إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه

الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منهللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يغفل كثير من الناس أن مسائل الاتفاق في الفقه الإسلامي أكثر من مسائل الاختلاف، وسبب ذلك أن الأمر المألوف لا يلفت النظر بخلاف غيره، وللخلاف العلمي الشرعي بين العلماء أسباب عدة معظمها أسباب طبيعية لا تستلزم إنكاراً أو انتقاصاً من حق العالم، فالحذر الحذر من اتخاذ الخلاف بين العلماء وتعدد الأقوال ذريعة لأن يأخذ الإنسان منها ما يوافق هواه أو يدعي دعوى الاجتهاد والتجديد ويأتي بأقوال جديدة مستحدثة، فطالب العلم حقه الترجيح، والعامي حقه السؤال والتقليد.

    1.   

    مسائل الاجتماع بين المسلمين أكثر من مسائل الخلاف

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فإن مثل هذا اللقاء الطيب، من المجالس التي نعتقد ونظن -إن شاء الله تعالى- أنها تغشاها الرحمة وتنـزل عليها السكينة، وتحفها الملائكة، ويذكرها الله تعالى فيمن عنده.

    إنها واحات إيمانية، ورياض علمية في وسط هذه الصحراء الملتهبة؛ إنها صحراء وإن كانت أرضها خضراء، إلا أنها هجير؛ وذلك بسبب فقدان الروح الإيمانية والخلق والسلوك الإيماني عند أهلها.. ولذلك فإنني أقول: إن مثل هذه المجالس هي واحات خضراء مورقة في وسط هذا الهجير القاتم، فكم هي نعمة الله تعالى علينا وعليكم عظيمة؛ أن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى هذه المجالس الطيبة، التي إن احتسب الإنسان سعيه ومجيئه وجلوسه فيها؛ فهو يتقلب في الأجر والثواب وكأنه في روضة من رياض الجنة.

    إنني أعبر لكم عن شعوري وشعور إخواني وزملائي، بالود والمحبة الخالصة الشخصية لكم جميعاً؛ فإن هذا الحب هو الذي ربط الله تعالى به بين قلوبنا؛ فأصبح الواحد منا يهش للقاء أخيه ويفرح، وإن كان لا يعرف اسمه ولا يذكر أنه التقى به من قبل، لكن تكفي علامات الإيمان وشعارات الإسلام؛ لتحريك القلوب وإحياء المودة، فجزى الله القائمين على هذا المؤتمر خيراً على صنيعهم ومسعاهم.

    أنواع الخلاف بين أهل السنة

    ولعلني أعمل تحويراً بسيطاً في عنوان هذه المحاضرة وموضوعها، فقد رأيت أن من المصلحة أن أتحدث عن الخلاف بشكل عام، وليس فقط عن الخلاف بين العلماء كما هو المقرر والمطلوب أصلاً، سواء في ذلك الخلاف العلمي أو الخلاف العملي.

    فالخلاف العلمي أقصد به: الخلاف في قضية علمية في مسائل الفقه مثلاً أو الأصول أو غيرها.

    وأما الخلاف العملي: فهو التنازع بين المسلمين في واقع حياتهم، في مسعاهم وطريقهم في الدعوة إلى الله جل وعلا.

    ولست أعني -أيضاً- الخلاف الجوهري، فإننا يجب أن نقول بوضوح: إن هناك طوائف وفئات وإن كانت تنسب إلى هذا الدين وتدعي أنها تمت إليه بسبب، إلا أن الخلاف بيننا وبينهم عبارة عن هوة واسعة، لا يمكن أن تعبر ولا أن يقام عليها معبر، إلا أن يعودوا إلى الحق الذي فارقوه وخالفوه، فنحن نقول لهم: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] نقول لهم هذا وإن انتسبوا بطريقة أو بأخرى إلى الإسلام؛ فإن مجرد النسبة لا تكفي، وكما قيل: "والدعاوي إن لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء".

    لكنني أتحدث عن الخلاف داخل إطار أهل السنة والجماعة، أهل السنة الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الظاهر والباطن، في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم، علماً وعملاً وعبادةً وسلوكاً.

    فداخل هذا الإطار العام الذي يشمل أهل السنة والجماعة يأتي مثل هذا الكلام.

    1.   

    الخلاف العلمي

    وأبدأ بالجانب الأول من الخلاف، وهو الخلاف العلمي: أي الخلاف في بعض القضايا العلمية، كالاختلاف -مثلاً- في قضية فقهية أو أصولية، أو في تفسير آية أو حديث أو ما أشبه ذلك.

    وهذا الخلاف -أولاً- لابد من تحديد حجمه أي إلى حد يوجد هذا الخلاف بين العلماء في القضايا الشرعية؟

    الناس في هذا بين مُفْرِط ومُفَرِّط، من الناس من يفتر فمه عن ابتسامة صفراء إذا جاء ذكر الأقوال؛ ويقول: كل شيء فيه خلاف.

    وهذا لا شك أنه كلام يدل على أن فيه تسرعاً وعدم دقة؛ لأننا نعلم أن هناك ألوفاً، بل ربما عشرات الألوف من المسائل ليس فيها خلاف، إنما لأنه ليس فيها خلاف لا تثار.

    فمثلاً: كون صلاة المغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً، وصلاة الفجر ركعتين هذه الأمور صارت طبيعية؛ لأنه لا خلاف فيها. كون صلاة المغرب -مثلاً- لا تقصر في السفر وكذلك صلاة الفجر؛ بل تصلى تامة، هذا ليس فيه خلاف؛ ولذلك يكون طبيعياً ولا يلتفت إليه إنسان.

    ليس كل مسألة فيها خلاف

    فقضايا الإجماع كثيرة جداً، حتى صنف فيها العلماء، ولعلكم تعرفون كتاب الإجماع لـابن المنذر وغيره من كتبه الأخرى، التي كان يحكي فيها إجماع العلماء.

    ومثله كلام الحافظ ابن عبد البر والنووي وغيرهم من أهل العلم الذين يذكرون إجماع العلماء في مسائل معلومة.

    إذاً ليس صحيحاً أن كل مسألة فيها خلاف، بل هناك مسائل كثيرة جداً فيها اتفاق وإجماع، إنما لا تلفت النظر.

    وأضرب لذلك مثلاً واقعياً مادياً: الآن تجد في الشارع عشرات الألوف من السيارات تمشي بانتظام، والأمر في ذلك طبيعيٌ ولا أحد يلتفت إليه، لكن حين يوجد حادث صدام بين سيارتين؛ يلفت الأنظار ويتجمهر حوله الناس، وهكذا الشأن في قضية الاتفاق، فما دام العلماء متفقين على مسألة تمضي الأمور عادية، ولا أحد يلتفت إليها، لكن حين يوجد خلاف يلتفت الناس إلى هذا الأمر، فإذا تكرر ظنوا أن كل شيء فيه خلاف.

    والواقع أن العلماء يوجد بينهم من الاتفاق والإجماع مثلما يوجد بينهم من الاختلاف؛ أقل أو أكثر لا أستطيع أن أحدد نسبة دقيقة، لكن المهم التأكيد على أن العلماء بينهم اتفاق في مسائل كثيرة جداً، كما يوجد بينهم خلاف في مسائل كثيرة جداً.

    أحياناً الخلاف قد يمتد امتداداً طويلاً، حتى أنني أذكر -على سبيل المثال- أن الحافظ ابن حجر في كتاب فتح الباري لما ذكر ليلة القدر وأي ليلة هي، ذكر أن في المسألة نحو خمسين قولاً للعلماء، رغم أن ليالي الشهر الكريم ثلاثين ليلة، لكن الأقوال خمسين قولاً، في تحديد ما هي ليلة القدر.

    ومثلاً حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] ما هي الصلاة الوسطى؟ الصلوات كلها خمس لكن أقوال العلماء في هذه المسألة أكثر من عشرة؛ لأن هناك من يقول الوسطى هي: الفجر، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، وهناك من يقول بعدم التحديد إلى غير ذلك.

    1.   

    أسباب اختلاف العلماء

    كذلك أذكر مسألة: ساعة الإجابة في يوم الجمعة، فيها أقوال كثيرة جداً، تزيد على عشرة، ذكرها ابن القيم في زاد المعاد إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة.

    ولكن يجب أن ننتبه جيداً إلى الأسباب التي تدعو إلى هذا الاختلاف، حتى يكون الأمر طبيعياً، وأستطيع أن أحاول حصر الأسباب التي تؤدي إلى اختلاف العلماء في ستة أسباب:

    عدم بلوغ الدليل

    السبب الأول: هو عدم وصول الدليل إلى بعض العلماء.

    فنحن نعلم أن السنة النبوية -التي هي الشارحة والمفصلة لما أبهم وأجمل في القرآن الكريم- قد لا تصل إلى كل العلماء؛ خاصة في الزمن الماضي؛ بحيث أن العالم الذي يكون في العراق أو في مصر لا يكون اطلاعه على السنة النبوية كالعالم الذي -مثلاً- في الحجاز أو الشام.

    وبالتالي: فإن هذا العالم البعيد الذي لم تصل إليه السنة كلها مضطر إلى أن يجتهد بقدر ما لديه من أدلة، وهذا واجب شرعي عليه، فمن غير المعقول أن يقول: لا أتكلم ولا أحل مشاكل الناس حتى أطلع على الأدلة الشرعية كلها هذا لا يمكن؛ بل هو يجتهد بحسب ما يتوفر لديه من العلم ومن الأدلة.

    بل إن هذا كان موجوداً بين الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم فقد يوجد دليل عند صحابي ويخفى الدليل نفسه على صحابي آخر، ولذلك إذا بلغ به وأخبر به فإنه يرجع إليه، وهذا كثير جداً، حتى كبار الصحابة.

    فمثلاً عمر بن الخطاب رضي الله وأرضاه -والقصة في الصحيحين-: {أن أبا موسى الأشعري جاء يستأذن عليه، فطرق الباب واستأذن على عمر فلم يأذن لـه وسكت، فاستأذن مرة أخرى ثم ثالثة ثم انصرف، وكان عمر رضي الله عنه مشغولاً في بعض شئونه، فلما التفت قال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟

    قالوا: نعم.

    فقال: عليَّ به.

    فقالوا: ذهب.

    ثم جاءوا بـأبي موسى رضي الله عنه إلى عمر.

    فقال له: ألم أسمع صوتك؟

    قال: بلى، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فإن أذن له وإلا فليرجع، فاستأذنت ثلاث مرات فلم يؤذن لي فرجعت.

    فقال لـه عمر: لتأتيني ببينة على ما قلت -أي: قال لـه عمر: أريد أن تأتيني ببينة تؤكد لي ما قلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل سمع هذا الحديث معك أحد؟ وهدده إن لم يأت بالبينة.

    فذهب أبو موسى إلى ملأ من الأنصار وهم جلوس؛ وأخبرهم بالخبر -وكان يظهر عليه شيء من الفزع والخوف.

    فقالوا لـه: لا يقوم معك إلا أصغرنا، وقام معه أبو سعيد الخدري فذهب إلى عمر وأخبره بأنه سمع من الرسول عليه الصلاة والسلام مثلما سمع أبو موسى، أن يستأذن الإنسان ثلاث مرات فإذا أذن له وإلا رجع، ثم جاء أبي بن كعب يعاتب عمر رضي الله عنهم أجمعين، ويقول لـه: يا ابن الخطاب، لا تكن عذاباً على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، لماذا تفزع أبا موسى بتهديده؟ فقال عمر رضي الله عنه: أما إنني ما أردت ذلك، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد}.

    فكان مقصد عمر أن يتعلم ويتربى الناس على التثبت في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينقلوا إلا ما يقتنعون ويطمئنون لصحته ودقة فهمهم لـه، فرجع عمر رضي الله عنه إلى هذه المسألة.

    بل إنك تجد أحياناً جماعة من الصحابة يخفى عليهم حديث، فإذا علموا به قالوا به، كذلك أيضاً في البخاري وغيره، قصة الصحابة لما قدموا إلى الشام فبلغهم أن وباء الطاعون موجود في الشام، فترددوا، هل يدخلون أو لا يدخلون؟ فاستشار عمر رضي الله عنه كبار المهاجرين وكبار الأنصار؛ فأشاروا عليه بأن ندخل -لا نمتنع عن الدخول إلى الشام بسبب الوباء والمرض، ندخل ونتوكل على الله.

    فاستشار مسلمة الفتح، فأشاروا عليه بأن لا ندخل بل نرجع، فتردد عمر حتى جاء عبد الرحمن بن عوف -وكان غائباً في بعض حاجته- فقال: إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون {إذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها، وإذا قدمتم عليه في بلد فلا تدخلوا عليها} فوافقت رواية عبد الرحمن بن عوف الرأي الذي كان يميل إليه عمر رضي الله عنه في عدم توريط المسلمين في الدخول في الشام على الرغم من أن الطاعون كان قد استشرى فيها، فرجعوا.

    ومسائل كثيرة جداً لا أستطيع أن أحصيها؛ لكن أكتفي بأمثلة أن الصحابة رضي الله عنهم كان يخفى على الواحد منهم حديث فإذا سمعه من غيره أخذ به، وكذلك من بعدهم من العلماء، فهذا سبب أنه قد لا يكون الدليل وصل إلى هذا العالم فيقول بخلاف الدليل.

    ولذلك الشافعي رحمه الله: ماذا كان يقول للإمام أحمد، -انظروا إلى جلالة قدر الإمام الشافعي وتواضعه رحمه الله- كان يقول للإمام أحمد: إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا حتى نقول به، وكل الأئمة الأربعة ثبت عنهم أن الواحد منهم يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، كل واحد منهم كان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأحياناً يعلقون المسألة على ورود حديث في هذا الباب.

    نسيان الدليل

    السبب الثاني:

    أن الدليل قد يبلغ العالم لكن ينساه، ومن طبيعة الإنسان أنه قد ينسى أحياناً، ينسى نسياناً مطلقاً، وأحياناً نسياناً مؤقتاً، حتى القرآن قد ينسى الإنسان آية منه أحياناً.

    حتى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم عن أُبي بن كعب مرفوعاً يقول: {رحم الله أبياً كم من آية أذكرنيها كنت أنسيتها}.

    يعني: ينسى الرسول عليه الصلاة والسلام آية فيذكره بها أبي بن كعب، لكن هذا ليس نسياناً مطبقاً مطلقاً، بل ينسى فترة ثم يتذكر.

    إنما -أحياناً- يوجد نسيان كامل للنص، ولذلك علماء الحديث عندهم باب يسمونه: "من حدث ونسي"، وقد صنَّف فيه السيوطي كتاباً سماه "تذكرة المؤتسي فيمن حدث ونسي".

    حتى أن بعضهم يقول: حدثني فلان أنني حدثته بكذا وكذا، فيروي عن فلان؛ لأنه حدثه ثم نسي الحديث، فصار يرويه عنه بالواسطة، يرويه عن نفسه بالواسطة، هذا كثير ولـه أمثلة ذكرها ابن الصلاح وغيره من العلماء.

    أما كون الإنسان يقول بقول أو يعمل عملاً ناسياً فدليله: القصة التي رواها الحاكم وغيره، وسندها صحيح، قصة أبي مسعود وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فقد كان حذيفة وأبو مسعود بـالمدائن فصلى حذيفة إماماً بالناس، وكان يصلي على دكة -على مكان مرتفع- والناس على الأرض، فجره أبو مسعود حتى نـزل إلى الأرض وصلى بالناس وهو مساوٍ لهم، فلما سلَّم قال أبو مسعود لـحذيفة: ألم تعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينهي عن ذلك، يعني ينهى عن ارتفاع الإمام عن المأموم لغير حاجة، فقال لـه حذيفة: بلى نسيت، ولكنني ذكرت حين سحبتني يعني حين جررتني، فذكر الحديث وإلا من قبل كان ناسياً لهذا الحديث، فلما ذكر الحديث انصاع لـه حالاً ونـزل من على الدكة ولم يتمسك برأيه السابق.

    وأما قضية الصلاة على المكان المرتفع ذكر العلماء أنها تجوز للحاجة، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم صلى في مكان مرتفع كما في القصة المتفق عليها، أنه لما بني لـه المنبر وصعد عليه وكبر؛ وصلى بعض الصلاة وهو على المنبر، فلما أراد السجود نـزل القهقرى وسجد على الأرض، وفي الركعة الثانية صعد حتى يرى الناس صلاته، وقال: {إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلَّموا صلاتي}.

    فالقضية لا تعنيننا كقضية فقهية أو فرعية بل يعنينا أن من أسباب الاختلاف أحياناً أن العالم قد يبلغه الدليل لكنه ينساه، فيفتي بخلافه فإذا ذكر له تذكر ورجع إلى الدليل.

    عدم ثبوت الدليل

    السبب الثالث:

    هو عدم ثبوت الدليل عند العالم، يعني قد يبلغه الحديث لكن لم يثبت عنده.

    وأنتم تعرفون أن علماء الحديث عندهم من الاختلاف مثل غيرهم، فهم يختلفون -مثلاً- في توثيق الرواة، ففلان ضعيف عند بعضهم ومقبول عند آخرين، ويختلفون في اتصال الأسانيد وانقطاعها، ويختلفون على العموم في صحة الأحاديث وضعفها، قد يصحح عالم حديثاً ويضعفه عالم آخر، وبالتالي يقع اختلاف بينهم بسبب الاختلاف في ثبوت الدليل عندهم.

    وأمثلة ذلك كثيرة جداً، وأيضاً لا يمكن أن أحصرها، لكن من أقرب وأسهل الأمثلة: اختلافهم في جواز مس المصحف لغير المتوضئ، اختلفوا في ذلك فالأئمة الأربعة يقولون لا يجوز لغير المتوضئ أن يمس المصحف، وذلك أخذاً من حديث: {لا يمس القرآن إلا طاهر} وهو حديث حسن بمجموع طرقه من حديث عمرو بن حزم، وحديث حكيم بن حزام وعبد الله بن عمر، وكذلك الآية الكريمة لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79] لكن الطبري وابن حزم وجماعة من العلماء يقولون: يجوز لغير المتوضئ أن يمس المصحف؛ لأن الحديث لم يثبت عندهم، فاختلفوا في الحكم نظراً لاختلافهم في ثبوت الدليل.

    ولعل من هذا السبب الاختلافات المذكورة بين الصحابة رضي الله عنهم فيما يتعلق باستدراك عائشة عليهم، فقد استدركت عائشة على جماعة من الصحابة استدراكات كثيرة على عمر وعلى ابن عمر وعلى أبي هريرة وعلى ابن عباس، حتى أن الزركشي جمع استدراكات عائشة على الصحابة في كتاب سماه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة".

    فـعائشة رضي الله عنها يبلغها الدليل وتعلم به، لكنه لا يصح عندها وتعتقد أنه حصل وهم من الراوي، وأحياناً يكون الصواب معها وأحياناً يكون الصواب مع غيرها.

    فمثلاً: لما سمعت عائشة رضي الله عنها أن ابن عمر يقول -كما في الصحيحين- أن الرسول عليه الصلاة والسلام: {اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب} تبسمت عائشة وقالت: غفر الله لـأبي عبد الرحمن -تعني ابن عمر- والله ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا وهو شاهده -تعني حاضر معه- وما اعتمر في رجب قط، فنسبت إليه الوهم أنه غلط، وفعلاً الصواب معها رضي الله عنها في هذه المسألة، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رجب قط، ولذلك وافقها غيرها من الصحابة.

    وأحياناً يكون الصواب مع غيرها، كما استدركت في قطع المرأة للصلاة وقالت: [[كان يصلي رسول الله وأنا معترضة بين يديه، اعتراض الجنازة على السرير، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطها]] وكان الصواب مع غيرها في هذه المسألة، وكما اعترضت على عمر في مسألة وعلى غير عمر أيضاً في مسألة أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ومسائل كثيرة، فهذا لأن الدليل بلغها لكن لم يثبت عندها رأت أن الراوي وهم في هذا الدليل.

    الاختلاف في فهم النص

    السبب الرابع: هو عدم دلالة الحديث أو النص على المقصود، وأنتم خبيرون بأن دلالة النصوص تنقسم إلى قسمين:

    هناك نص يسمى قطعي الدلالة، والنص قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحداً فمثلاً قول الله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12].

    هذه الآية لا يمكن أن يختلف اثنان في فهمها؛ لأن كلمة النصف معروفة عند الجميع، ولذلك يتفق العلماء على دلالة الآية ومعناها، وهذا يسمى قطعي الدلالة، والمخالف فيه يعتبر مرتداً عن الإسلام إذا خالف فيه.

    لكن هناك نوعاً آخر من النصوص دلالته ظنية ليست قطعية، ومن أبرز الأمثلة قول الله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] أي: المرأة المطلقة تنتظر العدة ثلاثة قروء، ما هو القرء؟ بعض العلماء قال: القروء: هي الأطهار، أي ثلاثة أطهار، وبعضهم قال: لا، القروء هي الحيض، فتتربص ثلاث حيض، واللغة العربية تحتمل هذا وهذا؛ لأن الكثير من العلماء قالوا: إن القروء من أسماء الأضداد تطلق على الطهر وعلى الحيض، فالمهم أن القرء هذا دلالته على أحد المعنيين دلالة ظنية، وليست قطيعة، أي: مختلف فيها.

    فقد يبلغ العالم الدليل ويثبت عنده ولا ينساه، ولكنه لا يعتقد أنه يدل على الأمر المقصود فيخالف في ذلك، ولعل من الأمثلة الفرعية أيضاً: اختلاف العلماء في لحم الجزور، هل ينقض الوضوء أم لا ينقض الوضوء؟ هذا ورد فيه حديث: {أنتوضأ من لحوم الإبل، قال: نعم} وقبله {أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت}.

    فدلالة الحديث على وجوب الوضوء من لحوم الإبل ليست قطيعة بل ظنية؛ لأن احتمال أن يكون قوله: نعم توضئوا، على سبيل الاستحباب، كما في قوله فيما بعد: {أنصلي في معاطن الإبل؟ قال: لا، أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم} فالصلاة في مرابض الغنم ليست واجبة، وإنما هي جائزة.

    فبعضهم قال: إن الحديث يدل على الاستحباب فقط، بعضهم حمل الحديث على أن المقصود الوضوء مما مست النار، وقالوا: إنه منسوخ وبالتالي ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يجب الوضوء من لحوم الإبل، وذهب الإمام أحمد وإسحاق وجماعة من العلماء إلى وجوب الوضوء من لحوم الإبل لصحة الحديث وثبوته عندهم، المهم هذا من أسباب اختلافهم.

    عدم اعتماد دلالة الحديث

    السبب الخامس: وجود معارض راجح لهذا الدليل.

    أي: الدليل ثابت عندي وصحيح، لكن عندي دليلٌ آخر، وهو في نظري أقوى منه، فأترك هذا الدليل؛ لأن عندي دليلاً آخر أقوى منه فأغلبه عليه، وغيري يرى هذا الدليل هو الأقوى فيغلبه وبالتالي يقع الاختلاف.

    ولعل من الأمثلة -أيضاً ضمن ما ذكرنا في قضية نوا قض الوضوء- مسألة مس الفرج، هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ فعندنا فيه حديثان متعارضان أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم: {من مس ذكره فليتوضأ} هذا دليل على وجوب الوضوء من مس الذكر، وكذلك المرأة تتوضأ إذا مست فرجها، لحديث: {من مس فرجه فليتوضأ}.

    والحديث الثاني: {أن الرسول عليه السلام سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء؟ قال: لا إنما هو بضعة منك} أي: قطعة منك كما لو مسست رجلك أو أنفك أو أذنك فلا وضوء في ذلك، فهذان دليلان متعارضان في الظاهر، فبعض العلماء يرجح الأول فيقول: بوجوب الوضوء من مس الذكر، وبعضهم يرجح الثاني فيقول بعدم الوضوء.

    وأذكر أن جماعة غير قليلة من العلماء رجحوا الدليل الأول وقالوا بوجوب الوضوء، وذلك لأنه ناقل عن الأصل، لأن الأصل عدم وجوب الوضوء فلما جاء هذا الدليل عرفنا أن هناك نسخاً، وأن حديث: { إنما هو بضعة منك } منسوخ وآخرون جمعوا بين الدليلين باستحباب الوضوء من مس الذكر وعدم وجوبه.

    هذه الأسباب الخمسة هي أسباب شرعية وطبيعية، لا لوم ولا تترتب على من وقع في اختلاف سببه واحد منها، ويمكن أن نعيدها باختصار وهي:

    أن لا يبلغ الدليل للعالم.

    أو يبلغه ثم ينساه.

    أو يبلغه لكن لا يثبت عنده.

    أو يبلغه لكن يرجح عليه دليل آخر أقوى منه؛ لأن دلالته ظنية وليست قطعية.

    وألا يعتقد دلالة الحديث على المقصود.

    الهوى والتعصب

    السبب السادس: الهوى والتعصب، وهذا السبب لاشك أنه مدعاة للاختلاف المذموم، فلسنا نعتقد أن جميع من خالف في مسألة معه الحق، بل غالب العلماء، وقد يوجد من بين المنتسبين للعلم والفقه من يقول في مسألة على سبيل التعصب والهوى، والتعصب لـه شأن عظيم في تاريخ المسلمين، وكم هدم من أمم ودول ومدن، وأنشأ من فتن وصراعات وقتال ودماء إلى غير ذلك.

    فقد يكون التعصب والهوى أحياناً من مظاهر أو أسباب الاختلاف، بحيث أن الإنسان يتمسك بقول مع أنه يعرف أنه قول ضعيف ولا دليل عليه، لكن لمجرد أنه قال به فلان مثلاً، وأمثلة ذلك كثيرة جداً ولا أحب أن أضرب مثلاً، لأن الأمثلة في هذا الموضع بالذات لها حساسية معينة.

    1.   

    أخطاء في خلافات العلماء

    فمن الأخطاء التي يقع فيها المخالفون والمختلفون:

    تحويل الفرع إلى أصل

    أنهم أحياناً يحولون الفرع إلى أصل، ومع الأسف الشديد هناك من يحولون الأصل -أيضاً- إلى الفرع.

    فالذين يحولون الفرع إلى أصله مثاله: أن أختلف معك في قضية جزئية من مثل القضايا التي سردتها قبل قليل، فتجدني أقيم الدنيا وأقعدها على هذه المسألة الفرعية، وأعتبر أن موقفي منك يتحدد على ضوء هذه المسألة.

    أو قد نختلف مثلاً في جلسة الاستراحة التي تفعل بعد الركعة الأولى والركعة الثالثة هل هي سنة أو ليست سنة؟ بعضهم يبالغ فيقول: واجب، وبعضهم يقول: مكروه، فتكون هذه المسألة سبباً للبعد بيني وبينك، والهجر -أحياناً- والمباعدة بسبب هذه القضية الجزئية.

    فهنا حولت الفرعية إلى أصلية، وبعض الشباب يلتمسون تأويلاً لهذا، يقولون: هذه الأمور أصبحت سيما للملتزم بالسنة، فإذا صار الإنسان لا يفعلها عرفت أنه ليس ملتزماً بالسنة، وبالتالي ابتعدتُ عنه، فهذا غلط آخر؛ لأنه كيف نجعل علامة للالتزام بالسنة ليست هي العلامة التي جعلها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن الخطأ كل الخطأ أن يبالغ الشباب ويستغرقوا في جزئيات لا نهاية لها.

    أذكر أنني قرأت في مسألة جزئية -ربما الأحاديث فيها قليلة- قرأت فيها نحو أربعة عشر بحثاً ما بين كتاب إلى بحث إلى مجلة، وهو موضوع (كيفية تحريك الإصبع في التشهد) كيف تحرك إصبعك في التشهد؟ هل تجعل الإصبع هكذا ساكناً؟ أم تحركه باستمرار دون توقف؟ أم تحركه عند الدعاء وذكر الله جل وعلا؟ أم ماذا تفعل؟

    ويُحدثني أحد طلاب العلم أنه صلى في الحرم إلى جوار أحد الشباب؛ فقال أنه كان يدير إصبعه بطريقة دائرية هكذا، يعني يرسم دوائر بإصبعه السبابة أو السباحة، فيقول: وعندما سلَّم سألته: ما هو السبب في هذا الصنيع الذي تقوم به؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلق إصبعه، التحليق كان للإبهام مع الوسطى يعني هكذا، فيجعل إبهامه مع الوسطى حلقة؛ لكن الأخ فهم أن التحليق هو للسبابة، فصار يعمل حلقة بشكل مستمر عليها، وبذلك أضاف قولاً جديداً أظنه محدثاً ما سبقه إليه أحد.

    المهم: أن القضية كلها لا تستحمل هذا الجهد الكبير المبذول لها، أما إني لا أقول: ينبغي أن نتركها وهذه أمور لا قيمة لها، لا،هذا غلط، هي قضية من الدين وكلكم يعلم أن جبريل عندما جاء للرسول عليه الصلاة والسلام، سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، ولما انتهى، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

    إذاً كل هذه الأشياء من الدين، ولا ينبغي أن نـزدري شيئاً منها.

    لكن ينبغي أن نعطي لكل شيء من الأهمية بقدر موقعه، فليس الاهتمام بالأصول أو بالعقائد مثل الاهتمام بالجزئيات، أو مثل الاهتمام بتفاصيل بعض العبادات، أو بالسنن التي فعلها حسن ولكن تركها لا يبطل أو يبخل بالعبادة.

    بعض الذين يحولون الأصول إلى فروع، قد يتجاهلون الخلاف مع بعض الناس في قضية أصولية، ويقول: يا أخي يكفينا أننا نتفق على كذا وكذا، وبعض الشباب أيضاً عندهم حماس مفرط للوحدة الإسلامية، ويعيشون على هذا الأمل.

    ولذلك الواحد منهم يتجاهل -أحياناً- خلافاً واقعاً، وهذا خطأ، فإنك عندما تجد أمامك إنساناً مريضاً، وتقول: عليَّ أن أتجاهله، ولعله أن يكون غير مريض -بحكم أنه يستطيع أن يمشي- والمرض ينخر فيه، وبعد فترة تفاجأ أن الرجل هلك ومات.

    فالتجاهل ليس حلاً، فحين تعلم أن بينك وبين طائفة من الطوائف -وإن كانت منتسبة إلى الإسلام كـالصوفية مثلاً، أو الرافضة أو أي طائفة أخرى- بينك وبينهم خلاف جذري أصولي لا يمكن تجاهله؛ ففي هذه الحالة لا يمكن أن أتجاهل الموضوع، وأقول: نتفق على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنه حتى هذا في الواقع لا اتفاق عليه إلا في اللفظ فقط، لكن المعنى مختلف.

    بعض الناس ربما يهدر كرامة أخيه، بسبب اختلافه معه في قضية جزئية، وربما يعمل على التنقيص منه في المجالس والدروس والمحاضرات أو في غيرها، بسبب أنه اختلف معه في مسألة.

    وهنا نفرق بين كونه قد يستدرك عليه، وهذه من الأشياء التي أقول لكم: لا نضيق فيها، فمن الممكن أن أكتب وأن أقول قولاً فيرد عليه إنسان آخر؛ ويقول: إن القول الذي قلت، يبدو لي أنه مرجوح، والدليل كذا؛ فهذا ليس فيه حرج؛ لكن المهم ألا يكون عنده محاولة لإسقاط شخصية الذي يختلف معه، لمجرد أنه اختلف معه في قضية جزئية، ويهدر كرامته ومكانته وأخوته الإسلامية، وينسى الفضائل التي قد يكون تحلى بها.

    القطع والجزم في أشياء لا مجال للقطع فيها

    من الأخطاء التي يقع فيها البعض أنهم قد يقطعون ويجزمون في أشياء لا مجال للقطع والجزم فيها، بعض طلاب العلم قد تعود على القطع والجزم في بعض القضايا، والاستغراب ممن يخالفه في ذلك، مع وضوح الدليل فيما يزعم.

    وفي الواقع أن قطعه بسبب نقص العلم؛ فأحياناً الإنسان ليس عنده إلا دليل واحد في المسألة، ولا يعرف ما يعارضه، وقد يتصور أن المسألة واضحة وهذا شيء جربناه من خلال طلب العلم الشرعي، أن الإنسان أحياناً قد يتبين أو يظن أن المسألة هذه واضحة؛ لأن عنده فيها دليل، لكن إذا بحث وجد أن هناك أدلة أخرى تعارض هذا الدليل، وبالتالي أصبحت القضية أقل وضوحاً.

    ولذلك تجد العالم الفقيه أكثر قدرة على هضم الخلاف من العامة؛ لأن العالم يعرف أسباب الاختلاف، وبالتالي يقدر المواقف، لكن العامي لا يفهم ذلك، وبالتالي تجد أنه يغضب ويتبرم من هذا الاختلاف.

    فلا ينبغي القطع في قضيةٍ الخلاف فيها موجود وقائم، وإن قال الإنسان بالراجح؛ لأنه أيضاً من غير المعقول أنني أجعل الناس في بلبلة، لا يعرفون الخطأ من الصواب بسبب أنه فيها قولان.

    أزمة فيها قولان

    من الأخطاء الكبيرة أيضاً، في العصر الحاضر أننا نعيش هذه الأزمة، أزمة "فيها قولان" -إن صح التعبير- فالإنسان يفعل -مثلاً- ما يشاء، وإذا قلت لـه شيئاً قال: فيه قولان.

    إذاً فيه قولان ماذا تعني؟ أهذان القولان لله وللرسول أم للعلماء؟! للعلماء! أما الله والرسول فلهما في كل واقعة حكم واحد، وهذا لا شك فيه قاعدة ينبغي أن تفهم، ونعتبر أنها مهمة جداً للشباب في هذا العصر، وخاصة في هذه البلاد، أن يعرف أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو أن للإسلام في كل واقعة -في كل واقعة مطلقاً- لله وللرسول فيها حكم واحد فقط وليس أكثر، وهذا الحكم يصيبه بعض العلماء ويخطئه آخرون، وقد نصب الله أمارات على الحكم وهي الأدلة حسب اجتهاد الناس.

    إذاً الخلاف في مسألة: هل يجعلني أختار ما يناسبني، وأقول: فيه خلاف؟ هذا لا يصح؛ لأن معنى ذلك أن الإنسان تحلل من قيود الدين كلها، كما قال بعض السلف: لو أن إنساناً أخذ بشذوذات العلماء، لاجتمع فيه الشر كله، فكثير من العلماء الجهابذة يكون لـه رأي شاذ، أطبق العلماء على رده وإنكاره وأجمعوا على خلافه قبله وبعده.

    أذكر لكم أمثلة على هذه الشذوذات حتى تعرفوا أهمية عدم الاستدلال بالخلاف، فعلى سبيل المثال أذكر أن أحد العلماء وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن كان يقول بأن الإنسان إذا تيمم -أي لم يجد الماء أو احتاج إلى التيمم ثم تيمم عن الوضوء للحدث الأصغر أو للجنابة أيضاً- ثم وجد الماء بعد ذلك أنه لا يلزمه استخدام الماء، بل يكتفي بالتيمم، والتيمم رفع الحدث إلى أن يحدث مرة أخرى، وهذا القول مخالف للإجماع وللنص أيضاً؛ فإن المجمع عليه عند العلماء أن الإنسان إذا تيمم ثم استطاع أن يستخدم الماء أو وجده، وجب عليه أن يمسه بشرته، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا القول شاذ جداً.

    عالم آخر: قال: أن الإنسان إذا نام في المنام وبعدما استيقظ، وجد بللاً في ثيابه يدل على أنه احتلم، لكنه لم يذكر أنه احتلم إنما أثر الاحتلام واضح في ثيابه، قال: لا يجب عليه الغسل في هذه الحالة، وهذا القول شاذ يخالف إجماع العلماء ويخالف النص أيضاً، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: {إنما الماء من الماء} وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح -وكلا الحديثين في الصحيح أيضاً- لما سئل: { هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم.. إذا هي رأت الماء} فالغسل مربوط بخروج المني سواء في يقظة أو احتلام، فإذا خرج المني وجب الغسل، هذا القول شاذ بأنه لا غسل عليه إذا لم يتذكر، لكن وجد من قال به من العلماء فإذا أراد الإنسان أن ينتقي، فيأخذ قولاً شاذاً وقولاً شاذاً أصبح الإنسان مجموعة شذوذات، وهو يدعي أنه ينتسب إلى الدين وإلى العلم.

    إذاً: فعلينا أن نحذر -كل التحذير- من الاعتماد على قضية فيه خلاف، من الممكن أن تقول لي: إن المسألة هذه فيها خلاف؛ لأنني بحثت المسألة وتوصلت بالأدلة إلى أن الراجح هو ما أفعله الآن، حينئذ أقول لك: لك ذلك، فمثلاً: إنسان زوجته سافرة الوجه، فتقول: لو حجبتها أو أمرتها بالحجاب قال لك: المسألة فيها خلاف، صحيح نحن لا ننكر أنه فيها خلاف؛ ليس عندنا إشكال في هذا مطلقاً، الخلاف قائم وموجود ولا أحد يتجاهله، لكن أنا أسألك الآن: أنت عندما جعلت زوجتك سافرة هل بحثت المسألة وتوصلت إلى أن الراجح أن الحجاب غير واجب؟ فلا بأس لك ذلك، ومن حقك أن تفعل ذلك، خاصة إذا كنت في بلد لا يلزم بالحجاب، وإلا لو كنت في بلد يلزم بالحجاب، تلتزم بالبلد وأنظمة البلد، ويكون فيه مصلحة اجتماعية في ذلك، لكن بمجرد أن يكون فيه خلاف، فأنا آخذ بما أرى وما أشاء؛ فهذا غير صحيح ولا يجوز.

    الإنكار في المسائل الخلافية لغير المصلحة

    أخيراً من الأخطاء -في موضوع الخلاف بين العلماء- أن البعض ينكر أشياء لا مصلحة للإنكار فيها وهي خلافية، والعلماء يقولون: الإنكار في مسائل الاجتهاد لا يسوغ، وهذه الكلمة ليست على إطلاقها، فهناك مسائل الدليل فيها واضح أو المصلحة فيها ظاهرة؛ فهذه ينكر فيها على من خالف.

    وهناك مسائل الأمر فيها محتمل والمصلحة غير ظاهرة، فهنا قد يتسامح في الأمر -بحسب المسألة التي يتحدث فيها- لكن هناك أمور مثل مسائل (قضايا السنن، قضايا خلافية، ظاهرة جداً) لا ينبغي الإنكار فيها، مع أن عدم الإنكار لا يمنع من المناقشة فأنا قد أرى إنساناً يعمل برأي وعندي رأي آخر قد أناقشه فيه وأتحدث معه، فإما أن أرجع لرأيه إذا كان عنده علم جديد، أو هو يقبل رأيي، أو كل واحد منا يبقى على ما لديه، لكن لا مانع من المفاوضة والمحادثة في هذا الأمر.

    الآن أريد أن أنتقل إلى نقطة أخرى ثم إلى الموضوع الثاني، فلعلني أجعل هذه الجلسة مقصورة على الخلاف بين العلماء وأترك الجانب الآخر، وهو في نظري مهم جداً وهو الخلاف العملي (الخلاف بين الدعاة) وهذا الموضوع يهم الجميع في اعتقادي، فلعلي أتركه إلى فرصة أخرى إن أمكن ذلك.

    1.   

    انقسام الناس في المسائل الخلافية إلى قسمين

    الموقف السليم من خلاف العلماء أمام هذه الخلافات الفقهية: الناس ينقسمون إلى قسمين في هذا الموضع.

    طالب العلم

    القسم الأول:

    هناك إنسان يستطيع أن يبحث ويصل بالأدلة بنفسه إلى القول الراجح -الراجح في نظره هو وليس الراجح مطلقاً- فيكون راجحاً عنده وليس راجحاً عند غيره، كطالب العلم الذي عنده معرفة -ولو مجملة- في أصول الفقه، ومعرفة بدلالات اللغة، وعنده قدرة على الرجوع إلى مظانِّ البحث، فإذا أشكلت عليه مسألة فقهية رجع إلى الكتب، وقرأ أقوال أهل العلم، ونظر في الأدلة، ووازن بينها، ثم توصل إلى نتيجة أن هذا القول أرجح، هذا ينبغي لـه أن يفعل هذا الأمر ويبحث بنفسه، خاصة في المسائل الكبيرة.

    وإلا من غير المعقول أيضاً أن نقول للناس اتركوا أعمالكم ودراساتكم وبيعكم وشرائكم، والطبيب يترك الطب، والمهندس يترك الهندسة وغيرهم؛ ليتجهوا إلى البحث في هذه المسائل؛ لأن الذي يبحث فيها بالتأكيد سوف يستنفذ عمره كله دون أن يصل إلى جميع المسائل، لكن المسائل التي يحتاج فيها إلى رأي واضح وتكون قضايا كلية وكبيرة، أو التبس عليه الأمر فيها، أو عرف الحق بأي طريق أو عرف الدليل من خلال عالم من العلماء؛ فينبغي له أن ينصاع للدليل.

    عامة الناس

    القسم الثاني:

    هم من يمكن أن نصفهم بالعامة، وحين أقول العامة، لا أقصد فقط الذين لا يقرءون ولا يكتبون، بل قد يكون العامي طبيباً -مثلاً- في مختبره أو معمله، أو مهندساً أو مسئولاً وعالماً في فنه، لكن في مجال الأمور الشرعية لم يتلق علماً، يقول: في المجال الشرعي ليس عندي علم، أنا أعتبر نفسي عامياً في المجالات الشرعية، في فني قد أكون مجتهداً في علمي، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، هذا الإنسان هكذا يقول عن نفسه.

    وقد يكون العامي إنسان لم يتلق العلم بأنواعه، فهذا العامي ما موقفه؟

    في حدود علمي ومعرفتي أن هذا العامي فرضه وحكمه التقليد، أن يقلد من يثق به وبعلمه من الأحياء أو من الأموات، الممكن أن يقول: أنا سوف أُقلِّد عالماً من العلماء أقلد -مثلاً- سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أو الألباني أو فلان أو علان، أي عالم معتبر من المسلمين يقلده فلـه ذلك.

    لكن نقول لهذا العامي: واجب عليك أن تختار من سوف تقلده في دينك، وفق ضوابط شرعية، فلا تقل: إني أختار فلاناً لأنه -مثلاً- سمح، ويوسع علينا في القضايا فقط، لا،هذه القضية ليست قضية أمزجة وأهواء ورغبات؛ لكن العامي يختار من يعتقد في قلبه أن آراءه أقرب إلى حكم الله ورسوله، فيقلده في الحق.

    وهل يلزم العامي أن يسأل على الدليل أم لا يلزم أن يسأل؟ إن سأل العامي عن الدليل فحسن، إذا كان يستطيع أن يسأل عن الأدلة ويفهما، لكن كثيراً من العامة لا يفقه الدليل، ولا يميز بين الآية والحديث، ولا يميز بين الحديث إذا كان موضوعاً أو من صحيح البخاري، ولو قلت له: هذا الحديث في صحيح البخاري لا يدري ماذا يعني صحيح البخاري فهو لا يفقه من هذا شيئاً.

    ولذلك نقل ابن قدامة الإجماع على أن العامي فرضه التقليد، ويقول الأصوليون: العامي مذهبه مذهب مفتيه، فإذا سأل عالماً يثق بعلمه ودينه، وجب عليه أن يلتزم بفتواه التي أصدرها، وهذا العمل هو الذي عليه المسلمون منذ عهود الصحابة رضي الله عنهم إلى اليوم.

    حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الذي رواه جابر وابن عباس وغيرهم، في قصة صاحب الشجة، لما ذهب مجموعة من الصحابة في سرية، فأحدهم أصابته شجة في رأسه ثم أجنب، فسأل الصحابة: ماذا أصنع؟ لأنه إن اغتسل قد يضره الماء، فأمروه بالاغتسال، فاغتسل ومات.

    فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: {قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يقول بيديه هكذا، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة فمسح بها وجهه وكفيه}.

    وجه الدلالة من الحديث: أن هذا الرجل الصحابي سأل الصحابة، وبالتأكيد ما أعطوه دليلاً معيناً في هذه المسألة! ولذلك قال: الرسول عليه السلام: {قتلوه قتلهم الله } وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وجههم بقوله: ألا سألوا إذا لم يعلموا، والله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] فالعامي ومن في حكمه يسأل أهل الذكر -أهل العلم- فإن كان يستطيع أن يفهم الأدلة سأل عن الأدلة، وإذا كان لا يستطيع أن يفهم؛ فإنه يكتفي بالسؤال عن الحكم.

    وأذكر أن أحدهم -عامي وإن كان يدرس الطلاب ويتصدر لهم في علوم معينة- كان يجلس أمام الطلاب ثم يقول: سمعت يوماً من الأيام كلمة لا أدري أهي آية أو حديث أو مثل أو حكمة؟!

    فمثل هذا لا معنى لأن تقول لـه اسأل عن الدليل، إذ لو أتيت لـه بآية ظنها حديثاً أو العكس ولو أتيت بحديث موضوع التبس عليه، ولو أتيت بحديث صحيح لا يدري عنه؛ فلا معنى من تكليفه بأمر لا جدوى ولا معنى من ورائه.

    إذاً: هذا هو موقف العامي، وكذلك الموقف لطالب العلم أو القادر على البحث في أي مسألة، والوصول إلى القول الراجح بالدليل، في موضوع اختلاف أهل العلم، ولا أريد أن أطيل في المسألة أكثر من ذلك، فأترك بقية الحديث -إن شاء الله- كما وعدت إلى فرصة أخرى إن أمكن ذلك.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    متى يكون الخلاف رحمة

    السؤال: محاولة ربط الشباب الحديث غير الصحيح الذي يقول: {اختلاف أمتي رحمة} بموضوع المحاضرة، وكلهم يحاول أن يربط بشكل أو بآخر، والمطلوب تعليق عن هل فعلاً هناك ربط أم أن الموضوعين مختلفان؟

    الجواب: أولاً: حديث {اختلاف أمتي رحمة} كما أشار السائل، ذكر أهل العلم أن هذا الحديث لا أصل له، أي: ليس له إسناد لا صحيح ولا حسن ولا حتى ضعيف، ليس له إسناد مطلقاً، ولذلك بعض أهل العلم قال: لعل لـه إسناد لكنه ضاع، وأعتقد أنه إن ضاع، لا نستطيع أن نتكلم عنه، بمعنى: أن ضاع الإسناد، ضاع المتن معه، فليس للحديث أصل، هذا من ناحية.

    أما من حيث المعنى: فإن الحديث يمكن أن يفهم بأكثر من وجه، له وجه صحيح وله وجه آخر غير صحيح، فأما الوجه الصحيح فهو الاختلاف الذي يمكن أن يعبر عنه بأنه اختلاف تنوع، كون الأمة فيها واحد يهتم بالطب، وآخر مهندس، وثالث عالم شرعي، ورابع أستاذ، وخامس مسئول في مجال وهكذا، اختلاف في الميادين العملية في المجالات التي يخدمون من خلالها، فهذا لا شك أنه رحمة.

    وهناك أيضاً اختلاف آخر، لا يمكن أن يوصف بأنه شر وعذاب؛ وهو الاختلاف المبني على أسباب صحيحة، مثل الاختلاف في قضية فقهية بحسب اختلاف الأدلة، فأنا -مثلاً- أقول في المسألة قولاً وأنت تقول قولاً آخر، وكل واحد منا عنده دليل، هذا الخلاف -كما أسلفت- لا بأس به، ولا ينبغي أن نضيق به ذرعاً، وليس شراً كله، بل قد يكون فيه خير وتوسعة على الأمة وتحصيل لمصالح متشابكة.

    وأما الاختلاف الذي هو اختلاف تضاد وتطاحن وتناقض، بحيث أن الإنسان يهدم ما يبنيه الآخر؛ فهذا لا شك أنه عذاب، وكذلك الاختلاف في أمور أدلتها واضحة وصحيحة وبينه، فإن هذا الاختلاف شر، وينبغي العمل على تلافيه بقدر ما يمكن.

    المذهبية

    السؤال: هل يأخذ المسلم الحكم من أي مذهب شاء أم يلزمه اتباع مذهب معروف ومعين أو واحد عند الحاجة؟

    ويقول: إن المذاهب لا تحصر في أربعة مذاهب -كما نراها معروفة- لكن هناك آراء لبعض الأئمة ممن لم تنتشر مذاهبهم، فهل نتبع بعضها إن وجدنا عندهم الدليل الصحيح أم لا؟

    الجواب: بالنسبة للأئمة الأربعة وغير الأربعة: نعم الأئمة ليسوا أربعة، وأذكر أحد الإخوة يحدثني أنه صلى في مسجد جمعة إلى جوار رجل، فرأى هذا الرجل يعمل في صلاته عملاً استغربه، أظنه كان يرسل يديه في الصلاة ولا يضم، أي لا يضع إحداهما على الأخرى، فلما سلم من الصلاة سلم عليه، وجلس يتحدث معه بأسلوب هادئ وبعيدٍ عن الإنكار، إنما حادثه عن وضع اليدين في الصلاة، وأن السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، فلما قلت له ذلك، قال: ليست المذاهب أربعة -كما تزعم وما زعم الأخ شيئاً- ولا ذكر شيئاً من المذاهب الأربعة، لكن الآخر قال له: ليست المذاهب أربعة كما تزعم- وإنما هي عشرة.

    وأقول أيضاً: المذاهب ليست عشرة كما يزعم؛ وإنما هي أكثر من ذلك بكثير، فهناك أئمة متبوعون كثيرون، هناك فقهاء المدينة السبعة، هناك فقهاء في العراق، هناك فقهاء في الشام، وفي مصر، لكن غالب مذاهبهم اندرست أو كادت، بحيث لا يكاد يوجد من يقول بها إلا قلة؛ فمثلاً: الأوزاعي يوجد من يقول بمذهبه خاصة في الشام وكان إمام أهل الشام؛ وهم قلة.

    وكذلك يوجد في بعض مناطق المملكة من يتمذهبون بمذهب الأوزاعي، وكذلك الإمام ابن جرير الطبري يوجد من يدين بمذهبه، وكانوا يسمون في التاريخ بالجريرين -نسبة إلى ابن جرير- وكثير من العلماء كانوا متبوعين ثم اندرست مذاهبهم.

    والسؤال: هل الحق محصور في هذه المذاهب الأربعة، أو في أحدها؟ أبداً ليس الحق محصوراً في واحد من المذاهب الأربعة، ولو قال إنسان: إن مذهب الإمام مالك كله حق وما عداه باطل، أو مذهب الشافعي أو مذهب أحمد أو أبي حنيفة، لكان في ذلك مخطئاً -بلا خلاف عند أهل العلم- فالحق ليس محصوراً في مذهب واحد، لكن هؤلاء العلماء كلهم اجتهدوا وكما قال الشاعر:

    وكلهم من رسول الله ملتمس      غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

    وهم يحاولون أن يقتبسوا ويلتمسوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون الحق في مسألة عند واحد وفي مسألة أخرى عند غيره.

    فليس الحق محصوراً في أحد هذه المذاهب، بل وليس بالضرورة في أحد المذاهب الأربعة فقط، قد يخرج الحق عنها، فليس هناك نص شرعي يدل على منع ذلك.

    لكن من واقع تجربتي القصيرة في موضوع البحث في مسائل فقهية، وتجربتي مع بعض الشباب الذين يتحدثون في قضايا شرعية، تكون لدي قناعة، هي أن الشاب وطالب العلم ينبغي أن يحرص على الاعتصام بمذهب الجمهور، إلا في المسائل التي دليلها شديد الظهور، فغالباً رأي الجمهور هو الصواب، والجمهور ليس شخصاً بعينه أو جهة بعينها، فأحياناً الجمهور -مثلاً- مالك وأبو حنيفة والشافعي، وأحياناً يكون الجمهور أحمد وإسحاق وأبو حنيفة ومالك، المهم الأكثرية -أكثرية العلماء- وذلك إذا كنا نعرف أن العلماء يعتبرون الإجماع حجة شرعية.

    وبالمقابل -كما أسلفت قبل قليل- الشذوذ: انفراد واحد برأي، يعتبرونه رأياً منطرحاً متروكاً.

    إذاً: إذا كان الأغلبية من غير المعقول أن نقول سواء أغلبية أو غير أغلبية أن الأمر سيان في ذلك، فالغالب أن أكثرية العلماء يكونون على الصواب، لكن لا يمنع الإنسان من النظر في الأدلة، حتى يكون اتباعه لرأي الجمهور على بينة وبصيرة ودليل.

    لكن نقول: تقليده للجمهور أولى من تقليده لرجل واحد -مثلاً- كما أن الإنسان أحياناً قد يجد أن هناك رأياً مخالفاً للجمهور ومع ذلك رجحانه ظاهر، ولعلي أضرب مثالاً في هذا.

    مسألة الخمر هل هي نجسة أم طاهرة؟ طبعاً موضوع تحريم الخمر فيه حكم بنص القرآن الكريم: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] ولا خلاف في موضوع تحريم الخمر، أما الكلام في نجاسة الخمر إذا أصاب ثوب الإنسان، هل هي نجسة أم طاهرة؟ الجمهور والأئمة الأربعة أيضاً، على أن الخمر نجسة، لكن هناك قولاً آخر لـربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك وللمزني تلميذ الإمام الشافعي ولكثير من فقهاء الشافعية البغداديين والقرويين وغيرهم، ولجماعة من الأئمة المتقدمين، ولجماعة من الأئمة المعاصرين كالشيخ محمد رشيد رضا وغيره، أن الخمر طاهر بذاته وليس بنجس.

    ومن خلال النظر في الأدلة يبدو أن القول بطهارة الخمر قول فيه قوة، وكأن الأدلة على نجاسة الخمر لا يمكن أن تثبت بحيث لا تجد دليلاً صريحاً بأنها نجس، فهنا قد يجد الإنسان أنه بإمكانه أن يخالف؛ لكن في مسائل محدودة، وإلا فالأصل أن يحاول أن يتمسك بقول الجمهور.

    وأقول لكم: من خلال ملاحظتي أن الإنسان إذا تأمل -المهم ألا يستعجل بالأخذ بظاهر النص- إذا تأمل يجد لقول الجمهور متانة أحياناً، ولعلي أضرب لكم مثالاً واجهته في حياتي: حين تلقيت بعض المسائل على شيوخنا كنت أسمع بعضهم يقول: إن الإنسان المستيقظ من نوم الليل يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها في الإناء، في الماء، ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا أستيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده} وهذا دليل يدل على تحريم غمس اليد، كنا نتابع شيوخنا أو بعض شيوخنا في هذه المسألة لكن لما تسنى لي وبحثت المسألة ونظرت في أقوال العلماء القدماء والمعاصرين وجدت أولاً: أن الجمهور على أنه لا يجب ولكن يستحب لـه، وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وهو أيضاً رواية في مذهب الإمام أحمد، ورجحه عدد من علمائنا المعاصرين.

    نظرت في الدليل الذي يستدلون به على وجوب غسل اليد وهو قوله: { فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثاً } فوجدت أن هناك أشياء كثيرة يمكن أن تصرف هذا الدليل عن القول بالوجوب وجوب الغسل إلى الاستحباب فقط، مثلاً قوله: { حتى يغسلها ثلاثاً } لو قلنا بالوجوب؛ لكان معنى ذلك يجب أن نغسلها ثلاث مرات؛ لأن هذا نص الحديث ولا أحد يقول بهذا، الذين يقولون بالوجوب يقولون يغسلها ولو مرة، إذاً التقييد بثلاث دليل على أنه لا يجب ويستحب أن يغسلها ثلاثاً.

    كذلك التعليل في قوله: {فإن أحدكم لا يدري} فمثلاً الآن، لو كان على يد الإنسان نجاسة يشاهدها بعينه وغسلها مرة واحدة فزالت النجاسة، هل يجب غسلها مرة ثانية؟ لا يجب، المقصود أن تزول النجاسة، فلو غسلها مرة واحدة فزالت النجاسة؛ فلا يجب أن يغسلها مرة أخرى، يغسلها تنظيفاً واطمئناناً حسن، لكن لا يجب، فمن باب الأولى إذا لم يكن هناك نجاسة متيقنة أنه لا يجب عليه ذلك.

    ولعل قوله صلى الله عليه وسلم: {فلا يغمس يده في الإناء } مثل قوله صلى الله عليه وسلم: {إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثاً، فإن الشيطان يبيت على خيشومه} ولا أحد يقول بوجوب الاستنثار عند الاستيقاظ من نوم الليل إلا ابن حزم، ولا دليل له؛ لأنه حتى هذا الحديث ورد {إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل فتوضأ فليستنثر ثلاثاً} فيكون الأمر إذاً على الاستحباب لا على الإيجاب.

    هذا مثال، وأحياناً الإنسان إذا تأمل يجد أن قول الجمهور لـه قوة ووجاهة، بشرط أن لا ينحل كثيراً إلى ظاهر النص ويتجاهل نصوصاً وقرائن أخرى.

    وهناك نقطة أخرى أشارة إليها السؤال فيما يتعلق بالتفريق بين الاتباع والتقليد.

    الاتباع هو: أن تسأل العالم عن الحكم والدليل.

    والتقليد هو: أن تسأله عن الحكم دون الدليل، وتقلده بغير حجة.

    وهذا الفرق يوجد أحياناً، لكنه غير مضطرد، بمعنى أنه: قد يوجد -أحياناً- إنسان ليس طالب علم متمكن يستطيع أن يفهم هذا المسألة، ولا هو أيضاً عامي بحت، لكنه بين بين.

    يعني عنده اهتمام وعنده مطالعات، فيفهم الأدلة إجمالاً وإذا فُهِمَ فَهِمَ، فهذا نقول له: نعم، الأولى أن يسأل العالم عن المسألة وعن دليلها، أما العامي البحت فلا نطالبه بالسؤال عن الدليل للتعليل السابق.

    إبلاغ العامي بالدليل

    السؤال: هذه مقولة الشيخ الأخيرة هي استدراك لبعض الإخوة، ولعل بعضاً من المشايخ يقول: بالنسبة لكون العامي لا يفهم الدليل، ألا يحسن بنا أن نقول لهذا العامي أو لا بد أن يذكره العالم بالدليل بطريقة سهلة يطيقها عقل هذا العامي، أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بذلك أو نهى عن ذلك؟

    الجواب: نرجع إلى قضية التقليد، فالعامي -الآن- ما يدريه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، أليس تقليداً لهذا العالم؟ فهو لا يدري، لكن العالم أخذ بيده وقال لـه قول، ولو كان العالم لا يخاف الله، فاختلق دليلاً أو ذكر دليلاً موضوعاً وسكت، انطلى الأمر على العامي، هذا من جهة، من جهة أخرى أن الدليل -أحياناً- قد لا يكون دليل نص، ففي كثير من المسائل ليس الدليل نصاً كقال الله تعالى أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أحياناً الدليل مبني على قاعدة أصولية، أو على اتفاق وإجماع، أو على قياس صحيح، فيحتاج إلى أنك تعطي هذا العامي درساً في الأصول، بل دروساً في الأصول، حتى يفهم أصول الفقه، ثم تذكر لـه الدليل بعد ذلك.

    فأرى أنه لا إلزام، وأنه لا دليل على الإلزام بأن يفهم العامي الدليل أو يبين له، بل الأمور تختلف، فبعض العامة قد يناسب ذكر الأدلة لـه؛ لأنهم كما ذكرت عندهم اشتغال وكثرة مجالسة للعلماء، وبعضهم أناس بعيدون عن المعرفة لا يفقهون شيئاً، بل إنه أحياناً إذا قلت لـه: حلال أو حرام فهذا الذي يهمه.

    الأخذ بالأحوط

    السؤال: ما رأيك في من يقول: نأخذ بالأحوط خصوصاً في مسائل الخلاف، حتى نصل إلى السلامة ولا نقع فيما وقع فيه بعض الناس الآخرين؟

    الجواب: هذا السؤال يذكرني برأي الدكتور موسى الموسوي الشيعي المعروف صاحب كتاب الشيعة والتصحيح والثورة البائسة، ففي الكتاب الشيعة والتصحيح لاحظ أن الفقهاء الشيعة يبتزون أموال الناس عن طريق الفتيا وغير ذلك، فقال: إنني أرى حلاً لهذه المشكلة حتى لا يحتاج الناس إلى الفقهاء، أن يأخذوا بالأحوط في هذه المسائل حتى لا يحتاجوا إلى فقيه، وأعتقد أن الأخذ بالأحوط يصلح في حالات معينة.

    مثلاً: إذا التبس الأمر على الإنسان وما اتضح له الحق وهذا كثير ما يقع للعالم فضلاً عن غيره؛ فيقول: آخذ بالأحوط براءة لديني وهذا جيد وحسن خاصة في أموره الخاصة، أو فيمن لـه عليهم ولاية، لكن أحياناً يكون الأمر ليس فيه احتياط وأضرب لكم أمثلة على الأمور التي ليس فيها احتياط.

    لو فرضنا على سبيل المثال فيما يتعلق بمواقيت الصلاة، صلاة العصر متى يدخل وقتها؟ الجمهور على أن وقت صلاة العصر يدخل إذا صار ظل الشيء مثله، ومتى يخرج الوقت؟ الجمهور أيضاً على أن وقت صلاة العصر يخرج عند اصفرار الشمس، والحنفية يرون أن دخول وقت صلاة العصر مختلف، فالمهم أن هناك خلافاً بحيث أنك أحياناً لو راعيت مذهب أبي حنيفة في الوقت، لكنت مصلياً في غير الوقت عند الجمهور، ولو صليت على مذهب الجمهور لكنت مصلياً في غير الوقت عند أبي حنيفة؛ لأن الوقت خرج فهذه ناحية.

    مثال آخر: قضية الحيض، قد تكون المرأة في حالة مشكوك فيها، هل هي حيض أم استحاضة؟! فهنا لا مجال للاحتياط؛ لأنه إن صلت المرأة وقلت لها: صلي، فقد تكون أمرتها بالصلاة وهي حائض وصلاة الحائض لا تجوز، وإن قلت: دعي الصلاة، فقد تكون أمرتها بترك الصلاة وهي طاهر، فتكون تركت الصلاة.

    إذاً هنا لا يوجد احتياط؛ لا بد من الحسم في المسألة، إما هنا أو هنا.

    كذلك: أحياناً الاحتياط يكون في مشقة؛ لأنه إذا كانت المسألة اختيارية بحتة فهو أمر سهل، لكن -أحياناً- قضية يترتب عليها آثار عملية صعبة -أي في مشقة عليه في هذا الأمر- أنا لن أتركه إلا إذا كان ممنوعاً؛ فالاحتياط يلجأ إليه الإنسان في حالة الاشتباه أو الالتباس كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: {فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه}.

    مفهوم التجديد

    السؤال: مجموعة من الأسئلة يجمعها مفهوم "التجديد أو الدعوة إلى التجديد" فمجموع الأسئلة تدور حول: أنه ما دام أن الكتب قد جمعت، والمكتبات قد توفرت، والفهارس قد فهرست، وأن زماننا غير زمان السلف، وهناك قضايا جدت في هذه الأمة ولم تكن موجودة في الأزمنة السابقة، فلماذا نضيق الأمر ونقول: نتبع فلاناً ونقلد الآخر؟ لماذا لا نعطي الفرصة أكثر لكثير من مشايخنا أن يجتهدوا في كثير من القضايا بما يتعلق ويناسب هذا الزمان؟ ويأتي سائل آخر ويقول: أن هناك دعوة ليست فقط بالاجتهاد؛ لكن لتجديد أصول الفقه ككل، ويدعي ويقول: بأنها ليست ملزمة، وقد قال بهذا -كما أعرف- بعض الناس في هذا الزمان.

    فالموضوع يدور حول مفهوم التجديد في الأمور الفقهية، واستنتاج واستخراج الأدلة من الأصول. فلا أدري ما تعليقكم على هذا؟!

    الجواب: أعتقد أن هناك محاضرة أو جلسة خاصة للكلام ولذلك أريد أن أطلب الأسئلة من الأخ الكريم؛ لأنه هناك محاضرة خاصة عن موضوع مفهوم التجديد في الإسلام، وإن شاء الله سأتناول هذا الموضوع من خلال المحاضرة.

    الردود العملية

    السؤال: الموضوع يناقش رد الشيخ سلمان على الشيخ الغزالي هل هناك من تعارض فيما تناولت في محاضرتك الليلة، وبين ردك على الشيخ الغزالي في كتاب "السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث

    الجواب: أعتقد أن ما أشرتُ إليه ينسجم مع ما في الكتاب، أو مع ردي على الشيخ الغزالي؛ لأنني قلت لكم: إني أرثي لبعض الإخوة الذين يضيقون ذرعاً بالاختلاف؛ لأن الاختلاف أمر طبيعي والقضاء على الخلاف مستحيل، وبالتالي فالخلاف يمكن أن يوجه وجهة تثري الفكر.

    دعنا مثلاً من الغزالي أو من غيره الذين يكثر الحديث عنهم، لكن أفترض -عن جدل- الآن ما هو السبب للشهرة التي قد تحصل لشخص ما؟ أليست أجهزة الإعلام هي التي تساهم في صياغة عقول الناس وتؤثر فيهم، وبالتالي هي التي تضع أمامهم الشخص التي تريد؟

    وأجهزة الإعلام نحن نعرف وضع هذه الأجهزة، وبيد من تدار.

    إذاً: أجهزة الإعلام يمكن أن تحول قناعتنا بفلان إلى عدم قناعة، أو تقنعنا بشخص ليس كذلك. فالتلميع والإبراز له تأثير في عقلية الإنسان ونفسيته، وبالتالي ربما يقع كثير من الناس ضحية هذا التضليل الإعلامي في أي شخص آخر -دعنا من موضوع الحديث- فأنا أقول: إنه ليس من الحفاظ على تكوين شخصية الشاب المسلم أن يتعود على أن يكون طَيِّعاً لفلان من الناس، هذا التقليد الذي فعلاً يذم، أنني أنجر لآراء وأقوال لمجرد قناعتي بالشخص، وهذا من التقليد المذموم أيضاً.

    لكن على سبيل العموم أنا أقول وجهة نظري في هذه الأمور وغيرها: أننا يجب أن نتعود على تطبيع هذه القضايا، أي: تحويلها إلى أمور طبيعية، أي: ليست مشكلة أن فلاناً رد على فلان؛ وهل هذه أول قضية تحدث؟ أبداً.. على مدى التاريخ كانت المناقشات والردود، بل العكس هذه الأشياء هي التي تثري الفكر، وتحرك الساحة وتزيد من معلومات الإنسان، فربما بعضنا لم يقرأ كثيراً من الأشياء وليس عنده علم بها.

    لكن من خلال المناقشة والأخذ والرد؛ وجد نفسه مضطراً لأن يقرأ ويراجع ويبحث، فيتكون لديه ثقافة صحيحة وعلم صحيح مبني على أصول.

    الشيء الذي أكرهه كثيراً في هذه المسألة وغيرها هو: التبرم من الخلاف، واعتقاد أن تخطئة إنسان في مسألة أو في مائة مسألة يقتضي أن هذا الإنسان انتهى، وليس من الضرورة أصلاً.

    فلماذا نعتقد العصمة في شخص، بحيث نرفعه إلى عنان السماء، ثم عندما نكتشف أنه أخطأ؛ نسقطه إلى الحضيض، دائماً الاعتدال هو المنهج المطلوب، فنضع الشخص في موضعه الطبيعي، بأنه إنسان -مثلاً- مجتهد وفاضل، لكن الخطأ وارد عليه.

    وبالتالي: من الممكن أن نتقبل أنه أخطأ في هذه المسألة، أو تلك، أو حتى في عشر مسائل، أو مائة؛ ليس لأنه الذي رد عليه فلان أيضاً، لا يعنيني من الراد ولا من المردود عليه، فعليَّ أن أنظر في جدال الآراء والأدلة وأختار ما أعتقد أنه هو الصحيح، ودين الله ليس وقفاً على أحد، وليس هناك متحدث رسمي باسم الإسلام أو باسم الرسول صلى الله عليه وسلم.

    يعني هو يعطي الكلمة الأخيرة، خلافاً لما يوجد في الكنيسة -مثلاً- فالأمور كلها قابلة للنقاش والأخذ والرد، والإنسان يأخذ الحق بغض النظر عن الذي قاله أو من قيل فيه.

    وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.