إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. صور من حياة المرأة في الجاهلية المعاصرة

صور من حياة المرأة في الجاهلية المعاصرةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كم تعرضت المرأة -ولا تزال- للمؤامرات الشرسة التي تستهدفها وتستهدف فساد المجتمع كله من فسادها، ولهذا كان من واجب الدعاة أن يولوا المرأة اهتماماً خاصاً. وهذا الدرس يوضح لنا أحوال المرأة في الجاهلية المعاصرة، ويقارن هذه المعاناة بما تتمتع به المرأة من الحقوق وما تعيشه من حياة كريمة في ظل الإسلام.

    1.   

    المخرج من الأزمات التي تمر بها الأمة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ,ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أما بعــد:

    فلا شك أنكم جئتم وأنتم تقرءون عنوان هذه المحاضرة، ألا وهو الحديث عن (صور من حياة المرأة في الجاهلية المعاصرة) وفي بادي الرأي فإن الموضوع قد يكون بعيداً عن القضية التي تناولها أخي أبو محمد جزاه الله خيراً، ألا وهي الأحداث الأخيرة التي نعيش آلامها وهمومها ومخاوفها جميعاً، ولكنه يمت إليه بسبب أي سبب، ألا وهو الحديث عن أن مصائب الأمة وآلامها ونكباتها الذي هو أثر من آثار بعدها عن هدي الله عز وجل في جميع شؤون حياتها، وأثر من آثار اعتمادها على الأمم الأخرى في سائر شؤونها، حيث أصبحنا نستورد منهم كل شيء , وأصبحنا نعتمد عليهم في كل شيء، ونأخذ منهم كثيراً من العادات والأخلاق والنظرات والأفكار والسلع والبضائع... إلى آخره، وكما يقول المثل: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

    فإنما أصابت الأمة هذه الضربات الموجعة، ومزقتها هذه الشعارات الجاهلية البراقة يوم اختفت القيادات الشرعية الصادقة، فأصبحت الأمة نهباً لأصوات شتى، هي في ظاهرها أصوات مخلصة، وفي حقيقتها يسمع العاقل منها فحيح الأفاعي، وأصبحت الأمة نهباً لشعارات شتى، هي في ظاهرها شعارات براقة جميلة أخَّاذة، وفي حقيقتها الموت الزؤام، ولذلك فلا غرابة أن يكون نداؤنا وإلحاحنا وإصرارنا في مثل هذه الأحداث، على أن نقول: ليس المخرج من مثل هذه الأحداث هو انفعال مؤقت نعيشه بسبب أزمة طارئة، ولا غليان حادث أو عارض بسبب الأخبار التي نسمعها في كل ساعة وفي كل حين.. كلا!

    المخرج من هذه الأحداث -بل ومما ينتظر الأمة من الأحداث مما هو أشد وأعظم- هو أن تستعصم بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم في الكبير والصغير من أمورها، والجليل والخطير، وألا ترضى عن شريعة الله تبارك وتعالى بدلاً.

    بل أقول: العاصم -بإذن الله تعالى- أن تحمل الأمة -وأخص شبابها وفتياتها- همّ إعادة الحضارة الإسلامية إلى الوجود بجميع جوانبها؛ لتكون بديلاً عن الحضارات الزائفة التي تهيمن على البشرية في مشارق الأرض ومغاربها.

    1.   

    دواعي الحديث عن المرأة في الجاهلية المعاصرة

    وقد يتساءل بعض الإخوة وبعض الأخوات عن سِرِّ طرحي لهذا الموضوع: "صور من حياة المرأة في الجاهلية المعاصرة".

    بيان عظمة الإسلام

    فأقول: أتحدث -أولاً- عن هذا الموضوع لأجلَّي جانباً من عظمة الإسلام في أحكامه وتشريعاته فيما يتعلق بحياة المرأة الخاصة وعلاقتها بالمجتمع من حولها، وكما يقول الشاعر:

    والضد يظهر حسنه الضد     وبضدها تتميز الأشياء

    فإنما عرف الناس فضل النور، حين خيم عليهم الظلام، ولا يعرف قيمة العافية إلا من عانى المرض، ولا يدرك شأن الإسلام إلا من عرف الجاهلية، هذا أولاً.

    ثم إننا ندرك من خلال ذلك عظمة الإسلام في تلك التشريعات، على سبيل المثال، وفيما يتعلق بموضوع المحاضرة، كيف أن الإسلام جاء بالتشريع الذي يسد من خلاله منافذ الحرام، فيأمر المرأة بالحجاب، وينهاها عن التبرج، ويأمرها بالقرار في البيوت، والبعد عن مخالطة الرجال أو مزاحمتهم، فنجد الإسلام وهو يسد المنافذ المحرمة، ثم يفتح المنافذ المباحة بالزواج الشرعي: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] وبذلك يقيم حياة اجتماعية سليمة، يجد الرجل فيها أن اتجاهه منصب إلى وجهة واحدة في بيته وفي منـزله، فلا تتوزع طاقاته وقوته نهباً لمظاهر يراها في المجتمع وانحرافات وأشياء تثيره، وقد تكون سبباً في بعده وفي عزوفه عما أحل الله تعالى له.

    وفي مقابل ذلك فإننا نجد الغرب باسم الحرية الشخصية المزعومة، استجاز التعري وافتضاح المرأة في قارعة الطريق، وفي الشارع، وفي أماكن اللهو، وفي أجهزة الإعلام، فهانت المرأة: أماً وأختاً وقريبة، وكذلك عزف عنها الزوج؛ لأن الرجل يجد في المجتمع من المظاهر الجذابة، ومن الصور الجميلة في كثير من الأحيان ما لا يجده في منـزله ومع أهله، وهكذا ساهمت هذه الحرية الشخصية المزعومة في تدمير البيوت، وكانت سبباً في اضطراب الأوضاع الاجتماعية وشيوع الرذائل، وعلى رأسها جريمة الزنا وما يتبعه من فساد عريض في أمور الاجتماع والصحة والاقتصاد وغيرها.

    مواجهة التقليد

    سبب آخر يستدعي طرح هذا الموضوع، ألا وهو مواجهة التقليد الذي أصبح سارياً في مجتمعنا عبر الشاشة وعبر المشاهدة الشخصية المباشرة، فلا شك أن مجتمعنا لم يعد الآن جزيرة معزولة في هذه الدنيا، بل أصبحت الفتاة ترى في الشاشة صوراً كثيرة، وقد تسافر مع أهلها، أو مع زوجها إلى بلاد غربية، فكثيراً ما نقتبس تلك العادات والأخلاق والتقاليد، حيث أصبحت الموضات التي تنتشر عند فتياتنا هي الموضات الغربية، وتسريحات الشعر منقولة عن فرنسا أو غيرها، والأخلاق هي الأخلاق، بل حتى أمورنا الخاصة، أصبحنا نستحلي ونستملح ونستطيب ما جاءنا من عند أعدائنا.

    وأذكر أن إحدى الأخوات المهتديات تقول: إنها كانت تحتفظ في زمن جاهليتها وضلالها بألبوم فيه أكوام وأعداد من الصور لـديانا ولـتشارلز ولبقية الفئة، التي أصبحت كثير من فتياتنا تتعلق بهم وتتابع أخبارهم، وقد تعرف الفتاة -أو يعرف الفتى- من أخبار هؤلاء التائهين الضائعين الضالين الحائرين ما لا يعرفه عن أخبار الصحابة والتابعين، وما لا يعرفه عن أخبار آبائه وأجداده، بل وما لا يعرفه عن أخبار علمائه الذين يعيشون في عصره وفي وقته! وقد سئل أحدهم عن جماعة من العلماء المعاصرين المرموقين في هذه الجزيرة، فكان يقول: من فلان؟ من هو فلان؟

    وليس قولك من هذا بضائره     العرب تعرف من أنكرت والعجم

    َأتَذَكَّر أني قرأت كتاباً هو عبارة عن مراسلة تخص امرأة أمريكية مهتدية، كانت يهودية ثم أسلمت، ولا تزال تعيش على قيد الحياة في بلاد الهند، اسمها بعد إسلامها مريم جميل، وكانت تراسل وتكاتب الشيخ الداعية أبا الأعلى المودودي رحمه الله تعالى، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، ففي هذا الكتاب صورة عجيبة عن الرفض الفطري عند تلك المرأة لهذه العادات والتقاليد الموجودة في الغرب، فكانت تكتب له قبل أن تسلم عن امتعاضها وانـزعاجها من مبالغة الغرب في العناية بالملابس والثياب والأزياء، وتفننهم في إظهار زينة المرأة بكافة الصور والأشكال، وتلاعبهم بجسد المرأة حيث جعلوه سلعة تباع وتشترى وتروج البضائع من خلالها، وتستغل أبشع استغلال في الإعلانات عبر التلفزيون وغيره، فكانت -وهي المرأة الكافرة وقتها- تعرب عن امتعاضها من هذه الصورة التي تستغل المرأة من خلالها، وكان ذلك من أسباب رفضها لدينها وحضارتها الغربية، وإقبالها على الإسلام، حيث آمنت وأسلمت، وأصبحت في عصمة أحد الدعاة المسلمين في الباكستان كما أسلفت.

    والمؤسف -أيها الإخوة- أن يقوم إعلامنا بدور فعال في نقل تعاسة الغرب إلى عقول أبنائنا وبناتنا، فإن كثيراً من الشباب يعكفون على الشاشة، وربما يقضون أمامها وقتاً طويلاً، ومن خلال هذه المشاهد التي تعرض في قنوات التلفاز، يقتبسون أشكالهم وأزياءهم وتسريحاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وعلاقاتهم، حتى أفلحت أجهزة الإعلام في قلب مجتمعنا، وجعل ما كان ممقوتاً مذموماً بالأمس مستحسناً لدى كثير من الشباب اليوم، وأوجد التناقض في نفوس الشباب والفتيات، فالفتاة التي تقرأ -مثلاً- في مدارسها وفي مقرراتها أن المرأة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها، وأنه يجب أن تستر جسدها كله عن الرجال الأجانب، وألا تختلط بهم، وألا تخلو مع غير ذي محرم، أصبحت تشاهد في التلفاز امرأة مثلها وقد نشرت شعرها وكشفت صدرها وذراعيها وساقيها، وأصبحت تضاحك رجالاً أجانب وتمازحهم وتركب معهم، وتذهب وتجيء، وتخلو وتختلط، ويحدث ما هو أكثر من ذلك من الصور التي لا تحتاج مني إلى تفصيل وبيان.

    ومن الطبيعي لفتاة مراهقة -مثلاً- لم تجد التوجيه السليم أن تنطبع في ذهنها هذه الصورة، وأن تعمل على تطبيقها في حياتها العملية، أو تتطلع إلى ذلك إذا لم يتح لها المجتمع أن تطبقها.

    على أننا نجد أن إعلام الغرب على ما فيه، إذا أردنا أن نقارنه بالإعلام الموجه الهادف في البلاد الإسلامية، لوجدنا أن إعلام الغرب أهون من الإعلام الموجود في بلاد الإسلام؛ وذلك بسبب أن إعلام الغرب يحكي واقعهم الاجتماعي، ولا تكاد تجد في إعلامهم صورة بعيدة عما هو واقع في مجتمعهم، بل ربما نقول العكس أنك تجد في مجتمعاتهم صوراً لا تنشر في إعلامهم أحياناً، فإعلامهم هين بالقياس إلى مجتمعهم، وليس يسعى إلى جر مجتمعهم إلى هوة سحيقة أسوأ مما هم فيه.

    أما الإعلام في البلاد الإسلامية فهو على النقيض من ذلك، فهو مسلط على شعوب مؤمنة، الإسلام دينها وعقيدتها، والشريعة منهجها، والحشمة ديدنها وميراثها، فيتسلط هذا الإعلام ليخرج العذراء من خدرها، ويلقي بها في قارعة الطريق، يتسلط على عقول فتياتنا، حتى يقنع الفتاة بأن هذه الأشياء أفكار قديمة، وأنها يجب أن تواكب العصر، وتتحرر مما يسميه بالتقاليد القديمة، وهذا صحيح أنه قد لا يقال بهذه الحروف، لكنه يقال بلغة هي أفصح من هذه الحروف، ألا وهي لغة الصورة المعبرة، التي يكون تأثيرها أحسن من خطبة أو كلمة تقال أو تسمع.

    مواجهة دعاة التغريب

    والحاجة أيضاً ماسة لطرح هذا الموضوع -ثالثاً- من أجل مواجهة دعاة التغريب الذين يريدون أن تكون المرأة أَمَة (قَيْنة) يعبثون بها، ويستمتعون بها كيف شاءوا، ثم يلقون بها كما يلقي أحدهم بأعقاب السيجارة في القمامة، فكذلك يريدون أن يستمتعوا بهذه المرأة.

    وأذكر أنني قرأت في بعض المجلات كلمة لفتاة من إحدى دول المغرب العربي، تذكر كيف أنها وقعت ضحية لجماعة من الشيوعيين الذين خدعوها بالشعارات البراقة، باسم البروليتاريا، وحقوق العمال، والأخوة الأيديولوجية وغير ذلك من الشعارات حتى عبثوا بها وأهدروا كرامتها، واستلوا منها أنوثتها، ثم ألقوا بها جثة بعد أن عبثوا بحسدها، فشعرت بالخطورة، وحينئذ لم يفدها هذا الأمر إلا أن تعلن توبتها ورفضها لهؤلاء، بل أعلنت في الصحف أنها سوف تنتقم من هذا المجتمع، ومن مثل تلك الشخصيات التي قادتها إلى هذه الهوة السحيقة.

    فنحن حين نبطل الأصل الذي يتمسك به دعاة التغريب، نستطيع أن نبطل الفرع، ونقول لهم: قد تبين زيف الحضارة التي تنادون بها وتدعون إليها، فعليكم أن تسكتوا وتدخلوا في جحوركم، أو تسلموا وتؤمنوا وتعودوا إلى ربكم.

    طمأنة قلوب المؤمنين والمؤمنات

    وأخيراً.. فإن طرح مثل هذا الموضوع هو سبب تطمئن به قلوب المؤمنين والمؤمنات، على أنه مهما كثرت الشعارات والانحرافات، وكثر في أوساط الفتيات: التقليد والتشبث بعادات الأمم الأخرى وأخلاقها وأزيائها وتسريحاتها وأخلاقها ومُثلها، إلا أن مثل هذه الأمة لا بد أن تعود إلى أصالتها.

    يحدثني أحد الشباب -وهو ثقة- أنه ذهب إلى بريطانيا يدرس فيها، وأقام هناك عند أسرة أو عائلة مكونة من امرأة عجوز كبيرة السن وزوج، ومجموعة من الفتيات خارج البيت يزرن أمهن بين الفينة والأخرى، فيقول لي: إنه كان يتحدث مع هذه المرأة عن الإسلام، وعن أخلاقيات الإسلام، وعن مثل الإسلام وقيمه، فكانت تقول له: إن هذه الصورة التي تتحدث عنها صورة رائعة، وأننا نفتقدها في بلادنا، فيقول لي هذا الشاب ذهبت تودعني إلى المطار لما أردت أن أسافر، وكانت تتحدث معي بلهجة حزينة، وتكاد أن تبكي؛ لأنها فقدت الحنان، وتشعر أن زوجها يريد أن يتخلى عنها، لأنه شاب وهي أكبر منه سناً، وبناتها يركضن وراء الحياة بعيداً عنها، وتتمنى أن تعيش في بلاد الإسلام، فقالت: نحن لن نراكَ بعد الآن؟ فقال لها مازحاً: لقد ذكرتِ لي أنك إذا مت فإنك تريدين أن تحرق جثتك، فإذا مت فأنا سوف آتي لأشارك في مراسم العزاء، وأشارك في حرق هذه الجثة، وهو يضحك عليها، فيقول: فدمعت عيناها، وقالت لي: أريد أن أعيش في مثل مجتمعكم ولو سنة واحدة، ثم أحرقوني بعد ذلك! وتقول: والله إن خمسة وخمسين سنة قضيتها، ومع ذلك إنني أشعر أنني لم أدخل إلى الحياة حتى الآن..!

    صيحات الخطر تتعالى في بلاد الغرب، والنذر تتوالى عندهم، والدراسات تعلن النفير وأن حضارة الغرب آيلة إلى الفناء والسقوط، ولذلك فإن البديل هو الإسلام، فلتطمئن نفوس المؤمنين والمؤمنات، وليعلموا أن هذة الأمة -أمة الإسلام- لا بد لها من الرجوع إلى دينها والعودة إلى مصادرها الحقيقية، ومظاهر ذلك ظاهرة الآن.

    فنحن الآن نجد كثيراً من الفتيات والحمد لله قد عدن إلى الالتزام في عاداتهن وفي أزيائهن وأخلاقهن وأفكارهن، وهذه بوادر نرجو أن تكون بداية لعودة حقيقية عامة شاملة عند بنات هذا الجيل إلى دين الله وشرعه.

    1.   

    صور من المجتمعات المعاصرة

    أريد أن أتحدث عن صور عديدة -بشيء من الاختصار- مع المقارنة مع أخلاقيات الإسلام وقيمه، وواقع الأمة الإسلامية خاصة في العصور الزاهية:

    العزوف عن الزواج

    الصورة الأولى: تتعلق بظاهرة العزوبة عند الغربيين: فقد دلت الإحصائيات على أنه في عام (1980) ميلادية، كان هناك أكثر من (50%)من الفتيات ما بين سن عشرين إلى خمسة وعشرين سنة، وهن عازبات غير متزوجات، وارتفعت هذه النسبة عام (1984) ميلادية لتصبح (56%) أما الآن فالنسبة أكثر من (70%) بالمائة منهن!

    وخلال زيارتي لإحدى تلك البلاد، يقول لي أحد الشباب: إن إحدى الفتيات الغربيات الأمريكيات تقول له: إننا نعيش أزمة حقيقية، فالفتاة ليس من السهل أن تحصل على زوج.. صدقني! إنني عرضت نفسي على أحد الشباب هناك، فكان يقول لها: عندي إحدى عشرة فتاة موجودات في القائمة وأنت رقم اثنى عشر في القائمة، بعد تصفية إحدى عشرة فتاة، إذا ما صلح لي واحدة منهن فيمكن أن يأتي الدور عليك! فهذا الشاب يعبث بكرامة تلك الفتيات، ويأخذ أعز ما لديهن، ثم يلقي بهن ويذهب إلى أخريات، وهكذا دون حسيب أو رقيب أو مسؤولية معينة تمنعه من مثل هذه العمل، والفتاة ترضى أن تكون رقم اثنى عشر على رأس قائمة عند شاب، وتنتظر هذا الانتظار الطويل، حتى تحصل على زوج، وسوف نعرف كيف تكون حياتها مع هذا الزوج، على فرض أنها حصلت عليه.

    حين نقارن هذا الوضع بوضعنا الحالي نجد أنه بدأ يتسرب إلى بلاد المسلمين، فأصبحت كثير من الفتيات تعيش عزوفاً عن الزواج لأي سبب من الأسباب، ولست هنا أُحَمِّل الفتيات المسئولية الكاملة، ولكنني أقول الجميع مسئولون، فأولياء الأمور مسئولون، والشباب مسئولون، والفتيات أيضاً يتحملن جزءاً من المسئولية في مسألة تأخر الزواج والعزوف عنه.

    هدي الإسلام

    في مقابل ذلك، ننظر في هدي الإسلام فنجد عائشة رضي الله عنها تقول كما في صحيح مسلم:{تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، أي عقد عليها وهي بنت ست سنين، ودخل عليَّ وأنا بنت تسع سنين><} تقول: {قدمنا المدينة، فأصابتني الحمى فامرق شعري -تمزق شعرها- فتركتها أمها -أم رومان- حتى نبت شعرها ووفى جميمة -كثر شعرها شيئاً ما- قالت: فما راعني إلا وأمي تصرخ بي، وأنا ألعب مع بنات في أرجوحة -هذه أم المؤمنين تلعب وعمرها تسع سنوات في أرجوحة مع مجموعة من زميلاتها، فأمها -أم رومان- تصرخ بها: يا عائشة -فتأتي إليها تقول: فلما أتيت إليها- وأنا لا أدري ما تريد- أخذتني، فإذا بنسوة من الأنصار، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني -غسلن شعرها ورأسها ومشطنها وسرحنها وألبسنها- ثم قلن لي: على اليمن والبركة وعلى خير طائر، فلم أرع إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمنني إليه في الضحى} فهذه أم المؤمنين تتزوج وعمرها تسع سنوات، وكانت خير زوجة لخير زوج صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها.

    في مجال الفتيات يأمر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أولياء الأمور: {إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلو تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} فيأمر الفتاة وولي أمرها أن يكون مقياسهم وهو من يرضى دينه وأمانته فيزوج، وهذا فيه أمر بالتزويج بمعنى عدم تأخير الزواج، وفيه أمر أن يكون المقياس في اختيار الزوج هو من يرضى دينه وترضى أمانته.

    وفي مجال الرجال يأتي عبد الرحمن بن عوف في يوم من الأيام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، وعليه أثر صفرة، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: {مهيم -أي ما شأنك؟!- فيقول: تزوجت يا رسول الله} لقد مكث في المدينة أياماً يضارب في السوق، لأنه تاجر يتقن فن التجارة، ثم يكسب المال ويتزوج بعد ذلك فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: {ما هذا؟ - لأنه وجد الطيب- قال: تزوجت يا رسول الله، قال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال عليه الصلاة والسلام: بارك الله لك! أولم ولو بشاة} أي اصنع وليمة، فخلال أيام يتزوج عبد الرحمن بن عوف!

    جاءت امرأة في يوم من الأيام -كما في الصحيحين أيضاً من حديث سهل بن سعد- إلى رسول الله صلى الله وعليه وسلم، وقالت: { يا رسول الله! جئت أهب نفسي لك، فصعد فيها النظر وصوبه -نظر إليها، فكأنها لم ترقه صلى الله عليه وسلم! لأن الجمال بطبيعة الإنسان مطلوب- فقال رجل: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، قال: التمس -اذهب وابحث عن مهر- التمس ولو خاتماً من حديد، فما وجد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم أحفظ سورة البقرة وآل عمران وسورة كذا وسورة كذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: زوجتكها بما معك من القرآن} أي: تعلمها هذه السورة وتحفظها إياها، وهذا مهرها الذي تدفعه لها.

    إذاً حتى هذا الرجل عندما قال له: { التمس، قال: ما عندي إلا إزاري -أي ما عنده إلا ثوبه، يريد أن يعطيه مهراً للمرأة- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أعطيتها إزارك بقيت لا إزار لك }فما تصنع بإزارك، إن لبسَتْه لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء}.

    إذاً الرجل يشعر بأهمية الزواج والمبادرة فيه إلى حد أنه مستعد أن يتخلى عن نصف إزاره كمهر للزواج، فأين هذا من كثير من الشباب الذين يماطلون في قضية الزواج بكافة الحجج التي هي في كثير من الأحيان قد تكون أوهاماً أكثر مما تكون حقائق؟!

    يريد أن يتخرج، ثم يبني بيتاً، ثم يكون له محل يضمن له إيراداً طيباً، ثم بعد ذلك يبدأ بالبحث عن المرأة التي قد تستغرق سنوات، وهكذا الفتاة، تقع عندها في كثير من الأحوال نفس التصورات، تنتظر مرة بعد أخرى، تريد أن تتخرج، ثم تريد أن تعمل، وهكذا يتقدم السن بالشباب والفتيات دون زواج.

    أما أولياء الأمور فأمرهم شأن آخر، ويعجبني ما قرأته في بعض كتب الأدب، يقولون: إن علياً رضي الله عنه لما ماتت زوجه فاطمة رضي الله عنها اليوم، تزوج في الليل، فقيل له: كيف تزوجت؟! قال: خشيت أن ألقى الله وأنا عزباً!، يشعر أنه وهو يتزوج يقوم بعبادة لله عز وجل، ويمارس شعيرة مقدسة، وليست مجرد قضاء الوطر أو الشهوة الجسدية فحسب.

    انهيار العلاقات الزوجية

    جانب آخر فيما يتعلق بصور من الحضارة الغربية، موضوع العلاقات الزوجية، بعد أن تظفر الفتاة بالزوج، بعد جهد جهيد، ما الذي يحدث؟ يحدث أن هذه العلاقة سرعان ما تضعف وتزول، وذلك لأسباب:-

    منها: أن الرجل يجد المرأة على قارعة الطريق مهيأة له، فيبدأ بالمقارنة، ولا بد أن يجد له في السوق أو في الشارع أو في ميدان عمله امرأة تكون أحسن من زوجته، فيصرف النظر عن زوجته، ويصبح لا يطيق البقاء معها.

    ومن جانب آخر: المرأة مسترجلة، المرأة في كثير من الأحيان أخذت عادات الرجل وأخذت أخلاقه، فأصبحت كأنها رجل آخر تقوم مقام الندية له، ففقد المجتمع التكافل، ولذلك تجد حين يذهب الرجل وزوجته إلى المطعم، ويأتون بالطعام -لأنهم في الغالب لا يأكلون في البيوت بل يأكلون في المطعم- تجد الرجل يدفع عن نفسه، والمرأة تدفع عن نفسها، وكل واحد يدفع قيمة الطعام الذي أكله! فغير واردٍ في الحسبان أن الرجل يدفع عن زوجته أو العكس، بل كل واحد مسؤول عن نفسه.

    الرجل حينما يستقدم ضيوفاً في بيته، فليس من عاداتهم أن المرأة تقوم بالطبخ للضيوف، لا! بل هو يطبخ لضيوفه، وهي إذا استقدمت ضيوفاً تطبخ لضيوفها أيضاً، لا تكلف زوجها أن يقوم بالنيابة عنها، وكل واحد مسؤول عن أموره الخاصة، وليس هناك أي مسؤولية أو قوامة، بل العلاقة بين الزوج وزوجته علاقة آلية بحتة.

    يقول مدير البعثات المصرية في فترة من الفترات في أمريكا: إنه دعي إلى حفلة من الحفلات هناك، وصادف أن زوجته كانت مريضة في تلك الليلة، فاتصل بالمسؤولين عن تنظيم الحفلة، وقال لهم: لا أستطيع حضور الحفلة؛ لأن زوجتي مريضة، ولا أريد أن أحضر، فقالت له -التي تنظم الحفلة-: لا بد أن تحضر أنت ولو بدون زوجتك، وقد كان حظنا سعيداً -تقول- لأن هناك امرأة سوف تحضر إلى الحفلة قد مات زوجها اليوم، فمن حسن الحظ أن تحضر أنت حتى تكون رفيقاً لها! أي أن هناك امرأة مات زوجها الآن، وفي المساء سوف تحضر حفلة، وكل ما في الأمر أنها تجد رجلاً آخر يكون رفيقاً لها خلال هذا الاحتفال!! فأين الروابط العميقة التي تربط بين الزوجين؟! وأين العلاقات التاريخية العميقة؟! أين العلاقات التي تمتد من الدنيا إلى الآخرة؟! حتى إن الزوج الذي هو زوج لامرأته في الدنيا هو زوج لها في الجنة إذا كانوا من أهل الجنة، فهي علاقة راسخة تتجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، وعلاقة عميقة، أما هؤلاء فهي علاقة آلية شكلية بحتة، المرأة يموت زوجها في الصباح، وفي المساء تذهب لتحضر احتفالاً من الاحتفالات.

    وحدثنا الشيخ الإمام الأستاذ سيد قطب رحمه الله وجادة في كتابه: أمريكا التي رأيت، يقول: إنه ذهب إلى امرأة أمريكية فجلس عندها، فوجدها تتحدث مع زميلة لها، وهو ما سمع أول القصة، لكن سمع آخرها، فسمعها تقول لها: من حسن حظي أنني كنت مُؤمِّنَةٌ على حياته -أي سجلته في شركة التأمين- ولذلك لم يكلفني علاجه حين المرض إلا تكلفة زهيدة جداً من خلال الهلال الأزرق -كما يسمونه- فكانت التكلفة بسيطة جداً وكذلك لما مات كانت تكاليف الدفن وغيرها بسيطة، لأن الشركة المؤمنة قامت بهذه التكاليف، قال: ثم ابتسمت ضاحكة، وخرجت بكل برودة، فيقول سيد رحمه الله: لم يخطر على ذهني إلا أنها تتحدث عن كلبها، لأنها تتكلم بصورة باردة لا مبالاة فيها، فسألت المرأة الأمريكية: عن ماذا تتحدث صديقتك؟ قالت: إنها تتحدث عن زوجها الذي مات منذ ثلاثة أيام، كل ما في الأمر أنها ما تكلفت في تكاليف العلاج ولا في تكاليف دفنه، والأمر بالنسبة لها أمر هين جداً.

    هذه العلاقة الجافة الآلية الباردة هي سبب للسفاح، والسفاح أيضاً -وهو الزنا- سبب لها، فحسب الإحصائيات والمعلومات الموثقة المؤكدة، أن (100%) من النساء هناك قبل الزواج يمارسن الزنا بدون أية صعوبة في ذلك، بل إننا نجد أنهم في عاداتهم وتقاليدهم، ليس عندهم وفي قاموسهم معنى لكلمة العرض أو الشرف التي يفتخر بها المسلم، بل يفتخر بها الإنسان السوي، فهذه الكلمة ليس لها وجود في قواميسهم، لا يقابلها كلمة تترجم إلى معانيها، وهذه قضية قديمة عند الرومان والإفرنج، فإننا كنا نسمع الأمهات -كما ذكر لي أحد الخبراء- تدعو على طفلها أحياناً إذا بال وتقول له: عطاك الإفرنج! فما هو الإفرنج؟ يقول: الإفرنج هذا عبارة عن مرض من الأمراض الجنسية، وهو مرض الزهري تقريباً، فكانت الأم تدعو على ولدها بهذا المرض، وإنما سمي بالإفرنج، لأن الإفرنج لما جاءوا إلى البلاد الإسلامية كان هذا المرض متفشياً فيهم؛ لأن الزنا عندهم مستباح منذ عهود قديمة، فهي كما يقال: شنشنة أعرفها من أخزم.

    أما بعد الزواج، فقد تقل نسبة الخيانة عندهن إلى (75%) وهذا أيضاً حسب إحصائيات ومصادر رسمية موثقة عندهم.

    آثار الزنا

    وآثار الزنا معروفة، ويكفي فيها انتشار الأمراض، الهربس وهو مرض مستعصي على العلاج، ومن أسوأ آثاره أنه سبب رئيسي للإصابة بسرطان الرحم.

    الإيدز وهو الذي ينتشر الآن بصورة وبائية فتاكة لا يمكن مواجهتها، وهو مرض فقدان المناعة، ويكفي أن تعلموا أن أكثر من (90%) -عموماً- مصابون بأمراض جنسية! ولو لم تكن كهذه الأمراض الخطيرة.

    ومن الأمور الغريبة أن المصابين أو المصابات بالذات بمرض الإيدز يحرصن على الانتقام من الرجال، قرأت قصة في أحد الكتب، يقول: إن رجلاً عربياً من الأثرياء، أصحاب الجيوب المليئة، ذهب إلى زيارة أحد الدول الأوروبية، فلما دخل المطعم وجد في أول المقاعد امرأة جميلة جالسة، وبجوارها حقيبتها ومعها كلبها، فنظر وتقدم إليها وصافحها، وسألها: هل يمكن أن يقدم لها شيئاً من الطعام أو غيره؟ فوافقت فأحضر لها الطعام والشراب وغير ذلك، ثم اقترح عليها أن تذهب معه إلى غرفته في الفندق، فوافقت أيضاً، وباتت معه تلك الليلة، وارتكب معها ما حرم الله عز وجل ثم نام، فلما استيقظ في الصباح، لم يجد المرأة إلى جواره، فقام مسرعاً يبحث عنها في الغرفة فلم يجدها، فخرج خارج الغرفة في السيب فلم يجدها أيضاً، فدخل وهو حزين كئيب، فأراد أن يغسل يديه ووجهه في دورة المياه، فلما دخل وجد زجاجة المغسلة مكتو ب عليها بقلم الروج، "مرحباً بك عضواً جديداً في نادي الإيدز".

    فهذه المرأة مصابة بالإيدز، ومن المعروف أنه ينتقل عن طرق عديدة منها المعاشرة الجنسية، فهي تصطاد الرجال بهذه الطريقة لتوقعهم في شراك هذا المرض الخطير الفتاك، ثم تعبث بهم وتشمت بهم، وتنتقم منهم بهذه الطريقة الرهيبة.

    الإسلام والعلاقة الزوجية

    من هنا ندرك جانباً من حكمة الإسلام في حجاب المرأة وسد المنافذ المحرمة -كما أسلفت- الأمر الذي يقوي العلاقات والروابط بين الزوجين، حتى يصبح الرجل عند المرأة ذا مكانة كبيرة، وكذلك المرأة، إلى حد أنه ورد -كما في سنن ابن ماجة وغيره- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {إن للرجل من المرأة شعبة ليست لأحد} أي أن للرجل عند المرأة مكانة ليست لأحد غيره، حتى أخوها ليس في مكانة زوجها، وإنما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك {حينما قبل لـحمنة بنت جحش: احتسبي عند الله أخاكِ، فإنه قد قتل، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم قيل لها: احتسبي عند الله زوجك، قالت: واحزناه! وولولت تبكي رضي الله عنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن للرجل من المرأة شعبة ليست لأحد} فالعلاقة حميمة قوية وطيدة؛ لأن الإسلام قصر الرجل على المرأة، والمرأة على الرجل.

    ومن أبرز المميزات التي توصف بها النساء أنهن قاصرات، أي قصرن طرفهن على أزواجهن، فأصبحن لا يطمحن إلى غيره، وكذلك الرجل قصر طرفه وهمه على ما أحل الله تبارك وتعالى له , وأعرض عما حرم الله، فكان هذا سبب في قوة الارتباط وشدته.

    ولذلك ورد في صحيح مسلم حديث فيه عبرة، عن جابر رضي الله عنه {أن النبي صلى الله وعليه وسلم خرج في يوم من الأيام فرأى امرأة في السوق فأعجبته، فدخل عليه الصلاة والسلام إلى بيته، فجاء إلى زينب بنت جحش وهي تشتغل في جلد تصلحه، فدعاها وقضى صلى الله وعليه وسلم حاجته منها، ثم خرج وقال لأصحابه: إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه}.

    إنه صلى الله وعليه وسلم بذلك يشير إلى أن المرأة بطبيعتها ذات إشارة للرجل، فمشاهدة صورة المرأة بالنسبة للرجل بحد ذاته فيه إثارة حتى ولو كانت محجبة، فكيف إذا كان عندها شيء من السفور أو التبرج أو التعطر أو التغنج أو محاولة العبث بمشاعر الرجال، فحينئذٍ يكون الحل الشرعي هو أن الإنسان يذهب إلى ما أحل الله تبارك وتعالى له: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6]. ففرق أي فرق بين من يرى صورة المرأة، فيركض وراءها، ولا يبالي أذلك حلالاً أم حراماً، وبين إنسان إذا رأى أي أمر يثيره، ويهيج غريزته وعاطفته، فإنه يذهب إلى أهله ويتذكر أن الله سد عليه باب الزنا، وفتح له باب النكاح الشرعي.

    ومن جانب آخر أوصى الإسلام الرجل بالمرأة كما أوصى المرأة بالرجل، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة:{استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها} وفي الحديث الآخر: {لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر، استوصوا بالنساء} يعني اقبلوا وصيتي فيهن، وأوصوا بعضكم بعضاً بهن، فإنهن بحاجة إلى الوصاية.

    وحين يشبه الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة بالضلع، فإن هذا من وضوح الإسلام وصراحته في تصوير طبائع النفوس البشرية، فإن هذا يجعل الرجل يدرك أن الحياة الزوجية لا بد فيها من تنغيص، وتكدير، وأن المرأة لا يمكن أن تأتي له على ما يريد، كما أنه هو لا يمكن أن يأتي لها على كل ما تريد، فلا بد أن يقدم هو بعض التنازلات، وتقدم هي بعض التنازلات، حتى تستقر الحياة الزوجية، وتخف فيها المشكلات، وكما نقل الإمام ابن قتيبة، عن بعض الشعراء قولهم في وصف المرأة:

    هي الضلع العوجاء لست تقيمها     ألا أن تقويم الضلوع انكسارها

    أتجمع ضعفاً واقتداراً على الهوى      أليس غريباً ضعفها واقتدارها

    يعني بذلك أن المرأة فيها ضعف من جانب، وهو أنها خلقت من ضلع أعوج، أو هي كالضلع كما ورد في بعض الأحاديث، وبالمقابل فيها قوة من جانب آخر، قدرة على احتواء الرجل وعلى غلبته، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: {ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب الرجل الحازم من إحداكن} يغلبن الرجال فهن أغلب، وهذا جانب قوة.

    أتجمع ضعفاً واقتداراً على الهوى      أليس غريباً ضعفها واقتدارها<

    عمل المرأة

    الصورة الثالثة: قضية عمل المرأة، المرأة في بلاد الغرب تضيع في دخان المصانع، وتعمل ليل نهار، وتعودت على حمل الأثقال، وعلى القيام بالأعمال الشاقة التي لا يعانيها إلا كبار الرجال، ومع ذلك كله فإنها لا تأخذ من الراتب إلا نسبة (60%) من راتب الرجل!

    لماذا تعمل المرأة في بلاد الغرب؟

    الأمر الأول: تعمل لتثبت شخصيتها، وإن لم تكن بحاجة لذلك لكن يهمها أن تثبت شخصيتها، وهذا من أثر شعورها بأن الرجل متقدم عليها، فهي تحرص على أن تثبت شخصيتها.

    ولذلك يقول بعض المفكرين: هل من قبيل المصادفة أن تصبح المرأة -حتى لو سلمنا لدعاة التغريب- مغلوبة مهضومة على مدار التاريخ، هل من قبيل المصادفة أنه على مدار التاريخ المرأة دائماً هي المغلوبة؟ لماذا لم نجد في عصر من العصور أو في مجتمع من المجتمعات أن الرجل أصبح مستضعفاً مغلوباً، وأن المرأة قد بخست الرجل حقوقه ومنعته بعض ميزاته وصلاحياته؟ فهذا دليل على أن المرأة خلقت لمهمات معينة، والرجل خلق لمهمات أخرى.

    الأمر الثاني: الذي يدعو المرأة إلى العمل في بلاد الغرب هو: الحرص على الأمن، أحد الشباب يسأل موظفة في مطار نيويورك تعمل أحياناً إلى أربعة عشر ساعة في اليوم والليلة، فيقول لها: هل أنت مرتاحة في هذا العمل؟ تقول له: هذا العمل أفضل لي من غيره، وإن لم أكن مرتاحة فيه، ثم يقول لها: ما وجه ارتياحك لهذا العمل أو تفضيلك له؟ تقول: أهم شيء عندي هو أنني أقضي جزءاً من وقتي خلال هذا العمل، فأتخلص من الفراغ، الأمر الثاني: أنني خلال قيامي بهذا العمل، أحتك بالناس، وهذا يسألني، وهذا أقوم له بعمل معين، فهو أفضل من الانفراد، جانب ثالث: وهو المهم، أنني أشعر من خلال قيامي بالعمل بشيء من الأمن، فإنني إذا خرجت إلى المجتمع، تخطفتني العصابات اللصوص والمغتصبون وغيرهم، فهي تخاف، أما داخل المطار، فهي تحس بشيء من الأمن، ولذلك تفضل هذا العمل.

    الأمر الثالث: أن المرأة لا بد أن تقوم بواجباتها، وتنفق على نفسها، فالرجل يخدم نفسه، والمرأة تخدم نفسها، خلافاً لما نجده في الإسلام.

    الإسلام يحترم المرأة

    إننا نجد في الإسلام أن المرأة تجلس متربعة على عرش بيتها، تقوم على رعاية أسرتها وأولادها، والرجل يقوم بخدمتها ويذهب ليكدح في الليل والنهار، ويتعب ويعرق من أجل أن يحصل لقمة العيش لها وله ولأولادهما، وهذه في الواقع درجة من رعاية المرأة لا توجد في أي دين آخر ولا في أي مذهب، ولذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم وغيره، أنه قال: {دينار تنفقه في سبيل الله، ودينار تتصدق به على مسكين، ودينار تعتق به رقبة، ودينار تعطيه زوجتك، أو تنفق منه على زوجتك: أفضلها الدينار الذي تنفق منه على زوجتك} فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم النفقة على الزوجة جزءاً من واجب الرجل، واعتبرها قربة وطاعة لله عز وجل يثاب عليها، وفي الحديث الآخر لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النفقة، قال: {حتى اللقمة يضعها الرجل في فيِّ امرأته صدقة} والحديث له معنيان:

    المعنى الأول: أن الرجل يكدح من أجل لقمة العيش التي يقدمها لزوجته، ويتعب، وفي النهاية يستلم الراتب، فيشتري به حاجيات ومتطلبات للبيت، أو للمرأة خاصة أو للأطفال، والمرأة حتى لو كانت امرأة عاملة: مدرسة أو مربية أو غير ذلك، فإن الزوج لا يمكن أن يطالبها -إلزاماً- بأن تنفق على البيت أو على شيء منه، بل كثير من الرجال يأنف أن تنفق الزوجة على البيت، حتى ولو أرادت هي بذلك فإنه يمنعها، ويقول: لا أريد شيئاً من هذا المال، فهو لك أنفقيه أو تبرعي به.

    أما تكاليف البيت وما يتعلق به فإنها إلي.

    فالجانب الأول: لقمة تضعها في فيِّ امرأتك وأنت تذهب وتكدح للإنفاق على البيت.

    الجانب الثاني: وقد أشار إليه بعض الشراح، قالوا: هذا تعبير من الرسول صلى الله وعليه وسلم عن شدة حفاوة الرجل بزوجته، حتى إنه أحياناً قد يصنع لها الطعام، وقد يقدم لها اللقمة، ويضعها في فمها فعلاً، وهذه صورة المقصود من ورائها التعبير عن شدة الروابط بين الزوجين إلى هذا الحد الذي يضع الرجل اللقمة في فم امرأته.

    وهذا ليس بغريب! فقد كان بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين أزواجه -خاصة عائشة رضي الله عنها- من العلاقة الحميمة والود الغامر الشيء العظيم الذي لا يكاد يوصف أو يذكر، أما هناك -عند الغرب- فإن هذا التكافل الموجود في الإسلام غير موجود عندهم، فإن كل شيء بمقابل، ولعل من الطريف أن نعلم أنه حتى الموت بمقابل، لا تعتقد أنك تستطيع أن تموت بالمجان، كلا! فإن تكلفة الموت حسب إحصائيات دقيقة ألفين ومائتين وخمسة وثمانين دولار، هذه تكلفة الموت أما مجموعة التكاليف بما فيها الكفن والدفن والقبر، لأنه لا بد أن تشتري القبر الذي سوف تدفن فيه، وهذه ليست بنكت، هذه حقائق، مجموع تكلفة الإنسان تتراوح بحسب الطبقة -إن كان غنياً أو فقيراً- تتراوح ما بين ستة آلالف إلى عشرة آلاف دولار! يموت الإنسان بستة آلاف إلى عشرة آلاف دولار، فكل شيء عندهم بمقابل، ليس عندهم شيء يدخل في باب التبرع أو الإحسان أو الإنفاق أو الاحتساب لله تعالى، فهم قوم ماديون بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

    ارتفاع نسبة الطلاق

    الصورة الرابعة: وهي الطلاق، في عام (1900م) كان الطلاق (10%) قفزت النسبة في عام (1948م) لتصبح (40%) أما الآن فنسبة الطلاق في أمريكا تتجاوز (70%) من الزيجات تنتهي بالفشل والطلاق، والأسباب معروفة:

    منها: الخيانة الزوجية، وقد ذكرت لكم سلفاً أن نسبتها (75%) للمتزوجات، أيضاً: التكاليف الباهظة في وقت ليس لدى الرجل استعداد لتحمل أية مسؤولية لا عن الزوجة ولا عن الأطفال، فهو يريد أن يستمتع بالمرأة، لكن لا يريد أن تنجب، وإذا أنجبت لا يعترف بهذا الولد، ولا ينفق عليه.

    من الأسباب أيضاً: العمل: فالرجل يعمل والمرأة تعمل، وبالتالي ليس بينهما علاقة زوجية حقيقية.

    كذلك من الأسباب: استرجال المرأة بحيث أن الرجل لا يستمتع بها، وأذكر أن رجلاً أمريكياً أسلم، وكان عنده زوجة أمريكية، فعاش معها صعوبات شديدة، وفي النهاية آل الآمر إلى الطلاق، والطلاق عن طريق المحكمة طبعاًً، ثم ذهب هذا الرجل المسلم يبحث عن زوجة بديلة، فتزوج امرأة مسلمة من جنوب شرق آسيا، ولما تزوجها قال: والله العظيم أصبحت أحس كأن المرأة الأولى التي عشت معها رجل تماماً، ولم أعرف معنى المرأة إلا الآن، وأدركت الآن كيف تكون المرأة، أي بما فيها من تذلل للرجل، وتواضع له، وخدمة وتحبب وتقرب إليه.

    وهذه هي الميزة التي تميز المرأة، وكلما كانت المرأة كذلك كان هذا أدل على كمالها، فإن كمال المرأة في هذا الضعف التي تتميز به عن الرجل، وليس كمال المرأة في استرجالها وتقمصها لأخلاق الرجال وصفاتهم، ولذلك كان العرب يعيبون المرأة بكونها امرأة مسترجلة.

    ومن الأسباب أيضاً: ضعف الحوافز، فما الذي يغري الرجل أن يبقى مع المرأة، مادام يجد المرأة في كل مكان، ويستطيع أن يرضي غريزته بأحسن منها وبأجمل منها، وبأعداد كبيرة من النساء، وبنفس الوقت هو ليس لديه معاني أخلاقية ولا مثل يرعاها، فما الذي يغريه أن يبقى تحت سقف واحد مع امرأة؟

    بل يؤول الأمر أجياناً كثيرة إلى الطلاق، ولأن الطلاق قد يكون فيه صعوبة، يؤول الأمر إلى أن الرجل يضرب المرأة ضرباً مبرحاً، حتى تطالب هي بالطلاق، ومن النساء من تموت تحت الضرب، وقد يعمد الرجل إلى قتل امرأته أو إحراقها حتى يتخلص منها، وفي هذا معلومات وقصص وإحصائيات تثير العجب وتدعو إلى الذهول!

    الطلاق في مجتمعاتنا

    في مجتمعاتنا اليوم أيها الإخوة: لا شك أن نسبة الطلاق ارتفعت لكن مهما كان الأمر، فإن الفرق كبير مقارنة بأحوال الغرب، فالنسبة عندنا ترتفع لكنها لا تزال أدنى بكثير من هذه النسب الموجودة ببلاد الغرب وبمراحل، وإن كانت الأسباب هي هي، تنوعت الأسباب والموت واحد، فإن أسباب الطلاق في مجتمعاتنا تمت بسبب إلى أسباب الطلاق إلى مجتمعهم: فالرجل الذي يكثر من النظر إلى النساء ذاهبات وآيبات، فإنه يصبح عنده تذوق لجمال النساء وطولهن وقصرهن وأشكالهن وهيئاتهن، يبدأ بعد ذلك سلسلة من المقارنة بين من يرى من النساء وبين زوجته، وهي مقارنات غير صحيحة؛ لأن الرجل قد يرى من المرأة جوانب تعجبه، ولا يدرك الجوانب التي لا ترضيه، حتى أن من الطريف أن رجلاً معروفاً كان يكثر من النظر إلى النساء، وإن كان رجلاً عفيفاً في فرجه، لكنه يطلق بصره، ففي يوم من الأيام رأى في الشارع امرأة فتعلق قلبه بها فرجع إلى بيته، وهو حزين مهموم ضيق الصدر، فلما قدمت له زوجته الغداء، رأت عليه آثار الهم، فبدأت تسأله لكن لم يجبها، فأصرت عليه، فلما رأى إصرارها أخبرها بالأمر، وقال: إنني نظرت إلى امرأة، فتعلق قلبي بها وهذا هو السبب، فضحكت في وجهه، وقالت: والله! أنا تلك المرأة؛ لأنني أعرف أنك تنظر إلى النساء، وأن الشيطان يزين لك صورة المرأة الأجنبية البعيدة بخلاف المرأة المتاحة التي هي في إمكانك وفي متناولك، فتنكرتُ وتلبستُ بثياب جميلة، وعرضت لك حتى يكون في هذا لك درس أي درس! فطموح النظر من أسباب الطلاق.

    كذلك فقدان العلاقة الزوجية العاطفية الوجدانية هو من أسباب الطلاق أيضاً، فإن الزواج عقد مقدس، وهو رباط بين قلبين قبل أن يكون رباطاً بين الجسدين.

    ومنها أيضاً عدم الثقة بالمرأة، أو عدم ثقة المرأة بزوجها هو من أسباب الطلاق، المشاكل العادية الصغيرة من أهم أسباب الطلاق، وقليل من حالات الطلاق يكون بسبب مشكلة مزمنة، تتطور وتمتد وتكبر، لكن معظم حالات الطلاق تكون نتيجة مشكلات صغيرة جداً، تكثر ثم تكثر ثم تتراكم، حتى تكون النهاية هي كسر العلاقة الزوجية.

    الأعصاب المشدودة عند الزوج، وكونه متهيئا لأن يُطْلِقَ بكلمة "طالق" في كل وقت، هذا أيضاً من أسباب الطلاق، ولذلك من المفروض في الإنسان أن يحكم نفسه بالحكمة والصبر.

    الامتناع عن تعدد الزوجات

    صورة خامسة: تتعلق بتعدد الزوجات، وتعدد الزوجات عندهم ممنوع تماماً، ويستحيل أن تجد رجل هناك معه زوجتان، لكن لا غرابة أن تجد رجلاً يقيم العلاقة مع مئات من النساء، فتعدد الزوجات ممنوع لكن تعدد الخليلات والعشيقات أمر مباح!

    ومع الأسف أن هذا اللوثة انتشرت في عدد من البلاد الإسلامية.

    حدثنا الشيخ يوسف القرضاوي، قال: حدثنا الشيخ عبد الحليم محمود -شيخ الجامع الأزهر سابقاً- قال: إنه زار أحد البلاد الإسلامية، ورأى فيها من قريب قصة طريفة وقعت، أنَّ رجلاً ثارت بينه وبين صديق له خصومة، فقال له صديقه: والله لأفضحنك وأوقعنك في فخ لا مخرج لك منه، قال: ما تصنع؟ قال: سوف أبلغ الجهات المختصة بأنك متزوج من اثنتين.. وفعلاً معه زوجتان، كل واحدة في بيت، يتردد على هذه يوماً وعلى هذه يوماً، فذهب هذا -الذي كان صديقاً له- إلى الشرطة وأبلغهم أن فلاناً مرتكب لجريمة ألا وهي أنه متزوج باثنتين، فراقبوه فترة، وفعلاً وجدوه يتردد على بيتين، فقبضوه متلبساً بالجرم المشهود، وبدءوا معه محضر التحقيق، لكن الرجل كان ذكياً وقد أعد للأمر عدته، فقال: لا! أنتم غلطتم علي، هذه زوجة فعلاً ولي منها أولاد، لكن هذه ليست زوجة وإنما هي صديقة، أقمت معها علاقة صداقة، فقالوا له: نحن آسفون ونعتذر! وأخرجوه وودعوه بكثير من الحفاوة والاعتذار إليه، فمادامت القضية قضية صداقة، فالحقيقة أننا أخطأنا، وما كنا نتصور هذا الأمر، والواقع أن فلاناً ضللنا وخدعنا.. إلى هذا الحد!!

    وهذه بلاد كان الإسلام يحكمها في يوم من الأيام!

    على مستوى الإعلام في البلاد الإسلامية كلها، نلاحظ قضية حرب التعدد بشكل عجيب، كما في المسلسلات الهادفة، فكل مسلسل يعرض أن تعدد الزوجات لا بد أن ينتهي بالفشل، وهروب الزوج، ومشكلات لا أول لها ولا آخر، وتشتت الأولاد وضياع الأسرة.

    القصص المتداولة في المجتمع عن أن فلاناً تزوج اثنتين وما عدل، وهجر الأولى أو فعل بالأولى كذا، أو غير ذلك من القصص الذي يتداولها الناس... إلى آخره.

    أنا لا أنكر أن بعض ذلك حق، لكن أصل الزواج نفسه فيه مشاكل، فلو نظرت في حياة أي زوجين في الدنيا، لا بد أن تجد بينهم قدراً من المشكلات، وليس هناك زوجان يعيشان حياة هانئة (100%) فأصل الزواج لا يخلو من مشاكل، وإنما الزواج الذي نستطيع أن نقول: إنه سعيد أو ناجح، هو الذي يكون الغالب عليه الراحة نسبة (60%) أو (70%) هذا زواج ناجح، وإلا فهناك مشكلات معينة، فلا تكون المشكلة سبباً في أن الواحد يقول: ما أريد أن أتزوج! لأن فلاناً معه مشكلة مع زوجته أدت إلى الطلاق، كذلك لا ينبغي أن نقول: نحن نحارب تعدد الزوجات لأنه يوجد واحد عدد فما عدل -مثلاً- أو ظلم الأولى أو شرد الأولاد أو غير ذلك.

    وعلى كل حال فإن الإحصائيات الغربية تقول: في أمريكا -مثلاً-، في بعض الولايات، نسبة عدد النساء إلى عدد الرجال نسبة (119) إلى (100) أي أن لكل مائة رجل مائة وتسعة عشرة امرأة، ومعنى ذلك بعملية حسابية في تلك الولاية لا بد من أحد أمرين: إما أن تبقى تسعة عشر امرأة بدون زوج، وإما أن يتزوجها رجل آخر، بحيث بصبح عنده زوجتان، وفي ولايات أخرى، أذكر منها ولاية مررت بها اسمها ولاية بسبرج، في هذه الولاية نسبة النساء إلى الرجال (160) إلى (100) يعني كل مائة رجل يقابلها مائة وستون امرأة، وهنا ندرك أنه لا بد من التعدد أو الضياع لهؤلاء النسوة.

    الاختلاط

    الاختلاط بطبيعة الحال موجود عندهم في كل مكان: في العمل، في السوق، في السيارة، في القطار، في المدرسة.. ولكنهم مع ذلك بدءوا يدركون الآثار الاجتماعية والتعليمية والأخلاقية الضارة للاختلاط، فيسعون إلى إيجاد أماكن خاصة بالنساء، في مقابلها أماكن خاصة بالرجال.

    على سبيل المثال في مدينة كولومبيا في أمريكا، زرناها وهي في ولاية نيزوري، فوجدنا فيها جامعة عريقة كبيرة خاصة بالفتيات لا يدخلها الرجال في مجال الدراسة، وسألت بعض الشباب، فقال لي: إنه يوجد في أمريكا ما يزيد عن سبعين جامعة على هذا النمط، جامعات خاصة للبنات.

    هذا في الوقت الذي نجد فيه كثيراً من البلاد الإسلامية تخلو من إيجاد جامعات خاصة للبنات! ومثلما أوجدوا جامعات خاصة للبنات، فقد قرأت في الأخبار أنهم في ألمانيا أوجدوا فنادقاً مخصصة للنساء، وفي أكثر من بلد من البلدان الأوروبية أوجدوا مستشفيات ومستوصفات مخصصة للنساء، يعالج فيها النساء، أو تكون خاصة بمراجعة النساء فحسب.

    ومع الأسف أنه في بعض البلاد الإسلامية التي تستطيع أن تفعل الكثير، يحتج بعض المسؤولين فيها؛ بأنه لا يمكن إيجاد مستشفى خاص بالنساء، لماذا لا يمكن إيجاد مستشفى للنساء؟ هل بسبب العجز المالي؟! المجتمع كله ينادي بذلك، المجتمع يتطلع إلى حماية النساء ووقايتهن من بعض الأوضاع السيئة في بعض المستشفيات، ثم نتعلل بذلك، بل أين أصحاب الأموال والاستثمارات الضخمة، عن إيجاد مستشفيات مخصصة للنساء، يأمن فيها المؤمنون على عوراتهم، على زوجاتهم، على بناتهم؟ إن هذا من الميادين التي هي من أعظم الثغرات الموجودة في مجتمعاتنا.

    القصور الشديد في تربية الأطفال

    أنتقل إلى نقطة أخيرة وهي ما يتعلق بتربية الأطفال، قصة تقول: أن امرأة في مدينة شيكاغو -وهي مدينة معروفة بالجريمة- جردت أطفالها الخمسة الذين كانوا يتراوحون ما بين سنة إلى خمس سنوات، جردتهم من ملابسهم، وبدأت تضربهم وتكوي أبدانهم بأعقاب السجائر، وتعذبهم وتغلق عليهم الأبواب، وتجيعهم يوماً كاملاً، فبصر بهم رجل من الجيران، فجاء وأنقذهم، وبعدما سألوهم، تبين لهم أنهم طيلة ذلك اليوم لم يأكل الواحد منهم إلا بيضة واحدة، وأنهم تعرضوا لألوان من الضرب على يد أمهم.

    وفي مدينة أوكلند أيضاً بـكاليفورنيا، يقول: يوجد أكثر من أربعة ملايين طفل، يقضون أكثر من ثلاث ساعات في البيوت بمفردهم، وأعمارهم تتراوح ما بين ثلاث سنوات إلى سبع سنوات، يأتي من المدرسة قبل مجيء أبيه وأمه من العمل بأربع ساعات فيجلس في البيت، خاصة في أوقات الشتاء والبيت ظلام، والرياح تعصف، والأمطار تهطل، والمخاوف تحيط به من كل جانب، وهو طفل عمره أربع سنوات جالس في البيت لوحده.

    وهل أتاك نبأ أطفال المفاتيح؟ وما أدراك ما أطفال المفاتيح؟! دهشت إحدى المعلمات حين وجدت أن أربعة وعشرين من بين ثمانية وعشرين من طلابها هم من أطفال المفاتيح! بمعنى أن الطفل بحكم أنه يخرج من البيت قبل والديه ويدخل قبلهما لا بد أن يكون معه مفتاح، يفتح البيت ويدخل، ويغلق على نفسه، ويجلس ساعات طويلة بانتظار مجيء أمه أو مجيء أبيه، وهذا يجعله عرضة للوقوع في الجرائم: جرائم الخطف، السرقة، المخدرات، احتمال الحرائق في البيوت.. حتى بلغ الحال في كثير من هؤلاء الصبيان، أن الواحد يغلق على نفسه دورة المياه حتى يأتي أهله، إذا نام فإنه يعيش في أحلام مزعجة، وبالتالي هذا الطفل حينما يكبر يقوم بسداد الديون لوالديه! فحين تنتقل إلى كبار السن تجد أن مصيرهم إلى دُور العجزة، وقد رأينا كثيراً من هذه الدور يرقد فيها الكثير من الكبار، أحسنهم حالاً يبتسم ويفتخر، حين يقول لك: إن ولدي بار بي أشد البر، فتقول له: كيف؟ فبقول: والله يزورني في العيد (عيد الكريسمس) -كما يسمونه- يزوره مرة في السنة! وآخر تعلو وجهه ابتسامة حين يتحدث عن ولده أيضاً بكل فخر؛ لأن ولده أرسل له بطاقة معايدة، وهذا ما زاره، بل أرسل له بطاقة معايدة في العيد فقط! وثالث يمكن أن يتصل به في الهاتف، وكفاه ذلك.

    وفي مدينة، سان فرانسيسكو، رجل عمره خمسة وأربعين سنة، عاش على مدى خمس سنوات كلها يقضيها في الشارع، معه حقيبة فيها فراش للنوم، يقول: أما طعامي فإني آخذه من صناديق القمامة! وهذه لا تظنوها مبالغات، والله لقد رأيناهم! وقرأنا في الإحصائيات أنه يوجد في ولاية أكثر من خمسة ملايين يعيشون على الأرصفة من دون مأوى، ورأينا كثيراً من هؤلاء يتسولون في الشوارع، تعطيه قرشاً أو قريباً من ذلك، وبعضهم يفتش القمامة لعله يجد شيئاً يأكله! هذا في أرقى بلاد العالم تقدماً ورقياً وحضارة! إنهم يسددون الديون التي أخذوها من أطفالهم حين أهملوهم وتركوهم، هذا الرجل الذي تحدثت عنه هو واحد من أربعة آلاف رجل في مثل هذه المدينة.

    وفي مقابل ذلك تجد العناية بالحيوانات -الكلاب والقطط- بشكل غريب، بل العناية بالدمى -التماثيل- بصورة أحياناً تدعو إلى الضحك: جلسات نفسية لهذه الدمى، مستشفيات خاصة، وعلاج وتجميل وترميم، وأشياء غريبة.

    وفي مدينة من مدن أمريكا، قال لي بعض الشباب: لو ذهبنا لمشاهدة بعض مستشفيات الحيوانات! حتى نرى جزءاً مما أنعم الله به علينا من نعمة الإسلام والعقل، فقلت له: هلم، فذهب بي إلى مستشفى، وجدنا على مدخل هذا المستشفى المجلات الكثيرة المتخصصة في قضية الكلاب وأمراضها وعلاجها وكيفية التغذية، إلى غير ذلك، ثم جاء الطبيب المختص، وأخذ يذهب بنا إلى المستشفى ويشرح لنا: هذه الغرفة خاصة للعمليات، وهذه غرفة للمرضى، وهذه غرفة الطبيب، وهذه غرفة الأشعة، وهذا المختبر، وهذه غرف للترقيد، ووجدنا بعض النـزلاء، حتى وجدنا أن امرأة كبيرة السن قد انحنى ظهرها، وهي تقوم بخدمة الكلاب، بالكنس والتنظيف وتقديم وجبات الطعام، وغير ذلك من الأشياء.

    وأحياناً تدخل إلى الفندق، فتجد أن الكلب جالس على الكرسي، وأمامه الطاولة وأن الرجل صاحبه أو المرأة يأتي بالصينية عليها الطعام ويقدمها له، وأما الكلب فهو جالس يشاهد الشاشة، أصبح الرجل وأصبحت المرأة مجرد خدم لمثل هذه الحيوانات من القطط أو الكلاب أو غيرها!

    وسألتهم: هل هذا هو المستشفى الوحيد؟ وكانت تلك المدنية مدينة صغيرة جداً، سكانها لا يتجاوزون عشرين ألفاً، أو ثلاثين ألفاً، فقالوا لي: هذا المستشفى رقم عشرة! مدينة كهذه المدينة فيها عشرة مستشفيات مخصصة للكلاب! لكن كبار السن لهم دار واحدة للعجزة، يحشرون فيها حشراً ويهملون، حتى أولادهم هم أول من يتخلى عنهم! وهذا جانب يكشف نعمة الله بالإسلام علينا، وأننا يجب ألا ننخدع ببهرج الحضارة الغربية، فإنها تعيش أسوأ ظروفها، ولست أقصد أن كل ما عندهم شر أو سيء أو مذموم، كلا! لكن المؤسف أننا أصبحنا نحاول أن نأخذ منهم أسوأ ما عندهم، ونقلدهم في هذه الأمور المنحطة من أخلاقيات أو تقاليد أو عادات، أو تسريحات، أو أمور سيئة، أما القضايا الحيوية المهمة: قضايا العلم، قضايا الصناعة، قضايا الدقة، العناية بالإحصائيات، التقدم العلمي في كافة مجالاته، التنظيم، التخطيط، فكل هذه الأمور قد لا نفكر بأن نأخذها عنهم، فكثير من المسلمين أصبحوا يأخذون من عند هؤلاء القوم أسوأ ما عندهم، ويقلدونهم فيها، ويغضون الطرف عن الأشياء الحسنة التي يمكن أن تؤخذ، -كما قيل-: الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها.

    1.   

    الأسئلة

    ملابس الأطفال

    السؤال: هناك سؤال يتلخص في صعوبة الحصول على الملابس الجاهزة للأطفال، حيث إن الملابس المتوفرة في الأسواق ليست مناسبة لأطفال المسلمين؟

    الجواب: أولاً: هذا يدعونا إلى أن نسأل أنفسنا: لماذا؟ هذا يخضع لقانون العرض والطلب، فلأن هذه الملابس الجاهزة يريد أكثر الناس لها صفة معينة، المصانع تصنع على حسب ما يريد المشتري، وحين يعلمون أننا نريد نوعاً معيناً من الملابس، ولو كان فضفاضاً ساتراً، فإنهم لا بد أن يصنعوه، ولو من زاوية المصلحة المادية البحتة لهم.

    ثانياً: يمكن أن تعمل المرأة تحويراً في هذه الملابس، بحيث تكون مناسبة وملائمة.

    خدمة المرأة لزوجها

    السؤال: ذكرت شيئاً من صور التعامل بين الزوجين في الغرب، فما رأيكم فيمن يقول: إن خدمة المرأة لزوجها ليس بواجب شرعي عليها؟

    الجواب: نحن نرجو ألا نلجأ في قضية البت في قضية الواجب، أو ليس بواجب؛ لأنه إذا وصلت القضية إلى قضية مشاحة فهذه مشكلة، فإن الأصل أن الزوجة التي تحس بالعلاقة الزوجية الصادقة مع زوجها تريد أن تخدمه ولو رأت غيرها يقوم بخدمته، لغارت من ذلك وامتعضت منه، فهي تريد أن تباشر شئونه بنفسها، وتعتبر هذا جزءاً من واجبها ومهمتها مع زوجها، هذا من جانب.

    ومن جانب آخر فإن الزوج أيضاً هو الآخر يتواضع مع زوجته، ولا بأس أن يشاركها في بعض أعمالها على سبيل المباسطة والبعد عن التكلف والكبرياء.

    وقد صح أن عائشة رضي الله عنها {سُئلت: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا سمع المؤذن خرج إلى الصلاة } وهذا رسول الله صلى الله وعليه وسلم على رغم مشاغله الكثيرة المنوطة به، يتفرغ أحياناً ليباسط زوجته في بعض أعمالها، فأقول: ليس هناك ما يدعو إلى أن يبتَّ في القضية وأن تقول الزوجة: إنني لا أعمل أي عمل إلا إذا كان هذا واجباً عليّ! ليس هناك ما يدعو إلى هذا.

    ما تكشفه المرأة أمام المحارم

    السؤال: ما هي حدود ما يمكن أن تكشفه المرأة أمام محارمها، وما يجب عليها ستره أمامهم؟

    الجواب: المشهور عند الفقهاء أن ما تكشفه المرأة أمام محارمها، هو ما جرت العادة بكشفه، كشعرها وأطرف ذارعيها وأطراف ساقيها، وما أشبه ذلك.

    واجب المرأة في تغيير المنكر وحكم مشاركتها في الإعلام

    السؤال: ما هو الواجب على المرأة في تغيير المنكر؟ وهل لها أن تدخل في قنوات إعلامية لإحداث التغيير؟

    الجواب: واجب المرأة في تغيير المنكر هو واجب الرجل، وكل في مجاله، فالمرأة تغير المنكر بوسائلها المتاحة في مجتمعاتها النسائية، كما أن الرجل يغير في مجالاته وفي مجتمعات الرجال، والمرأة تستطيع من ذلك في مجالها ما لا يستطيعه الرجل، وأما قضية الدخول في مجالات الإعلام، فإنني لا أرى ذلك مناسباً في مثل مجتمعاتنا الإسلامية، لأن الأصل في المرأة التستر والبعد عن التعرض للعيون، أو فيما يتعلق بصوتها أيضاً، فإن في صوت المرأة -كما هو معروف- من الفتنة والإثارة الشيء الكثير، وكون المرأة مثلاً تتكلم في الإذاعة، فيسمع صوتها الملايين، لا أعتقد أن هذا سائغاً، أو صالحاً، أو أنه وسيلة في الدعوة إلى الله عز وجل، فهذه الأمور تترك للرجال يعانونها ويقومون بها، أما المرأة فتبقى في مجالاتها الأخرى: تغير المنكر في بيتها، في مدرستها، في اجتماعها النسوي، في حفل الزواج في وسط النساء، مع أقاربها، مع بنات جنسها، وتدعو إلى الله تعالى بقدر ما تستطيع.

    موقفنا أمام الأحداث

    السؤال: لاحظنا تضعضع الناس تجاه الأحداث الجديدة، فهل هذا هو الوهن الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وما السبيل إلى عافية الأمة من ذلك؟

    الجواب: هذا جزء من الوهن الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه فسره بقوله: {حب الدنيا وكراهية الموت}؛ فإنه لا يصاب بالتزعزع والوهن إلا الإنسان المتعلق بالدنيا ومادياتها، الذي يخاف من الموت، ويكرهه، ويريد أن يستمتع بهذه الحياة، أما المؤمن الذي استعد لبذل روحه في سبيل الله عز وجل، وقال كما قال الأول:

    ما ضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي     والموت يرقص لي في كل منعطف

    وما أبالي به حتى أحاذره     فخشية الموت عندي أبرد الطرف

    أما المؤمن الذي يقول:-

    وإني لمقتاد جوادي كقاذف     به وبنفسي العام إحدى المقاذف

    فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن     على شرجع يُعلى بخضر المطارف

    ولكن أحن يومي سعيداً بعصبة     يصابون في فج من الأرض خائف

    المؤمن الذي هذا منطقه.. وهذا سبيله.. من ماذا يخاف؟ أشد ما يتصور هو الموت، وهذا هو أمنيته وغايته، فلم يعد يخاف من شيء إلا من الله عز وجل، ولذلك يفرح المؤمن بالشهادة في سبيل الله عز وجل، أما حين يرى هذه المصائب والابتلاءات التي تنـزل بالمسلمين، فلا شك أن الحزن لذلك جزء من الدين، والتأسف والتأسي لما حدث جزء من الأخوة الإيمانية التي ربطت بين أتباع "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وأهلها.

    ولكن فرق بين ذلك وبين الشعور بالخوف والضياع والحيرة التي أصبحت تلف كثيراً من الناس، فقدان التوكل على الله عز وجل، حتى إن بعض الناس والعياذ بالله أصبحوا كأنهم لا يثقون إلا بالماديات، ولا يتعلقون إلا بالأسباب الدنيوية، فأصبحت تجد الإنسان يركض كالمسعور فيما يتعلق بأموره الخاصة، يوفر السلع الاستهلاكية في البيت بشكل مثير للانتباه ويدخر من القوت ما يكفي لسنوات، يحول أمواله بعملة أخرى، أو يحولها إلى سبائك من الذهب، وبعضهم غادروا بأهلهم وبأنفسهم إلى بلاد أخرى، وهذه في الواقع ليست صفات المؤمنين، بل المؤمنون كما حكى الله عنهم: وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22].

    أما المنافقون فقالوا كما حكى الله عنهم: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12] وكانوا يقولون: محمد يعدكم كنوز كسرى وقيصر وأحدكم لا يستطيع أن يذهب لقضاء حاجته، فالقوة والكثرة والضجيج لا يمكن أن تؤثر في المؤمن، بل يقول -كما هو منطق الأنبياء عليهم السلام- مثل ما قال نوح: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71] ومثل ما قال صالح: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56].

    كما أنه يجب ألا نجعل أنفسنا نهباً لهذه الشائعات المغرضة، والتهويل التي أصبحت الإذاعات تملأ بها أسماعنا، وتهز بها قلوبنا، بل ينبغي للإنسان أن يعتصم بالعقل والعلم، ويعتصم بالله عز وجل قبل ذلك، ويجعل في قلبه من الطمأنينة والسكينة والأنس بالله عز وجل والاطمئنان إليه ما يكون خير رفيق له، ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب فقال: {إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم وجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك, وألجأت ظهري إليك، وأسلمت نفسي إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى لي منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنـزلت، وبنبيك الذي أرسلت} فعبر بكل معاني التوكل على الله والتفويض إليه، والثقة به، ولا شك أن من كان هكذا اعتقاده بالله عز وجل، فلا بد أن يضع الله تعالى في قلبه السكينة والطمأنينة، ولذلك تجد المؤمن لو سلب كل نعمة؛ لكان من إيمانه بالله في أعظم نعمة، وتجد المؤمن وهو في قلب الأحداث والمصائب والنكبات؛ يعيش حالة من الهدوء وسكينة الأعصاب، وراحة الضمير، يتعجب منها الجميع، فمثل هذه الأحداث لا شك أنها محك: يتبين من خلالها قوة الإيمان وضعفه، فإذا ظهر للإنسان ضعف إيمانه من خلال موقفه المتزعزع من مثل هذه الأحداث، فعليه أن يبادر في تجديد إيمانه وتعميق ثقته بالله عز وجل.

    أعمال الإغاثة

    السؤال: هل التطوع في أعمال الإغاثة والمساعدة يعتبر من الجهاد في سبيل الله؟

    الجواب: لا شك أن المؤمنين كما أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} وهم: {كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً } فالمؤمن يحزن لحزن أخيه ويفرح لفرحه، ويقوم بما يستطيع من مساعدته سواء بنفسه أو بماله أو بجاهه أو بما يملك، ولذلك {من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن يسر على معسر يسر الله عليه، ومن ستر مسلماً ستره الله، ومن أعان مسلماً أعانه الله تعالى}.

    فالمؤمن يحس بآلام إخوانه المؤمنين، وأنه حين يغيث ملهوفاً أو منكوباً، فإنه ليس يقدم تطوعاً كما عبر الأخ السائل، بل يقوم بواجب، كما أنه لو حدث له مثل هذا الموقف، لكان بحاجة إلى من يساعده في ذلك.

    وحين يحتاج الناس إلى من يطعمهم؛ يجب على المسلمين أن يطعموهم، وحين يحتاجون إلى من يكسوهم؛ يجب على المسلمين أن يكسوهم، وحين يحتاجون إلى من يساعدهم؛ تجب مساعدتهم.

    حتى قال بعض أهل العلم: إن الإنسان لو لم يعط حقه؛ أخذه بالقوة.

    واستدلوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سألوه وقالوا: {يا رسول الله! إنا ننـزل على أقوام فلا يأمرون لنا بما ينبغي للضيف -ما يعطوننا القرى والضيافة اللازمة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا نـزلتم على أقوام فأعطوكم ما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يعطوكم ما ينبغي للضيف فخذوا منهم} أي تأخذون منهم ما تحتاجونه مما هو واجب لكم عليهم، ما دمتم محتاجين إلى ذلك أو مضطرين إليه.

    فأقول: ليس تطوعاً أن تبذل من مالك لإخوانك، أو أن تقوم بأعمال الإغاثة أو المساعدة، بل ليس تطوعاً أيضاً أن تقوم بالتوجيه والإرشاد، وتبصير هؤلاء الإخوة وتسكينهم وتذكيرهم بأن الأيام دول كما قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] ومحاولة تعزية من أصيب بشيء أو فقد شيئاً، هذا كله جزء من الواجب الملقى على عواتقنا.

    دور الشباب

    السؤال: ما هو دور الشباب الملتزم تجاه هذا الحادث الذي حل هذه الأيام بالأمة؟

    الجواب: في الواقع أن جزءاً من الدور تبين سابقاً، أن يقوم الإخوة الشباب بصفة خاصة وغيرهم من المسلمين بنجدة إخوانهم ويهبوا لنصرتهم وغوثهم ومساعدتهم بما يحتاجون إليه من الأموال أو غيرها، ومساعدتهم بالتوجيه والإرشاد، فإن الطرق يكون حينئذ والحديد ساخن، والتقبل أكبر وأكثر، وهذا جزء كبير من الواجب.

    الواجب الثاني: هو الصبر، فإن الله تعالى تعبدنا بالصبر، وجعله صفة من أخص وأعظم صفات المؤمنين، وأمرنا بأن نتواصى به قال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] فإن المؤمن يجب ألا تستفزه الأحداث، ولا تخرجه عن طوره، ولا تجعله يتصرف بلا وعي، بل ينبغي أن يصبر ويتريث حتى تنكشف له الأمور، ويقدم على بصيرة، أو يحجم على بصيرة، وينتظر حتى تنجلي عما تنجلي عنه.

    الأمر الثالث: هو الدعاء، فإن الدعاء من أعظم الأسلحة:

    أتهزأ بالدعاء وتزدريه      ولا تدري بما صنع الدعاء

    سهام الليل لا تخطي ولكن      لها أجل وللأجل انقضاء

    فالدعاء سلاح من أعظم الأسلحة، وينبغي أن نتترس به ونتدرع به، فيقوم العبد لله عز وجل ويبكي بين يديه، ويدعو الله بتفريج كروب المكروبين ونصر المسلمين، ورفع راية الدين، ودحر المعتدين، وأن يعز الإسلام والمسلمين في كل مكان، ويكون صادقاً في دعائه مع الله تعالى، فهذا من أعظم الأسلحة التي ينبغي للمؤمن أن يقوم ويتعبد بها.

    والحمد لله رب العالمين.