إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [5]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنبياء الله تعالى دينهم واحد وإن اختلفت شرائعهم، فكل واحد منهم جاء بالدعوة إلى توحيد الله، والنهي عن الشرك، والأمر باجتناب الطاغوت، وهو كل ما تجاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] ].

    هذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    (ولقد): الواو هنا واو القسم، واللام موطئة للقسم، فالله يقسم، وهل نحتاج إلى أن يقسم ربنا لنا؟ الله جل وعلا هو أصدق قيلاً، ولا يمكن أن يخبر عن شيء خلاف الواقع تعالى وتقدس، ولكن الإنسان ظلوم كفور، وظلوم جهول، لهذا تمادى كثير من الخلق بظلمه، فأقسم رب العالمين له: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً)، والبعث في الأصل: هو إثارة الشيء. يقول العرب: بعث فلان البعير. إذا أثاره من مبركه، ويقال: بعث الصيد. إذا أثاره من مكامنه. ويقال: بعثت فلاناً إلى فلان، أي: أرسلته برسالة إليه سواء أكانت الرسالة كلاماً أم غير ذلك، ومنه البعث الذي أخبر الله جل وعلا به: وأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:7] يعني: إخراج الموتى أحياءً بعدما كانوا رميماً، بل بعدما كانوا تراباً؛ لأن الإنسان إذا قبر وبقي شهوراً وسنيناً تبلى عظامه وتصبح تراباً، ويبقى منها جزء صغير جداً قد لا يرى بالعين يسمى (عجب الذنب)، جزء صغير جداً في أسفل ظهر الإنسان، منه ينبت الإنسان مثل البذرة التي تكون للشجرة، فلو أتيت إلى أرض هامدة في الصيف مثلاً، وبحثت بكل ما تستطيع أن تبحث عن بذور فيها فلن تجد شيئاً، ثم إذا نزل المطر يخرج النبات بكثرة، كذلك الإنسان يتفتت ويصبح تراباً كما أخبر الله جل وعلا أنه يعيدهم تراباً، وهو ما خلقوا منه، فإن أصل خلقنا من التراب، خُلِق أبونا آدم من تراب كما أخبر الله جل وعلا بذلك، ثم يعاد الإنسان إلى أصل خلقه التراب، إلا الرسل فقد حرم الله عز وجل على الأرض أن تأكل أجسادهم، فلا تبلى أجسادهم بل تبقى طرية كرامة لهم، ومع ذلك يموتون، فكل رسول مات، وما بقي أحد من الرسل، كلهم ماتوا وذهبوا إلى ربهم، ثم يبعثون كما يبعث غيرهم من الخلق، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة اليهودي الذي لطمه أحد الصحابة، كان يبيع سلعة في سوق المدينة، فجاء أحد الصحابة فقال: أشتريها بكذا، فقال: والذي فضل موسى على العالمين لقد أعطيت بها كذا وكذا، يعني: أكثر من هذا، عند ذلك غضب الصحابي وقال: تقول هذا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا؟ فلطمه، يعني: إنك تفضل موسى على نبينا، فجاء اليهودي يشتكي من الصحابي، فقال: يا رسول الله! إنه يقول كذا وكذا، عند ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على موسى؛ فإني يوم القيامة أكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى قائماً قابضاً بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟)، وفي رواية في صحيح مسلم: (فيصعق الناس الصعقة الثانية، فأكون أول من ينفض التراب عن رأسه، فأجد أخي موسى قائماً بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟)، وصعقة الطور هي حينما سأل ربه النظر كما قال الله: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143]، فهذه صعقة الطور التي حصلت له لما تجلى الله جل وعلا للجبل، فتدكدك الجبل وصار دكاً، أي: صار هباء لرؤية الله جل وعلا، مع ذلك وقد تجلى الله تعالى قليلاً جداً جداً، حتى جاء عن بعض السلف أنه قال: مثل ثقب الإبرة. ولهذا ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات)، وهكذا كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه إذا تكلم لا يطيل الكلام، ويتكلم بكلام واضح جلي يحفظ عنه، يقول: (قام فينا بخمس كلمات)، يعني: قام يخطب بخمس كلمات، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً صلوات الله وسلامه عليه حتى تحفظ، ولهذا حفظ الصحابة أحاديثه صلوات الله وسلامه عليه، يقول: (قام فينا بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وبصره جل وعلا لا يمكن أن يحول دونه شيء، يبصر كل شيء، ولكن احتجب عن خلقه بالنور، حتى لا يذهب الخلق كله، وسبحات وجهه، أي: نور وجهه وجماله وبهاؤه. هذه سبحات وجهه، لو كشف الحجاب لزال كل شيء، وما يستطيع شيء أن يقوم لنور الله جل وعلا، وقد يقول قائل: إذاً كيف يراه الناس يوم القيامة؟

    نقول: الرؤية يوم القيامة غير هذه، رؤية يوم القيامة رؤية نعيم، إلا الرؤية في الموقف فإنها أمر آخر، وقد ثبت أن المؤمنين يرونه، ثم إن الخلق يركبون تركيباً لا يقبل الموت، يركبون بالبعث تركيباً لا تقبل الروح فيه مفارقة الجسد أبداً، يركبون للحياة الأبدية، ولهذا يدخل أهل النار النار ويصلونها دائماً ولا يموتون، ولا يوجد موت، وكذلك أهل الجنة لا يوجد عندهم موت مهما عظمت الكوارث، وأحوال القيامة ما أحد يستطيع أن يقوم لها في تركيب الخلق اليوم أبداً، فسيموتون في أول وهلة لو كانوا على هذه الصورة وهذه الحياة، كيف يقفون ألف سنة على أقدامهم؟ يستطيع الإنسان حينئذ ذلك وهو عار، فلا يوجد ثوب، ولا نعال، ولا أكل، ولا شرب، ألف سنة والشمس فوق رأسه ما تغيب عنه أبداً، ولا يجد إلا موطئ قدميه فقط، وليس هناك جلوس، قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]، وهو يوم عسير على الكافرين، ولكننا ننسى هذا الشيء ولا نذكره، والواجب أن يهمنا كثيراً، والمقصود أن حياة الناس بعد البعث غير هذه الحياة، هي حياة أخرى، حياة لا تقبل الموت أبداً، فلو جاءه الموت من كل مكان لا يموت.

    يقول الله جل وعلا: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36] البعث هو الإثارة، ومعنى هذا: أن الله أرسل الرسل من الأمم إليهم، كل أمة بعث الله منها رسولاً يعرفونه، يعرفون نسبه، ويعرفون صدقه، ويعرفون أمانته، كل أمة يأتيهم رسول بهذه الصفة، فيعرفون لسانه، ويعرفون أمانته وصدقه؛ لأنه لا يبعث إلا خيار الخلق، وهو فضل الله يتفضل به على من يشاء، فيرسله إلى قومه.

    وقوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:36]، كل رسول يقول لقومه هذه المقالة (اعبدوا الله)، كل رسول يقول هذا القول لأمته، فدل هذا على أن دين الله واحد وهو عبادة الله وحده، وأن الخلق خلقوا لهذا، وأنه لا يجوز للإنسان أن يعبد غير الله، وأن سبب شرك المشركين أنهم وزعوا العبادة بين الله تعالى وبين المعبودات الأخرى فحصل الشرك بذلك، وهذا لا يسمى عبادة، فلا تسمى العبادة عبادة إلا إذا كانت خالصة لله، والعبادة سبق تعريفها أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالقول الذي يكون باللسان مثل التسبيح والتهليل والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا كله عبادة، وكذلك الأعمال التي تكون بالجوارح مثل الركوع والسجود والمشي إلى المساجد والجهاد والحج، ومنه أيضاً الأعمال التي تؤدى بالأيدي من الصدقات، وكذلك إنكار المنكر الذي يُتناول باليد، وكذلك إزالة المؤذيات عن الطرق، فهذه عبادة يثاب عليها الإنسان، وكذلك الأعمال الباطنة -أعمال القلب- مثل الخشية والخوف والرجاء والحب والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، هذه كلها عبادة، فالعبادة تشمل كل ما أمر الله جل وعلا به، وأحب وجوده من الإنسان وأثاب عليه، وكذلك تشمل ترك كل ما نهى الله عنه، فإذا ترك الإنسان المعصية خوفاً من الله فهي عبادة، ولا يجوز أن يترك الإنسان شيئاً لأجل الإنسان؛ لأن هذا عبادة، ولا يجوز أن تكون العبادة لغير الله، كما أنه لا يجوز للإنسان أن يفعل شيئاً مما يطلب الثواب عليه من أجل الإنسان؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تجوز أن تكون لغير الله، فالمقصود أن دين الرسل واحد، كلهم أمروا أممهم أن يعبدوا الله وحده.

    أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، والطاغوت مأخوذ من الطغيان، والطغيان: هو تجاوز الحد. والإنسان إذا تجاوز حده صار طاغوتاً، والحد هو الشيء الذي خلق له الإنسان، والإنسان خلق عبداً ليعبد الله، فإذا نصب الإنسان نفسه ليكون رباً صار طاغوتاً، فإن نصب نفسه ليكون معبوداً، أو نازع الله في حكمه وأصبح يحكم بغير ما أنزل الله صار طاغوتاً، فعن جابر بن عبد الله أنه قال: (الطاغوت الشيطان)، وفي رواية: (كهان ينزل عليهم الشياطين)، فالكاهن هو الذي ينزل عليه الشيطان، وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (الطاغوت الشيطان)، وجاء عن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت)، فكل المعبودات طواغيت إلا الذي يعبد وهو غير راضٍ، كالصالحين والأولياء والأنبياء، فبعضهم يعبدون ولكنهم لا يرضون بهذا، النصارى يعبدون عيسى، واليهود يعبدون عزيراً، فلا يسمى هؤلاء طواغيت، ولما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأصنام أنها وعابدوها في جهنم جاء رجل من الكفار وقال: أنا أخاصمك فأخصمك، قال له: ألم يعبد عيسى؟ ألم يعبد عزير؟

    فإذاً يكونون في النار، فأنزل الله جل وعلا: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98]، إلى أن قال: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء:101-102]، فالذين سبقت لهم من الله الحسنى مثل الأنبياء والمؤمنين والأولياء لا يكونون داخلين في هذا، وقد جاء في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة: (يأتي الله جل وعلا يوم القيامة ثم ينادي عباده فيقول جل وعلا: إني أستمع لكم منذ خلقتكم فاستمعوا لي. ثم يقول جل وعلا: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فكلهم يقولون: بلى يا رب. فيمثل لكل عابد معبوده في الدنيا)، فالذي يعبد الشمس تمثل له الشمس، والذي يعبد الصنم يأتيه ذلك الصنم، أما الذي كان يعبد عيسى أو يعبد أي نبي أو يعبد ولياً، فيمثل له شيطان بصورته، فيقال: اتبعوهم. فيتبعونهم إلى جهنم كلهم، فيبقى المؤمنون وفيهم المنافقون، فيأتيهم الله جل وعلا ويقول: علام جلوسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: ننتظر ربنا..إلى آخره.

    والمقصود أن الله يولي الإنسان ما كان يتولاه في الدنيا من معبوداته، فهذا يدلنا على أن العبادة يجب أن تكون لله وحده، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وأن كل معبود من دون الله إذا كان حجراً أو شجراً أو صنماً أو غير ذلك فهو طاغوت، أما إذا كان قبراً فإن كان من أولياء الله يستثنى؛ لأنه عبد وهو غير راض؛ لأن أولياء الله لا يرضون بالعبادة، وقول الإمام مالك : (الطاغوت ما عبد من دون الله) واضح وحق، ويقول ابن القيم في تعريف الطاغوت: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع. فجعل الطاغوت ثلاثة أنواع: ما يعبد من دون الله، وما يتبع على الضلال، وما يطاع في المعاصي، فكل من يأمر بالمعصية فيطاع فهو طاغوت، وكل من يتبع على جهل وضلال فهو طاغوت، وكل من يعبد من دون الله وهو راضٍ فهو طاغوت، ويقول: فهذه طواغيت العالم، وإذا تأملتها فهي كثيرة في الناس، فكل ما صد عن حكم الله فهو طاغوت، وكل ما صد عن عبادة الله فهو طاغوت.

    وبهذا يتبين لنا معنى الطاغوت، فهو ما صد عن عبادة الله أو ما عبد من دون الله، وقد بين ربنا جل وعلا أن الكفر بالطاغوت فرض على كل مسلم، كما قال الله جل وعلا: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256]، فبدأ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان، ولا يمكن أن يستقيم إيمان إلا بالكفر بالطاغوت؛ لأن الإسلام مبني على نفي وإثبات، نفي الإلهية عن غير الله وإثباتها لله، ومن نازع الله جل وعلا في شيء من ذلك فإنه يكفر، والكفر بالطاغوت التبرؤ منه وبغضه وإظهار عداوته، فيتبرأ منه ويبغضه ويعاديه ويصبح عدواً له، وإلا فلا يكون كافراً به، كما قال الله جل وعلا: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، وبهذا يتبين لنا معنى الآية.

    معنى الطاغوت

    قال الشارح رحمة الله عليه: [ الطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (الطاغوت الشيطان)، وقال جابر رضي الله عنه: (الطاغوت كهان كانت تنزل عليهم الشياطين)، رواهما ابن أبي حاتم ، وقال مالك: (الطاغوت كلما عبد من دون الله).

    قلت: وذلك المذكور بعض أفراده، وقد حده العلامة ابن القيم حداً جامعاً، فقال: الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته ].

    في هذا الكلام الذي ذكره ابن القيم رحمه الله بيان الطاغوت وحده، يقول: كل ما خرج عن طوره وعن المعنى الذي خلق له يكون طاغوتاً أو يكون عابداً للطاغوت. وذلك أن الله جل وعلا خلق العباد لعبادته، وحرم عليهم غير هذا، فحرم كل ما صد عن العبادة، وكل إنسان عبد غير الله فقد أشرك، ويكون العابد لغير الله عابداً للطاغوت، وبين أن هذا يكون في العبادة، ويكون في الطاعة، ويكون في الاتباع، ولا يخرج الإنسان عنها.

    والعبادة في الواقع ليست هي السجود والركوع في الصلاة وما أشبه ذلك، العبادة هي عبادة القلب، أن يتعبد القلب لشيء، فعبودية القلب يجب أن تكون لله وحده، ومن أجل هذا حرم الله على عبده أن يسأل المخلوق؛ لأن في المسألة ميل للقلب، ومودة لمن أعطى وبذل، ويصبح يحبه القلب ويتعلق به، والله أراد من عبده أن يكون قلبه كله له، وأن يكون حراً، وأن يكون مع الناس الآخرين مثلهم لا يتعبد قلبه لهم، فإذا أنعم أحد عليه بنعمة يقابلها بمثلها أو بأحسن منها، فإذا أحد أعطاه شيئاً يبذل له مثله أو أحسن منه حتى يكون قلبه سالماً لله جل وعلا سليماً من التعبد لغيره، وسبق أن المسألة من المحرمات التي تباح في موطن الضرورة، فالضرورة تبيح المحرمات كما هو معلوم، أما إذا لم يضطر الإنسان فيجب أن يكون عبداً لله، لا يتعبد قلبه لغير الله جل وعلا، وهذا من ناحية عبودية القلب.

    وكذلك الجوارح، كونه يخضع في ظاهره لغير الله جل وعلا، وإن كان قد يكون هذا تستراً وتقية، وإلا فالقلب يبغض هذا المخضوع له، بل قد يلعنه؛ لأنه إما أن يكون ظالماً يقهره بذلك ويذله، فهذا لا يكون عبادة؛ لأن العبادة لابد أن يجتمع فيها التعظيم والذل والحب، وإذا لم يجتمع فيمن يعبد الذل والخضوع والتعظيم مع المحبة لا يكون عابداً، ولكن كون الإنسان يصد عن عبادة الله ويعرض عنها نهائياً، ويشتغل في غيرها فهذا من الإعراض ومن عدم الاهتمام بعبادة الله جل وعلا، والله خلق عباده ليعبدوه، ولهذا أخبر الله جل وعلا عن الذين يعرضون عن آياته أنهم من أهل النار، نسأل الله العافية، والعلماء يذكرون من نواقض الإسلام أن الإنسان إذا لم يهتم بدينه ولم يرفع به رأساً يكون مرتداً وإن كان مع المسلمين، فلابد أن يهتم بدينه ويهمه مصيره وما خلقه الله له، ويسأل عن ذلك، ويؤدي الواجب عليه، فلابد من الالتزام، والالتزام شرط في صحة الإسلام، كونه يلتزم بالإسلام، ويلتزم بمعنى (لا إله إلا الله)، فيشهد أن لا إله إلا الله ويلتزم بذلك، وإلا فلا يفيده مجرد انتسابه، ومجرد كونه عاش في بلد مسلم وبين مسلمين إذا كان معرضاً عن عبادة الله.

    ومن الطواغيت من جاوز حده في الاتباع، وكون الإنسان يتبع في دينه شخصاً بعينه في أمور دنياه، لا يدخل في ذلك، بل ذلك في أمر الدين فقط، أما أمور الدنيا فللإنسان أن يفعل كل ما فيه صلاح دنياه إذا لم يكن ذلك محرماً، وهذا مباح له، ولكن كونه في أمر دينه يتبع شخصاً بعينه، فيجعل أقواله هي التي يجب أن يأخذ بها ولو جاءت النصوص من كتاب الله ومن أحاديث رسوله لم ينظر إليها، فيقول: هذا الشخص أعلم بها مني ومن الآخرين. فهذا الذي يخشى عليه؛ لأنه في الواقع جعل هذا الشخص في منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا طاغوت؛ لأنه اتبعه في الدين بلا دليل، وليس الكلام في الذين لا يعرفون الأدلة، الكلام فيمن يعرف الدليل، أما العامي الذي لا يعرف دليلاً، ولا يعرف معاني الآيات ومعاني الأحاديث فهذا فرضه وواجبه أن يسأل من يثق به من أهل العلم؛ لأن الله جل وعلا يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فهذا الذي يستطيع أن يفعله، ولو استطاع أن يتعلم لوجب عليه ذلك.

    1.   

    جميع الرسل يدعون إلى التوحيد ويحذرون من الشرك

    ومن الطاغوت من جاوز حده في الطاعة فيطيع المخلوق في المعصية، يعرف أنها معصية ويأمره بها، ويطيعه في معصية الله، فهذا المطاع في معصية الله يكون طاغوتاً، ومن أطاع مخلوقاً في معصية الخالق فقد اتخذه طاغوتاً، ويدل على هذا ما جاء في قصة عدي بن حاتم عندما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قول الله جل وعلا: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، والآية في اليهود والنصارى، وعدي بن حاتم كان من نصارى العرب، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إنا لم نعبدهم! فقال: بلى، ألم يحرموا عليكم الحلال فحرمتموه، ويحلوا لكم الحرام فأحللتموه؟ قال: بلى، قال: تلك عبادتهم)، فليست العبادة فقط أن يسجد الإنسان لإنسان، ويحبه محبة الذل والخضوع، يكفي في هذا أن تكون عبادة طاعة، وعبادة الطاعة أن أطاعوهم في معصية الله؛ لأن الذي يترك الواجب ويأمر غيره بتركه هو في الواقع منازع لله جل وعلا محاد لله جل وعلا، وكذلك الذي يفعل المحرم ويدعو غيره إلى فعله ينازع الله جل وعلا في شرعه وفي أمره، ومن هذه الناحية يكون طاغوتاً.

    قال الشارح: [ وأما معنى الآية فأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة من الناس رسولاً بهذه الكلمة أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، أي: اعبدوا الله وحده واتركوا عبادة ما سواه. كما قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة:256]، وهذا معنى (لا إله إلا الله)، فإنها هي العروة الوثقى، قال العماد ابن كثير في هذه الآية: كلهم -أي: الرسل- يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه، فلم يزل سبحانه يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم، وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:35]؟

    فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهم منفية؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهى تمكينهم من ذلك قدراً فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة، ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36] انتهى. ].

    سبق أن مشيئة الله جل وعلا عامة شاملة ما يخرج عنها شيء، وأن المشيئة إذا جاءت تكون مرادفة للإرادة الكونية؛ لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين:

    إرادة كونية وهي المشيئة، ولا يوجد فرق بين أن نقول: إن الله يفعل ما يريد. أو أن نقول: إن الله يفعل ما يشاء. كلها سواء بمعنى واحد، ولكن هناك معنى آخر للإرادة، وهي إرادة دينية، كما قال الله جل وعلا في ذكره للتخفيف والتيسير في الشرع: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:26-28]، فالتخفيف ما وقع للناس كلهم، والبيان من الله وقع، والتخفيف كذلك وقع من الله، ولكن كثيراً من الناس ما انتفع به؛ لأنه لم يقبله ولم يرفع به رأساً، فالمقصود أن هذه الإرادة تتعلق بدينه، وتتعلق بكتابه وشرعه، أما الإرادة التي تتعلق بملكه وتصرفه فهي الإرادة الكونية، كقوله جل وعلا: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء:16]، يعني: أمرناهم أمراً قدرياً كونياً ففسقوا فيها فدمرناها تدميراً، فينبغي أن نفرق بين هذه وهذه.

    ثم سبق أن الإرادة الكونية -وهي المشيئة- لا تنافي كون الإنسان مريداً لما يفعله ومختاراً لما يفعله؛ لأن الله خلق الإنسان وخلق له قدرة وإرادة، وبهذه القدرة والإرادة والاختيار الذي خلقه له يستطيع أن يفعل الشيء الذي يريد أن يفعله، ويستطيع أن يترك الشيء الذي يريد تركه، ولهذا استحق الثواب على فعل الخير والواجب، واستحق العقاب على ترك الواجب وفعل المحرم.

    ثم إن الله جل وعلا زيادة في الرحمة والإحسان إلى العباد بين لهم ما شرعه من العقوبات على المخالفين، وما أكرم به المؤمنين الذين اتبعوا أمره وأطاعوه، وهذا أمر لا ينكره أحد، فكل الخلق يعرفونه؛ ولهذا يقول الله جل وعلا لنبيه: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9] قل: لست أول رسول يأتي إلى الناس، فقد سبقني رسل، فينبغي أن تنظروا وتستدلوا. وبهذا يقطع الإنسان قطعا لا يتطرق إليه شك أنه رسول مثل الرسل السابقين؛ لأنه جاء بمثل ما جاءوا به، وقد قص الله جل وعلا علينا قصصهم، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه أرسل الرسل للأمر بتوحيد الله وطاعته وعبادته، وتنهى عن عبادة غيره، وأولهم نوح، فنوح عليه السلام هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، كما قال الله جل وعلا: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، أما قبل نوح فكان بنو آدم على الحق، لا يحتاجون إلى رسول، فنبيهم هو أبوهم آدم عليه السلام فهم يتبعونه، وبقوا على هذا -كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس - عشرة قرون كلها على التوحيد، ثم بعد ذلك طرأ الشرك عليهم، فبعث الله جل وعلا نبيه نوحاً عليه السلام، فبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى توحيد الله، وهذا وقت الدعوة، لبث فيهم يدعوهم هذه المدة الطويلة ويرجو أن الله جل وعلا يبعث من أولادهم من يعبد الله، ولكن في النهاية كأنه يئس فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27]، فدعا عليهم بدعوته التي استجاب الله جل وعلا له بها، فأغرقهم الله، ثم صارت ذرية نوح هم الباقين كما قال لنا ربنا جل وعلا، أما الذين معه في السفينة فكلهم فيما يظهر لم يعقب؛ لقوله جل وعلا: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات:77]، ولهذا يقول المؤرخون: أبونا الثاني هو نوح. فكل من على وجه الأرض أبوهم نوح، وهو الأب الثاني، أما الأب الأول فهو آدم عليه السلام؛ لأن أولاده هم الذين صارت لهم الذريات التي انتشرت في الأرض، ثم حدث فيهم الشرك مرة أخرى، وقد صار أولادهم منتشرين في الأرض كلها، فكل إقليم أرسل إليه رسول لكل جهة من الجهات، وقد يكون في آن واحد عدد من الرسل، في وقت واحد يرسل كل رسول إلى بلاد، كما هو واضح في قصص الأنبياء، ومن أوضح ذلك ما جاء في قصة إبراهيم عليه السلام مع من أضافهم من الملائكة، فلما قدم لهم الطعام أوجس منهم خيفة، فأخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وهذا يدلنا على أن لوطاً أرسل إلى جهة أخرى في وقت إبراهيم، فأخذهم الله جل وعلا بالعذاب، وكان إبراهيم يجادل فيهم.

    وعلى كل حال فحجة الله قامت على الخلق بإرسال الرسل، والله أخبرنا أنه أرسل رسله تتراً، ومعنى (تتراً): تتتابع. بعضهم في إثر الآخر، كلما احتاج الناس إلى رسول يرسله الله جل وعلا إليهم، وخاتمهم الذي ختموا به هو محمد صلوات الله عليه وعلى إخوانه المرسلين جميعاً، وعلى أمته تقوم الساعة، ولا يوجد بعده رسول؛ ولهذا أخبرنا جل وعلا أن الساعة اقتربت، كما قال جل وعلا: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، ومن أسمائه صلوات الله وسلامه عليه: (نبي الساعة)؛ لأن الساعة تقوم عقبه على أمته، فليس للخلق حجة، وإذا علم الإنسان أن الله أرسل رسولاً وأنزل كتاباً وجب عليه أن يبحث عن ذلك، ويجب عليه وجوباً، ولا يجلس ينتظر ويقول: حتى يأتيني أحد يبين لي، أو يقول: أنا ما جاءني أحد، ما أحد بين لي، يجب عليك أن تبحث أكثر من طلب الطعام والشراب، فلو أن الإنسان جلس في بيته لا يطلب ما يأكل ولا يشرب ومات، فإنه يعد قاتلاً لنفسه، فكيف إذا جلس وترك دين الله؟! هذا أعظم إثماً من كونه يترك الأكل والشرب، فالذي يحبس نفسه عن الأكل والشرب حتى يموت يقال: إنه قاتل لنفسه. فتارك دين الله أعظم من ذلك، فالله جل وعلا يسأل الناس كلهم، قال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:6]، كلهم يسألون، وقد جاءت نصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا وضع في قبره يسأل عن ربه وعن نبيه وعن دينه، فيقال: من تعبد؟ وبأي دين تعبد؟ ومن الذي جاء بهذا الذي تتعبد به؟ هل جاءك به أحد أو هو من عند نفسك؟

    إن المسألة ليست مسألة اختراع ونظر وقياس ونظر إلى المجتمع وفعل ما يروق له، المسألة تكليف من الله جاءنا من السماء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب علينا أن نطلبه ونبحث عنه ونعمل به، وأعظم خطر على الإنسان ألا يعرف معنى العبادة ومعنى الإله والتأله، فإنه خطير جداً؛ لأنه يمكن أن يقع في الشرك وهو لا يدري، ويمكن أن يقع في الشرك وهو يظن أنه توحيد كما وقع لكثير من الناس حتى بعض طلبة العلم الذين يكتبون في تفسير كتاب الله، وفي شروح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقع لهم من هذا مآسٍ في الواقع وأخطاء فظيعة، بعضهم وليس كلهم -مثلاً- يفسر كلام الله جل وعلا وهو يدعو أصحاب القبور ويتضرع إليهم وينزل بهم فقره وفاقته ويستغيث بهم، ويزعم أن هذا توسل جائز، مع أن هذا في الواقع مناف لشهادة أن لا إله إلا الله، مناف لها تماماً؛ لأن الاستغاثة والمسألة ودعاء الغائب في الحقيقة عبادة له، وكذلك كونه يعتقد أنه يعرف ما في نفسه ويطلع على ما في ضميره، وهذا لا يكون إلا لله جل وعلا.

    1.   

    دين الأنبياء واحد

    قال الشارح: [ قلت: وهذه الآية تفسير الآية التي قبلها، وذلك قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36]، فتدبر! ودلت هذه الآية على أن الحكمة في إرسال الرسل؛ دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين وإن اختلفت شريعتهم، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، وأنه لابد في الإيمان من عمل القلب والجوارح ].

    الشرائع هي التي تشرع للعمل، وتختلف شرائع الأنبياء، وهي التي يكون فيها النسخ، فشريعة تنسخ أخرى، وقد أنكر اليهود ذلك وقالوا: لا يجوز أن تنسخ شريعة موسى بشريعة عيسى. فأبوا أن يتبعوه، كذلك أبوا أن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك، أما العبادة والتوحيد فكل الأنبياء دينهم الإسلام، وهو الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له وإخلاص الوجه والقلب له، كلهم جاءوا بهذا، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله)، فأصل الدين ألا يعبد إلا الله، وأن تكون العبادة بشرعه الذي شرعه لرسله فقط، وهذا أمر تتفق عليه الأديان كلها، وكل نبي جاء به، كما أخبرنا ربنا جل وعلا أنه يرسل الرسل وكل رسول يقول لأمته: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    أما الشرائع من الحلال والحرام فإنها تختلف، فبعض الشرائع يكون فيها تضييق، وبعضها يكون فيها سعة، وأسمح الشرائع هي الشريعة الإسلامية، فهي سمحة سهلة، إلا أنها في العبادة هي أشد الشرائع لعبادة الله جل وعلا، لهذا سموه الدين الحنيف، والحنيف هو الذي يعدل ويعرض عن جميع الأديان والاتجاهات إلى الله وحده فقط، لهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن كل ما كان فيه شائبة من الشرك فلا يجوز لأمته أن تفعله، حتى الألفاظ في ظاهرها فقط، وإن كان المتكلم لا يعتقد فيها إضافة الأفعال إلى أسبابها، كقول القائل مثلاً: لولا فلان ما كان كذا وكذا، فهذا نهانا عنه صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث أنه: (قال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده)، ولهذا يقال: إنه صلوات الله وسلامه عليه سد طرق الشرك كلها التي توصل إليه، وحمى التوحيد من شوائب الشرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه..)

    قال المصنف: [ قال الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24] ].

    هذه الآية من الآيات المحكمات العظيمة التي فيها الأمر بعبادة الله وحده جل وعلا، وفيها الأمر بالإحسان إلى الوالدين، ونظائرها كثير في القرآن، فقوله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، هذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، ألا تعبدوا إلا إياه، فقوله: (ألا تعبدوا) هو معنى: (لا إله)، وقوله: (إلا إياه) هو معنى (إلا الله)، ومعنى (قضى) أمر وأوجب وألزم، أمر بعبادته وأوجبها وألزم عباده بها، وقضى شرعاً وأمراً، وليس قضاءً قدرياً؛ لأنه لو كان قضى قضاء قدرياً لعبده الناس كلهم، والواقع أن أكثرهم لم يعبدوه، ويتعين أن يكون معنى (وقضى) هنا: أمر وأوجب وألزم.

    أي: شرعاً.

    وقوله: ( ألا تعبدوا إلا إياه) هذا فيه النفي والإثبات، نفي العبادة عن غيره وإثباتها له وحده، وهو الذي قلنا: إنه معنى (لا إله إلا الله) فيجب ألا يعبد إلا إياه.

    ثم بعد هذا يجب أن نعرف ما هي العبادة؟ إذا كانت العبادة لا تجوز أن تكون إلا لله فيجب علينا أن نعرف ما هي العبادة؟ وقد سبق أن العبادة كل فعل تفعله أو نية تنويها ترجو الثواب أو كل شيء تتركه وإذا تركته ترجو أن الله يثيبك، ولو فعلته تخاف أنه يعاقبك، فالعبادة تشمل أشياء كثيرة، تشمل الشرع كله، فكل الشرع داخل في العبادة.

    فضل الإحسان إلى الوالدين

    قوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] يعني: وأمر أن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وهنا حذف الفعل: (أحسنوا) وجاء بالمصدر (إحساناً) ليدل على أن الأمر يلزم منه كل ما يسمى إحساناً. فيدخل فيه كل الإحسان الذي تستطيع أن تفعله.

    وجاء في آيات متعددة أن الله جل وعلا يقرن الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته، وهذا يدلنا على تعظيم حق الوالدين؛ ولهذا جاء أن العقوق مدعاة إلى دخول النار، فالذي يعق والديه ويجعل بدل الإحسان إساءة يكون متوعداً بالنار، نسأل الله العافية.

    وجاءت أحاديث كثيرة توضح هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالكبائر عد منها عقوق الوالدين، فمن أكبر الكبائر عقوق الوالدين، وكذلك حديث علي رضي الله عنه في الصحيح أنه لعن الذي يلعن والديه فقال: (لعن الله من لعن والديه)، وفي رواية: (من سب والديه)، وفي حديث أنهم استغربوا كيف يلعن الرجل والديه! فبين أنه بكونه سبباً للعن والديه فقال: (يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه)، فيكون ملعوناً بهذا الفعل، ومنها أحاديث كثيرة فيها الأمر ببر الوالدين، وكذلك النهي عن عقوقهما، وهي معروفة مشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا في الواقع يفرط فيه كثير من الناس، وفي حديث صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وقال: آمين.. آمين.. آمين -ثلاثاً- فسئل عن هذا، فقال: أتاني جبريل عليه السلام فقال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين) يعني أنه لم يبرهما حتى يستحق ببرهما دخول الجنة، وكذلك أحاديث أخر كثيرة ثابتة صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وجوب طاعة الوالدين في غير المعصية، أما إذا أمرا بمعصية فلا يجوز طاعتهما في ذلك، والقرآن واضح في هذا في آيات متعددة، الله جل وعلا يقول: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]، فقرن شكره بشكر الوالدين، وهذا من آكد ما يبين حق الوالدين على الولد، وهنا يقول جل وعلا: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا [الإسراء:23] واحد منهما الأم أو الأب أو كلاهما فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، ذلك أنه إذا كبر الوالد فإنه يكون محلاً للأذى وما يتأفف منه؛ لأنه يعود ضعيفاً كما كان، فقد لا ينزه نفسه، ولا يستطيع أن يستقل بما ينبغي أن يفعله بنفسه، فقال: (ولا تقل لهما: أف)، والأف معناه: أن يتأفف من رائحة أو من قول أو من فعل، أو ما أشبه ذلك. يعني: لا يصدر منك ما يدل على التضجر منهما. وقد قال بعض السلف: لو أن الله جل وعلا علم شيئاً أدنى من التأفف لنهى عنه! فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] أي: لا تنهرهما في الكلام. يعني: ترفع صوتك عليهما. وهذا لا يجوز، وأمر جل وعلا أن يقول لهما قولاً كريماً ليناً سهلاً داعياً لرضاهما، ثم أمر بالاستغفار لهما، سواء كانا حيين أم ميتين، يستغفر لهما، ويحسن إليهما الإحسان الدنيوي والإحسان الأخروي.

    ونبه جل وعلا على أن الوالدين قد أحسنا إليك سابقاً، وهما يرجوان قوتك ورشدك وشدتك، أما أنت إذا أحسنت فأنت ترجو موتهما وراحتك منهما، فلا ينبغي أن يكون بدل الإحسان إساءة .

    قال تعالى: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24] يعني: بدل التربية والسهر والكد ينبغي لك أن تحسن إليهما. ويذكر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه -وبعضهم يذكره حديثاً مرفوعاً- رأى رجلاً يحمل أمه وهو يطوف بها في الطواف حاملها على ظهره ويطوف بها، فقال له: أتراني قد أديت حقها؟ فقال: لا، ولا بطلقة يعني: ما كانت تقاس الشدة بوضعك ولا بطلقة مما حدث لها. وما يستطيع الإنسان أن يقوم بحق والديه، ولكن إذا أحسن وقام بما يستطيع فالله جل وعلا يعفو عنه ويثيبه، ولشده حق الوالدين وعظمه على الإنسان فإن الله جل وعلا غالباً يعجل عقوبة العاق مع ما يعد له في الآخرة نسأل الله العافية، وغالباً إذا عق الإنسان والديه فأبناؤه يعقونه، وقد جاء عن ثابت البناني -وهو تابعي من تلامذة أنس بن مالك الذين لازموه وأخذوا عنه الحديث- أنه رأى رجلاً في البصرة يضرب أباه، فاستعظم هذا وأراد أن يعاقبه، فالتفت إليه الوالد المضروب وهو يضرب ورفع رأسه إليه. وقال: دعه. فلقد كنت أضرب أبي في هذا المكان! يعني: كما صنع صنع به، وهل يكفي هذا؟ لا يكفي، ولو كفى لكان أمراً سهلاً، ولكن هناك عذاب الله نسأل الله السلامة، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]، وأعظم قطيعة للرحم عقوق الوالدين، ولا أعظم منها في قطيعة الرحم، فليحذر الإنسان كل الحذر من أن يغضب والديه أو يجلب لهما ما يسوؤهما؛ فإن هذا في الواقع أمر يقع لكثير من الناس، كثير من أبناء المسلمين يقع لهم هذا الشيء، نسأل الله العافية، وهو خطير جداً، وقد لا يتنبهون له، وعواقبه وخيمة في العاجلة والآجلة، وآيات الله في هذا واضحة جداً، أعني وجوب مراعاة الوالدين والقيام بحقوقهما وطاعتهما في طاعة الله جل وعلا والإحسان إليهما إحساناً مطلقاً في الحياة وكذلك بعد الممات، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون حرصاً شديداً على أداء حقوق الوالدين، حتى كان إذا توفي والد أحدهم صار يبر أصدقاءه، وهذا من بره، كما جاء في الحديث: (أن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه).

    قال رحمه الله: [ قال مجاهد (قضى) يعني: وصى. وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وغيرهم، ولـابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه: (وقضى ربك) يعني: أمر. وقوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] المعني: أن تعبدوه وحده دون ما سواه، وهذا معني (لا إله إلا الله) ].

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا إله إلا الله)، ويقول: (سبحان الله)، (الحمد لله)، (الله أكبر)، وما أشبه ذلك من الذكر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوله ويعلم أمته، وأعظم الذكر ما قاله صلى الله عليه وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، فهذا هو أفضل الذكر، أفضل ما يذكر الإنسان ربه به، وذلك أن التوحيد هو أفضل العبادة، وكثير من الناس يعدل عن هذا الذكر إلى غيره والفضل فيه في الواقع، وهو أفضل من غيره، ولكن الذكر باللسان فقط دون معرفة القلب ودون العمل فائدته قليلة، وقد لا يفيد، فينبغي للإنسان أن يتعرف على معاني ما يقوله ويعمل به.

    من بر الوالدين

    قال الشارح رحمه الله: [ وقول الله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] أي: وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحساناً كما قضى بعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14].

    وقوله: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] أي: لا تسمعهما قولاً سيئاً حتى ولا التأفف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] أي: لا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح : لا تنفض يديك عليهما. ولما نهاه عن الفعل القبيح والقول القبيح أمره بالفعل الحسن والقول الحسن فقال تعالى: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23] أي: ليناً طيباً بأدب وتوقير، وقوله: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] أي: تواضع لهما، وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا [الإسراء:24] أي: في كبرهما وعند وفاتهما، كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24].

    وقد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال: آمين.. آمين.. آمين. فقالوا: يا رسول الله! علام أمنت؟ قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد! رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل: آمين فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين)، وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما لم يدخل الجنة).

    قال العماد ابن كثير : صحيح من هذا الوجه وعن أبى بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) رواه البخاري ومسلم ].

    الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى)، هكذا كثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ أصحابه بذكر العلم، وذكر ما ينبغي أن يعلموه، فقال: (الإشراك بالله)، والإشراك بالله هو أكبر الكبائر على الإطلاق، وقد جاء أن القول على الله بغير علم أكبر من الشرك عن بعض السلف، وهو من الشرك لأنه يتضمن ذلك.

    ثم قال: (وعقوق الوالدين)، فقرن بالشرك عقوق الوالدين، وهذا يوافق ما في هذه الآية: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وضد العبادة الشرك، وكذلك ضد الإحسان العقوق، ثم قال في الحديث: (وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، يقول: (وكان متكئاً فجلس)، كان متكئاً لما بدأ بالحديث، فلما جاء إلى ذكر الزور وشهادة الزور استوى جالساً ليكون صوته وتبليغه أبلغ، فصار يكررها: (ألا وقول الزور، ألا وقول الزور)، وقوله: (حتى قلنا: ليته سكت)، يعني: إبقاءً عليه ليته يسكت. وهذا من المبالغة، وهذا يدلنا على أن شهادة الزور أمرها عظيم، وأن كثيراً من الناس قد يقع فيها، فلهذا حذر وكرر صلوات الله وسلامه عليه، وشهادة الزور هي شهادة بالكذب، وكل شهادة بكذب فهي زور، كونه يشهد على شيء لا يعلمه ولم يشاهده، لا سيما إذا كان فيه قطع لحق الآخرين، وإعطاء الآخرين حقوق غيرهم، فإن هذا من أظلم الظلم فيما يتعلق بظلم الناس للناس، فهذه يترتب عليها حقوق الناس، وقد جاء في صحيح مسلم : (من اقتطع حق امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان)، وفي رواية: (فله النار، فقالوا: وإن كان شيئا قليلا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك) يعني: وإن كان سواكاً. وفي خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لما سألهم وقال: (أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟) يسألهم وفي كلها يقول: (أليس الشهر الحرام؟ أليس البلد الحرام؟ أليس يوم الحج الأكبر؟)، ثم قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟) فجعل الأموال والأعراض والدماء كلها محرمة لا يجوز تناولها بشيء، وصار يكرر ذلك صلى الله عليه وسلم ويقول: (ألا هل بلغت؟ اللهم! اشهد).

    فالمقصود أن حقوق الناس ليست بالسهلة، ولهذا قالوا: عند المحاسبة والجزاء حقوق الناس مبنية على المقاصة وعلى الاستقصاء لا يترك منها شيء، كما جاء عن عائشة أن الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً. فأما ما لا يغفره الله فالشرك إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فأي مشرك فإن الله لا يغفر له، كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك.

    وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وهو حقوق الناس بعضهم مع بعض، لا يترك منها شيء، فلابد أن تقتص، ولابد أن تستقصى، فكل حق لإنسان لابد أن يؤدى يوم القيامة، وتأديته بالحسنات والسيئات، يؤخذ من حسنات الظالم ويعطى المظلوم حتى يستقصي، فإن انتهت حسناته أخذ من سيئات المظلوم ووضعت على الظالم حتى يقضى حقه، لا يوجد خلاص أبداً، ثم يشدد عليه العذاب، نسأل الله العافية.

    أما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فهو ما كان بين العبد وبين ربه، فهذا سبيله المغفرة، فإذا شاء ربنا جل وعلا غفر له.

    1.   

    شرح حديث (رضا الرب في رضا الوالدين)

    قال الشارح رحمه الله: [ وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين)، وعن أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) رواه أبو داود وابن ماجة ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً ]

    معنى قوله: (الصلاة عليهما) الدعاء لهما. فإن الدعاء ينفع، وقول الله جل وعلا: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39] لا ينافي ذلك؛ لأن الولد من سعي الإنسان، وفي صحيح مسلم : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية -يعني: الوقف الذي يوقفه الإنسان، فيجعل له وقف -بعده- أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، أما غير ذلك فينتهي عمله إلا من هذه الثلاث.

    فدعوة الولد للوالد من بر الولد بوالديه، يدعو لهما مطلقاً، سواء أكان في صلواته أم في غيرها، وكونه ينفذ عهدهما يعني الوصايا التي أوصى بها والداه ينفذها ولا يتساهل فيها فإن هذا من بره، وهذا معلوم أنه مقيد بالشرع، وكذلك صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما يصلها فيكون بمنزلتهما، وهذا من برهما، وكذلك صلة صديقهما إذا كان لهما صديق فيكرمه كما كان الوالد يحب ذلك، فهذا من تمام البر بعد ذهاب الوالدين وموتهما.

    وينبغي للإنسان ألا يتساهل بهذا فإن فيه فضلاً وأجراً، وهو من تمام البر.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009552788

    عدد مرات الحفظ

    721726838