إسلام ويب

شرح العقيدة الواسطية [29]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل السنة والجماعة يحبون جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويترضون عنهم؛ لأن الله قد رضي عنهم، ويكفون عما شجر بينهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، وينشرون فضائلهم، ولا يروون مثالبهم، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لأهل الفضل والسبق منهم فضله وسابقته.

    1.   

    الكلام على الخلفاء الراشدين وخلافتهم وبعض من شهد له الرسول بالجنة

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة: [ وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.

    ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة.

    ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ، ويثلثون بـعثمان ، ويربعون بـعلي رضي الله عنهم كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة.

    مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما -بعد اتفاقهما على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا، وربعوا بـعلي ، وقدم قوم علياً ، وقوم توقفوا.

    لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي ، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي ضللوا فيها مسألة الخلافة؛ وذلك لأنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.

    ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).

    ويتولون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام).

    ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ]

    سبق أن من أصول أهل السنة سلامة ألسنتهم وقلوبهم من الطعن في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتقدون أنهم أفضل الأمة؛ لأنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقوا الإيمان والعلم عنه صلى الله عليه وسلم، وتربوا على يديه صلوات الله وسلامه عليه، فكانت لهم الميزة عن غيرهم لمناصرتهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومصاحبتهم له، وتلقيهم عنه.

    وهذا مما خص الله جل وعلا به أهل السنة، وهذا ليس عن رأي رأوه أو مذهب تمذهبوا به من عند أنفسهم، أو على مستوى عقول أو أقيسة، وإنما ذلك اتباع لكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله جل وعلا في وصف المؤمنين: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] يعني أن الذين جاءوا بعد الصحابة يجب أن تكون صفتهم هذه: أنهم يستغفرون للصحابة ويتولونهم، ويسألون الله جل وعلا ألا يكون في قلوبهم غل لهم وحقد عليهم؛ لأن هذه صفة غير المؤمنين، بل صفة الذين يكونون خارجين من الإيمان، كما قال الله جل وعلا: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29]، ولهذا قال الإمام مالك وغيره من السلف: كل من غاظه شأن الصحابة فهو ليس من المؤمنين.

    وكذلك النصوص التي جاءت في كتاب الله في الثناء عليهم بقوله جل وعلا: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] إلى آخر الآية، وقوله جل وعلا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] إلى آخر الآية، في آيات كثيرة.

    وكذلك في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يذكر فضلهم ويحذر من الكلام فيهم، بل صار في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه يكرر ذلك، ويقول: (الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً، فإن من أحبهم فإنما أحبهم بحبي، ومن أبغضهم فإنما أبغضهم ببغضي)، وغير ذلك مما يذكره صلى الله عليه وسلم.

    كذلك مما ينوه بفضلهم قوله صلى الله عليه وسلم: (خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فجعل خير الناس وخير الأمة هم صحابته صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا كل من تكلم فيهم بمسبة أو لعن أو تحقير لشأنهم فإنه يكون خارجاً عن سبيل المؤمنين، والله يوليه ما تولى، ومن تولى غير سبيل المؤمنين فقد توعده الله جل وعلا بأن يصليه جهنم.

    أقسام الأخبار التي جاءت في خلاف الصحابة فيما بينهم

    ومن طريقة أهل السنة والجماعة: أنهم يتميزون عن غيرهم من أهل البدع والضلال وأهل الانحراف، في موقفهم مما حدث بين صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن الفتن التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقولون الأمور التي جرت بين الصحابة ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: رواه أهل الكذب مثل أبو مخنف ، ومثل الكلبي وأمثالهم الذين يذكرون الأخبار ويزيدون فيها، وهذا لا يجوز تصديقه، لأن رواته كذبة عرفوا بالكذب.

    القسم الثاني: مزيد فيه عن الواقع أو منقوص منه، وهذا يجب أن يمحص وينظر فيه على أصول أهل السنة، فما كان فيه من زيادة فتنفى، وما كان فيه من نقص فإنه يثبت النقص حتى يأتي على وجهه.

    القسم الثالث: الثابت عنهم، ولهم فيه أعذار، وهم مجتهدون فيه، فهم لا يخلون إما أن يكونوا لهم فيه أجران لأنهم أصابوا، أو أن لهم أجراً واحداً على اجتهادهم وخطؤهم مغفور.

    هذا هو قول أهل السنة، ولا يطلقون ألسنتهم فيهم، بل يكرهون الخوض في ذلك أشد الكراهة، ويقولون: لا يجوز أن يخاض في الأمور التي جرت؛ لأنها لا تخلو من هذه الأشياء، وأكثر الناس لا يميز بين الحق والباطل، فإذا قرأها لا يكاد يسلم من الإحن ومن الحقد ومن الأمور الباطلة؛ لأن هذه أوجدها أعداء الله، ولهذا يقول الإمام أبو زرعة : إذا رأيت الإنسان يقع في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الله حق، وكتابه حق، والرسول حق، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالكتاب وجاء بالوحي فتلقاه عنه صحابته، فهم الذين بلغوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والطاعن فيهم يريد أن يطعن في الإسلام، فيطعن فيهم لأنهم هم الواسطة بين الأمة وبين نبيهم صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يُحذر ويُعلم ذلك.

    فضل أهل بدر وبيعة الرضوان

    ثم مع هذا أهل السنة يرون أن الصحابة يتفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض، فأهل بدر أفضل ممن لم يشهدها، وكذلك أهل بيعة الرضوان؛ لأن النصوص جاءت فيهم، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل)، وصاحب الجمل الأحمر هو الجد بن قيس الذي اختفى عن البيعة، وكان منافقاً معروفاً، وعمر رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم حينما بعث حاطب بن أبي بلتعة بالكتاب إلى قريش يُعْلِمهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال له: دعني أضرب عنقه؛ فإنه منافق، فنظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (وما يدريك؟ إنه شهد بدراً، وإن الله جل وعلا قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وقال غلام له: إن حاطباً سيدخل النار. قال: (كلا؛ إنه قد شهد بدراً وبايع تحت الشجرة).

    والله جل وعلا يقول: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10]إلى أن قال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10]، يعني: كل الصحابة وعدهم الله جل وعلا الحسنى، والحسنى هي الجنة، ولهذا قال الإمام ابن حزم رحمه الله: هذه الآية تدل على أن الصحابة كلهم في الجنة، لأنه جل وعلا قال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10]، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

    ومع هذه النصوص وأضعافها كثير جداً إلا أن أهل السنة لا يشهدون لمعين بأنه من أهل الجنة إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالعشرة الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، وهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي، والزبير بن العوام ، وطلحة ، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد ، وأبو عبيدة .

    وكذلك ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة عبد الله بن سلام ، وكذلك الحسن ، والحسين ، وكذلك ثابت بن قيس بن شماس ، وكذلك عكاشة بن محصن فإنه ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قام فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم)، فهذه شهادة له بأنه من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وكذلك غيرهم ممن ثبت به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما ما عدا ذلك فإن أهل السنة يرجون للمؤمنين الجنة، ويخافون على الفاسقين من المؤمنين أن يدخلوا النار، ولا يشهدون لأحد أنه من أهل الجنة، ولا بأن هذا الشخص بعينه من أهل النار، من مجرد أنه عمل معاصي أو أنه مات عليها، إلا أن يكون قد مات مشركاً أو مات كافراً، فإن من مات مشركاً أو كافراً فإنه مقطوع قطعاً لأخبار الله جل وعلا وأخبار رسوله بأنه من أهل النار.

    وأهل بدر كان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر، وأما أهل الحديبية فكانوا ألفاً وأربعمائة أو ألفاً وخمسمائة؛ يزيدون عن الأربعمائة وينقصون عن الخمسمائة.

    وقوله جل وعلا: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10]، يرى أهل السنة أن الفتح هو غزوة الحديبية، وفيها نزلت سورة الفتح: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، وهذا هو قول الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان ابن كثير يقول: إن الجمهور يرون أن الفتح هو فتح مكة، ولاشك أن فتح مكة فتح عظيم، لكن الفتح الذي ذكر في هذه الآية: مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10] هو غزوة الحديبية وليس فتح مكة، وهذا أمر ظاهر وواضح من الأدلة.

    فضل أبي بكر رضي الله عنه

    قوله: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ) رضي الله عنه)، هذا ذكره لأن علي بن أبي طالب اُتخذ ذريعة يُرمى من خلفه صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم بكل باطل، بل بالكفر والضلال، فذكر أنه ثبت عنه من أكثر من ثمانين وجهاً بعضها في الصحيحين وبعضها في كتب العلماء من المسانيد والسنن -أنه قال: (خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر )، وفي بعضها: (ولو شئت لقلت الثالث، فقيل له: أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين). هذا ثابت عنه رضي الله عنه.

    وهناك نصوص كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما: أن أبا بكر هو أفضل الأمة، وهو أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا ثبت من طرق متعددة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن الله اتخذني خليلاً).

    وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أنه سأل رسول صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة . فقال: من الرجال؟ قال: أبوها)، والأحاديث في تفضيل أبي بكر وتقديمه كثيرة جداً، والله جل وعلا ذكر في كتابه أنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة:40]، فهو صاحبه في الغار، وصاحبه في الهجرة، وصاحبه الذي لازمه منذ آمن به إلى أن فارق الدنيا، وكثيراً ما كان يقول صلى الله عليه وسلم: خرجت أنا وأبو بكر وعمر ، وأتيت أنا وأبو بكر وعمر ، وفعلت كذا أنا وأبو بكر وعمر .

    وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه، فقال: (إن رجلاً كان يسوق بقرة، وبينما هو كذلك إذ ركبها، فالتفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، وإنما خلقنا للحرث. فقالوا: سبحان الله! بقرة تتكلم؟! فقال صلى الله عليه وسلم: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر)، ولم يكن أبو بكر وعمر عنده يومئذٍ.

    ومرة كان يحدث صلى الله عليه وسلم فقال في حديثه: (بينما رجل كان مع غنمه إذ عدا عليه ذئب فأخذ شاة، فافتكها منه راعي الغنم، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال: من لها يوم لا يكون لها راعٍ إلا أنا؟! فقالوا: سبحان الله! ذئب يتكلم؟! قال: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر، ولم يكن أبو بكر وعمر يومئذٍ في المجلس)، في أشياء كثيرة تدل على أن أبا بكر هو أفضل الصحابة، وكذلك يليه عمر في الفضل.

    يقول أنس رضي الله عنه كما في البخاري : (إن أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر )، لهذا يقول السمعاني رحمه الله: أجمع من يُعتد بإجماعه من الأئمة أن أعلم الصحابة أبو بكر ثم عمر . فهو أفضلهم وأعلمهم، وهو أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا جاء في أحاديث كثيرة ثابتة.

    أما الخلافة فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا شيء خاص به، أي: كونه خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا كانت مدته شبيهة بمدة النبوة في زمن النبوة، ولم يقع فيها أي اختلاف وأي إشكال سوى الردة، ولما توفي بعدما أمضى سنتين خليفة وأوصى إلى عمر رضي الله عنه تغير الاسم، فقيل: عمر أمير المؤمنين؛ لأنه لما قيل له: خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال هذا شيء طويل، ولكن قولوا: أمير المؤمنين.

    فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    ثم يليه في الفضل عمر رضي الله عنه، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (الفاروق )؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، وقد جاء في المسند وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر)، وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إنه كان فيمن كان قبلكم محدثون، وإن يكن في أمتي فمنهم عمر).

    وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما سلك عمر طريقاً إلا سلك الشيطان طريقاً غيره)، أي: أن الشيطان كان يفر من عمر رضي الله عنه.

    وهو الخليفة بعد أبي بكر وبقي في الخلافة عشر سنوات، ثم قتل وهو يصلي، طعنه مجوسي يقال له: أبو لؤلؤة من الحاقدين على الإسلام الذين يتربصون به ويريدون أن يوقفوا مدده، ولكن الأمر ليس في قتل عظماء الإسلام؛ لأن الإسلام دين الله جل وعلا هو يتولى نصره ويتولى نشره في الأرض، فلم يصنعوا شيئاً.

    فضل عثمان رضي الله عنه

    قوله: (ويثلثون بـعثمان رضي الله عنه) أي: في الخلافة والفضل، ففضلهم على ترتيب خلافتهم، وذلك أن خلافة عثمان رضي الله عنه كانت باتفاق الصحابة، فقد بقوا يتشاورون وقتاً حتى أجمعوا على عثمان رضي الله عنه؛ ولهذا يقول أيوب السختياني والإمام أحمد والدارقطني وغيرهم، يقولون: (من لم يثلث بـعثمان رضي الله عنه في الخلافة والفضل فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار).

    أزرى، أي: احتقرهم وانتقصهم ولم ير لهم رأياً، وذلك لأن هذا وقع بإجماع المهاجرين والأنصار، فهم أجمعوا على أن يكون هو الخليفة، وله فضائل كثيرة.

    فضل علي رضي الله عنه، والخلاف في المفاضلة بين علي وعثمان رضي الله عنهما

    قوله: (ويربعون بـعلي رضي الله عنه) أي: في الخلافة والفضل.

    ثم إنه ذكر أن مسألة التفضيل بين علي وعثمان مسألة وقع فيها خلاف بين أهل السنة، فمنهم من فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عثمان ، ولكن تقرر الأمر فيما بعد على أن عثمان هو أفضل.

    الخلافة الراشدة وحكم الخلاف في ترتيبها

    وأما الخلافة فليس فيها خلاف أن خلافة الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، وأنها هي خلافة النبوة؛ لما جاء في المسند والسنن وغيرها، من حديث سفينة مولى رسول الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً)، والثلاثون السنة تنتهي بانتهاء خلافة علي رضي الله عنه؛ لأن خلافة أبي بكر سنتان، وعمر عشر، وعثمان رضي الله عنه اثنتا عشرة سنة، ثم علي أربع سنوات، ويبقى من الثلاثين قليل كملت بخلافة الحسن بن علي ستة أشهر، ثم بعد ذلك صارت ملكاً، فهذه هي المذكورة في حديث العرباض بن سارية حينما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، فالخلفاء الراشدون هم هؤلاء بنص أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه عقيدة أهل الحق الذين يتبعون الكتاب والسنة، ومن خالف ذلك فهو من أهل الزيغ والضلال.

    وقوله: (إن التفضيل ليس من الأصول التي يضلل بها)، يعني: التفضيل بين الخليفتين علي رضي الله عنه وعثمان ؛ لأن فيها نصوصاً، ومن قدم واحداً منهما على الآخر يستدل بنصوص من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه رأي مرجوح؛ والراجح خلافه، وفرق بين الشيء الذي يكون مرجوحاً ويكون ضعيفاً، وبين الشيء الذي يضلل به الإنسان إذا سلكه، ويكون ضالاً من أهل الضلال، فالذي يكون به التضليل هو مسألة الخلافة، فالذي يقول مثلاً: إن الصحابة اغتصبوا الخلافة من علي ، وكتموا وتمالئوا على الكذب والكتمان، بل وكفروا فلم يبق منهم إلا قليل، فهناك فرق بين من يقول هذا ومن يقول بالتفضيل.

    ثم الذي يقول هذا ليس له أي معتمد، بل يقابله قوم آخرون مثل طائفة يقال لها الراوندية تزعم أن الخليفة هو العباس بن عبد المطلب ، وأنه هو الوصي، وقولهم مثل قول الذين يقولون: إن الوصي هو علي بن أبي طالب، وكلها دعاوى، والدعوى لا تعجز أحداً.

    أما إذا كان هناك نصوص يعتمدون عليها فهي مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنها محرفة وموضوعة، وليس هناك شيء، وإنما هي دعوى، وقد يُؤتى بشيء يُلبس به تلبيس مع أن الأمر في ذلك واضح وجلي.

    والرسول صلى الله عليه وسلم بقي مريضاً وقتاً وهو يأمر أن يصلي بالناس أبو بكر رضي الله عنه، ولما اعترض من اعترض غضب صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ لأن عائشة رضي الله عنها كرهت أن يكون أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها قالت: لا يقوم رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يتذكر الناس مقام الرسول صلى الله عليه وسلم فيكرهون هذا الرجل الذي قام مقامه؛ لأنه لا أحد يصل إلى مرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم في قلوب الناس.

    فكانت تقول له: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل رقيق كثير البكاء؛ إذا قرأ لا يُسمِع الناس من البكاء، لو أمرت غيره أن يصلي بالناس، ثم ذهبت إلى حفصة وقالت لها: قولي له هذا القول لعله يأمر غيره، فلما قالت له ذلك قال: (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وكان يتأكد من ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ائتوني بكتاب؛ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبدا). فاختلفوا عنده، فمنهم من قال: نأتي بالكتاب، ومنهم من قال: إنه مريض ويخشى أن يكون كلامه هذا ليس كلاماً في تمام عقله وصحته، فلما اختلفوا قال: (قوموا عني، فما أنا فيه خير مما أنتم فيه، ثم بعد ذلك قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم لئلا يقول قائل أو يتمنى متمنٍ، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)، فرأى أن ترك الكتابة أولى وأحسن فتركها، وإلا لو أراد أن يكتب فلا أحد يحول بينه وبين كتابته صلوات الله وسلامه عليه.

    وهذا الكتاب لما جاء هكذا مبهماً قال أهل الباطل: إنه كان يريد أن يكتب وصية لـعلي بن أبي طالب ، ولكن عمر حال بينه وبين ذلك، وهذا من الافتراء، فإنه ثبت في بعض الطرق في الصحيح، أنه قال لـعائشة : (ادعي لي أباك وأخاك، وائتوني بكتاب أكتب له حتى لا يقول قائل ولا يتمنى متمنٍ)، ولكن تبين له أن ترك الكتابة أولى فتركها.

    وكذلك ثبت أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: (ائتيني يوم كذا -يعني فيما بعد-، فقالت: أرأيت إن لم أجدك؟ -كأنها تقول: أرأيت إن متّ؟- فقال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر).

    وثبت في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا -وهي وحي- فقال: (كنت على بئر فاستقيت منها ما شاء الله أن أستقي، فجاء أبو بكر ليعقبني فنزع ذنوباً أو ذنوبين، وكان في نزعه ضعف والله يغفر له)، والذنوب والذنوبان عبارة عن المدة، فإنه بقي بعده سنتان فقط، قال: (ثم جاء عمر وتحولت الدلو غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فريه، حتى ضرب الناس -روى الناس- بعطن)، وغير ذلك كثير من النصوص، ولهذا قال بعض أهل السنة: إن خلافة أبي بكر بالنص، ولكنها ليست بالنص الجلي وإنما هي بالنص الخفي، والصواب أنها جاءت الإشارة إليها في أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن خلافته صارت بمبايعة الصحابة له.

    وقوله: (وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله)؛ أي: للنصوص التي ذكرنا بعضها، وهذا باتفاق أهل السنة خلاف أهل البدع.

    مكانة أهل البيت عند أهل السنة والجماعة

    قوله: (ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي.

    أهل بيته هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم آل عقيل، وآل العباس، وآل علي، وآل الحارث بن عبد المطلب، وكذلك أزواجه صلوات الله وسلامه عليه من أهل بيته، وكذلك بناته، وذريتهم إلى يوم القيامة.

    وأهل السنة يحبونهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحفظون فيهم وصيته، ويتولون المؤمنين منهم، أما الكافرون فليسوا له بأولياء كما نص هو صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله جل وعلا والمؤمنون) أي: الذين يتبعون سنته ويقتفون أثره، وآل فلان الذين ذكرهم هم من أقاربه صلوات الله وسلامه عليه.

    ومعلوم أن الله جل وعلا أوجب الإيمان على كل عبد، وإذا لم يؤمن فليس بينه وبين الله صلة، حتى ولو كان ابن نبي، فإذا كان كافراً فهو من أهل النار، والله جل وعلا يقول لنوح عليه السلام في ولده: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] فولده الذي هو من صلبه ليس من أهله، وأخبر جل وعلا أن امرأة نوح وامرأة لوط في النار، وأن نوحاً ولوطاً لم يغنيا عنهما من الله شيئاً، فالصلة التي بين العباد وبين الله جل وعلا هي الإيمان، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأهل بيته الذين يُتولون هم المؤمنون الذين آمنوا بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، ويجب أن يُحبوا بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك يجب أن يُعرف قرابتهم، ويُعرف لهم قدرهم، وتحفظ فيهم وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ويميزوا عن الناس بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحب والتولي، كذلك أزواجه صلى الله عليه وسلم، ويدل على هذا الحديث الذي ذكره هنا، وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم ، وغديرخم: موضع قرب الجحفة، وخم: غيضة أشجار مجتمعة أضيف الغدير إليها، والغدير: هو الماء الذي يتجمع في منخفض في الوادي من السيل، وهذا القول كان بعد رجوعه من حجة الوداع، وكان في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، فإنه خطب الصحابة رضوان الله عليهم، وقال لهم: (إنه يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله -فحث على كتاب الله وأمر بالالتزام به- ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي)، يعني: أنه أوصى بأن يُحفظ لهم حقهم.

    وفي رواية ثبتت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال في هذا اليوم: (إن عبداً خيره الله جل وعلا بين ما عنده وبين أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عند الله) فبكى أبو بكر ، فعجب الصحابة لبكائه وقالوا: ما لهذا الشيخ؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر عن عبد خيره الله جل وعلا بين ما عنده أو أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عنده فصار يبكي، يقول: فتبين أن العبد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبين أن أبا بكر هو أعلم الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يخبر عن قرب أجله، وهذا معنى قوله: (يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب) يعني: ملك الموت الذي يقبض الروح، ثم بقي بعد ذلك قرابة ثلاثة أشهر وتوفاه الله جل وعلا.

    قوله: (وقال للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم)، والجفاء هو: إظهار الخشونة وعدم التلطف، وعدم إظهار المحبة والمودة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (والله! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، أي: لمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وعم الرجل هو صنو أبيه، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول له: (والله! لإسلامك أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وذلك أن إسلامك أحب إلى رسول صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب ) يعني: والده.

    فمحبتهم من الإيمان، لأنها من محبة ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولأن الله جل وعلا اصطفى بني هاشم من قريش، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، والاصطفاء هو: الاختيار، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)، فهو صفوة بعد صفوة بعد صفوة، ولكن أهل بيته وقرابته لهم حق القرابة، وحق المحبة، وحق التولي زيادة على تولي المسلمين لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مكانة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن عند أهل السنة والجماعة

    وكذلك أهل السنة يتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلمون أنهن زوجاته في الجنة كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم، وقد أخبره الله جل وعلا بهذا، فهن أمهات المؤمنين من جهة تحريم النكاح، ومن جهة وجوب الطاعة والتولي والمحبة، لا من جهة القرابة، أو جهة الإرث، أو جواز النظر، أو جواز الخلوة؛ فإنه لا يجوز شيء من ذلك، وإنما هن أمهات المؤمنين؛ لأنهن يحرمن على جميع المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نص الله جل وعلا على ذلك، ولأنهن يجب برهن ومودتهن وطاعتهن في طاعة الله جل وعلا.

    وهن زوجاته صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وقد توفي صلى الله عليه وسلم عن تسع زوجات، وأفضلهن خديجة رضي الله عنها وعائشة .

    الخلاف في التفضيل بين خديجة وعائشة وذكر بعض فضائلهن

    أهل السنة يختلفون أيهما أفضل خديجة أو عائشة ؟ والله أعلم بأفضلهن، ولكن قد جاء لكل واحدة منهما خصائص ليست للأخرى، وجاء لكل واحدة منهن فضائل ليست للأخرى.

    فمن خصائص خديجة : كونها أول زوجة تزوجها صلى الله عليه وسلم، وقد تزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وكانت تزيد عليه في العمر بخمس عشرة سنة، وكل أولاده كانوا منها ما عدا إبراهيم ، وكانت تناصره وتساعده وتواسيه، وكلما اشتد عليه أمر يأت إليها فتواسيه وتسليه، وتقول له: (والله! لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتعمل كذا وتعمل كذا) فتذكر من محاسنه وتشجعه وتسليه، وكذلك كانت تساعده في الدعوة بمالها وبنفسها، وكان يحبها صلى الله عليه وسلم كثيراً، حتى إن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ولم أدركها، ولكن من كثرة ما يذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا ذبح ذبيحة أهدى إلى صواحبها ما يكفيهن.

    وبعث إليها رب العالمين السلام مع جبريل، فقال جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم: (هذه خديجة قد جاءتك على يدها إناء، فإذا جاءتك فأقرئها من الله السلام)، وهذا شيء من خصائصها لم يشاركها فيه غيرها.

    أما عائشة رضي الله عنها فهي الصديقة بنت الصديق ، وهي أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم : (أنه لما سئل: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة) والرسول صلى الله عليه وسلم لا يداري أحداً، ولا يخشى إلا الله، ولا يكتم شيئاً، فلهذا لما سئل عن ذلك قال: (أحب الناس إلي عائشة ، قيل له: ومن الرجال؟ قال: أبوها).

    ومن خصائصها: كثرة ما تلقته عن الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم، وما نشرته من الفقه والأحاديث التي سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من المكثرين من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن خصائصها: أن الوحي كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متلحف معها في لحافها.

    ومن خصائصها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي في يومها وهي محتضنة له، فمات صلوات الله وسلامه عليه بين سحرها ونحرها.

    ومن خصائصها: أن الله جل وعلا طهرها وذكر براءتها مما رميت به بالوحي الذي أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصبح وحياً يتلى إلى يوم القيامة، ولهذا يقول العلماء: من رماها بشيء من ذلك فإنه يجب قتله وهو كافر بالله جل وعلا؛ لأنه مكذب لكتاب الله جل وعلا.

    وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، والثريد: هو الخبز إذا أدم باللحم، وهذا هو أفضل الطعام.

    موقف أهل السنة من الرافضة

    قوله: (ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم).

    يعني: أن أهل السنة مذهبهم البراءة ممن يبغض الصحابة ويسبهم، والبراءة معناها: البغض وإظهار العداوة، فأهل السنة يبغضونهم، ويظهرون العداوة لهم، ويتبرءون منهم.

    وقد اختلف العلماء في حكم سب الصحابة، فمنهم من يرى أن سبهم كبيرة من كبائر الذنوب، وأما لعنهم فهو كفر بالله جل وعلا، ومعلوم أن هذا مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو على كل حال ضلال، ومن فعله فهو ضال.

    وتقابل طريقة الرافضة طريقة النواصب، والنواصب: جمع ناصب، وهو: من نصب العداء لأهل البيت، والنواصب يقصد بهم المروانية، وهذه فرقة سياسية كانت تدافع وتكافح لوجود الرئاسات والملك، وانقرضت وانتهت ولا وجود لها.

    ومن النواصب الخوارج؛ لأنهم يعادون أهل البيت وبعض الصحابة.

    1.   

    الأسئلة

    حال حديث: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ)

    السؤال: فضيلة الشيخ: ذكر أن أفضل الأمة وأعلمها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكيف نجمع بين ذلك وبين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ

    الجواب: الحديث ليس بصحيح.

    مارية القبطية رضي الله عنها من أمهات المؤمنين

    السؤال: هل مارية القبطية من أمهات المؤمنين؟

    الجواب: نعم؛ لأنها كانت سرية تسراها صلى الله عليه وسلم ولم يكن يقسم لها، وإنما كان يقسم لنسائه.

    المقصود بإجماع العشرة

    السؤال: إذا قيل: إجماع العشرة، فهل يقصد به العشرة المبشرون بالجنة؟

    الجواب: هذا يختلف باختلاف أصحاب الكتب الذين لهم اصطلاحات؛ لأن كل صاحب كتاب له اصطلاح، فإذا ذكر أنه يقصد كذا فيذكر اصطلاحه، وهذا ليس من الأمور العامة.

    حال حديث: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان...)

    السؤال: هل ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان، لو لم أدرك النبوة لأدركها أبو بكر

    الجواب: لم يرد، الوارد كما في المسند وغيره: (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر).

    فضل الصحبة لا يمكن لأحد إدراكه بعد الصحابة

    السؤال: هل أجمعت الأمة على أن من صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم ولو مدة يسيرة، هو أفضل ممن يأتي بعدهم من التابعين والعلماء إلى قيام الساعة؟

    الجواب: نعم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يدرك فضل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة أدركوا هذا الفضل، الصحبة تطلق على الرجل إذا لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ولو ساعة، فكل من لقيه مؤمناً به ومات على ذلك فهو أفضل ممن يأتي بعده، هذا في الجملة.

    الحسن بن علي رضي الله عنهما من الخلفاء الراشدين

    السؤال: هل الحسن بن علي يعتبر من الخلفاء الراشدين لأنه كمل الثلاثين؟

    الجواب: نعم، وهذا ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (ابني هذا سيد، وسيصلح الله جل وعلا به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، وفي رواية: (لعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، وكلمة (لعل) في كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يقول العلماء: إنها للوجوب، وإنها تقع، وليست للتعليل أو الترجي.

    زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة

    السؤال: ذكر بأن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا هن زوجاته في الآخرة، فهل للرسول صلى الله عليه وسلم زوجات من الحور العين؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق لا يسأل عما له، فإن هذا شيء لا يدرك.

    قبول صلاة من صلى أمام الإمام

    السؤال: من صلى أمام الإمام هل تقبل صلاته؟

    الجواب: القبول عند الله ولا أحد يعرف هل صلاته قبلت أو ما قبلت، وإنما الإنسان إذا جاء بالعبادة بشروطها وبأركانها فيرجو أن الله يقبل ذلك منه، ويخاف أن الله يردها، فيجب أن يكون بين الخوف والرجاء دائماً، أما أنه يجزم بأنها قبلت صلاته فهذا لا يمكن إلا بوحي يوحيه الله جل وعلا.

    حكم خلع لباس الإحرام قبل التقصير أو الحلق

    السؤال: رجل اعتمر ولم يقصر إلا بعد أن خلع لباس الإحرام وارتدى ثيابه المخيطة فما حكم ذلك؟

    الجواب: هو أخل بذلك، ولكن ما دام أنه قد قصر فيكفيه هذا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010291776

    عدد مرات الحفظ

    721912248