع العاطفي، الذي سرعان ما يتبخر ويزول.

    فبعض الدعاة -مثلاً- همه أن يجمع أكبر عدد ممكن من الناس، وليس همه أن يربيهم على الإسلام الصحيح، وأن يخرج رجالاً يعبدون الله على بصيرة، ويدعون إليه ويجاهدون في سبيله، وإنما همه أن يجتمع حوله عدد كبير من الناس، ولو كانت مستوياتهم ضعيفة، فيثير في نفوسهم الحماس فيقول لهم: قضايا المسلمين في بلد كذا، والمسلمون يقتلون في بلد كذا، فيثير عندهم الحماس للإسلام، وهو حماس مبهم غامض!! ولست أدعو إلى تجاهل قضايا المسلمين، أو الغفلة عن مشاكلهم، كلا! بل ينبغي أن يكون المسلمون كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم، كالجسد الواحد إذا اشتكي منهم عضو تداعى لـه سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

    تذوب حشاشات العواصم حسرة      إذا دميت في كف بغداد أصبع

    ولو بردى أنت لخطبٍ أصابها      لسالت بـوادي النيل للنيل أدمع

    فالمسلمون أمة واحدة يألم أقصاها لأدناها، ولكن ينبغي -مع ذلك- ألا يكون هدف الداعي هو فقط إثارة حماس الناس وعواطفهم لقضايا المسلمين؛ لأن هذا الحماس سرعان ما يخبو ويفتر بعدما يتجاوز الإنسان فترة معينة من عمره، ويتحول الإنسان إلى تاجر وموظف، أو أي شيء آخر، لكنه ليس داعية إلى الله -جل وعلا- وهذا هو السر في أنك تجد بعض الناس في فترة من فترات عمره، متألقاً مشرقاً كداعية، لكن بعد فترة سرعان ما يخبو ويذبل، لأنه ما قام على أصول صحيحة وثابتة من العلم الشرعي الصحيح، بل كان مجرد حماس فتر بعد ما تقدمت به السن.

    طلب العلم يعصم الداعية من الانحراف في مسألة الولاء والبراء

    من الانحرافات المنهجية، أو من الأمثلة التي قد يقع فيها الداعية بسبب ضعف العلم الشرعي: ألا يفهم الداعية مسألة الولاء والبراء على أصولها الصحيحة، فبعض الدعاة -مثلاً- تجد ولاءهم وبراءهم، ليس ولاءً وبراءً محرراً في الله تعالى، بل هو -وأحياناً- ولاءٌ على اللافتات والرايات والحزبيات والتجمعات، وليس في الله جل وعلا، وهذا خطر عظيم، ربما يبغض الداعية إنساناً شديد الإيمان بالله ورسوله شديد الحب لهم، كثير الجهاد والعمل والدعوة إلى الله، لأنه ليس من طائفته، وقد يحب إنساناً آخر دونه بمراحل، وربما يوجد عنده عيوب وأخطاء، لسبب أنه من فئته أو من أصحابه، وهذا خطر عظيم! وربما نستطيع أن نشبهه بما كان يوجد في الماضي، من الحزبية والتعصب للمذاهب الفقهية، فكان -مثلاً- المتعصب لإمام من الأئمة، كـالشافعي أو أبي حنيفة، ربما يقع في حق عالم من العلماء جليل القدر؛ لأنه يتبع إماماً آخر، وكم لقي ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من العلماء، من العنت والحرب؛ بسبب أنهم يخالفون هؤلاء في مذهبهم، مع أننا نعلم أن ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من العلماء المحققين رحمهم الله أجمعين لم يكونوا يتعصبون إلا للحق، لكنهم ابتلوا بمتعصبين، يوالون ويعادون في أمور ما أنـزل الله بها من سلطان.

    واليوم نجد كثيراً من الدعاة ابتلوا بهذا الأمر؛ فتجد الداعية إذا ذكرت لـه فلاناً: أشاح بوجهه وأعرض، وربما أظهر من حركات شفتيه ويديه وهيئته ما يدل على الامتعار، وحين تستغرب فتبحث عن السبب؛ تجد أن هذا الداعية ليس من أصحابه ولا من فئته، ولذلك اتخذ منه هذا الموقف.

    العلم الشرعي يكسب الداعية التوازن في فكره ومنهجه

    من أمثلة الانحرافات المنهجية التي قد يقع فيها الداعية بسبب ضعف العلم الشرعي:

    تضخيم بعض القضايا على حساب قضايا أخرى، وقد تكون أحياناً قضايا فقهية، والاختلاف في القضايا الفقهية موجود من عهد الصحابة رضي الله عنهم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يضر مادام هو مبني على الدليل الشرعي، لكن بعض الناس قد يجعلون من الاختلاف في قضية فقهية، مدخلاً للولاء والبراء، فيتولى فلاناً لأنه يوافقه في هذه المسألة الفقهية، ويعادي فلاناً لأنه يخالفه في تلك المسألة الفقهية.

    وقد يكون الاختلاف في قضية اجتهادية في الدعوة، فقد تتخذ أنت أسلوباً في الدعوة إلى الله جل وعلا، قد لا يعجبه، مثلاً: أن تستخدم -لا أقول في الدعوة، لكن من ضمن الأعمال والأشياء التي تقوم بها- أنك أحياناً قد تنشد أناشيد معينة فيها معانٍ إسلامية، وهذه الأناشيد هناك من قد يقف منها موقفاً، ويرى أنها لا تجوز. وتبقى في إطار القضية الفقهية، فنقول: إن من العلماء الكبار، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، من أفتى بأن هذه كما قالت عائشة رضى الله عنها، لما سئلت عن الشعر، ما هو؟ قالت: هو كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.

    وكذلك الأناشيد، هي كلام حسنها حسن وقبيحها قبيح، فوفق ضوابط معينة لا إشكال فيها، مثل: السلامة من استخدام الآلات الموسيقية، أو الطبل أو الدف أو غيرها، والسلامة من المعاني السيئة، فبعض الأناشيد الإسلامية الموجودة في الأشرطة، يكون فيها معانٍ صوفية أو شركية أو غيرها، وأيضاً: البعد عن الإكثار من هذه الأشياء، بحيث لا تغلب على الإنسان؛ لأن بعض الشباب يفطرون على الأناشيد ويتغدون أناشيد، ويتعشون أناشيد وينامون أيضاً على الأناشيد!! وهذا ليس سليماً، فالإسراف مرفوض في كل شيء، فالمفروض أن لا تتعدى هذه الأناشيد قدرها، بحيث أنها تزيل السأم والملل في سفر أو إقامة أو غير ذلك فقط، ففي هذا الإطار لا أشكال فيها، لكن هناك من قد يقول لك: أنا لا أرى جواز هذه الأناشيد، ولا إشكال أيضاً فمادام أنك فلا تراها لا تستخدمها أنت، إنما هل ينبغي أن تتخذ موقفاً من فلان؛ لأنه لا يوافقك في هذا الرأي؟!

    هذه قضية فرعية، ولك اجتهادك فيها، لكن لا ينبغي أن تكون هذه المسألة مدار الولاء والبراء والحب والبغض، وهي قضية -كما ذكرت فرعية.

    فالعلم الشرعي الصحيح والفقه العميق، يحمي الإنسان من تضخيم بعض القضايا الفرعية، أو التهوين من بعض القضايا الكلية. ففي مقابل ذلك؛ تجد بعض الدعاة ربما لا يقبل الحديث في قضايا أصولية مهمة، يقول: هذه تفرق الشمل لو سمع أحداً يتكلم -مثلاً- عن توحيد العبادة، وضرورة إفراد الله جل وعلا بالعبادة، وتحريم عبادة غير الله، وأن ذلك من الشرك الأكبر، الذي بعث الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لتحذير الناس منه ونهيهم عنه.

    وبالتالي الكلام عن القبوريين، الذين يطوفون بالقبور ويسألون أصحابها، ويدعونهم وينذرون لهم وما أشبه ذلك، وأن هذا شرك بالله جل وعلا، قال: يا أخي اترك هذا الكلام، هذا يفرق الصفوف!! أو سمع آخر يتحدث عن الرافضة -مثلاً- وخطرهم على الإسلام وانحرافهم، قال: دع هذا الكلام، فإنه يفرق الصفوف!

    إذاً: هناك من يهون بعض القضايا الكبيرة بحجة جمع الصفوف، وهناك من يعظم بعض القضايا الجزئية، فيوالي أو يعادي عليها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، والعلم الشرعي الصحيح يعصم الإنسان -بأذن الله- من الوقوع في هذا الخطأ أو ذاك.

    1.   

    الصدق

    الخصلة الثالثة أو الشرط الثالث من شروط الداعية هو: الصدق.

    وأول ما يتبادر من كلمة الصدق، هو الصدق في اللسان، ولكن الواقع أن الصدق يكون في القلب قبل أن يكون في اللسان، ولذلك يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] فحقيقة الصدق هي الإخلاص التام في القلب، ومنه يفيض الصدق على الجوارح كلها، فتكون أقوال الإنسان وأفعاله كلها تنطق بالصدق.

    ومسألة الصدق قضية كبيرة ومهمة جداً، ويعجبني الحديث الذي رواه الترمذي وهو حديث صحيح، عن عبد الله بن سلام رضى الله عنه، وكان يهودياً فأسلم، قال: {لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وتحدث الناس به وسمعت بمجيئه ذهبت إليه، قال: فاستثبت في وجهه أي نظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم نظرة عميقة ومتأنية، واسمع رأي عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فمن خلال نظرة واحدة فقط على وجه الداعية، خرج بها عبد الله بن سلام رضي الله عنه، بنتيجة كبيرة جداًً قال: فلما نظرت في وجهه؛ عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فسمعته يقول: أيها الناس، أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام}.

    وتدبر قوله: فلما نظرت في وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، كم من الدعاة اليوم من إذا نظرت إلى وجهه، عرفت أنه ليس بوجه كذاب؟

    وكيف يكون هذا؟

    هذا يكون عن طريق ممارسة الصدق في الأقوال والأعمال، واتخاذه ديدناً للإنسان، حتى يتحول إلى خلق وسجيه لا يحيد الإنسان عنها بحال من الأحوال، حتى يألف الناس هذا الأمر منه، وتصبح أساريره تنطق بهذا.

    الوضوح في القول

    كثير من الدعاة إلى الله عز وجل وطلاب العلم، توسعوا في مسألة التأويل في العبارات والأقوال، واتخاذ ما يسمونه بالمداراة والتورية وغيرها، حتى وقع الناس منهم في الإبهام والإيهام، وصار الناس لا يثقون لهم بقول ولا كلام.

    أحياناً الداعية لا يكذب كذباً صريحاً يؤخذ عليه لكن يستخدم التورية والتأويل، لكن الناس من كثرة ما استخدم هذا الإنسان التورية والتأويل؛ صاروا لا يثقون فيه لأنهم اكتشفوا أنه لا يعطي الحقيقة.

    الفقهاء أحياناً يتكلمون عن التورية وأساليبها، ومتي يفعلها الإنسان وما أشبه ذلك، لكن كون التورية والتأويل ديدناً عند الداعية، بحيث إن كثيراً من أموره مبنية على التأويل والتورية! هذا أسلوب تربوي خاطئ، أولاً: لأنه يربي من حوله على عدم الوضوح وعدم الصدق، ثم إنه يورث الناس عدم الثقة بهذا الداعية وبما يقول، حتى لو صدقهم ما صدقوه حينئذٍ.

    وعدم الوضوح في الأفعال، لا يقل خطورة عن عدم الوضوح في الأقوال، فالداعية مطالب بالصدق في أفعاله، وقد يقول الإنسان: كيف يكون الصدق في الأفعال؟ فنقول: نعم، يكون الصدق في الأفعال، ولعل من الأمثلة على الصدق في الأفعال: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند النسائي وغيره وفي سنده مقال، في قصة الرجل الذي أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، وهو ابن أبي السرح، وكان أخاً لـعثمان بن عفان رضي الله عنه لأمه، فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، جاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس لـه الأمان، فكان الصحابة جالسين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء به عثمان قال: {يا رسول الله! هذا ابن أبي السرح وهو يلتمس الأمان، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم بعض الوقت ثم أمنه، فلما انصرف، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ألا قام رجل منكم حين سكتّ فعلاه بالسيف فقتله؟

    فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا، إشارة خفية منك يا رسول الله، ولو بطرف العين، كافية لأن نقوم بهذا العمل فتقول الرواية: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ما ينبغي لنبي أن تكون لـه خائنة الأعين} هذا هو الوضوح، فالداعية إلى الله جل وعلا، يجب أن يترسم خطى النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوح والصدق، في أقواله وأعماله.

    1.   

    العدل

    الخصلة الرابعة: هي العدل.

    والعدل بمعناه العام، يشمل عدل الإنسان مع نفسه ومع غيره، مع العدو والصديق، والقريب والبعيد، وفي عبادته وسلوكه وغير ذلك، وبالعدل قامت السماوات والأرض، كما نطق بها اليهود شهادة لما رأوا عدل النبي صلى الله عليه وسلم. والعدل يكون في أمور كثيرة جداً:

    الاعتدال في الحكم على الأشياء

    وإن من العدل: الاعتدال في الحكم على الأشياء والأشخاص والكتب والمجلات والجرائد والأعمال والمؤسسات وغيرها، كل شيء تريد أن تتكلم منه، أو تحكم عليه؛ لا بد أن تراعي العدل، فإذا كان فيه الصواب، تقول الصواب فيه، أو كان فيه الخطأن فتبين الخطأ، ولا يحملك كون الخطأ يغلب على هذا الكتاب -مثلاً- أو على هذا الشخص، لا يمنعك هذا أن تذكر ما فيه من الصواب، والعكس بالعكس: لا يمنعك كون الصواب غالباً أن تذكر ما فيه من خطأ.

    وكثيراً ما يخل الداعية بخلق العدل، فمثلاً حين يريد الداعية أن يتحدث عن شخص قريب محبوب لديه، شيخ أو أستاذ أو معلم أو مربٍ، تجد هذا الداعية يتكلم عن هذا الإنسان، كما لو كان يتكلم عن أحد الخلفاء الراشدين، أو العشرة المبشرين بالجنة، أو على الأقل أصحاب بدر، فتجده يضفي عليه من الخصال فوق ما يستحق، لأنه يتكلم بلسان المحب الذي لا يرى إلا المحاسن، وكما يقال:

    وعين الرضى عن كل عيب كليلة

    فهذا ليس من العدل، ولو كان شخصاً فاضلاً، ولو كنت معجباً به، فعليك أن تقتصد في الثناء على هذا الإنسان، فلا تعطه فوق منـزلته؛ لأن إعطاءك لـه فوق منـزلته، هو باب من أبواب الغلو في الصالحين.

    ومما ينافي العدل:

    كذلك ألا يعدل الداعية في الحكم على البعيد، الذي لا يوافقه في مشربه ومسلكه ومنهجه، أو حزبه أو طائفته أو فئته، فينسى فضائله، حتى لو كان هذا الإنسان لـه فضائل مشهورة مذكورة، فإنه قد ينساها أو يتجاهلها، ويؤكد فقط على الجانب المظلم، بل ربما تتحول الحسنات عنده إلى عيوب؛ لأنه يتحدث بعين السخط، وعين السخط كما قيل:

    ولكن عين السخط تبدي والمساويا

    فهنا لابد من العدل، وأن تذكر ما في هذا الإنسان من فضائل مهما كان، والواقع أن الإنسان حين يستخدم العدل هنا، يربي الناس على هذا المنهج أولاً، ثم يكسب ثقة الناس؛ لأن الناس أصبحت تعرف أن فلاناً حين يتحدث، لا يتحدث عن هوى أو شهوة أو غرض شخصي، إنما هو إنسان يضع الحق نصب عينيه، ويحكم على الناس بقدر ما وسعه اجتهاده، لا يحابي أحداً فيعطيه فوق قدره، ولا ينتقص أحداً دون منـزلته، فقد يخطئ بلا شك؛ لأن البشر غير معصوم من الخطأ، لكن هو في الجملة معتدل في منهجه، وقد يخطئ، فلا يسلم من الخطأ أحد في هذا الباب ولا في غيره.

    1.   

    الحكمة

    الشرط الخامس أو الصفة الخامسة من صفات الداعية هي: الحكمة.

    والعلماء يعرفون الحكمة بأنها: وضع الشيء في موضعه، وفضلها عظيم، ويكفيك قول الله جل وعلا: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة:269] فالحكمة خير كثير كما ذكر الله جل وعلا، وقد أمر الله الداعية أن يدعو بالحكمة فقال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    والحكمة لها صور شتى، منها -مثلاً- مخاطبة الإنسان بما يناسبه، فالناس طبقات شتى، وكل فئة من الناس يناسبهم أسلوب معين، فأنت حين تتحدث مع العامي تحتاج إلى أسلوب خاص، وحين تتحدث مع طالب العلم تحتاج إلى أسلوب آخر، وحين تتحدث مع إنسان مثقف تحتاج إلى أسلوب ثالث، وحين تتحدث مع عمال تحتاج إلى أسلوب رابع، وحين تتحدث مع زملاء تحتاج إلى أسلوب، وحين تتحدث مع من هم دونك تحتاج إلى أسلوب، أو مع من هم فوقك تحتاج إلى أسلوب. فمن الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، فتخاطب كل إنسان بما يناسبه، فلو حدثت العالم -مثلاً- بما تخاطب به العامي لكان هذا خطأ، ولو خاطبت العامة بما تخاطب به طلاب العلم لربما كان هذا لهم فتنة، ولذلك قال علي رضي الله عنه: [[حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟]] وجاء في الأثر: [[ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة]].

    ومن صور الحكمة: عدم التعجل والاندفاع وراء الطيش والحماس غير المتزن، وقد ذكر لنا الله جل وعلا في كتابه نموذجاً لذلك، يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء:77].

    جاء في حديث ابن عباس في السنن، وهو حديث صحيح، أن هذه الآية نـزلت في قوم في مكة، والمسلمون مضايقون مضطهدون، كانوا يقولون: لو قاتلنا، لو جاهدنا، لو حملنا السلاح ضد الأعداء، فقيل لهم: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة، فلما فرض عليهم القتال ووجب عليهم؛ نكص بعضهم وتراجعوا، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، وإذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، فالمطلوب من الداعي الحكمة والاتزان وعدم التعجل، والتدرج في الأمور، فما يكون صواباً في حال قد يكون خطأ في حال آخر.

    ومن صور الحكمة: عدم الإقدام على عمل ضرره أكبر من نفعه، أو حتى ضرره مساوٍ لنفعه؛ لأنك تعمل، والعمل لا شك أنه مجهول، فحين تكتشف أن هذا العمل الذي تعمله ضاع قد تتركه، حتى حين تكتشف أن ضرره مساوٍ لنفعه حينئذٍ تتركه؛ لأنه لا داعي لأن أتعب نفسي فيه، وأنا أعرف أن الضرر مساوٍ للمصلحة. فمن الحكمة عدم الإقدام على عمل كهذا، وذلك كما إذا وجدت إنساناً على معصية، وتعرف أنك لو نهيته عنها، لوقع في معصية أخرى مساوية لتلك المعصية.

    ومن صور الحكمة: تقديم الأهم على المهم، وتقديم المهم على ما دونه، حين تتعارض وتتزاحم الواجبات.

    فإذا كان عندك مجموعة واجبات كثيرة، لا تستطيع أن تقوم بها كلها دفعة واحدة، فعليك أن ترتب الواجبات فتبدأ بالأهم، وافترض أن عندك إنسان عليه مجموعة من الأخطاء والمعاصي، فهو تارك للصلاة، وفي نفس الوقت يشرب الخمر ويسمع الغناء، وأنت ترى أنه ليس من المصلحة أن تقول لـه: يا فلان، إن ترك الصلاة وشرب الخمر وسماع الغناء هذه كلها معاصٍ وكذا وكذا...

    فمن المصلحة أن تبدأ مع هذا الإنسان بالتدرج، وما الإنسان خاصة إذا كان جاراً لك، فعندك وقت طويل معه، فمن الحكمة أن تبدأ معه في مسألة الصلاة فتدعوه إلى الصلاة، وتبين لـه خطورة تركها، وتحثه عليها حتى يستجيب لك، ثم تنتقل إلى المعصية الأخرى، ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، عن ابن عباس، لما بعث معاذاً إلى اليمن قال لـه: {إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله} لأن مسألة التوحيد هي أهم ما يدعى إليه: {فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم} إذاً لا بد من التدرج في الدعوة ومراعاة الأهم ثم المهم.

    من صور الحكمة: مراعاة الرفق، والله عز وجل حين بعث موسى وهارون إلى فرعون قال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ولذلك يقال: إن أحد الدعاة المتعجلين دخل على أحد الخلفاء، وتكلم عليه بكلام قاس شديد، فكان الخليفة أفقه من هذا الإنسان، فقال لـه: قف، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فأمره بالرفق والقول اللين، بعث الله موسى إلى فرعون وقال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه:44] وموسى خير منك وفرعون شر مني، فلا داعي لأن تقسو علي وتغلظ لي في المقال. فمراعاة الرفق والأناة والحلم وسعة الصدر على المدعوين، من أهم صور الحكمة المطلوبة من الداعية.

    1.   

    الصبر

    أخيراً من شروط الداعية وخصاله: الصبر.

    والصبر هو حبس النفس على ما تكره كما عرفه أهل العلم، فلا بد للداعية من الصبر، ولذلك قال الله جل وعلا في صفة المفلحين الرابحين: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فلا بد من الصبر للداعية، أولاً: الصبر على الإسلام نفسه، من الإيمان والعمل الصالح وما يتبعهما، فلا بد من الصبر على ذلك.

    وثانياً: لا بد من الصبر على الصبر، بمعني أن الداعية قد يصبر وقتاً من الأوقات، ولكنه يمل بعد ذلك ويترك الصبر، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، يقول عليه الصلاة والسلام: {ومن يتصبر يصبره الله} فقد يكون من شأن الإنسان العجلة وعدم الصبر، لكن إذا تكلف الصبر رزقه الله الصبر، حتى يصبح سجية لـه، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر، فهو خير وأوسع من المال ومن الثروة ومن الجاه، ومن الزوجة الجميلة، ومن النصر الرفيع ومن كل شيء، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر.

    فسبحان الله! كم من إنسان يبدأ بعمل طيب، لكنه يعجز فينقطع في عرض الطريق، لماذا؟ لأن ما عنده صبر، وكم من داعية يواجه بالإيذاء والتكذيب وبالسخرية، فيترك الدعوة إلى الله جل وعلا؟ لأنه لم يتميز بالصبر، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم -أيضاً- في الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عمر وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم}.

    فالداعية بالذات يحتاج إلى الصبر، يقول الله جل وعلا: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186] سيجد الداعية من يشكك في نيته، لماذا؟ لأن الأنبياء وجدوا من يشكك في نياتهم قال تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] موسى وهارون قال عنهما فرعون: إنهما يريدان الكبرياء في الأرض! قال تعالى: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ [يونس:78] إذاً لهم مقاصد سياسية على حد تعبير المعاصرين! هكذا يزعم فرعون، فيجد الداعية من يشكك في نيته فلا يحزن، وسيجد الداعية من يرفض قبول دعوته فعليه أن يصبر، وسيجد الداعية من يترك الميدان، ممن حوله من الدعاة الذين كان يأمل فيهم، فوجد أنهم ضعفوا وتخلوا، فيجب أن يصبر، وسيجد الداعية أن هناك من أقرانه وزملائه من يؤذيه وينال منه، وهذا من أشق الأمور على النفس، ولذلك يقول القائل:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة      على المرء من وقع الحسام المهند

    فأنت لا تستغرب أن ينال منك عدوك؛ لأنه عدو، بل إن الغريب لو لم ينل منك، إنما تستغرب أن ينال منك أخوك وصديقك وقريبك ومرافقك، لكن ليجعل الداعية شعاره حين يسمع مثل ذلك قول كُثَيِّر:

    هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامر      لـعزة من أعراضنا ما استحلت

    إذاً سيلقى الداعي أذى كثيراً، حتى إنك قد تلقى الأذى من أهل بيتك، من زوجتك ومن أولادك ومن جيرانك، فلا بد من التحلي بالصبر والنهاية للصابرين، جعلني الله وإياكم منهم.

    والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    بعض الكتب في السيرة النبوية

    ِالسؤال: يقول: أنا أريد أن أنمي ثقافتي في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وعلماء السلف، لآخذ العبرة منهم وأرتقي بنفسي، فما هي الكتب التي تنصحني بها مع ذكر المؤلفين؟

    الجواب: فيما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فالناس في السيرة عيال على ابن إسحاق، فـسيرة ابن إسحاق، التي أخذها عنه ابن هشام هي أوفى وأوسع ما كتب في السيرة، وهي مطبوعة في أربعة مجلدات، ولكنها ليست سيرة موثقة توثيقاً تاماً، بل فيها الأخبار المعضلة والمنقطعة وغيرها، ولذلك هناك كتاب آخر في السيرة لـابن كثير، هو جزء من البداية والنهاية، لكنه مطبوع مستقلاً باسم "السيرة النبوية" بعناية مصطفى عبد الواحد في أربعة مجلدات، وابن كثير إمام محدث، ولذلك ظهرت بضاعته الحديثية في هذا الكتاب، فهو من الناحية التوثيقية أفضل من كتاب سيرة ابن هشام، وهناك كتب كثيرة في السيرة، فهناك: تهذيب سيرة ابن هشام، وهناك الفصول في اختصار سيرة الرسول لـابن كثير وغير هذه الكتب.

    وأما ما يتعلق بسيرة الصحابة وعلماء السلف، فلعل من أوفى وأوسع المصادر في ذلك كتاب: سير أعلام النبلاء للذهبي وهو كتاب ضخم جداً، ولذلك قد يصعب على الشاب المبتدئ أن يقرأ فيه، لكن يمكن أن يقرأ -مثلاً- كتاب الإصابة لـابن حجر، وهو كتاب أيضاً يعتبر ضخماً، فإن أحب الشاب أن يقرأ في ذلك كتاباً مختصراً، فيمكن أن يقرأ أي كتاب من الكتب المعاصرة، التي ذكرت طرفاً أو نتفاً من سير الصحابة، ككتاب صور من حياة الصحابة وصور من حياة التابعين وغيرها.

    الكلام في الناس بغير علم

    السؤال: بماذا ترد على من يحكم على بعض الدعاة بغير علم، فيحكم عليهم بأشياء مخلة بالدين، ويشوه صور بعض الدعاة وينفر منهم ويحذر؟

    الجواب: الواقع أن السؤال عام، فنحن نقول: الكلام في الناس بغير علم، سواءً أكانوا من الدعاة أم من العلماء أم من غيرهم لا يجوز، فالقول في الناس بغير علم حرام، ولا ينبغي للإنسان أن يتكلم في فلان وفلان، ويشوه صورتهم وسمعتهم عند الناس بغير حق، لكن إذا وجد إنسان عنده خطأ اشتهر عنه وتداوله الناس وتناقلوه، فينبغي لأهل العلم أن يتحدثوا عن هذا الخطأ ويبينوه حتى يحذره الناس...

    واجب الداعية نحو من هم تحت يده

    السؤال: ما هي أهم الأمور التي يبدأ الداعية إلى الله بعملها فيما تحت يده؟

    الجواب: من تحت يده، هذه تشمل أنواعاً، فمن تحت يد الداعية قد يكونون أهل بيته، وهؤلاء لهم حقوق، وقد يكونون طلاباً في حلقة أو درس، يريد الداعية أن يربيهم على العلم والمعرفة، وعلى كل حال، فهؤلاء وأولئك ينبغي على الداعية إلى الله جل وعلا؛ أن يربيهم على المعرفة الصحيحة بالإسلام والعمل بأحكامه، وينبغي للداعية أن يربيهم بقوله وفعله، فحسن الخلق يبلغ به العبد درجة الصائم القائم، وهو من أهم المداخل التي تجعل الداعية مقبولاً عند من يدعوهم إلى الله تعالى.

    الجمع بين العلم والدعوة

    السؤال: أيهما أفضل الانعزال لطلب العلم ثم الدعوة، أو الدعوة على علم بسيط؟

    الجواب: الإنسان ينبغي أن يجمع بين الأمرين فيدعو ويتعلم، ولننظر كيف كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ينفذون هذا الأمر، والذي أعلمه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه؛ أن الواحد منهم كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيجلس في المجلس ويسمع إلى أحاديث ومواعظ وتوجيهات وآيات، ثم ينطلق إلى قومه فيدعوهم إلى الله تعالى، وقد تسلم القبيلة بأكملها على يده، وقد يجلس أياماً أو ليالي ثم ينطلق داعية، فليس من شرط الداعية أن يكون عالماً ملماً بجميع العلوم، لكن ينبغي أن يكون عنده علم شرعي يؤهله للدعوة، فلا يدعو إلى ما لا يعلم، كما أن على الداعية وهو يدعو، أن يتزود من العلم يوماً بعد يوم، أما كون بعض الدعاة ينطلق في الدعوة، وكل وقته في الدعوة، ليس عنده وقت للعلم، فحين تقول له: يا أخي، أنت مضيع لنفسك، الناس تعلمت وعرفت، وأصبحت تعرف الحلال والحرام، والحديث الصحيح من الحديث الضعيف وتقرأ، وأنت تعلم ذلك، يقول: أنا مشغول بالدعوة إلى الله تعالى!

    إذاً: أنت تدعو إلى ماذا؟

    ربما تدعو إلى أمر قد لا تعرفه، قد تدعو إلى بدعة وأنت تظنها سنة، إلى خطأ وأنت تظنه صواباً، قد تخطِّئ عملاً وهو صواب، فلا ينبغي للداعية أن يدعو إلى شيء إلا وهو يعلمه، فيدعو إلى الله على بصيرة، كما أنه لا يجدر بالداعية أن يضيع وقته كله في الدعوة على حساب طلب العلم الشرعي، بل يعتدل في ذلك، ولذلك ذكرت قبل قليل أن من شروط الداعية: العدل في المنهج والسلوك، فيعتدل الداعية، يأخذ العلم بقدر ويدعو إلى الله بقدر.

    أمر الجار بالصلاة

    السؤال: هناك جيران للمسجد لا يصلون، فقلت لهم أكثر من مرة: صلوا، وإن أحببتم أن أطرق عليكم الباب في صلاة الفجر فلا مانع، فلم يقبلوا ذلك، فما هو الحل؟

    وهل يلحقني من ذنوبهم شيء؟

    الجواب: الواقع أن الجار لـه حق على جاره، فينبغي أن ينصحه بقدر ما يستطيع، فما قمت به من دعوتهم إلى الصلاة حسن، وعليك أن تكرر الأمر وليس مجرد كلمة، بل ادخل عندهم في البيت، وتكلم معهم حول مسألة الصلاة في المسجد ووجوبها، واطلب منهم أن يصلوا، وإذا لم يفعلوا كرر الأمر عليهم مرة أخرى، وأحسن إليهم ماداموا جيراناً، أحسن إليهم بالهدية، الهدية للأولاد وما أشبه ذلك، فربما تكون هذه الهدية سبباً في قبولهم لما تقول، فإذا يئست من قبولهم، فإن كنت ترى أن في إبلاغ الجهة المختصة، هيئة الأمر بالمعروف فائدة؛ فعليك أن تفعل ذلك.

    حكم القول في كتاب الله بدون علم

    السؤال: ما رأيك في رجل يعلم الناس وليس بعالم، ويفسر آيات من القرآن، برغم أن معنى الآيات ليس كما فسرها، هل عليه شيء أم لا؟

    الجواب: إن علَّم الناس ما لم يعلم أو فسر القرآن برأيه، فهو آثم وقد أخطأ ولو أصاب، وليتبوأ مقعده من النار، والله عز وجل يقول: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] فالمتكلف في الشرعيات لا يجوز لـه أن يتكلم إلا بعلم ودليل.

    سبب الانتكاس بعد الهداية

    السؤال: يوجد بعض الشباب يهديه الله ويكون من الطيبين، ولكن ما يلبث إلا مدة ثم يعود ويكره الحلقات والدروس والعلم، فما هو السبب؟

    الجواب: قد يكون السبب راجعاً إلى أن هذا الشاب لـه قرناء سيئون، أغروه بالفساد وحاولوا أن يجروه عن طريق الهداية، وقد يكون بسبب زملائه الطيبين، كأن يحدث منهم تقصير أو خطأ أو سوء معاملة نفرت هذا الشاب، أو يحملوا هذا الشاب ما لا يحتمل فأحياناً إذا استقام هذا الشاب، ربما يكلفه زملاؤه بحفظ شيء من القرآن وشيء من السنة، ويثقلون عليه بالجد فيثقل عليه الأمر، فيترك طريق الخير، فعلى الشباب الصالحين إذا اهتدى إنسان أن يأخذوه شيئاً فشيئاً، ولا يثقلوا عليه بالعلم والحفظ في سورة قد تنفره، ويرصوا على معاملته بالخلق الحسن، وإن رأوا منه خطأ عالجوه بطريقة هادئة، ويعملوا على ربطه بمجموعة من الأصدقاء، يستغني بهم عن الأصدقاء السيئين، وحتى لو وقع منه الانحراف لا ييئسوا منه، بل عليهم أن يكرروا معه مرة أخرى، ويحرصوا على كسبه بالأسلوب الحسن، وإن أمكن أن يذهب إليه بعض الأصدقاء الذين يثق بهم، ويسألونه عن سبب تركه لهذه الحلقات والدروس، فهذا أمر حسن.

    تأخير صلاة العصر عن وقتها

    السؤال: هل يجوز جمع صلاة العصر مع صلاة المغرب، إذا تأخرت عن الصلاة لعذر، أم أصلي العصر في اليوم الثاني؟

    الجواب: من المعروف أن صلاة العصر تجمع مع ما قبلها إذا كان هناك حاجة إلى ذلك، كما إذا كان مسافراً أو مريضاً محتاجاً للجمع، فإنه يجمع الظهر مع العصر جمع تقديم أو تأخير، إما في وقت الظهر أو في وقت العصر بحسب ما يتيسر لـه، وكذلك يجوز لـه أن يجمع المغرب مع العشاء، إذا احتاج إلى ذلك لسفر أو مرض يحتاج معه إلى الجمع أو نحو ذلك، يجمع المغرب مع العشاء في وقت إحداهما، إما في وقت المغرب أو في وقت العشاء بحسب ما تيسر لـه، أما الفجر فإنها لا تجمع وإنما تصلى في وقتها، أما صلاة العصر فإنه يحرم تأخيرها عن وقتها، لكن لو فرض أن إنساناً أخرها لعذر، مثل أن يكون نائماً ولم يجد من يوقظه، حتى غابت الشمس وخرج وقت العصر، فحينئذٍ يصليها متى استيقظ، أو كان ناسياً للصلاة، فإنه يصليها متى ذكرها ولو بعد غروب الشمس، ولو بعد صلاة المغرب أو العشاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك}.

    إنكار المنكر

    السؤال: هناك كثير من المنكرات، ولكن قد نقول: إن الحكمة أن لا ينكر المنكر إذا وجدته، فما توجيهكم في ذلك؟

    الجواب: إنكار المنكر مطلوب، وهو فرض كفاية كما هو رأي الجمهور، فلا أحد يمنع منه، لكن إذا تعارض عندك عدة منكرات ورأيت أن من المصلحة ألا تنكرها دفعة واحدة، فعليك أن تبدأ بالأهم ثم المهم.

    أخطاء الغزالي في كتابه: السنة النبوية

    السؤال: هل في كتب الشيخ الغزالي ما يخرجه من الإسلام؟ ونرى بعض العلماء يبقى فترة من الزمن على ثقة من الناس وعلى ما يحبون، وما هي إلا لحظات حتى يظهر على الملأ ببعض المؤلفات التي تخالف السنة النبوية؟

    وهل بلغ الغزالي ردك عليه؟

    وهل تاب مما قال في كتبه؟

    وما توجيهك لعوام البشر الذين يؤيدونه فيما قال، لا على أن ما قاله صحيح، لكن لأنه حاز على بعض الجوائز العالمية، فهل يعني عصمته؟

    أرجو التوجيه حيال ذلك، على أنه لا يلزم من هذا التأييد على الخطأ؟

    الجواب: أما ما كتبه الغزالي، فقد كتب كلاماً كثيراً فيه مخالفات صريحة للكتاب والسنة وأخطاء، وقد تحدثت عنها في مجموعة من المحاضرات والدروس، ثم في كتاب طبع بعنوان: "حوار هادئ مع الغزالي" وبإمكان الأخ السائل الرجوع إلى الكتاب، وأما فيما يتعلق ببلوغه فقد بلغته الأشرطة، وأرجو أن تكون هي وغيرها مما كتبه العلماء، سبباً في تراجع الشيخ الغزالي عن آرائه التي قال بها.

    أما سبب كون بعض العلماء أو بعض الدعاة يكسب ثقة الناس، ثم يخرج عليهم بآراء غريبة، فهذه لها أسباب عديدة منها: أن الناس -أحياناً- لا يقرءون، فيعطون العالم أو الداعية الثقة بسرعة، وهذا بسبب عدم القراءة، وهذا عيب موجود فينا، وهو عيب كبير جداً فكثيراً ما نثق بإنسان ثقة إجمالية؛ لأننا نسمعه في الإذاعة أو في التلفاز أو في الكتب، أو نسمع أنه داعية ذهب أو راح، أو اتخذ موقفاً طيباً فنعطيه ثقة مجملة، لكن لا نقرأ! وإذا قرأنا نقرأ بإعجاب، والقراءة بإعجاب تجعل الإنسان لا ينتبه للأخطاء، أنا لا أقول اقرأ قراءة الذي يبحث عن الخطأ، لكن اقرأ وأنت مفتح الذهن، بحيث تقول: للخطأ خطأ وللصواب صواب، ولذلك كثير من الأشياء التي قال بها الغزالي في كتابه الأخير: السنة النبوية، هي موجودة في بعض كتبه القديمة، لكن الناس لم يقرءوها، ولذلك فوجئوا بها؛ لأن هذا الكتاب انتشر ونشر في جريدة الشرق الأوسط، وقد يكون هناك أسباب أخرى، أما بالنسبة للناس، فالناس ما أمروا باتباع فلان ولا فلان، فإن الله عز وجل يسألنا يوم القيامة: ماذا أجبتم المرسلين؟

    فليس يعفيك أمام الله جل وعلا أن تقول: قلدت فلاناً وتابعت فلاناً، وأنت تعرف أن فلاناً مخطئ فيما ذهب إليه، وأن العلماء ردوا عليه وبينوا خطأه.

    سبب انقطاع الدروس

    السؤال: بعض الدروس والحلقات تبدأ في فترة من الزمن ثم تنقطع، فما هو السبب في ذلك؟

    الجواب: الأسباب كثيرة فقد يكون التخطيط لهذا الدرس أو الحلقة غير جيد، كأن وضع في مسجد غير مناسب، ليس فيه جمهور من الطلاب، أو طاقة الحي لا تحتمل هذا الدرس مثلاً، وقد يكون السبب راجعاً إلى المدرس، بحيث لم يقم بالواجب عليه وبالتالي تسلل الطلاب لواذاً، وقد يكون السبب راجعاً إلى منهج الدرس، فقد يأخذ الأستاذ الطلاب بمنهج ثقيل يصعب عليهم الالتزام به، وقد يرجع السبب إلى الطلاب.

    ضرورة معرفة الحديث الصحيح من غيره للداعية

    السؤال: هل يجب على الداعية معرفة صحة الحديث من عدمه؟

    الجواب: يجب على الداعية معرفة صحة الحديث الذي يستشهد به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {من تحدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين} فلا ينبغي للإنسان أن يستشهد بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا وهو يعلم أنه ثابت صحيح أو حسن.

    حكم أخذ تضعيف الأحاديث من عالم بعينه

    السؤال: ما الحكم إذا ضعف عالم حديثاً، هل نأخذ به، أم هناك شروط أخرى؟

    الجواب: إذا ضعف عالم معتبر حديثاً، فأنت إما أن تكون مقلداً أو تكون طالب علم، فإن كنت مقلداً لك الحق أن تأخذ كلام هذا العالم فلا تعمل بهذا الحديث، لكن إن كنت طالب علم فابحث، فيمكن أن تجد عالماً آخر يصحح هذا الحديث.

    الأخذ برأي الألباني في التصحيح والتضعيف

    السؤال: ما رأيك في تصحيح فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وتضعيفه؟

    الجواب: لا شك أن الشيخ الألباني من كبار علماء السنة في هذا العصر؛ إن لم يكن أكبر علماء السنة في هذا العصر، وهذا لا يعني أن تقلده في كل ما صحح أو ضعف، فهو كغيره من العلماء يخطئ ويصيب، فكما ذكرت إن كنت مقلداً وتقول: الألباني اطلع على ما لا يطلع عليه غيره؛ فلا تثريب عليك في ذلك، وإلا فالأولى أن تقارن حكمه بحكم غيره من العلماء الذين سبقوه، أو حتى عاصروه وهم كثير، وتخرج من ذلك بنتيجة صحيحة.

    واجبنا نحو من يدعو بغير علم

    السؤال: هناك بعض الناس يدعون على غير علم فيضلون، فما واجبنا نحن؟

    الجواب: واجبك أن تدعو إلى الله تعالى على بصيرة، وكذلك أن تنبه هؤلاء إلى أنه ينبغي لهم أن يتعلموا ما تصح به دعوتهم.

    بعض شروط الداعية

    السؤال: ما هي الشروط التي يجب أن يفعلها الداعية قبل أن يدعو؟

    الجواب: الشروط أن يكون مخلصاً عالماً بما يدعو إليه، وينبغي أن يعمل بما يدعو الناس إليه؛ لئلا يكون من الناس الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.

    حكم التهاون عن صلاة الجماعة

    السؤال: ما حكم من قصَّر في أداء الصلاة في المسجد؟

    الجواب: صلاة الجماعة واجبة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وهذا الذي ذكره صاحب الاختيارات الفقهية عن شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن الصحيح أن صلاة الجماعة واجبة، فتاركها آثم.

    الغيرة من الدعاة الآخرين

    السؤال: أنا شاب فتح الله على قلبي، ومضيت أدعو إلى الله، فهدى الله أشخاصاً على يدي، وعندما أرى شخصاً من الذين كنت سبباً في هدايتهم بعد الله مع شخص آخر، أغار عليه؟

    الجواب: هذا سؤال مهم ويشكر كاتبه على هذا؛ لأن كون الإنسان دائما يراقب نفسه، هذا من أهم الأشياء التي تمنع الإنسان -بإذن الله- من الوقوع في الخطأ، ولذلك الله عز وجل قال: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] النفس اللوامة: هي التي تلوم صاحبها على النظرة، وعلى الخطوة، وعلى الأكلة، وعلى كل شيء، بل على الخطرة التي تخطر بالقلب، والغيرة هذه من الأخطاء، فلا تغار، بل يجب عليك إذا رأيته يسير مع شخص آخر مستقيم أن تفرح بذلك، وتقاوم هذه الرغبة التي تجدها في نفسك، وإذا وجدت فرصة أن تأمره بأن يذهب مع فلان أو يأتي مع فلان فافعل، حتى تزيل ذلك، وكما أسلفت قبل قليل، فالأخلاق إذا تصنعها الإنسان وعمل على تحقيقها فإنه يكتسبها، الأخلاق يمكن أن تكتسب، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {ومن يتصبر يصبره الله ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله}.

    اليأس من استجابة ا لمدعوين

    السؤال: إذا دعوت الناس ولم يسمعوني فهل أترك هذه الدعوة؟

    الجواب: لا تترك هذه الدعوة؛ لأنه يكفيك أن تدعو، وهذه عبادة قمت بها وأجرت عليها، والرسول عليه الصلاة والسلام أخبر في حديث ابن عباس: {أنه يوم القيامة يأتي النبي وليس معه أحد} فلست خيراً من أنبياء الله ورسله، فمنهم من يأتي وليس معه أحد، فأنت رابح على كل حال، ثم إن كون الناس لم يستجيبوا لك الآن، يستجيبوا لك بعد ذلك، لأن من المعروف أن الناس يقبلون الحق -ولله الحمد- في هذا العصر، حتى الكفار إذا دُعوا تجد كثيراً منهم يسلمون، فالمسلمون من باب الأولى، فكونك دعوت ولم يستجب لك لا يدعوك إلى أن تترك الدعوة، بل فكر في نفسك، هل فيك عيب أو تقصير أو عدم استخدام للأسلوب المناسب، أو عدم التحلي بالخصال المطلوبة؟ فاعمل على تحقيق هذه الأشياء واستمر في دعوتك.

    الداعية لا يقتصر على العلوم الشرعية

    السؤال: هل كل داعية إلى الله يقتصر على العلوم الشرعية أم لا؟

    الجواب: ليس كل داعية إلى الله مطلوب أن يقتصر على العلوم الشرعية، بل مطلوب من الدعاة إلى الله جل وعلا، أن يتعلموا سائر العلوم التي تحتاجها الأمة، فجميل أن يوجد من بين الدعاة إلى الله جل وعلا، الطبيب والمهندس والطيار والإداري والموظف والخبير، وفي أي شأن من شئون الحياة، وهذا يعطي صورة على أن الإسلام دين ينظم جميع شئون الحياة، وأنه سبب في تقدم المسلمين وحيازتهم على العلوم في جميع المجالات، لكن الداعية -أيضاً بشكل عام- حتى حين يكون طبيباً أو مهندساً، لا بد أن يكون عنده قدر من العلم الشرعي، خاصة فيما يدعو إليه، وفي الأمور التي يجب عليه تعلمها.

    الأخ الذي لا يصلي

    السؤال: لي أخ لا يصلي أبداً، وإذا نصحته أخذ يتكلم علي بكلام بذيء فماذا أفعل به؟

    الجواب: إذا استفرغت الوسائل والأسباب في دعوة أخيك، وأتيته من كل طريق تستطيعها فيئست منه، فأرى أن تقاطع أخاك ولا تكلمه ولا تؤاكله ولا تشاربه ولا تجالسه.

    بعض وسائل الدعوة

    السؤال: نحن شباب نريد أن نطبق الدعوة إلى الله عز وجل هنا في هذا البلد، فهل أذهب بنفسي إلى الشخص الذي أريد دعوته وأدعوه عندي في بيتي؟

    أم أذهب إليه في بيته وأدعوه، أم نذهب نحن مجموعة من الشباب إليه في بيته، أم نذهب في رحلة، فأيها أفضل؟

    الجواب: كل ذلك طيب، وهذه الأمور تختلف بحسب حال المدعو، فبعض الناس من الأفضل أن تزوره في بيته، وبعض الناس من الأفضل أن تدعوه إلى بيتك، وبعض الناس تدعوه بمفرده، وبعض الناس تدعوه إلى مجموعة من زملائك، وبعض الناس من المناسب أن تخرج معه مع مجموعة من زملائك في رحلة، وبعضهم تدعوه إلى حلقة تحفيظ قرآن، أو حلقة علمية أو ما أشبه ذلك، فكل إنسان لـه ما يناسبه، وهذه الأمور ليس فيها حَجر ما دامت وسائل مباحة.

    حب المدح على فعل الخير

    السؤال: يقول إنني عندما أفعل خيراً أحب المديح عليه؟

    الجواب: إذا كان فعل الإنسان للخير لوجه الله، لكنه فرح بما يسمع من مديح الناس فلا بأس، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال كما في صحيح مسلم: {تلك عاجل بشرى المؤمن} أما إن كان يفعل الخير من أجل أن يمدحه الناس عليه، فهذا من الرياء وعليه أن يتجنبه.

    اختلاف العلماء

    السؤال: إذا اختلف العلماء فكيف نعمل في ذلك؟

    الجواب: إذا اختلف العلماء -فكما أسلفت قبل قليل- هل أنت طالب علم أو عامي مقلد؟

    إن كنت عامياً فانظر أفضل العلماء في نظرك فقلده في هذا الأمر، أفضلهم علماً وعملاً وديناً، وإن كنت طالب علم، فقارن بين هذه الأقوال من حيث الدليل والأقرب إلى الصواب، وخذ بما تراه أنه أقرب إلى الصواب، أما الأخذ بالتشهي فليس صحيحاً.

    وسوسة الشيطان بأن الإنسان مراءٍ

    السؤال: يقول أنا شاب تطوعت، ولكني أحس أن التطوع رياء، أرشدوني إلى طريق الخير؟

    الجواب: تطوعت أي سلكت طريق الاستقامة، وهذا ليس تطوعاً في الحقيقة بل هو واجب، لأن الاستقامة على دين الله وعلى الخير وتجنب المحرمات، هذه من الواجبات وليست من التطوع، أما هذا الإحساس فقد يكون من الشيطان؛ لأنه يريد أن تعود إلى ما كنت عليه، فيخيل إليك أن ما تفعله هو من الرياء، فعليك أن لا تلتفت إلى هذا الشعور، بل استمر في عمل الخير.

    وصايا على طريق الدعوة

    السؤال: هذا الأخ يريد أن يكون داعية إلى الله، على الرغم من أن عمره لم يتجاوز خمس عشرة سنة، فأوصني ما هو الواجب عليَّ فعله فإنني في حيرة من أمري؟

    الجواب: أولاً: أحمد الله جل وعلا، مضى وقت من الأوقات، كنا نجد شباب هذه الأمة وهم في سن الخامسة عشرة، إذا سألت الواحد منهم: ماذا تتمنى أن تكون؟

    يقول: أتمنى أن أكون مثل اللاعب فلان، أو مثل الممثل فلان، أو مثل المغني فلان، والحمد لله اليوم الأمة صحت ووعت، وأصبح الشاب وهو في سن الخامسة عشرة، يتمني أن يكون داعية أو عالماً فهذه بداية طيبة، وعليك أن تبدأ الخطوات، فسنك يؤهلك لذلك، عليك أن تتعلم وتحرص على القراءة بِنَهَم، وتجالس العلماء، وتحفظ القرآن، وتحرص على أن تتدرب على الكلام والإلقاء أمام الناس والحديث، وحسن الخلق، فتربي نفسك على الأخلاق الفاضلة، واستمر على هذا الطموح، وادع إلى الله تعالى بقدر ما تستطيع بين أقرانك وزملائك، والله تعالى يتولانا ويتولاك.

    الإكثار من سماع الأناشيد

    السؤال: كنت أكثر ما أسمع من الأشرطة هي الأناشيد، فهل في ذلك شيء؟

    الجواب: أرى أن لا تكثر من سماع الأناشيد، فالأناشيد -كما ذكرت- ينبغي إذا استخدمها الإنسان، أنه يستخدمها على أنها مثل الملح، تستخدم لإزالة السأم والملل، أما الإكثار منها فهو مذموم، ولذلك بوب البخاري فقال: باب من كان الغالب عليه الشعر، ثم ساق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً وصديداً؛ خير لـه من أن يمتلئ شعراً} فكأنه حمل الحديث على الإكثار من ذلك، وأن يكون هو الغالب على الإنسان.

    استخدام جميع وسائل الدعوة

    السؤال: لماذا لا يستخدم الدعاة المسلمون الوسائل الحديثة، كالإذاعة والصحافة وغيرها لتوجيه المسلمين؟

    الجواب: مطلوب من الداعية أن يستخدم كل وسيلة مباحة للدعوة إلى الله، وإيصال صوت الحق إلى جمهور الناس.

    لابد من موافقة الفعل للقول

    السؤال: ماذا نقول لداعية لا يترك يوماً إلا وقد شرب الدخان؟

    الجواب: نقول له:

    يا أيها الرجل المعلم غيره      هلا لنفسك كان ذا التعليم

    تصف الدواء لذي السقام وذي الظنا كيما يصح به وأنت سقيم

    ابدأ بنفسك فانهها عن غيها     فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى      بالقول منك وينفع التعليم

    لا تنه عن خلق وتأتي مثله           عار عليك إذا فعلت عظيم

    أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم، وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، وأن يجعل ما نستقبل من أيامنا خيراً مما نستدبر، وأن يتوب علينا ويغفر لنا خطأنا وزللنا، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    والحمد لله رب العالمين.