إسلام ويب

عقبات في مسيرة الدعوةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصحوة الإسلامية نور بزغ في الأمة فبدد الظلام، وأرشد الحيران، وهذه الصحوة قد نفع الله بها الأمة، وقمع بها شبهات الكفر والضلال، ولكن لا تزال هناك في مسيرة الدعوة وفي طريق الشباب عقبات ربما أحدثت انفصالاً، وهذه يجب التغلب عليها، وهذا الدرس يتحدث عن ذلك.

    1.   

    الإسلام والفطرة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، رسم الطريق المستقيم لمن يأتي بعده من هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    وما ترك صلى الله عليه وسلم خيراً يعلمه إلا دل الأمة عليه وأمرها به, وما ترك صلى الله عليه وسلم شراً يعلمه إلا حذر الأمة منه ونهاها عنه, حتى تركها على المحجة البيضاء المشرقة، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك.

    أما بعــد:

    أيها الإخوة.. وأيتها الأخوات.. الإسلام فطرة مركوزة في ضمير كل إنسان، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30], يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عياض بن حمار المجاشعي، في صحيح مسلم: {قال الله تعالى: إني خلقت عبادي كلهم حنفاء -أي: مستقيمين في أصل الفطرة على التوحيد، مائلين عن الشرك- وإنهم أتتهم الشياطين فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنـزل به سلطاناً}.

    هذه الفطرة قد يعتريها -في كثير من الأحيان- ما يصرفها عن طريقها إلى طرق الغواية، ولكنها سرعان ما تستيقظ إذا سمعت داعي الله عز وجل, وتئن تحت هذا الركام ثم تثور وتتمرد؛ حتى تجد طريقها المستقيم الذي هداها الله تبارك وتعالى إليه.

    حرص العدو على محاصرة الإسلام

    وهذا يفسر لنا -أيها الإخوة- عدداً من الأمور؛ أولاً: ما نلاحظه من حرص أعداء الإسلام -في القديم والحديث- على ألا يصل صوت الإسلام إلى الناس, لأن صوت الحق مهما كان ضعيفاً فإنه يجد في داخل الإنسان تحركاً واستجابة.

    ولذلك لما جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى مكة، كما في الصحيح؛ ما زال القرشيون يفتلونه في الذروة والغارب؛ حتى أقنعوه بأن يضع في أذنيه قطناً؛ لئلا يسمع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم, فلما جاء إلى الكعبة ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ رجع على نفسه باللائمة وقال: لعمرك إنك رجل لبيب عاقل، فما يضيرك أن تسمع منه، فإن كان حقاً قبلته وإن كان باطلاً رددته. فسمع فأسلم.

    وقد حكى لنا الله عز وجل عن أولئك القوم من الجن، الذين استمعوا إلى قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم، في واد بين مكة والطائف، لما رفضه أهل الطائف وردوا دعوته؛ خرج مهموماً محزوناً عليه الصلاة والسلام, حتى إذا كان ببطن نخلة جلس يصلي ويتلو القرآن, فصرف الله إليه نفراً من الجن من نصيبين، فماذا كانت النتيجة حين سمعوا هذا القرآن؟! قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف:29].

    هذا هو السر (أنصتوا) مَنْ أنصت وجد الهداية في قلبه, ولهذا قال الله عز وجل: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف:29] بمجرد أن سمعوا آيات محدودة معدودة من القرآن الكريم؛ رجعوا ليسوا مسلمين فقط، بل منذرين ودعاة إلى قومهم.

    الاستجابة لدين الفطرة عند غير المسلمين

    وهذا ما نجده اليوم في القوى التي تحارب الإسلام، فإنها تجند كافة طاقاتها وإمكانياتها للحيلولة بين الناس وبين سما ع صوت الدعاة إلى الله عز وجل، لأنهم يعرفون أن كثيراً من الناس إذا سمعوا بالقرآن والإسلام آمنوا, وهذا ما نلاحظه في هذه البلاد في هذه الأيام, ونحن نجد العمالة الوافدة من النصارى والبوذيين وغيرهم من كافة الأديان؛ يتقبلون الإسلام بصورة عجيبة, ويعلنون إسلامهم بالعشرات بل وبالمئات, وفي كل مكان.

    ولكنني أشير إلى ما أعرفه في القصيم، أحياناً عقب محاضرة أو موعظة يأتي عشرون أو أكثر يعلنون إسلامهم, وهذا قد لا يكون غريباً بالنسبة للملحدين أو الوثنيين؛ لأنهم بلا دين.

    لكنني أعتبره غريباً بعض الشيء بالنسبة للنصارى الذين هم على دين، ولديهم شبهات، وقد يكون عند بعضهم تعصب لدينهم, فهذا يفسر لنا أن الفطرة تستجيب لصوت الحق, وكذلك يفسره لنا هذا الأمر -وهو وجود الفطرة المركوزة المغروزة عند الإنسان- ما نلحظه اليوم من توجه كثير من الناس شيباً وشباناً ذكوراً وإناثاً إلى الإسلام.

    دور الصحوة في نشر هذا الدين

    هذه الظاهرة التي يعبر عنها بالصحوة الإسلامية، والتي أقضت مضاجع أعداء الإسلام, فانطلقوا مسعورين يكتبون عنها في صحفهم ووسائل إعلامهم، ويحذرون منها, ويقولون: انتبهوا إلى هذا الإسلام!! هذا العملاق النائم الذي إذا استيقظ فلن تقف في وجهه جيوش أوروبا ولا روسيا ولا غيرها..!!

    هذه الصحوة الإسلامية، لست أقول كما يقول البعض: إنها بدون سبب وبلا مقدمات، كلا! فجهود العلماء والدعاة والموجهين، والجمعيات الإسلامية، والوسائل المختلفة، من الكتب والمجلات والأشرطة وغيرها, لا يمكن أن نتجاهل دورها.

    لكن أعتقد -والله أعلم- أن حجم الصحوة الإسلامية أضخم مما يتوقع من تلك الوسائل, فالوسائل لها دورها لكن النتائج أعظم مما هو متوقع، ولا يمكن أن تفسر هذه الوسائل هذه الصحوة الإسلامية, لكن يفسرها لطف الله تبارك وتعالى بهذه الأمة, ولذلك يقال:

    وإذا العناية لاحظتك عيونها      نم فالمخاوف كلهن أمانُ

    إذا لم يكن عون من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

    فإذا لم يرد الله بالإنسان خيراً؛ فمهما بذل من الوسائل والأسباب فهي تكون عليه لا له, وفي طريق هذا التوجه للإسلام عقبات وعوائق كثيرة وكثيرة..!! وهذه العقبات قد تجعل بعض الناس يهم بالاستقامة ولكنه لا يقدم.

    ومما لا شك فيه أن كثيراً من الواقعين في الانحراف بكافة صوره وأشكاله؛ في قلوبهم صوت يصيح بهم ويناديهم أن توبوا إلى الله عز وجل, وهذا الصوت هو مصدر إزعاج لهم وقلق, وقد ذكر بعض الشباب الذين كانوا يعيشون في أجواء منحرفة؛ أنه كان يحمل الطبل بيده أو العود في ساعة متأخرة من الليل، مع قرنائه الأشرار, وفي ضميره تأنيب وتقريع وشعور بالخطأ والذنب! ما استمر هذا الشعور فترة إلا وانتصر، فخرج هذا الشاب من الظلمات إلى النور, وهداه الله تبارك وتعالى.

    وكثير من الشباب الذين يسافرون إلى الخارج، ويبحثون عن الرذيلة والمتعة الجنسية المحرمة, يذكر من تاب الله عليه منهم أن من أصحابهم من يجالس الفتاة المنحرفة في وقت, ثم يذهب بعده بلحظات إلى غرفة أخرى يئن ويبكي!!

    فهذا الشعور قد يظل شعوراً مغلوباً في قلب الإنسان؛ بسبب عوائق وعقبات تحول دونه ودون الواقع, وقد يتحول إلى خطوات عملية؛ فيتجه هذا الإنسان إلى الخير، ويستقيم ويصلح، ويسير في هذا الطريق خطوات, وربما توجد عوائق وعقبات توقف هذه الخطوات أو تضعف من شأنها.

    وفي هذه اللحظات القصيرة سوف أعرض لخمسة عوائق أو عقبات؛ لا أقول إنها كل العقبات، لكنها في نظري من أهم العقبات. وهي:

    1.   

    العقبة النفسية

    وذلك أن نفوس كثير من الناس تحول دونهم ودون الاستقامة في بعض الأحيان, والله عز وجل قسم بين الناس أخلاقهم وطبائعهم كما قسم بينهم أرزاقهم.

    تجد من الناس من هو مجبول على خصال الخير, من الكرم والرجولة والإخلاص والصدق والوضوح، وحب الإحسان للناس، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأشج زعيم بني عبد القيس، قال له: {إن فيك خصلتين يحبهما الله عز وجل: الحلم والأناة.

    قال: يا رسول الله! أخصلتان اكتسبتهما أم جبلت عليهما؟ قال: بل جبلت عليهما. قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحبه الله ورسوله} والحديث حسنه الترمذي وغيره.

    فأنت ترى أن مثل هذا الرجل مفطور على خصال طيبة, فعنده قابلية للخير, واستعداد نفسي له, وبالمقابل تجد آخرين جبلوا على ضد ذلك، من البخل أو الشح أو الجبن، أو حب الفخر أو حب الرياسة, ولذلك قال عليه الصلاة والسلام -أيضاً- في الحديث الثابت، لما فتح مكة قال: {من دخل دار أبي سفيان فهو آمن} وكان تعليل ذلك بأن أبا سفيان رجل يحب الفخر, كما قال العباس رضي الله عنه وأرضاه.

    ولا شك أن الإسلام يهذب هذه الطباع، كما هذَّب أبا سفيان فأصبح المؤمن الباذل المجاهد, ولكننا نلحظ في واقع الناس تفاوتاً كبيراً, وعقبات سَبَبُها نفس الإنسان التي بين جنبيه, قد يهم الإنسان -مثلاً- بالإنفاق في سبيل الله, وبذل ما يملك في وجوه الخير، من مساعدة المحتاجين، أو دعم المجاهدين, أو القيام على المشاريع الخيرية أو سواها، فيحول دونه ودون هذا طبيعة البخل والشح الموجودة في نفسه، والتي تجعل يده تكف كلما همّ بالبذل والإنفاق, حتى كأنما هي مثقلة بقيود الحديد.

    وقد يهم آخر بأن ينطلق لميدان الدعوة إلى الله عز وجل, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعليم والتعلم, فلا يكاد يبدأ بذلك حتى تخرج عنده طبيعة، وهي غلبة حب الراحة والكسل والخمول، فتقعده عن هذا المجال وتؤخره عنه.

    وقد يوجد عند بعض الناس في طبيعته شيء من العجب والكبر والخيلاء وحب الفخر, فتجد هذا الإنسان لا ينشط إلا في المجالات التي يكون فيها فرصة للظهور والشهرة والبروز, فإذا قام بعمل من أعمال الخير، كقيام الليل -مثلاً- أو قراءة القرآن، أو الصلاة أو ما أشبه ذلك؛ بدأ هذا الشعور يحاول أن يجد مكانه في قلبه، إذا صلى فرآه أحد قالت له نفسه: لقد رآك فلان وسوف يحسن الظن بك، ويدري أنك إنسان صالح محافظ على العبادات, وإذا سمع أحد صوته وقراءته أو إنفاقه في سبيل الله؛ ثارت في نفسه مثل هذه المشاعر وربما تغلبت عليه!!

    وبعض الناس قد يكون لديهم عقد نفسية، مشاكل نفسية؛ إما بسبب تأثير البيئة التي عاشوا فيها، أو بسبب ظروف معينة مروا بها، أو بسبب انحراف وقع فيه بعضهم لفترة معينة ثم خرج منه, فترك هذا الانحراف أثره في نفسه, فهذه العقد النفسية لا يكاد الإنسان يتخلص منها بسهولة, وتظل تشده إلى الوراء, وقد يصاب من وراء ذلك بأنواع من الوساوس والأفكار والهواجس، إذا هم بالتوجه إلى عمل الخير, فربما يؤثر عدم الإكثار من الطاعات للسلامة من ذلك.

    هذه العوائق النفسية -أيها الإخوة- هي أول ما يواجه الإنسان, لأن بقية العوائق من خارج النفس, لكن هذا العائق من الداخل، ولذلك إذا استطاع الإنسان أن يتغلب على نفسه؛ فهو أقدر على أن يتغلب على العوائق الأخرى, وكثير من الإخوة -وخاصة الشباب ذكوراً وإناثاً- يشتكون من مثل هذه الأشياء, ولكن يبحثون عن الطريق, وكأني ببعض الإخوة والأخوات يتصورون أن الطريق سهل ومفروش بالورود, وأقول: إن أعظم معالجة ومجاهدة يتطلبها السير في طريق الإسلام هي:

    مجاهدة النفس

    مجاهدة النفس في إزالة هذه الأشياء والعقبات الموجودة فيها؛ فلا بد من المجاهدة المستمرة، بحيث يدافع الإنسان هذه الخواطر من نفسه, لأنه ما من إنسان إلا وفي نفسه شيء من هذه الخواطر تقل أو تكثر, وعلاجها أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً وعاشراً هو بالمجاهدة, ولذلك يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    هذا الشاب الذي يقول: كلما قمت بعمل صالح قال لي الشيطان: أنت مراء، أنت معجب بعملك، هذا العمل لن ينفعك بل سيضرك.. سيكون وبالاً عليك..!! ويقول: إني أشعر بالعجب في نفسي. كيف يتوقع أن يكون العلاج؟! وماذا يتصور؟!

    لا شك أننا نؤمن إيماناً يقينياً بأن العلاج موجود لهذه الحالة ولكل حالة, ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: {ما أنـزل الله من داء إلا له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله} وهذا يشمل الأدواء النفسية والقلبية والبدنية وغيرها, فنقطع ونجزم بأن العلاج موجود, لكن لا بد أن تتعاطى العلاج.

    وأول خطوة هي المجاهدة ودفع هذه الأشياء ما استطعت, وينبغي أن يحذر الشاب من ترك الأعمال الصالحة بحجة الخوف من الرياء, لأن هذا مدخل من مداخل الشيطان.

    ذكر لي بعض الإخوة: أن أحد الشباب المقبلين على الخير، كان يتردد على المسجد ويصلي خلف الإمام قريباً منه باستمرار، ويتلو القرآن ويتنفل, قال: فافتقدته حيناً من الدهر, ثم وجدته يصلي في أواخر الصفوف، ولا يتنفل ولا يقرأ القرآن.

    فسألته عن السبب في ذلك؟ فقال: إنني أحسست أنني حين أبكر إلى المسجد وأصلي، ويسمع الناس صوتي بقراءة القرآن؛ أحسست أني مراءٍ, والمرائي توعد بالويل, وعمله الذي يعمله وإن كان في الظاهر صالحاً إلا أنه فاسد. هكذا يقول هو.

    ولذلك فإنني تركت هذه الأعمال؛ لأنجو من تبعتها وأسلم من الرياء.

    وهذا منهج خطير لأن الشيطان يأتيك عند كل عمل صالح فيوقع في نفسك الرياء, والحل هو أن تعلم أن هذا باب من أبواب المجاهدة فتحه الله عليك, أن تجاهد في أشرف ميدان في القلب, في مدافعة الخواطر والواردات المنافية لإخلاص النية، وقصد الله تبارك وتعالى في عملك, وإذا علم الله منك الصدق في هذا؛ فأبشر أن الله قد وعدك في كتابه بأن يمنحك ما تريد حين قال: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا فأول خطوة هي المجاهدة.

    الثقة بالنفس وتنمية الخصال الحميدة

    الخطوة الثانية: أن يعلم الإنسان أنه -وإن كانت فيه خصال ذميمة- إلا أن فيه خصالاً حميدة.

    أعرف أحد الشباب عنده بعض المشاكل النفسية، من كثرة التردد وكثرة التذبذب, وضعف الهمة, وعدم الإقدام وعدم الثقة بالنفس؛ بحيث إذا أراد أن يعمل عملاً تحمل له بشكل كبير, وفي أثناء العمل يبذل جهداً مضاعفاً، ولذلك فإنه يرغب عن الأعمال الصالحة ويتركها لهذا السبب, لكن حين تنظر في الزاوية الأخرى تجد عند هذا الإنسان -لو باحثته وحادثته- تجد عنده خصالاً فُطِر عليها، هي في الذروة العليا من الجمال والقوة, تجده -مثلاً- يحب الصالحين -وهذه فضيلة كبرى- كان الإمام الشافعي على جلالة قدره يفاخر فيها ويقول:

    أحب الصالحين ولست منهم      لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من بضاعته المعاصي      ولو كنا سواء في البضاعة

    فهذا الإنسان تجده يحب الصالحين ويحب العلم, تجده يحب الإحسان إلى الناس, ويحب التصدق.

    فعلى الإنسان أن ينمي الصفات الطيبة الموجودة في نفسه, لأن الصفة الطيبة إذا نمت وكبرت تغلبت على غيرها.

    مجالسة الصالحين

    الثالث: أن يبحث الإنسان -الشاب أو الفتاة- عن القرناء الصالحين الذين يتعلم منهم الخلق الفاضل, فإن العلم بالتعلم والحلم بالتحلم, والإنسان يقتبس من زملائه الأخلاق، كما يقتبس منهم العلوم والمعارف والفوائد, والخلق يعدي كما هو معروف, فأنت إذا صاحبت قوماً صالحين سرعان ما تدب إليك أخلاقهم وطبائعهم.

    والعكس بالعكس, فمن صاحب الطيبين اقتبس من فضائلهم وخصالهم؛ ما يزين به نفسه في الدنيا وفي الآخرة.

    هذا ما يتعلق بالعقبة الأولى وهي العقبة النفسية.

    1.   

    العقبة الاجتماعية

    لا شك أن المجتمع له ضغط كبير على الإنسان، ولذلك في الحديث المتفق عليه {في قصة الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم جاء إلى راهب فسأله: هل لي من توبة؟ وذكر له أنه قتل تسعاً وتسعين نفساً, فقال: وأنّى لك التوبة؟! وأمره أن يخرج من صومعته, فقام هذا الرجل مغضباً وأكمل به المائة! ثم ذهب يبحث، فَدُل على عالم، فسأله: هل لي من توبة؟! فقال له: من يحول بينك وبينها.

    ثم أمره ألا يعود إلى بلده لأنها بلد سوء، وأمره أن يذهب إلى قرية كذا وكذا, فإن بها قوماً يعبدون الله عز وجل, فيعبد الله تعالى معهم حتى يأتيه الموت, فقبضت روحه في الطريق...} كما هو معروف في القصة.

    الشاهد: أن هذا العالم بين له أنه لو عاد إلى مجتمعه الأول ربما عاد إلى خطيئته مرة أخرى, لأن بلده بلد سوء, وأمره أن يغير البيئة، ينتقل إلى بيئة صالحة تعينه على الاستقامة, ولذلك أمر الله تبارك وتعالى بالهجرة.

    الهجرة من البيئة الفاسدة المنحرفة

    الهجرة بمفهومها الشامل، فـالسلف رضي الله عنهم كانوا يفهمون الهجرة بأنها تعني: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام, والانتقال من بلد المعصية إلى بلد الطاعة, والانتقال من بلد البدعة إلى بلد السنة, والانتقال من بلد الجهل إلى بلد العلم, كل هذا من الهجرة.

    وكان الإمام مالك -رحمه الله- يقول: لا أقيم ببلد يسب فيه أبو بكر وعمر فالهجرة إنما شرعت لإخراج الإنسان من البيئة الفاسدة المنحرفة، وإخراجه من ضغط المجتمع، ووضعه في بيئة صالحة تعينه على الاستقامة.

    وقد يلحظ كل إنسان أنه حين يعيش في مجتمعات كافرة -مثلاً- لو اضطرته ظروفه كظروف الدراسة، أو ظروف العلاج، أو ظروف المعيشة؛ أن يعيش مثلاً في أوروبا أو أمريكا أو غيرها, في وسط مجتمع كافر، يلاحظ أنه وإن كانوا يقولون: هذه مجتمعات الحرية, وليس هناك أحد يحمل سيفاً على رأسه ليضطره أن يمارس الكفر, لكن الواقع أن ضغط المجتمع يُسيِّر هذا الإنسان -في كثير من الأحيان- على خلاف ما يحب هو, وعلى خلاف ما يرغب.

    وما يعلم أن الدين يأمره به, سواء في ذلك ضغط القانون الذي يُسيِّر هذا المجتمع، أو ضغط الناس المحيطين به، وما لهم من عادات وتقاليد موروثة اعتادوا على فعلها.

    وحين يرى الإنسان من حوله ملايين من البشر، كلهم يمارسون أموراً اتفقوا عليها, فإنه يشعر داخلياً بضرورة موافقة هؤلاء الناس على ما هم عليه, إلا أن يستعصم بالإسلام.

    صور من ضغوط المجتمع على الإنسان

    وضغط المجتمع يتجلى في أشياء عديدة، ففي مثل مجتمعاتنا؛ لينظر الإنسان حين يجد المجتمع يتعامل فيما بين أفراده بمعاملة معينة في موضوع التحية والسلام، والعبارات التي يتبادلونها عند اللقاء, هل من السهل عليك أن تغير هذه الأشياء؟! ليس من السهل.

    حين يتعامل أفراد هذا المجتمع فيما بينهم بمعاملة معينة فيما يتعلق بنوع اللباس, هل من السهل عليك أن تغير هذا اللباس؟! ليس من السهل.

    من الصعب جداً على الإنسان؛ أن يأتي إلى مجتمع كمجتمعنا، فيلبس ثياباً لا يلبسها أهل هذه البلاد, ويعيش بها بينهم وهو فلان بن فلان المعروف, صحيح أنه لو لبسها إنسان أجنبي أو من بلد آخر هي لباسه في بلده؛ قد لا يستغرب.

    حين يتعامل المجتمع في طريقة الشعور بأسلوب معين يصعب مخالفته, فلو كان هناك مجتمع -مثلاً- اعتاد أفراده على حلق شعورهم؛ تجد الإنسان الذي يريد أن يلتزم بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، في إعفاء اللحية وإحفاء الشارب؛ يجد مشقة كبيرة في ذلك, وقد يضعف أمام هذه الضغوط.

    حين تجد الفتاة -مثلاً- أنها تعيش داخل مجتمع السفور فيه على أشده، ولم تجرِ عادة الجدات والقريبات بلبس الغطاء على الوجه، على الأقل عن الأقارب وأبناء العم وأزواج الأخوات وما أشبه ذلك, فإن الفتاة تجد صعوبة في الالتزام بهذه الشعيرة الإسلامية الثابتة في القرآن والسنة, لأنها تخالف المجتمع. وقل مثل ذلك في عادات المجتمع في أمور الزواج والعلاقات الاجتماعية وغيرها.

    فالمجتمع له ضغط، والشاب والفتاة قد يقعون ضحايا لضغط هذا المجتمع -مثلاً- فالشاب يلاحظ أنه لكي يكون له قيمته في المجتمع يجب أن يسلك مسلكاً معيناً، فيتجه بهذه الوجهة ولو كانت مخالفة؛ لأنه يريد أن يحتفظ بعلاقات معينة, يريد أن يحظى بإعجاب من حوله, يريد أن يسلم من استهزائهم وسخريتهم وطعنهم وقيلهم وقالهم, فهو يحس بأنه لا بد أن يسير مع التيار, وحين يخالف المجتمع يشعر بأنه كما يقال: يسبح ضد التيار..!

    وحين تنظر إلى شرائح من المجتمع تجد هذه الصورة أوضح, انظر -مثلاً- إلى البيت، إذا كان البيت منحرفاً وخرج شاب أو فتاة في داخل هذا البيت كالريحانة في وسط النتن, يريد أن يستقيم ويريد أن يصلح, ماذا يجد من البيت؟

    مع الأسف الشديد -أحيانا- يجد هذا الشاب وتجد هذه الفتاة، حتى من الوالدين الذين هم أقرب الناس إليهم؛ يجدون منهم المعارضة، والسخرية المرة، والاستهزاء والتحطيم، ومحاولة ثنيهم عن هذا الطريق بكل وسيلة, وحينئذٍ يكون الخطب عسيراً, لأن الشاب أو الفتاة يشعر بالحسرة، ويصدق عليه حينئذٍ قول الشاعر:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة      على المرء من وقع الحسام المهند

    أشد من وقع السيوف الباترة.

    فتاة -مثلاً- تلتزم بالحجاب فتسمع من أمها عبارات سخرية وتقريع, فإذا صلت وأطالت صلاتها بعض الشيء قالت لها أمها: يا ابنتي، نحن لسنا في شهر رمضان، وما يصلح أن يكون كل الوقت صلاة! إن فعلت هذا رغب عنك الخُطَّاب ولا يريدك أحد.

    إن رأتها لا تخرج من البيت عتبت عليها ولامتها، وطلبت منها أن تتفسح، وأن تزيل العقد النفسية -كما يعبر بعضهن وبعضهم- ولا يزالون يضعون العقبات في هذا الطريق؛ حتى يعيا الشاب أو الفتاة السائر في طريق الهداية، وربما كان هذا سبباً في إصابته بكثير من النكسات والمشاكل النفسية.

    بعض الشباب يواجهون مشقة إذا عاشوا مثل هذا الجو، خاصة الفتاة؛ لأن الشاب قد يجد ما ينفس به عن نفسه خارج البيت, لكن الفتاة تشعر بالضغط والكبت, فربما يولد هذا عندها أمراضاً كثيرة جداً، فبعض الفتيات إذا وصلت إلى هذا المستوى؛ أصبحت لا تجد طعم الأنس بالحياة, لا تشعر إلا بالحزن والكآبة وضيق الصدر, وتجد معظم وقتها يمضي في بكاء مر, حتى أن بعضهن تجدها وهي تصلي وتبكي منذ أن تُكَبّر إلى أن تسلّم؛ بسبب ضغوط البيئة، وكثرة السخرية والاستهزاء, خاصة إذا كانت ضعيفة النفس ولم تجد من يعينها على تحمل هذا الضغط.

    علاج ضغوط المجتمع

    والعلاج لمثل ضغط المجتمع يكون بأمور:

    أولاً: العلاج الذي ذكرته سابقاً، وهو البحث عن البيئة الطيبة, والبحث عن القرناء الطيبين، لأن الإنسان إذا كان عليه ضغط من جهة؛ يحتاج إلى أن ينفس من جهة أخرى, فإذا ارتبط بقوم صالحين يشكو إليهم أحزانه, ويجد أنهم على شاكلته, يصلون كما يصلي, ويصومون كما يصوم, وأخلاقهم أخلاقه, واهتماماتهم هي اهتماماته؛ فيشعر بالأنس معهم، فيزول عنه بعض ما يعاني من الأسى والحزن.

    فلا بد من البحث عن بيئة طيبة يحقق الإنسان فيها رغباته وطموحاته.

    ثانياً: لا بد من الصبر.

    والله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [آل عمران:200] فأمرنا بالصبر، ولذلك كان الصبر واجباً على الإنسان, لكنه سبحانه ثنى بقوله: وَصَابِرُوا [آل عمران:200] أي: أنك قد تصبر مرة، لكن إذا تكرر عليك الإيذاء والسخرية والاستهزاء وعبارات التوبيخ؛ ربما ينفد صبرك وتجزع, ولذلك قال: (وَصَابِرُوا) والمصابرة تعني: استمرار الصبر, كلما آذاك الآخرون صبرت, إذا صبروا هم على باطلهم فصابر أنت على حقك، ثم قال تعالى: وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].

    وأشد ما تكون حاجة الإنسان إلى الصبر في هذا الوقت, هذا الوقت الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، الذي رواه الترمذي وغيره، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر} القابض على الجمر يحس بلسع النار في راحته.

    ولذلك هو في كل لحظة يهم بإلقاء هذه الجمرة حتى يسلم من إحراقها, وكذلك القابض على دينه في أزمان الغربة في أيام الصبر؛ يحس بصعوبة الاستمساك بالدين، فتحدثه نفسه في كل لحظة بالتخلي عن هذا الأمر الذي يتعذب من أجله, ولكنه حين يمسك بهذا الجمر يجزى بأوفر الجزاء, له أجر خمسين كما في الحديث الصحيح: {قالوا: يا رسول الله! أمنا أم منهم؟ قال: بل منكم} أي: من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنه لا يكاد يجد المعين والناصر، أما هم كانوا يجدون أعواناً على الخير.

    فلا بد من الصبر، ويقرأ الإنسان في القرآن الكريم وفي كتب السنة الأحاديث المرغبة في الصبر, ألم تعلم أن من الأنبياء من بعث فلم يؤمن به أحد؟ ولذلك في الحديث الذي في الصحيحين، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عرض الأمم عليه، وأنه يأتي النبي ومعه الرجل, والنبي ومعه الرجلان, والنبي وليس معه أحد.

    نبي بعث ما آمن به ولا نفر واحد من أمته, كم عانى هذا النبي؟ كم تعب؟! كم سُخر منه؟! كم استُهزئ به؟! كم بذل؟! ولكنه لم يُقْبَل منه, ومع ذلك صبر, فيأتي يوم القيامة وقد أقام الحجة على أمته.

    ومع الصبر فلا بد أن يعرف المسلم أن هناك ملجأًَ، إذا أغلقت جميع الأبواب فإنه لا يغلق, وهو باب الله تبارك وتعالى, باب الله لا يغلق في وجه طارق, والله أكرم الأكرمين, وأجود الأجودين, يعطي بلا حساب, فما من عبد يرفع رأسه إلى الله عز وجل سائلاً بصدق وإخلاص وإلحاح إلا أجابه الله تعالى, لا شك في هذا {ولكنكم قوم تستعجلون} كما أخبر صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    عقبة قرناء السوء

    وقرناء السوء هم جزء من المجتمع، ولكنني أشرت إليهم إشارة خاصة؛ لعظم تأثيرهم على القرين, لأن الشاب وكذلك الفتاة في فترة المراهقة بالذات قد يشعر بنوع من الانفصال عن البيت.

    ولذلك تجد الشاب يحرص -في بعض الأحيان- على ألاَّ يأتي أصدقاؤه إلى بيته؛ لئلا يروا بعض الأشياء التي هو غير مقتنع بها, قد يحرص على ألا يروا والده مثلاً؛ لأنه غير مقتنع ببعض صفات والده، يحرص على ألا يدخلوا المجلس؛ لأنه مقتنع أن صفة البيت وشكله لا يناسب أن يراه أصدقاؤه. عنده نوع من الانفصال عن البيت، وبالمقابل عنده نوع من الارتماء في أحضان القرناء والأصدقاء، وهو ما يسميه علماء التربية بالانتماء، الشعور بالانتماء إلى هذه الفئة.

    ولذلك يتلقى عنهم كثيراً من الأخلاق والآداب والقيم والمعارف والأساليب وغيرها, وكثير ممن كانوا ضحايا، كضحايا المخدرات، وضحايا السفر إلى الخارج، وضحايا العكوف على الأفلام الهابطة؛ إنما عرفوا هذه الأشياء وتعرفوا عليها بواسطة القرناء السيئين، الذين زينوا لهم الباطل ودعوهم إليه, وشجعوهم عليه بكل ما يملكون من وسيلة.

    ولذلك فعلى الإنسان أن يعرف أين يضع قدمه، وأن يبحث عن القرناء الطيبين، وعلى الأب أن يراعي أين يكون ابنه؛ فإنه لا بد له من قرين. لكن إما أن يكون صالحاً يعينه على الخير أو يكون فاسداً يعينه على الشر.

    1.   

    الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية

    وهي الوسائل التي تؤثر على الناس وشخصياتهم وتعطيهم الثقافة, ولذلك يسمونها وسائل تثقيف.

    أساليب الغرب في استخدام وسائل الإعلام

    في البلاد الأجنبية والغربية يقولون: إنها بلاد ليس فيها ديكتاتورية-كما يعبرون- فيها حرية، فيها ديمقراطية، إلى غير ذلك من الشعارات التي يطنطنون بها, لكن يكتشف العلماء أن في تلك البلاد التي تتشدق بالحرية والديمقراطية, فيها ديكتاتورية من نوع آخر, صحيح أنهم لا يفرضون عليهم الأشياء بالقوة؛ لكنهم يقنعونهم بما يريدون من خلال وسائل الإعلام, فإذا أرادوا إقناع شعوبهم بشيء؛ ركزوا عليه من خلال الأفلام والتمثيليات والبرامج وغيرها؛ حتى يقنعوا شعوبهم بهذا الأمر, ومن ثم يقبل الناس طائعين مختارين على ما يراد لهم وليس بالقوة, وهذا نوع من الديكتاتورية أخطر من الحديد والنار وغيره.

    وهذه الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية لها رواج، وهي تدخل إلى كل بيت، بل أقول تدخل إلى كل قلب وإلى كل عقل.

    الموقف من الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية

    ينبغي أن نعرف ما هو الموقف من هذه الوسائل.

    أولاً: لا بد من اختيار الجيد المفيد: الكتاب المفيد, المجلة المفيدة, المقالة المفيدة, البرنامج المفيد, وتجنب ما يضر بالدين والأخلاق وهو الأغلب.

    فكم من مجلة صالحة هي تعد بالأصابع, قد تقول: هناك مجلة الدعوة، ومجلة المجتمع، وهناك مجلة البلاغ، ومجلة البيان، ومجلة التوحيد، عشر مجلات أو عشرين, لكن كم يوجد في السوق من مجلة منحرفة؟! أعتقد أنها تعد بالآلاف، من مجلات للفن والرياضة والسينما، والمرأة إلى غير ذلك..

    وقل مثل ذلك في أي وسيلة أخرى من الوسائل المرئية، من الكتب، والأفلام, كم شريط فيديو يتداول بين الناس وهو طيب وصالح يعرض أشياء مفيدة؟! إنها أشرطة محدودة عن المجاهدين -كما سمعنا- أو أشرطة علمية معدودة, أو أشرطة في الدعوة إلى الله عز وجل, ثم تجد ركاماً هائلاً في محلات البيع هي أشرطة تبدأ بالحب وتنتهي بالحب, ولا تعرف في قاموسها إلا الحب..!!

    فعلى الإنسان أن يختار الجيد ولو كان قليلاً.

    ثانياً: على الدعاة إلى الله عز وجل؛ أن يحرصوا على الاستفادة من هذه الوسائل بالصورة الصحيحة, وفي بلادنا -ولله الحمد- فرص غير قليلة للاستفادة من هذه الأجهزة، سواء المجلات، أو الجرائد، أو الإذاعة، أو التلفزة، أو غيرها, وهي تفرض نفسها على المجتمع شئنا أم أبينا.

    فليس من السليم في نظري -والله أعلم بالصواب- أن تكون خلواً من الدعاة إلى الله عز وجل وطلاب العلم، الذين يخاطبون الناس ويزاحمون المواد المنحرفة الفاسدة, والفرصة كما ذكرت مواتية وممكنة.

    ثالثاً: لا بد من الحرب على كل وسيلة أو مادة فاسدة, والحرب تأخذ صوراً شتى: تحذير الناس منها وبالذات من المواد المنحرفة، كذلك مخاطبة المسئولين عنها, وقد قرأنا قبل فترة أن وزارة الإعلام منعت ثلاثاً وعشرين مجلة من الدخول إلى هذه البلاد, وهذه بادرة طيبة, هذه المجلات كانت تدخل، وكان الطيبون يتضايقون منها ثم منعت, وهذا دل على أنه من الممكن أن يكون هناك خطوات أخرى مماثلة؛ لو أن أهل الخير بذلوا جهودهم في هذا السبيل.

    هل جربت -مثلاً- أن تخاطب المسئولين، أو تطلب من العلماء أن يخاطبوا إن لم يكن لك مقام في ذلك, في شأن مجلة نشرت مادة فاسدة, في شأن شريط مخل بالحياء والأخلاق -وما أكثرها؟! بشرط أن يكون هذا الخطاب مدعوما بالوثائق والمعلومات الدقيقة, وليس مجرد خطاب حماسي, هل جربت ذلك؟!!

    الذين جربوا هذا الأمر يؤكدون أن هذا الطريق لا يخلو من ثمرات, صحيح أنها ليست (100%) لكنه مثمر بكل حال.

    1.   

    المؤسسة الدينية

    العائق الخامس: هو ما يمكن أن أسميه -تجوزاً- بالمؤسسة الدينية أو الإسلامية.

    وأعني بذلك أهل الخير أنفسهم, وهل يمكن أن يكون أهل الخير عقبة في طريق الالتزام بالإسلام، وهم الذين بذلوا أنفسهم وجهودهم وأوقاتهم في سبيل الإسلام؟

    لا شك أن أهل الخير قد بذلوا جهودهم وأوقاتهم وأنفسهم في سبيل الإسلام, أو كثير منهم كذلك.

    وقد أشرت في بداية حديثي إلى أن الصحوة التي يعيشها المسلمون اليوم؛ هي في الغالب أثر من آثار جهود هؤلاء الخيرين, لكن مع ذلك كما قيل:

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها      كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

    وحين يتحدث الإنسان عن أهل الخير؛ فإنما هو من باب الحرص على الكمال, عملاً بقول الشاعر:

    ولم أرَ في عيوب الناس عيباً     كنقص القادرين على التمام

    فأقول: ما يتعلق بالمؤسسة الإسلامية أو الدينية، وأنها تتحمل مسئولية في ضعف التزام بعض الناس بالإسلام, أو عدم التزامه بالإسلام، أشير في ذلك إلى عدة جوانب:

    الجانب الأول: مخاطبة المجتمع كله بالإسلام

    إن كثيراً من طلاب العلم والدعاة قصروا حديثهم وخطابهم على طبقة المتدينين والملتزمين بالإسلام, هذا هو الغالب, وذلك من خلال وسائل معينة، كمحاضرة، أو ندوة، أو كلمة، أو برنامج، أو كتاب... إلى آخره.

    لكن في حالات قليلة يخاطبون غير الملتزمين بالإسلام, والواجب أن يتحرك الدعاة لمخاطبة المجتمع كله بالإسلام, ودعوة غير الملتزمين إلى الالتزام الإسلام، بالوسائل المناسبة، من خلال الاحتكاك والمخالطة والاتصال والدعوة، وغشيان الأماكن التي يتواجدون فيها، واستخدام الوسائل التي يمكن الوصول إليهم عن طريقها ما لم تكن محرمة, فإن الإنسان لا يجوز له أن يغشى المحرم بحال من الأحوال.

    ولذلك تجد كثيراً من الناس يعيشون في عالم آخر وهم في نفس المجتمع! لا يدرون ماذا يجري في المجتمع, فكثير من الطيبين لا يدرون ماذا يجري في مجتمعات المنحرفين، فهم في عزلة عنهم, والعكس بالعكس, كثير من المنحرفين لا يدرون ما عند الطيبين, وربما ردوا بضاعتهم قبل أن يعرفوها أو يتعرفوا عليها.

    فينبغي أن نقيم الجسور مع هؤلاء الناس؛ بهدف إصلاحهم واستصلاحهم ودعوتهم إلى الله عز وجل, والرسول صلى الله عليه وسلم كان يغشى نوادي قريش ومحافلهم، ويدعوهم إلى الله عز وجل, كلنا نعلم أنه كان يأتي إلى عكاظ ومجنة وذي المجاز، ويغشى منازل الناس بـمنى ومزدلفة وغيرها، في مواسم الحجيج, ويقول لهم: {يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا} والناس ينظرون إليه ويقلبون رءوسهم وأبصارهم؛ حتى قيض الله له من سمع وأجاب.

    فينبغي ألا تدوم هذه العزلة بين الطيبين وبقية طبقات المجتمع, وقد يقول بعض الإخوة: فأين الولاء والبراء؟! فأقول: نعم الولاء والبراء هو مع الكافرين بالدرجة الأولى, وحتى الكافر تدعوه إلى الله عز وجل بالأسلوب المناسب، وتجب دعوته إن استطعت إلى ذلك سبيلاً, فإذا علمت إصراره وعناده فحينئذٍ تتبرأ منه.

    وأما الإنسان المسلم المنحرف؛ فإن الواجب في حقه أن يدعى إلى الله عز وجل, ويسعى إلى إصلاحه بالوسائل المناسبة؛ لأنه لا يمكن أن تتوقع أن هذا المنحرف يصلح بمجرد ما تقول له: يا فلان إن ما تصنعه حرام, قد يعرف أنه حرام لكن عنده عوائق وعقبات -كما ذكرنا- تحتاج إلى إنسان يتدرج معه حتى يزيل هذه العقبات, فإذا علمت أن هذا الإنسان مصر ومستهزئ؛ فحينئذٍ تتركه وتهجره، وتتخذ طريقاً غير طريقه وتتبرأ منه.

    الجانب الثاني: ما يتعلق بالقرناء الصالحين

    ما يتعلق بالقرناء الصالحين، وهؤلاء القرناء هم البيئة التي يعتمد عليها -بعد الله عز وجل- في إنقاذ الشباب من البيئات المنحرفة، وإيجاد محضن صالح لتربيتهم, لكن ينبغي الحذر من تسلل بعض الأمراض أو بعض الأوضاع التي لا تتناسب مع هؤلاء الشباب: مثلاً: أحياناً يشعر الشاب حين يدخل مع قوم طيبين صالحين؛ أنه في جوٍ مليء بالوقار والسمت والهيبة، والبعد عن كل ما يمت إلى التبسط والمزاح بصلة.

    ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كثير التبسم، ومن الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان هناك رجل يقال له زاهر، أعرابي في البادية, فكان هذا الرجل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالهدايا، فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ويزوده مثلها, وكان رجلاً دميم الخلقة؛ فيأتيه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام وهو في السوق، فيأتيه من خلفه ويضمه إليه ويقول: {من يشتري العبد؟ -على سبيل الممازحة- فلما التفت ورآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذاً تجدني كاسداً يا رسول الله. قال: لكنك عند الله لست بكاسد} والحديث رواه الترمذي في الشمائل وغيره، وهو حديث صحيح.

    وكان الرسول يقول لـأنس بن مالك: {يا ذا الأذنين} على سبيل الممازحة, وهذا في أبي داود والترمذي وهو صحيح أيضاً, كل إنسان له أذنان، ولكنه يخاطب أنساً بهذا ممازحة ومباسطة له.

    وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب أبا عمير, وهو أخو أنس بن مالك لأمه, وكان له عصفور اسمه (النغر) أو (النغير), فمات هذا العصفور, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمازح هذا الطفل الصغير ويقول له: {يا أبا عمير ما فعل النغير؟ فيقول: مات يا رسول الله }.

    ومزاح الرسول صلى الله عليه وسلم كثير في هذا الباب، ما كان عليه الصلاة والسلام يتعمد الهيبة, ولا يتكلف التوقر.

    فلا بد أن تكون الأجواء فيها قدر من السعة والمرونة، وفرصة للشاب أن يتحرك يميناً وشمالاً، ويعبر عن بعض الأشياء الموجودة في نفسه, هذا لا بد أن يراعى.

    الجانب الثالث : ما يتعلق بالقضاء على الشخصية

    بعض مجتمعات الشباب قد يكون فيها نوع من القضاء على الشخصية، يشعر الشاب بأن شخصيته تصهر وتذاب في وسط إخوانه, ليس له شخصيه إذا قدم رأياً أو تحدث بخبر؛ أو سأل عن شيء؛ يقال له: من الذي سألك عن هذا الرأي؟! ونحن أعلم بهذا الأمر.

    فيشعر الشاب بأنه لا يستطيع أن يحقق ذاته في وسط هؤلاء القوم الطيبين, إما أن يتخلى عن شخصيته وإما أن يتخلى عنهم.

    وحينئذٍ ينقسم الشباب في مثل هذه الحالة إلى فئات:

    1- منهم من يكون إنساناً ذا مواهب وذكاء وعنده قدرات، فيترك هذه البيئة وقد ينحرف, ولا يجد القرناء الطيبين، وقد يسيء الظن بهم, وهذا يحصل.

    2- وقد يكون الشاب ضعيف الشخصية تابعاً مقلداً؛ فيستمر معهم, لكن لو تغير عليه الشخص الذي يحتك به, كأن يكون انتقل إلى بلد آخر أو حي آخر أو مكان آخر، وتعرف على أناس آخرين وتغير عليه أصدقاؤه؛ فإنه قد ينحرف ولا يستطيع أن يعيش مع هؤلاء الأصدقاء الجدد, حتى لو لم ينحرف فإنه قد يتمسك بهذا الشخص أو بهؤلاء الأشخاص أكثر مما يتمسك بالمبدأ؛ وهو الدين الذي اجتمعوا عليه, ويصبح عنده نوع من التقليد والتبعية تمنعه من نقد الأخطاء، ونقد الأخطاء لا بد منه.

    فينبغي أن يكون للشاب قيمته ومكانته في المجتمع الصغير الذي يعيش فيه, له رأيه وله مشاركته وله احترامه وتقديره.

    كذلك يلاحظ أن الشاب الذي يدخل مع زملاء طيبين؛ قد يشعر أنه لا بد أن يدفع ضريبة قوية حتى يستمر معهم, مثلاً: لا بد أن يشارك في كل النشاطات، ولا بد أن يحضر محاضرات، ولا بد أن يحفظ شيئاً من القرآن، ولا بد أن يحضر الدروس العلمية، وهو غير مؤهل لذلك ولا يرغب في ذلك، وقد يكون جاء من بيئات منحرفة تماماً, فيشعر أن هذه ضريبة باهظة لا يستطيع أن يؤديها, وبالتالي يبحث عن أناس آخرين.

    والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعطي كل إنسان بحسبه, والناس مثل الآنية، منها إناء كبير يسع كثيراً من الماء، ومنها إناء صغير، فأنت تعطي كل إنسان بحسبه, ولذلك في الصحيحين، { يأتي رجل فيسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والصوم والحج، فإذا انتهى منها قال: هل عليَّ غيرها؟! قال: لا, فيقول بعدها: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق}.

    ينبغي أن يوجد مكان في أوساط الطيبين والصالحين، حتى لمن يريد أن يلتزم فقط بشعائر الإسلام, بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج, ويبتعد عن المحرمات.

    وحين أقول هذا عما يتعلق بالدعاة وطلاب العلم والطيبين؛ فإن هذه الأشياء هي قطرة مغمورة في بحر حسناتهم, وهم على ما هم عليه خير الناس وخير القبائل, ولكن هذا لا يمنع من وجود أخطاء، ولا يمنع من الحديث عنها لتعديلها.

    أسأل الله لي ولكم التوفيق والثبات، إنه ولي ذلك والقادر عليه, وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    الزوجة التي لا تلتزم بالشرع

    السؤال: أنا شاب ملتزم ولكن زوجتي عكس ذلك, فهي تلبس الملابس الضيقة، وتتشبه بالكافرات في بعض ملابسها, وتشاهد التلفاز، وحاولت إقناعها والتوضيح لها بسوء فعلها, ولكن لا فائدة, فما نصيحتكم؟ فإنني في حرج، وقد شكوت لعدد من أصحابي ووجدت أنهم يقعون فيما أنا واقع، فهل أطلقها، علماً أن حالتي المادية لا تسمح لي بالزواج مرة أخرى فما نصيحتكم؟

    الجواب: أولاً: هذا يذكرنا بضرورة البحث عن القرينة الصالحة حين يهم الإنسان بالزواج, فإن الزواج شركة حياة, ليست رفقة سفر تنتهي في أيام أو ليالٍ, بل هي رفقة عمر، بل هي حتى في الآخرة فالمؤمنون يلتقون في الجنة, ونتائج هذه الشركة الأولاد الذي هم فلذة كبد الإنسان, فعلى الشاب -حين يريد الزواج- أن يبحث عن القرينة الصالحة الطيبة, مهما طال به الأمر.

    بعض الإخوة الشباب، قد يُغَلِّبون -بسبب السن التي يعيشونها وضعف التجربة- يغلبون العناية بالنواحي الجسمية, البحث عن ذات الجمال، وهذا ليس خطأً في نظري, لأن الإنسان له غرائز فطرية طبيعية من الصعب على الإنسان تجاهلها.

    ولكن لا ينبغي أن يكون الجمال هو المقياس الأول والأخير في هذا الباب, قد يتنازل الإنسان عن مستوى معين من الجمال إلى أقل منه؛ تحصيلاً للخلق، لأن الجمال في الحقيقة هو جمال الخلق وجمال الروح, والإنسان يجد ذلك فيما يتعلق بالرجال بعضهم مع بعض في واقع الحياة، قد تجد إنساناً ليس له صفات تدعو إلى الإعجاب به، لا مال، ولا جمال، ولا جسم، ولا منطق, ولكن إذا عاشرته شعرت بشدة المحبة له, وآخرون على النقيض من ذلك. فالجمال هو جمال الروح.

    أما عن مثل هذه المشكلة: فالذي أعلمه أن الزوج إذا كان قوي الشخصية، فهو قوي التأثير على زوجته, لكن عليه أن يراعي في ذلك أموراً:

    أولاً: لا يتعسف الخطى, إذا كانت هذه الفتاة نشأت في بيت منحرف؛ فمن الصعب أن تعدلها بين يوم وليلة, بعض الإخوة يتصورون أن إنكار المنكر يكون بأن تقول: هذا خطأ وهذا حرام والدليل كذا. ثم ينتهي الأمر, ليس بلازم، وهذا قد يفيد فيمن كان فعله للمنكر بسبب الجهل, لكن قد يكون فعله للمنكر بسبب الهوى وإن كان يعلم أنه منكر، ومثل هذا يحتاج إلى علاج أطول, وصبر وأناة، فلا بد لهذا الأخ ومن كان على شاكلته من سعة البال وطوله، والصبر في هذا الطريق.

    ثانياً: لا بد من استخدام الوسائل المختلفة، من وسائل الترغيب والترهيب, واستخدام المواقف, فبعض المواقف لها تأثير في النفس, فلا بد أن المرأة مؤمنة، والمرأة بطبيعتها ذات عواطف, عندما تقرأ عليها قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الترغيب في الجنة، وتكرر هذا الكلام مثنى وثلاث ورباع وغير ذلك وتستمر عليه، فلو كانت من حجر لتأثر قلبها, لكن كون العلاقة بينك وبينها مجرد أوامر، كأنك عسكري يصدر أوامر, تقول: هذا لا يصلح. افعلي هذا. اتركي هذا. قد لا تستجيب, لكن على الإنسان أن يلتمس المداخل المناسبة للتأثير.

    وكذلك على الإنسان أن يحرص على ربط هذه المرأة بأخوات صالحات, لأن المرأة قد تؤثر في المرأة، والحمد لله المجتمع عامر بالفتيات الطيبات, فيبحث عن بعض هؤلاء الطيبات ويصل بهن زوجته حتى تتأثر بهن، والإنسان الحكيم لا تعييه الوسيلة المناسبة لتحقيق ما يريد.

    دور المرأة في تغلب الزوج على العقبات

    السؤال: ما هو دور المرأة الصالحة في إعانة زوجها للتغلب على العقبات الاجتماعية؟

    الجواب: الحقيقة أن دور الزوجة كبير, لأن الرجل الذي يجاهد في ميدان الحياة، ويجد المشكلات في المجتمع؛ يحتاج إلى سكن يأوي إليه, فإذا خرج الرجل للمجتمع وجد مشكلات, وإذا رجع وجد مشكلات, أصبح يصطلي بنارين, وهذا وضع قد لا يستمر, فهو يحتاج أن يكون البيت سكناً يأوي إليه, فيجد فيه الأنس والمودة والرحمة والتنفيس.

    ولله در خديجة رضي الله عنها، كم بذلت في سبيل إسعاد الرسول صلى الله عليه وسلم, ودفع الهموم عنه, وتطييب خاطره, وكفى بموقفها حين نـزول الوحي, حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {زملوني، زملوني، دثروني} فتقول له: أبشر! هو في حالة خوف وهي تقول له: أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبداً, إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.

    كما في حديث عائشة في صحيح البخاري وغيره.

    أما إن كان السؤال عن بعض العقبات الاجتماعية، أي بعض الأشياء الموجودة في المجتمع والتي تخالف الإسلام؛ فإن وجود الزوج مع الزوجة وهما متفقان على القضاء على هذه العقبات يسهل الطريق، لأن معنى ذلك أننا أوجدنا بيتاً مسلماً يريد أن يقوم على أساس الإسلام, ويريد أن يطبق أخلاق الإسلام وعادات المسلمين, وينشر هذه الأشياء في خارجه من البيئات والبيوت الأخرى.

    تيسير أمور الزواج

    السؤال: نريد من فضيلة الشيخ إلقاء كلمة إلى أولياء أمور الشباب والنساء؛ لتيسير أمور الزواج، جزاك الله خيراً؟

    الجواب: مثل هذا الموضوع وهو موضوع تيسير أمور الزواج، لا شك أنه موضوع خطير, وله تأثير كبير في المجتمع, وذلك لأن كل شاب وفتاة ركب الله فيهم بحكمته هذه الغريزة، التي لا بد لها من إشباع, فإذا سد أمامها طريق الحلال ربما تتجه إلى طريق الحرام، خاصة عند من لا يخاف الله.

    وكثير من الشباب المنحرفين لو وجدوا الطريقة الصحيحة لإشباع هذه الغرائز ما لجئوا للحرام, لكن وجدوا الصعوبات، صعوبات مالية، ولا بد من سن معين بعد التخرج، وبيت واستعدادات وتكاليف، وهذا الشاب ربما لو جمع كل ما يستطيع؛ ما قام هذا الذي يجمعه بتكاليف قصر الأفراح في ليلة الزواج, فما بالك بما سوى ذلك من التكاليف؟!

    فيجب أن نعلم جميعاً؛ أننا بتيسير أمور الزواج نفتح طريقاً للصلاح للجنسين, ونسد باباً من أبواب الشيطان, ولكن -أيضاً- ليست كلمة في هذا المجال بكافية, لأن المجتمع الآن -وهذا مثال لما ذكرته قبل قليل من ضغط المجتمع- أصبح يتنافس على المغالاة في هذه الأشياء، ويتحدث أن فلاناً ابن فلان في ليلة الزواج دفع سبعين ألفاً أو مائة ألف, وفلان دفع كذا وكذا مهراً: وفلان تكلف كذا وكذا. وأصبحت النساء ذوات تأثير في مثل هذه القرارات.فالمجتمع كله يسير في هذا الاتجاه.

    فنحن لسنا بحاجة إلى كلمات توجيهية, نحن بحاجة إلى واقع عملي وتطبيق وقدوة، فالقدوة تعادل عشرات الكلمات والكتب, لو أن بعض الصالحين المتحمسين لهذا الأمر زوجوا بناتهم بأثمان أو مهور يسيرة ورمزية, وتركنا الناس يتحدثون، فلا مانع من نشرها، على سبيل القدوة لا على سبيل الرياء, اجعل المجتمع بدلاً من أن يتحدث أن فلاناً دفع مائة ألف في ليلة أو ليلتين, اجعل المجتمع يتحدث أن فلاناً زوج بنته بعشرين أو عشرة ريالات, فإن الناس يتحدثون في القضايا التي تكون غير عادية.

    وقد سمعت أحد المشايخ الكبار يقول: إنه جاءه رجل ليعقد لشاب على بنته, قال: ولما سألتهم كم المهر حتى أسجله في الورقة؟ قال: بريال واحد, قال: فقلت له: أنا لا يمكن أن أكذب -لأنه جرت عادة الناس في مجتمعنا أنهم يعطون مهراً رمزياً في الورقة لكن الواقع خلافه، أي يقول: بخمسة ريالات، والواقع أنه بخمسين ألف أو مائة ألف- فقال له هذا الشيخ: أنا لا يمكن أن أكتب إلا الواقع والحق. فقال له هذا الرجل: هذا هو الواقع والحق, وهذا هو الزوج أمامك، إنني لم آخذ منه إلا ريالاً واحداًفقط, وإنني مستعد بتحمل جميع النفقات المتعلقة بهم, مثل هذه القصة يتحدث عنها الناس؛ لأنها غريبة.

    فلو أن عشرة أو عشرين في بلد كـالرياض -مثلاً- سلكوا هذا الطريق، لتحدث الناس عن ذلك وأعجبوا به؛ لأن كل فرد من الناس قد تضايق من هذه التبعات الثقيلة، والتكاليف العظيمة.

    الافتتان بالصور الجميلة

    السؤال: أنا شاب ملتزم -ولله الحمد- ولكنني مبتلى بحب الصور الجميلة، فنفسي تتحرك عند رؤية تلك الصور, أرجو منك يا شيخ أن توبخني وتلومني وتنصحني، وتبين لي طريق الخلاص من هذه المشكلة؟

    الجواب: مسألة الابتلاء بالصور وعشق الصور, لا شك أنه مرض في القلب خطير, ويُخشى على الإنسان منه, لأن الإنسان قد يتعامل مع الصور لكن لا يتعلق بها, فإذا حصل التعلق فحينئذٍ ينتقل المرض إلى القلب, كإنسان كان فيه مرض في ناحية من نواحي جسمه ثم انتقل هذا المرض إلى القلب, فحينئذٍ الخطب أشد.

    ولذلك أوبخك بأن أقول لك: يجب أن تعلم أن الشيطان الآن يقاتلك في أخطر منطقة منك وهي القلب, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه: {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب}.

    فينبغي أن تستدرك الأمر، وتستنفر كل ما تستطيع من طاقات وقوات في مطاردة الشيطان من قلبك, ودفعه عنك, وذلك بأمور:

    الأول: كثرة القراءة عن الجنة وما أعد الله لأهلها فيها, لأن في الجنة من الجمال والجلال والكمال ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويكفي قول الله عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] فالنظر إلى وجه الله الكريم هو أعظم نعيم ينعم الإنسان به في الجنة.

    الثاني: عليك أن تعتزل هذه الصور، وتبتعد عن الأماكن التي توجد فيها قدر ما تستطيع، ولا تنظر إليها, حتى تكون عالجت الداء من أصله, لأنك إذا نظرت إلى الصورة قد تتعلق بها, لكن إذا لم تنظر تكون حسمت الداء من أصله, ولذلك كان بعض الشعراء يقول:

    فإنك إن أرسلت طرفك رائداً      لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

    رأيت الذي لا كله أنت قادر      عليه ولا عن بعضه أنت صابر

    فيقع للإنسان الحسرة بفوات ما فاته من هذه الصور الجميلة, مع أنه لا يستطيع أن يصل إليها مهما كان, حتى الفاجر لا يستطيع أن يصل إليها.

    الثالث: أن تدافع هذا الشعور في نفسك، بالذكر والاستغفار والتسبيح والتهليل وغير ذلك, فإن الإنسان إذا أكثر من هذه الأمور تعلق قلبه بها، وأصبح ينافس فيها حتى تصبح هي همه وديدنه.

    ولعل هذه من العقبات والعوائق النفسية التي أشرت إليها في العقبة الأولى, فهذا أيضاً يصلح نموذجاً ومثالاً له.

    والله تعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618455

    عدد مرات الحفظ

    698974179